← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

المعاني، لا أن يقال: هذه نزغة أسامة؛ فإنه لا يتكرر ذلك، بل نقول: ومن ثم لم يوجب رسول الله ﷺ على أسامة (١) قَوَدًا، ولا دية، وإنما ذلك -والله أعلم- حيث كان أقدم عن اجتهاد (٢) ساعده المعنى، ولكن بين رسولُ الله ﷺ أن من قالها، فقد عصم دمه وماله، وقال: "هَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ"؛ إشارة إلى نكتة الجواب. والمعنى -والله أعلم بجواب رسول الله ﷺ : أن هذا الظاهر مضمحلٌّ بالنسبة إلى أن القلب لا يطلع على ما فيه إلا خالقُه. ولعلَّ هذا أسلمَ حقيقةً، وإن كان تحت السيف، ولا يمكن دفعُ هذا الاحتمال. وفي الحديث الصحيح: "عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فِي السَّلَاسِلِ" (٣)، وفي لفظ: "يُقَادُونَ إِلَى الجَنَّةِ في السَّلاسِلِ (٤) " (٥). قيل: أراد بالجنة: الإسلام، [وبالقوم (٦): الأسرى يُكْرَهون على الإسلام، فجُعلت الشهادتان مناطًا يُدار الحكمُ] (٧) عليهما (٨)، فحيثُ وُجدا،

стр. 3222

حُكم (١) بمضمونهما بالنسبة إلى الظاهر، وأمرُ الباطن إلى الله تعالى، ومن هنا يؤخذ جوابٌ عن كلام الإمام في استغماضه من حيث المعنى، فنقول (٢): إسلام المكرَه؛ لكونه حكمًا بخلاف الظاهر، يوضحه أن الإقدام على قتله (٣) مع تلفظه بالشهادتين، واحتمال أنه صادق فيما أخبر عن ضميره فيه، وارتكاب ما لعله يكون ظلمًا له، فالكف عن القتل (٤) أولى من الإقدام عليه، ويوضح هذا: أن الشارع لا مقصدَ له في إزهاق الأرواح، [وإنما المقصدُ الهدايةُ والإرشاد، فإن تعذرت بكل سبيل، تعين إزهاقُ الأرواح] (٥)؛ لزوال مفسدة الكفر من الوجود، ومع التلفُّظ بكلمة الحق، لم تتعذر الهدايةُ [بكل طريق، بل حصل الإسلامُ بانقياد المتلفِّظ بها ظاهرًا، ويرجى (٦) مع ذلك أن تكون الهداية] (٧) حصلت، أو تحصل في المستقبل، فمادةُ الفساد الناشئ عن كلمة الكفر قد زالت بانقياده ظاهرًا، ولم يبق إلا الباطن، وهو مشكوك، أو مرجو مآلًا إن لم يكن حاصلًا (٨) في الحال (٩)، فقد لاح من حيث المعنى وجهُ قبول الإسلام، وأنه على وَفْق الأقيسة،

стр. 3223

ولله الحمد. انتهى كلامه. * * * ٢١٠٢ - (٤٠٢٠) - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُليَّةَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: "مَنْ يَنْظُرُ مَا صَنع أبو جَهْلٍ؟ "، فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حَتَّى بَرَدَ، فَقَالَ: آنْتَ أَبَا جَهْلٍ؟ قَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ: قَالَ سُلَيْمَانُ: هَكَذَا قَالَهَا أَنَسٌ، قَالَ: أَنْتَ أَبَا جَهْلٍ؟ قَالَ: وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ؟ قَالَ سُلَيْمَانُ: أَوْ قَالَ: قتلَهُ قَوْمُهُ. قَالَ: وَقَالَ أَبو مِجْلَزٍ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: فَلَوْ غَيْرُ أَكَّارٍ قَتَلَنِي. (آنت أبا جهل): كذا الرواية في البخاري من رواية زهير، وخرجه القاضي على أنه منادى؛ أي: أنت المقتول الذليل يا أبا جهل؛ على جهة التوبيخ والتقريع. قال الداودي: يحتمل معنيين: أن يكون استعمل اللحن؛ ليغيظ أبا جهل؛ كالمصغِّر له، أو يريد: أعني: أبا جهل. وردهما السفاقسي بأن تغييظه (١) في مثل هذه الحالة لا معنى له، ثم النصب بإضمار؛ أَعني إنما (٢) يكون إذا تكررت النعوت.

стр. 3224

ونازعه الزركشي في الأول: بأنه (١) أبلغُ في التهكم، وفي الثاني: بأن التكرار ليس شرطًا في القطع عند الجمهور، وإن أوهمته عبارةُ ابن مالك (٢). قلت: كلامهما (٣) معًا في الوجه الثاني غلط، فإن ما نحن فيه ليس من قطع النعمة في شيء، لا مع التكرار، ولا مع حذفه؛ ضرورة أنه ليس عندنا غيرُ ضمير الخطاب، وهو لا يُنعت إجماعًا. قال القاضي: ورواه الحميدي: "آنت أبو جهل"، وكذا رواه البخاري (٤) من طريق يونس. قلت: وعلى هذا فتخريجه أنه استعمل على لغة القصر، أو من النداء وغيره. (لو غيرُ أَكَّارٍ قتلني): مثل: لو ذاتُ سِوارٍ لَطَمَتْني، فيكون المرفوع بعد "لو" فاعلًا بمحذوف يفسره الظاهر. ثم يحتمل أن تكون شرطية، فالجواب محذوف؛ أي: لتسَلَّيت. ويحتمل أن تكون للتمني، فلا جواب. والأَكَّار: الزرَّاع (٥)، أراد احتقاره وانتقاصه عن أن يقتل مثلَه أكارٌ؛ لأن قاتليه، وهما ابنا عفراء من الأنصار، وهم عمالُ أنفسِهم في أرضهم ونخلهم (٦).

стр. 3225

فإن قلت: أين هذا من قوله: وهل أعمدُ من رجلٍ قتلَه قومُه (١)؟ قلت: أراد هنا انتقاص المباشِرِ لقتلِه، وأراد هناك تسليةَ نفسه بأن الشريفَ إذا قتله قومُه، لم يكن ذلك عارًا عليه، فجوز قومَه قاتلين له مجازًا باعتبار تسببهم (٢) في قتله، وسعيهم فيه، وإن لم يباشروه، فمحلُّ الانتقاص غير محل التعظيم، فلا تناقض. * * * ٢١٠٣ - (٤٠٢٤) - وَقَالَ اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الأُولَى -يَعْنِي: مَقتَلَ عُثْمَانَ-، فَلَمْ تُبْقِ مِن أَصْحَابِ بَدْرٍ أَحَدًا، ثُمَّ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الثَّانِيةُ -يَعْنِي: الْحَرَّةَ-، فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَابِ الْحُدَيْبِيَةِ أَحَدًا، ثُمَّ وَقَعَتِ الثَّالِثَةُ، فَلَمْ تَرتَفِعْ وَلِلنَّاسِ طَبَاخٌ. (فلم تُبقِ من أصحاب بَدْر أَحَدًا): الضمير في قوله: "فلم تبق" عائد على الفتنة (٣) الأولى التي هي مقتل عثمان ﵁. قال الداودي: هذا وهمٌ بلا شك؛ لأن عليًا والزبير وطلحة وسعدًا وسعيدًا وغيرَهم عاشوا بعد ذلك، ولعلَّ ابنَ المسيب عنى بالفتنة [الأولى]: مقتلَ الحسين، وبالثانية: الحَرَّة، وبالثالثة: الفِتن (٤) التي كانت بالعراق مع الأزارقة (٥).

стр. 3226

(فلم ترتفع وللناس طَباخ): بفتح الطاء المهملة وتخفيف الموحدة. قال السفاقسي: [أصل الطباخ: القوة، ثم استُعمل في العقل والخير، فقيل: فلانٌ لا طَباخَ له؛ أي: لا عقلَ له ولا خير (١). * * * ٢١٠٤ - (٤٠٢٦) - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ ابْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: هَذِهِ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ يُلْقِيهِمْ: "هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُّمْ حَقًّا؟ ". قَالَ مُوسَى: قَالَ نَافِعٌ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِه: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تُنَادِي نَاسًا أَمْوَاتًا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا قُلْتُ مِنْهُمْ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَجَمِيعُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ قرَيْشٍ، مِمَّنْ ضُرِبَ لَهُ بِسَهْمِهِ، أَحَد وَثَمَانُونَ رَجُلًا، وَكَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: قَالَ الزُّبَيْرُ: قُسِمَتْ سُهْمَانُهُمْ، فَكَانُوا مِئَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (قال الزبير (٢): قُسمت سُهمانهم (٣)، فكانت مئة، والله أعلم): قال السفاقسي] (٤) نقلًا عن الداودي: "الله أعلم" هل هو من كلام الزبير، فيدخله بعض الشك؛ لطول الزمان، أو يكون من قول المحدِّثِ عنه؟

стр. 3227

قال: وإنما كانوا أربعة وثمانين، وكانت ثلاثة أفراس (١)، فأسهم لها سهمين سهمين، وضرب النبي ﷺ لرجال كان بعثهم في بعض أمره بسهامهم من أهل بدر، وبَشَّرهم بمثل أجورهم، فكانوا في أعدادهم، ولعل قولَ الزبير يصحُّ على أن من غاب عن شهود بدر، وضرب له بسهم؛ مثل عثمان بن عفان، هم (٢) تمام المئة لمن شهدها (٣). * * * باب: تَسْمِيةِ مَنْ سُمِّيَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ فِي الْجَامِعِ الَّذِي وَضَعَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ النَّبِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيُّ ﷺ ، إِيَاسُ بْنُ الْبُكَيْرِ، بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ مَوْلَى أَبي بَكْرٍ الْقُرَشِيِّ، حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيُّ، حَاطِبُ بْنُ أَبي بَلْتَعَةَ حَلِيفٌ لِقُرَيْشٍ، أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ الْقُرَشِيُّ، حَارِثَةُ بْنُ الرُّبَيعِ الأَنْصَارِيُّ، قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهْوَ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ، كَانَ فِي النَّظَّارَةِ، خُبَيْبُ ابْنُ عَدِيِّ الأَنْصَارِيُّ، خُنَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ، رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ الأَنْصَارِيُّ، رِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ أَبُو لُبَابَةَ الأَنْصَارِيُّ، الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ الْقُرَشِيُّ، زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ أَبُو طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ -أَبُو زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ-، سَعْدُ ابْنُ مَالِكٍ الزُّهْرِيُّ، سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ الْقُرَشِيُّ، سَعِيدُ بْنُ زيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ الْقُرَشِيُّ، سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ الأَنْصَارِيُّ، ظُهَيْرُ بْنُ رَافِعٍ الأَنْصَارِيُّ وَأَخُوهُ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ الْقُرَشِيُّ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ

стр. 3228

الْهُذَلِيُّ، عُتْبَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ، عُبَيْدَةُ ابْنُ الْحَارِثِ الْقُرَشِيُّ، عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ الأَنْصَارِيُّ، عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْعَدَوِيُّ، عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ الْقُرَشِيُّ، خَلَّفَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ابْنَتِهِ، وَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ، عَلِيُّ بْنُ أَبي طَالِبٍ الْهَاشمِيُّ، عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ حَلِيفُ بَنِي عَامِرِ ابْنِ لُؤَيِّ، عُقْبةُ بْنُ عَمْرٍو الأَنْصَارِيُّ، عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ الْعَنَزِيُّ، عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيُّ، عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ الأَنْصَارِيُّ، عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ، قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ، قتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ الأَنْصَارِيُّ، مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، مُعَوِّذُ بْنُ عَفْرَاءَ وَأَخُوهُ، مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ أَبُو أُسَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ، مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيُّ، مَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ الأَنْصَارِيُّ، مِسْطَحُ ابْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، مِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الأَنْصَارِيُّ، ﵃. [(سعيد بن زيد): تقدم أن هذا منتقَد عليه، وكذلك خُبيب بن عَدِي] (١). (ظُهير بنُ رافع الأنصاريُّ، وأخوه): اسمه مُظهر بنُ رافِع عمُّ رافعٍ ابنِ خَديج، قُتل مظهرٌ بخيبر في خلافة عمر , قتله غلامان له، فأجلى عمر أهلَ خيبرَ من أجل ذلك؛ لأنه كان بأمرهم، قيل: ولم يشهد مُظهر ولا ظُهير (٢) بدرًا، ولكن شهدا (٣) أحدًا (٤).

стр. 3229

(عقبة بن عمرو الأنصاري): هو أبو (١) مسعود، قيل: ولم يشهد بدرًا، وشهد العقبة، وكان أصغرَهم، ويعرف بالبدريِّ؛ لنزوله بها، وموته فيها. (مُرارة بن الربيع الأنصاري، معن (٢) بن عَدي الأنصاري): نوزع أيضًا في هذين شهدا بدرًا، وقد سبق الكلام عليهما، قيل: وهما بلويان حليفان للأنصار، وليسا من الأنصار نسبًا (٣). * * * باب: حَدِيثِ بَنِي النَّضِيرِ، وَمَخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي دِيَةِ الرَّجُلَيْنِ، وَمَا أَرَادُوا مِنَ الْغَدْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢] (حديث بني النضير، ومخرج رسول الله ﷺ إليهم في دية الرجلين، وما أرادوا من الغدر (٤) بالنبي ﷺ ): أتى بالترجمة هكذا غير مسندة؛ لشهرة الأمر فيها عند أهل السير، وكان النبي ﷺ خرج إلى بني النضير؛ ليستعينهم (٥) في دية القتيلين العامريين (٦) اللذين (٧) قتلهما عمرو بن أمية للجوار الذي كان

стр. 3230

النبي ﷺ عقده لبني عامر، فخلا بنو قينقاع بأنفسهم، وأجمعوا على اغتيال النبي ﷺ بأن يلقوا عليه رحى، فأخبره جبريل ﵇، فانصرف، فنادوه، فلم يلتفت إليهم، ثم آذنهم بالخروج. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحشر: ٢] يريد به: يهود بني النضير حين أجلاهم رسول الله ﷺ ، وحشرهم إلى الشام، وهو أول الحشر، والثاني: حشرهم ليوم القيامة (١). * * * ٢١٠٥ - (٤٠٢٩) - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ الْحَشْرِ، قَالَ: قُلْ: سُورَةُ النَّضِيرِ. (قلت لابن عباس (٢) [سورة] الحشر، قال: قل: سورة النضير): قال الداودي: إنما اتقى (٣) أن يكون الحشر يوم القيامة، أو غيره، فكره النسبة إلى غير معلوم (٤). * * * ٢١٠٦ - (٤٠٣١) - حَدَثَّنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ

стр. 3231

عُمَرَ ﵄، قَالَ: حَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نخلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَقَطَعَ، وَهْيَ الْبُوَيْرَةُ، فَنَزَلَتْ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥]. (من لِينَةٍ): أي: من نَخْلَة. * * * ٢١٠٧ - (٤٠٣٢) - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ، أَخْبَرَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، قَالَ: وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ: وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيِّ ... حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ قَالَ: فَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ: أَدامَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعٍ ... وَحَرَّقَ فِي نَوَاحِيهَا السَّعِيرُ سَتَعْلَمُ أَيُّنَا مِنْهَا بِنُزْهٍ ... وَتَعْلَمُ أَيَّ أَرْضَيْنَا تَضِيرُ (هان على سراة بني لؤي): من بحر الوافر، دخل الجزءَ الأولَ منه العضب (١)، فهو على (٢) زنة: مفتعلن (٣). (حريقٌ بالبُويرة مستطيرُ): البُويرة -بالموحدة المضمومة، على التصغير-: موضع بلادهم، ومستطير؛ أي: منتشر.

стр. 3232

(ستعلم أينا منها بنَزه (١)): -بفتح النون-؛ أي: ببعد. قال السفاقسي: وضبط في بعض النسخ بضمها (٢). * * * باب: قَتْلِ كَعْبِ بنِ الأَشْرَفِ ٢١٠٨ - (٤٠٣٧) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ"، فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَأْذَنْ لِي أَنْ أقولَ شَيْئًا، قَالَ: "قُلْ". فَأتاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلَنَا صَدَقَةً، وَإِنَّهُ قَدْ عَنَّانَا، وَإِنِّي قَدْ أتيْتُكَ أَسْتَسْلِفُكَ، قَالَ: وَأَيْضًا وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ، قَالَ: إِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ، فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ شَأْنُهُ، وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ-، وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو غَيْرَ مَرَّةٍ، فَلَمْ يَذْكُرْ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ: فِيهِ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ؟ فَقَالَ: أُرَى فِيهِ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ- فَقَالَ: نَعَمِ، ارْهَنُونِي، قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ؟ قَالَ: ارْهَنُوني نِسَاءَكُمْ، قَالُوا: كيْفَ نرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ، قَالَ: فَارْهَنُونِي أَبْنَاءكُمْ، قَالُوا: كيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا، فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ، فَيُقَالُ: رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ، هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا، وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللأْمَةَ -قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي: السِّلَاحَ-، فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ، فَجَاءَهُ لَيْلًا

стр. 3233

وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَةَ، وَهْوَ أَخُو كَعْبٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْحِصْنِ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأتهُ: أَيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَأَخِي أَبُو نَائِلَةَ، وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو: قَالَتْ: أَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ، قَالَ: إِنَّمَا هُوَ أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ، إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ بِلَيْلٍ لأَجَابَ. قَالَ: وَيُدْخِلُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مَعَهُ رَجُلَيْنِ -قِيلَ لِسُفْيَانَ: سَمَّاهُمْ عَمْرٌو؟ قَالَ: سَمَّى بَعْضَهُمْ- قَالَ عَمْرٌو: جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ، وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو: أَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ. قَالَ عَمْرٌو: وَجَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ، فَقَالَ: إِذَا مَا جَاءَ، فَإِنِّي قَائِلٌ بِشَعَرِهِ فَأَشَمُّهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي اسْتَمْكَنْتُ مِنْ رَأْسِهِ، فَدُونكُمْ فَاضْرِبُوهُ. وَقَالَ مَرَّةً: ثُمَّ أُشِمُّكُمْ، فَنَزَلَ إِليْهِمْ مُتَوَشِّحًا، وَهْوَ يَنْفَحُ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رِيحًا، أَيْ أَطْيَبَ، وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو: قَالَ: عِنْدِي أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ، وَأَكْمَلُ الْعَرَبِ، قَالَ عَمْرٌو: فَقَالَ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشَمَّ رَأْسَكَ؟ قَالَ: نعمْ، فَشَمَّهُ، ثُمَّ أَشَمَّ أَصْحَابَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَتَأْذَنُ لِي؟ قَالَ: نعَمْ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ، قَالَ: دُونكُمْ، فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ. [(قال: قل، فأتاه محمد بن مسلمة (١)): قال الدمياطي: أكثر رواة الحديث من أهل السير] (٢) وغيرهم: أن الذي هتف به وتحدث معه إنما هو أبو نائلة أخوه من الرضاعة، فركن إليه، ونزل من الحصن، وكان معه محمدُ بنُ مَسْلَمة (٣).

стр. 3234

قلت: إن سلم هذا، فلا يرد؛ لأن مجيء محمد بن مسلمة وكلامه معه كان أولًا عند المفاوضة في حديث الاستسلاف، وركونه لرضيعه أبي نائلة إنما هو في ثاني حال عند نزوله إليهم من الحصن. (قد عنّانا): -بتشديد النون-؛ أي: كَلَّفَنا المشقَّةَ. (كيف نَرهنك): -بفتح حرف المضارعة-؛ لأن ماضيه رهن (١) ثلاثي، قيل: وفيه لغة أَرْهَنَ. (اللأْمة (٢)): بالهمز. قال سفيان: يعني: السلاح، والذي قاله أهل اللغة: أنها الدرع (٣)، ويجوز تسهيل الهمزة بإبدالها ألفًا على القاعدة، ويقال بجمعها (٤): لام. وقد قلت من قديم على سبيل التوجيه لهذه الكلمة، وهي طريقة عربية (٥) أُولع بها بعضُ أصحابنا العصريين: بِرُوحِي غَزَالٌ قَدْ كَسَا الحُسْنُ خَدَّهُ ... بِلامِ عِذَارٍ شَفَّني بِغَرَامِهِ (٦) وَيبْدَؤُني إِنْ شَنَّ (٧) غَارَاتِ عِشْقِهِ ... بِإِعْرَاضِهِ في الحَرْبِ لابِسَ لَامِهِ

стр. 3235

فإن شئت جعلت (١) "لا" حرفَ عطف، و"بسلامه" (٢) معطوفًا (٣) على "بإعراضه"، وإن شئت جعلت "لابسَ" اسم فاعل من لبس مضافًا إلى "لامِه" يُشار بها إلى العِذار المشبَّه بالدرع (٤) من حيث انتظامُه؛ أي: على ذلك التسلسل البديع، ومن حيث هو جُنَّة تقي (٥) محاسَنه رشقاتِ (٦) العيون، واللفظُ قابلٌ للمعنيين على حدِّ السواء، وقْد رُشِّحَ لكلٍّ منهما بما يناسبه، وأصحابُنا يسمونه: التورية بالتركيب. (فإنى قائل): -بالقاف-، وروي: "مائل": -بالميم-: اسمُ فاعل من مالَ يميل. (فأشَمُّه): -بفتح الشين المعجمة- على الأفصح (٧). * * * باب: قَتْلِ أَبي رَافعٍ عَبدِ اللهِ بنِ أَبي الحُقَيقِ ٢١٠٩ - (٤٠٣٨) - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَهْطًا إِلَى أَبِي رَافِعٍ،

стр. 3236

فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ بَيْتَهُ لَيْلًا وَهْوَ نَائِمٌ، فَقَتَلَهُ. (بعث رسول الله ﷺ رهطًا إلى أبي رافع): تقدم أنهم خمسة من الخزرج: عبدُ الله بنُ عَتيك، وعبدُ الله بن أُنيس، ومسعودُ بنُ سنان، وأبو قتادةَ، والحارثُ بنُ رِبْعِي، وخزاعِيُّ بنُ أسودَ. * * * ٢١١٠ - (٤٠٣٩) - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبِي رَافِعٍ الْيَهُودِيِّ رِجَالًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وُيعِينُ عَلَيْهِ، وَكَانَ فِي حِصْنٍ لَهُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُ، وَقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَرَاحَ النَّاسُ بِسَرْحِهِمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لأَصْحَابِهِ: اجْلِسُوا مَكَانكُمْ، فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ، وَمُتَلَطِّفٌ لِلْبَوَّابِ، لَعَلِّي أَنْ أَدْخُلَ، فَأَقْبَلَ حَتَّى دَنَا مِنَ الْبَابِ، ثُمَّ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ كَأَنَّهُ يَقْضِي حَاجَةً، وَقَدْ دَخَلَ النَّاسُ، فَهَتَفَ بِهِ الْبَوَّابُ، يَا عَبْدَ اللَّهِ! إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَدْخُلَ، فَادْخُلْ؛ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُغْلِقَ الْبَابَ، فَدَخَلْتُ، فَكَمَنْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ النَّاسُ، أَغْلَقَ الْبَابَ، ثُمَّ عَلَّقَ الأَغَالِيقَ عَلَى وَتدٍ، قَالَ: فَقُمْتُ إِلَى الأَقَالِيدِ فَأَخَذْتُهَا، فَفَتَحْتُ الْبَابَ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُسْمَرُ عِنْدَهُ، وَكَانَ فِي عَلَالِيَّ لَهُ، فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْهُ أَهْلُ سَمَرِهِ، صَعِدْتُ إِلَيْهِ، فَجَعَلْتُ كلَّمَا فَتَحْتُ بَابًا، أَغْلَقْتُ عَلَيَّ مِنْ دَاخِلٍ، قُلْتُ: إِنِ الْقَوْمُ نَذِرُوا بِي، لَمْ يَخْلُصُوا إِلَيَّ حَتَّى أَقْتُلَهُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ وَسْطَ عِيَالِهِ، لَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ

стр. 3237

مِنَ الْبَيْتِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا رَافِعٍ! قَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَأَهْويتُ نَحْوَ الصَّوْتِ، فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ وَأَنَا دَهِشٌ، فَمَا أَغْنَيْتُ شَيْئًا، وَصَاحَ، فَخَرَجْتُ مِنَ الْبَيْتِ، فَأَمْكُثُ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: مَا هَذا الصَّوْتُ يَا أَبَا رَافِعٍ؟ فَقَالَ: لأُمِّكَ الْوَيْلُ، إِنَّ رَجُلًا فِي الْبَيْتِ ضَرَبَنِي قَبْلُ بِالسَّيْفِ، قَالَ: فَأضْرِبُهُ ضَرْبَةً أَثْخَنتهُ وَلَمْ أَقْتُلْهُ، ثُمَّ وَضَعْتُ ظُبَةَ السَّيْفِ فِي بَطْنِهِ حَتَّى أَخَذَ فِي ظَهْرِهِ، فَعَرَفْتُ أَنِّي قَتَلْتُهُ، فَجَعَلْتُ أَفْتَحُ الأَبْوَابَ بَابًا بَابًا، حَتَّى انتهَيْتُ إِلَى دَرَجَةٍ لَهُ، فَوَضَعْتُ رِجْلِي، وَأَنَا أُرَى أَنِّي قَدِ انتهَيْتُ إِلَى الأَرْضِ، فَوَقَعْتُ فِي لَيْلَةٍ مُقمِرَةٍ، فَانكَسَرَتْ سَاقِي، فَعَصَبْتُهَا بِعِمَامَةٍ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ حَتَّى جَلَسْتُ عَلَى الْبَابِ، فَقُلْتُ: لَا أَخْرُجُ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَعْلَمَ، أَقَتَلْتُهُ؟ فَلَمَّا صَاحَ الدِّيكُ، قَامَ النَّاعِي عَلَى السُّورِ، فَقَالَ: أَنْعَى أَبَا رَافِعٍ تَاجِرَ أَهْلِ الْحِجَازِ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي، فَقُلْتُ: النَّجَاءَ، فَقَدْ قَتَلَ اللَّهُ أَبَا رَافِعٍ، فَانتهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: "ابْسُطْ رِجْلَكَ"، فَبَسَطتُ رِجْلِي فَمَسَحَهَا، فَكَأَنَّهَا لَمْ أَشْتَكِهَا قَطُّ. (ثم عَلَّق الأغاليق): الأول: بالعين المهملة وتشديد اللام، والثاني: بالغين المعجمة. وعند الأصيلي: بدل اللفظ الأول: "أعلق"، بالهمزة والعين المهملة؛ بمعنى (١) عَلَّقَ، بالتشديد (٢). (على وَدٍّ): -بدال مشددة- لغة في الوتد، وهي لغة بني تميم، ويروى:

стр. 3238

"على وَتِد" -بمثناه فوقية مكسورة قبل الدال- على اللغة المشهورة. (يُسْمَرُ عنده): ببناء الفعل للمفعول؛ من السَّمَر، هو الحديث بالليل. (في عَلالِيَّ): -بفتح الياء المشددة- جمع عُلِّيَّةٍ -بتشديد الياء أيضًا- وهي الغرفة العالية. (إنِ القومُ نَذِروا بي (١)): هي "إن" الشرطية دخلت على فعل محذوف يفسره ما بعده، مثل: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة: ٦] , ونَذِروا -بكسر الذال المعجمة-؛ أي (٢): عَلِموا (٣). (ضبيبَ السيف): هكذا وقع، بضاد معجمة وموحدتين (٤) بينهما مثناة تحتية. قال الخطابي: وما أراه محفوظًا، وإنما هو ظُبَةُ السيف؛ أي: حَدُّه (٥). وقال القاضي: صبيب -بصاد مهملة- لأبي ذر، وكذا (٦) ذكره الحربي، وقال: أظن (٧) أنه طرفه. وعند أبي زيد والنسفي: -بضاد معجمة- وهي حرفُ طرفِه.

стр. 3239

وعند غيرهم فيه اختلاف لا يتجه له وجه (١). قال الزركشي: وما حكاه عن الحربي خلاف ما حكاه عنه ابن الأثير؛ فإنه ذكره عنه ظبيب -بالمشالة-، وأنه هكذا روي، وإنما هو ظُبَة، وأما الضَّبيب -بالضاد المعجمة-: فسيلانُ الدم من الفم وغيره (٢) (٣). (فقلت: النَّجاءَ): -بفتح النون والمد والقصر-؛ يعني: السلامة، والمد أشهر (٤). * * * ٢١١١ - (٤٠٤٠) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا شُرَيْحٌ -هُوَ ابْنُ مَسْلَمَةَ-: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبي رَافِعٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبةَ، فِي نَاسٍ مَعَهُمْ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى دَنوا مِنَ الْحِصْنِ، فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ: امْكُثُوا أَنْتُمْ حَتَّى أَنْطَلِقَ أَنَا فَأَنْظُرَ، قَالَ: فتلَطَّفْتُ أَنْ أَدْخُلَ الْحِصْنَ، فَفَقَدُوا حِمَارًا لَهُمْ، قَالَ: فَخَرَجُوا بِقَبَسٍ يَطْلُبُونَهُ، قَالَ: فَخَشِيتُ أَنْ أُعْرَفَ، قَالَ: فَغَطَّيْتُ رَأْسِي كَأَنِّي أَقْضِي حَاجَةً، ثُمَّ نَادَى صَاحِبُ الْبَابِ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ، فَلْيَدْخُلْ قَبْلَ أَنْ أُغْلِقَهُ، فَدَخَلْتُ، ثُمَّ اخْتَبَأْتُ فِي مَرْبِطِ حِمَارٍ عِنْدَ بَابِ الْحِصْنِ، فَتَعَشَّوْا عِنْدَ أَبي

стр. 3240

رَافِعٍ، وَتَحَدَّثُوا حَتَّى ذَهَبَتْ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى بُيُوتهِمْ، فَلَمَّا هَدَأَتِ الأَصْوَاتُ، وَلَا أَسْمَعُ حَرَكَةً، خَرَجْتُ، قَالَ: وَرَأَيْتُ صَاحِبَ الْبَابِ، حَيْثُ وَضَعَ مِفْتَاحَ الْحِصْنِ فِي كَوَّةٍ، فَأَخَذْتُهُ، فَفَتَحْتُ بِهِ بَابَ الْحِصْنِ، قَالَ: قُلْتُ: إِنْ نَذِرَ بِي الْقَوْمُ، انْطَلَقْتُ عَلَى مَهَلٍ، ثُمَّ عَمَدْتُ إِلَى أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ، فَغَلَّقْتُهَا عَلَيْهِمْ مِنْ ظَاهِرٍ، ثُمَّ صَعِدْتُ إِلَى أَبِي رَافِعٍ فِي سُلَّمِ، فَإِذَا الْبَيْتُ مُظْلِمٌ قَدْ طَفِئَ سِرَاجُهُ، فَلَمْ أَدْرِ أَيْنَ الرَّجُلُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا رَافِعٍ؟ قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: فَعَمَدْتُ نَحْوَ الصَّوْتِ فَأَضْرِبُهُ، وَصَاحَ، فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا، قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ كَأَنِّي أُغِيثُهُ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ يَا أَبَا رَافِعِ؟ وَغَيَّرْتُ صَوْتِي، فَقَالَ: أَلَا أُعْجِبُكَ لأُمِّكَ الْوَيْلُ، دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَضَرَبَنِي بِالسَّيْفِ؟ قَالَ: فَعَمَدْتُ لَهُ أَيْضًا، فَأَضْرِبُهُ أُخرَى، فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا، فَصَاحَ، وَقَامَ أَهْلُهُ، قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ وَغَيَّرْتُ صَوْتِي كهَيْئَةِ الْمُغِيثِ، فَإِذَا هُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ، فَأَضَعُ السَّيْفَ فِي بَطْنِهِ، ثُمَّ أَنْكَفِئُ عَلَيْهِ حَتَّى سَمِعْتُ صَوْتَ الْعَظْم، ثُمَّ خَرَجْتُ دَهِشًا حَتَّى أَتَيْتُ السُّلَّمَ، أُرِيدُ أَنْ أَنْزِلَ، فَأَسْقُطُ مِنْهُ، فَانْخَلَعَتْ رِجْلِي، فَعَصَبْتُهَا، ثُمَّ أتيْتُ أَصْحَابِي أَحْجُلُ، فَقُلْتُ: انْطَلِقُوا فَبَشِّرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنِّي لَا أَبْرحُ حَتَّى أَسْمَعَ النَّاعِيَةَ، فَلَمَّا كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْح، صَعِدَ النَّاعِيةُ، فَقَالَ: أَنْعَى أَبَا رَافِعٍ، قَالَ: فَقُمْتُ أَمْشِي مَا بِي قَلَبَةٌ، فَأَدْرَكْتُ أَصْحَابِي قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا النَّبِيَّ ﷺ ، فَبَشَّرْتُه. (بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع عبدَ الله بن عَتيك، وعبدَ الله بن عُتبة، في ناس معهم): تقدم تسميةُ المبعوثين، وأنهم خمسة، لم يذكر فيهم عبد الله بن عُتبة.

стр. 3241

وفي "مبهمات" شيخنا قاضي القضاة شيخ الإسلام جلال الدين البلقيني -ذكره الله بالصالحات (١) - المسمى بـ: "الأفهام لما في البخاري من الإبهام (٢) " ما نصه: وفي الصحابة (٣) عبدُ الله بن عتبة اثنان: أحدهما: مُهاجِرِي، وهو عبدُ الله بنُ عتبةَ بنِ مسعودٍ. والآخر: عبدُ الله بنُ عتبةَ (٤) أبو قيس الذكوانيُّ، والأولُ غيرُ مراد قطعًا؛ لأن من أثبت صحبته ذكر أنه كان خماسيَّ السنِّ أو سُداسِيَّه، فتعين الثاني، وهذه القصة من مفردات الخزرج، فليتأمل. وزاد الذهبي ثالثًا: وهو عبدُ الله بنُ عتبةَ أحدُ بني نوفل، له ذكرٌ في زمن الردَّة، نقلهُ وثيمة، عن ابن إسحاق، وقال في الذكواني: قيل: له صحبة. (ولما هَدَتِ الأصواتُ): سَكَنَت، قيل: وصوابُه هدأت (٥) -بهمز-. قلت: لعل وجهه أنه خفيف الهمزة المفتوحة بإبدالها ألفًا، مثل منسأة، فالتقت هي والتاء الساكنة، فحذفت الألف؛ لالتقاء الساكنين، وهذا وإن كان غير قياس، لكنه يُستأنس به؛ لئلا يُحمل اللفظُ على الخطأ البَحْت. (فغلقتها): -بالغين المعجمة- ويروى بتشديد اللام وتخفيفها

стр. 3242

وبالألف، وهي لغات، وفي التنزيل: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ [يوسف: ٢٣] (١). (ثم أَنكفِئُ عليه): أي: أَنقلبُ عليه. (أحجل): -بحاء فجيم-؛ أي: أرفعُ رجلًا، وأقفز (٢) على أخرى من العرج. (ما بي قَلَبَة): -بفتحات-؛ أي: علة أُقلب لها حتى يُنظر إليها. وقد علمت أن بين (٣) حديثي هذه القصة الأولى وهذا اختلافًا من وجوه: ففي الأول: أنه ضرب أبا رافع ضربتين (٤)، وفي الثاني: ثلاثًا، وفي الأول: انكسرت رجلي، وفي الثاني: انخلعت، وفي الأول: بَسَقَ عليها النبي ﷺ ، [وفي الثاني: فقمت أمشي ما بي قَلَبَة، فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا النبي ﷺ ] (٥)، وفي الأول: علق الأغاليق على وَدٍّ، وفي الثاني: وضعَ مفتاح الحصن في كَوَّة، وفي الأول: أنه بعد سماعه الناعيةَ انطلق إلى أصحابه، فقال: النَّجاءَ، وفي الثاني: قال لهم: انطلقوا فبشروا؛ فإني لا أبرحُ حتى أسمعَ الناعيَة (٦). ويمكن دفعُ الاختلاف بين هذه الوجوه (٧) غالبًا إذا تأملت.

стр. 3243

مصابيح الجامع وهو شرح الجامع الصحيح للإمام البخاري المشتمل على بيان تراجمه وأبوابه وغريبه وإعرابه تأليف الإمام القاضي بدر الدين الدماميني أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن عمر القرشي المخزومي الإسكندراني المالكي المولود في الإسكندرية سنة ٧٦٣ هـ والمتوفى في الهند سنة ٨٢٧ هـ - رحمه الله تعالى - اعتنى به تحقيقا وضبطا وتخريجا نور الدين طالب بالتعاون مع لجنة مختصة من المحققين [المجلد الثامن] إصدارات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إدارة الشؤون الإسلامية - دولة قطر

стр. 3244

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3245

مَصَابِيحُ الجَامِعِ [٨]

стр. 3246

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م ردمك: ٠ - ١٢ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨ ISBN قَامَت بعمليات التنضيد الضوئي والإخراج الفني والطباعة دَار النَّوَادِر لصَاحِبهَا ومديرها نور الدّين طَالب سوريا - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ لبنان - بيروت - ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤ هَاتِف: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠١١ www.daralnawader.com

стр. 3247

تابع كتاب المغازي باب: غَزْوَةِ أُحُدٍ ٢١١٢ - (٤٠٤٢) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَيْوَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ، كالْمُوَدِّع لِلأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ، ثُمَّ طَلَعَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: "إِنيِّ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ، وَأَنَا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ، وَإِنَّ مَوْعِدكُمُ الْحَوْضُ، وَإِنِّي لأَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هَذَا، وَإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تنافَسُوهَا". قَالَ: فَكَانَتْ آخِرَ نظرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . (ثم طلَع المنبر): -بفتح اللام-، هكذا هو في بعض النسخ، وضبطه الزركشي بكسرها أيضًا، بناء على قول الجوهري: طَلِعْتُ الجبلَ -بالكسر (١) -. والشأن في الرواية، فينبغي (٢) تحريرها.

стр. 3248

٢١١٣ - (٤٠٤٣) - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁، قَالَ: لَقِينَا الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ، وَأَجْلَسَ النَّبِيُّ ﷺ جَيْشًا مِنَ الرُّمَاةِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ، وَقَالَ: "لَا تَبْرَحُوا، إِنْ رَأَيتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ، فَلَا تَبْرَحُوا، وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا، فَلَا تُعِينُونَا". فَلَمَّا لَقِينَا، هَرَبُوا، حَتَّى رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ فِي الْجَبَلِ، رَفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ، قَدْ بَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ، فَأَخَذُوا يَقُولُونَ: الْغَنِيمَةَ الْغَنِيمَةَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَا تَبْرَحُوا، فَأَبَوْا، فَلَمَّا أَبَوْا، صُرِفَ وُجُوهُهُمْ، فَأُصِيبَ سَبْعُونَ قَتِيلًا، وَأَشْرَفَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ فَقَالَ: "لَا تُجِيبُوهُ". فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ قَالَ: "لَا تُجيبُوهُ". فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ فَقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ قُتِلُوا، فَلَوْ كَانُوا أَحْيَاءً، لأَجَابُوا، فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نفسَهُ، فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ مَا يُخْزِيكَ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: اُعْلُ هُبَلْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَجِيبُوهُ". قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ". قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَجِيبُوهُ". قَالُوا: مَا نقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ". قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجَالٌ، وَتَجدُونَ مُثْلَةً، لَمْ آمُرْ بِهَا، وَلَمْ تَسُؤْنِي. (وأمَّر عليهم عبد الله): هو بنُ جُبير أخو بني عمرِو بنِ عوف، قاله ابن إسحاق في "السيرة"، ورواه أبو داود والنسائي (١). (يُسْنِدْنَ): -بضم المثناة التحتية وكسر النون-؛ من أسندَ: إذا صار

стр. 3249

في سَنَدِ الجبل. ويروى: "يَشْتَددن" -بشين معجمة-: يفتعلْنَ، من الاشتداد. (وتجدون مَثُلة): -بفتح الميم وضم الثاء-: واحدة المثلات؛ من مَثُلَ بالقتيل: إذا جَدَعه، كذا حكاه السفاقسي عن ابن فارس (١). وروي بضم الميم وإسكان الثاء، على زنة غُرْفة. وروي أيضًا: بفتح الميم وسكون الثاء. * * * ٢١١٤ - (٤٠٤٤) - أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: اصْطَبَحَ الْخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ نَاسٌ، ثُمَّ قُتِلُوا شُهَدَاءَ. (اصطبح الخمرَ يومَ أُحد أناسٌ): أي: قبل تحريم الخمر. * * * ٢١١٥ - (٤٠٤٦) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو: سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ، فَأَيْنَ أَنَا؟ قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ"، فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. (قال رجل للنبي ﷺ يومَ أُحد: أرأيت إن قُتِلت (٢)، فأين أنا (٣)؟ قال:

стр. 3250

في (١) الجنة، فألقى تمرات في يده): فسر ابن بشكوال هذا الرجل بعُمَير (٢) ابنِ الحُمام، وانتُقد بأن عميرًا (٣) قُتل ببدر، وهو أول قتيل من الأنصار في الإسلام في حرب، قاله في "أسد الغابة" (٤). * * * ٢١١٦ - (٤٠٤٨) - أَخْبَرَنَا حَسَّانُ بنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، حَدَّثَنَا حُمَيدٌ، عَنْ أَنسٍ ﵁: أَنَّ عَمَّهُ غَابَ عَنْ بَدْرٍ، فَقَالَ: غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالِ النَّبِيِّ ﷺ ، لَئِنْ أَشْهَدَنِي اللَّهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أُجِدُّ، فَلَقِيَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَهُزِمَ النَّاسُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ -يَعْنِي: الْمُسْلِمِينَ-، وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، فَتَقَدَّمَ بِسَيْفِهِ، فَلَقِيَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، فَقَال: أَيْنَ يَا سَعْدُ؟ إِنِّي أَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ، فَمَضَى فَقُتِلَ، فَمَا عُرِفَ حَتَّى عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ بِشَامَةٍ، أَوْ بِبَنَانِهِ، وَبِهِ بِضْع وَثَمَانُونَ: مِنْ طَعْنَةٍ، وَضَرْبَةٍ، وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ. (ليرين الله ما أَجِدُّ): روي بفتح الهمزة وكسر الجيم وتشديد الدال، مضارع جَدَّ: إذا اجتهدَ في الأمر، وبالغَ فيه. وروي: بتخفيف الدال مضارع وَجَدَ؛ أي: ليرين اللهُ ما أجده أنا في نفسي من المشقة وارتكاب الخطر.

стр. 3251

وقال السفاقسي: وضبط في بعض الروايات، بضم الهمزة وتشديد الدال، ولم يجعله صوابًا (١). قلت: بل هو صواب، وله وجه ظاهر، تقول: أَجَدَّ فلانٌ هذا الشيءَ: إذا جعلَه جديدًا، فالمعنى (٢): ليرينَّ اللهُ ما أُجَدِّدُ في الإسلام؛ من شدة القتل بالكفار، واقتحام الأهوال في قتالهم، فتأمله. (حتى عرفته أخته): هي الرُّبَيِّعُ بنتُ النَّضْرِ بنِ ضَمْضَمٍ. * * * ٢١١٧ - (٤٠٥٠) - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَليد، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ، يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁، قَالَ: لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أُحُدٍ، رَجَعَ نَاسٌ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَهُ، وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً تَقُولُ: نُقَاتِلُهُمْ، وَفِرْقَةً تَقُولُ: لَا نُقَاتِلُهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: ٨٨]، وَقَالَ: "إِنَّهَا طَيْبَةُ، تَنْفِي الذُّنوُبَ؛ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ". (لما خرج النبي ﷺ إلى أُحد، رجع (٣) ناس ممن خرجوا (٤) معه): قال ابن هشام في "السيرة": قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله ﷺ في ألف

стр. 3252

من أصحابه، حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة وأُحد، انخذل (١) عبدُ الله بنُ أُبي بثلث الناس، وقال: أَطاعَهم وعصاني، علامَ نقتل أنفسنا (٢)؟ * * * باب: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢] ٢١١٨ - (٤٠٥٤) - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يوْمَ أُحُدٍ، وَمَعَهُ رَجُلَانِ يُقَاتِلَانِ عَنْهُ، عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، كَأَشَدِّ الْقِتَالِ، مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ. (رأيت رسولَ الله ﷺ يوم أُحد ومعه رجلان يقاتلان عنه، عليهما ثياب بيض): قال الزركشي: هما من الملائكة (٣). قلت: هذا قُصور، فقد جاءت تسميتُهما (٤) في "صحيح مسلم"، فقال: يعني: جبريل، وميكائيل، رواه من طريقين (٥) في: الفضائل (٦).

стр. 3253

٢١١٩ - (٤٠٥٩) - حَدَّثَنَا يَسَرَةُ بْنُ صَفْوَانَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ أبَيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَلِي ﵁ قَالَ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ أَبَوَيْهِ لأَحَدٍ إِلَّا لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ: "يَا سَعْدُ! ارْمِ، فِدَاكَ أَبي وَأمُّي". (يَسَرَة بن صفوان): بمثناة تحتية وسين مهملة وراء مفتوحات (١) بعدها هاء تأنيث. * * * ٢١٢٠ - (٤٠٦٤) - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِث، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنسٍ ﵁، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ، انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ مُجَوِّبٌ عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ لَهُ، وَكانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدَ النَّزْعِ، كَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ بِجَعْبَةٍ مِنَ النَّبْلِ، فَيَقُولُ: "انْثُرْهَا لأَبي طَلْحَةَ". قَالَ: وَيُشْرِفُ النَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى الْقَوْمِ، فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، لَا تُشْرِفْ، يُصِيبُكَ سَهْم مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ، نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ. وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ، وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ، أَرَى خَدَمَ سُوقهِمَا، تَنْقُزَانِ الْقِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا، تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فتمْلآنِهَا، ثُمَّ تجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدَيْ أَبي طَلْحَةَ، إِمَّا مَرَّتَيْنِ، وَإِمَّا ثَلَاثًا. (لا تشرفْ يصيبُكَ سهم): قال الزركشي: هو بالرفع، كذا لهم، وهو

стр. 3254

الصواب (١)، وعند الأصيلي: "يُصِبْك"، وهو خطأ وقلبٌ للمعنى (٢). قلت: تقدم توجيهه (٣) على رأي الكسائي، وأن التقدير: فإن تشرفْ، يصبْكَ سهم، وهذا صواب لا خطأ فيه، ولا قلب للمعنى. نعم غيرُ الكسائي إنما يقدّرُ فعلَ الشرط منفيًا، فمن ثم يجيء انقلابُ المعنى في مثل هذا التركيب. (أرى خَدَمَ سوقهما): أي: خلاخيلهما، وهو محمول إما على نظر الفجأة، أو كونِ أَنسٍ إذ ذاك صغيرًا. * * * ٢١٢١ - (٤٠٦٥) - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمَّا كان يَوْمَ أُحُدٍ، هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ، فَصَرَخَ إِبْلِيسُ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: أَيْ عِبَادَ اللَّهِ! أُخْرَاكُمْ، فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ فَاجْتَلَدَتْ هِيَ وَأُخْرَاهُمْ، فَبَصُرَ حُذَيْفَةُ، فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ الْيَمَانِ، فَقَالَ: أَيْ عِبَادَ اللَّهِ! أَبِي أَبِي، قَالَ: قَالَتْ: فَوَاللَّهِ! مَا احْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ. قَالَ عُرْوَةُ: فَوَاللَّهِ! مَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ بَقِيّهُ خَيْرٍ، حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ. (فوالله ما زالت في حذيفة بقيةُ خير): قيل: المراد: بقيةُ حزنٍ على أبيه من قَتْلِ المسلمين أباه.

стр. 3255

وفي "تفسير ابن عباس": أن الذي قتله من المسلمين خطأ هو عقبةُ ابنُ مسعود أخو عبد الله بن مسعود، ذكره عبد (١) بن حُميد في "التفسير"، كذا في "الإفهام". قلت: لكن ظاهر ما تكرر (٢) في أحاديث البخاري: أن جماعةً من المسلمين قتلوه. * * * باب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥] ٢١٢٢ - (٤٠٦٦) - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا أبُو حَمْزَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ حَجَّ الْبَيْتَ، فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا، فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءَ الْقُعُودُ؟ قَالُوا: هَؤُلَاءَ قُرَيْشٌ. قَالَ: مَنِ الشَّيْخُ؟ قَالُوا: ابْنُ عُمَرَ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ أتحَدِّثُنِي؟ قَالَ: أَنْشُدُكَ بِحُرْمَةِ هَذَا الْبَيْتِ، أتعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ؟ قَالَ: نعمْ. قَالَ: فَتَعْلَمُهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نعمْ. قَالَ: فتعْلَمُ أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ الرُّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نعمْ. قَالَ: فَكَبَّرَ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ لأُخْبِرَكَ وَلأُبيِّنَ لَكَ عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ، أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ، وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ، فَإِنَّهُ كَانَ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ". وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ

стр. 3256

عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ، فَبَعَثَ عُثْمَانَ، وَكَانَ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: "هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ -فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ، فَقَالَ:- هَذِهِ لِعُثْمَانَ". اذْهَبْ بِهَذَا الآنَ مَعَكَ. (تغيب عن بدر): قال الداودي: هذا خطأ في اللفظ، إنما يقال: تغيب لمن تعمَّدَ التخلّف، فأما من (١) تخلف لعذر، فلا (٢). قلت: يحتاج إلى نقل عن أئمة اللغة، ويعزُّ وجوده ومراده لمن تعمد التخلُّف بلا عذر، وإلا لم يلتئم كلامُه. * * * باب: ذِكْرِ أُمِّ سَلِيطٍ ٢١٢٣ - (٤٠٧١) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَالَ ثَعْلَبَةُ بْنُ أِبي مَالِكٍ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَسَمَ مُرُوطًا بَيْنَ نِسَاءٍ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَبَقِيَ مِنْهَا مِرْطٌ جَيِّدٌ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَعْطِ هَذَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي عِنْدَكَ، يُرِيدُونَ: أُمَّ كلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ، فَقَالَ عُمَرُ: أُمُّ سَلِيطٍ أَحَقُّ بِهِ. وَأُمُّ سَلِيطٍ مِنْ نِسَاءِ الأَنْصَارِ، مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ عُمَرُ: فَإِنَّهَا كَانَتْ تُزْفِرُ لَنَا الْقِرَبَ يَوْمَ أُحُدٍ.

стр. 3257

(أم سَليط أحقُّ): -بفتح السين-، وزوجها أبو سَليط، مات عنها، فتزوجها مالكُ بنُ سنان فولدت له أبا سعيدٍ الخدريَّ. * * * باب: قَتْلِ حَمْزَةَ ﵁ - ٢١٢٤ - (٤٠٧٢) - حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ، فَلَمَّا قَدِمْنَا حِمْصَ، قَالَ لِي عُبَيْدُ اللَّهِ: هَلْ لَكَ فِي وَحْشِيٍّ، نَسْأَلُهُ عَنْ قَتْلِ حَمْزَةَ؟ قُلْتُ: نعمْ، وَكَانَ وَحْشِيٌّ يَسْكُنُ حِمْصَ، فَسَأَلْنَا عَنْهُ، فَقِيلَ لَنَا: هُوَ ذَاكَ فِي ظِلِّ قَصْرِهِ، كَأَنَّهُ حَمِيتٌ، قَالَ: فجِئْنَا حَتَّى وَقَفْنَا عَلَيْهِ بِيَسِيرٍ، فَسَلَّمْنَا، فَرَدَّ السَّلَامَ، قَالَ: وَعُبَيْدُ اللَّهِ مُعْتَجِرٌ بِعِمَامَتِهِ، مَا يَرَى وَحْشِيٌّ إِلَّا عَيْنَيْهِ وَرِجْلَيْهِ. فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: يَا وَحْشِيُّ! أتعْرِفُنِي؟ قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا وَاللَّهِ! إِلَّا أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ عَدِيَّ بْنَ الْخِيَارِ تَزَوَّجَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا: أُمُّ قِتَالٍ بِنْتُ أَبِي الْعِيصِ، فَوَلَدَتْ لَهُ غُلَامًا بِمَكَّةَ، فَكُنْتُ أَسْتَرْضعُ لَهُ، فَحَمَلْتُ ذَلِكَ الْغُلَامَ مَعَ أُمِّهِ، فَنَاوَلْتُهَا إِيَّاهُ، فَلَكَأَني نَظَرْتُ إِلَى قَدَمَيْكَ، قَالَ: فَكَشَفَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا تُخْبِرُنَا بِقَتْلِ حَمْزَةَ؟ قَالَ: نعمْ، إِنَّ حَمْزَةَ قَتَلَ طُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ بِبَدْرٍ، فَقَالَ لِي مَوْلَايَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: إِنْ قتلْتَ حَمْزَةَ بعَمِّي، فَأَنْتَ حُرٌّ، قَالَ: فَلَمَّا أَنْ خَرَجَ النَّاسُ عَامَ عَيْنَيْنِ، وَعَيْنَيْنِ جَبَلٌ بِحِيَالِ أُحُدٍ، بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَادٍ، خَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ

стр. 3258

إِلَى الْقِتَالِ، فَلَمَّا اصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ، خَرَجَ سِبَاعٌ فَقَالَ: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ؟ قَالَ: فَخَرَجَ إِلَيْهِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: يَا سِبَاعُ! يَا بْنَ أُمِّ أَنْمَارٍ مُقَطّعَةِ الْبُظُورِ، أَتُحَادُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ ؟ قَالَ: ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهِ، فَكَانَ كَأَمْسِ الذَّاهِبِ، قَالَ: وَكمَنْتُ لِحَمْزَةَ تَحْتَ صَخْرَةٍ، فَلَمَّا دَنَا مِنِّي، رَمَيْتُهُ بِحَرْبَتِي، فَأَضَعُهَا فِي ثُنَّتِهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ وَرِكَيْهِ، قَالَ: فَكَانَ ذَاكَ الْعَهْدَ بِهِ، فَلَمَّا رَجَعَ النَّاسُ، رَجَعْتُ مَعَهُمْ، فَأَقَمْتُ بِمَكَّةَ حَتَّى فَشَا فِيهَا الإِسْلَامُ، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى الطَّائِفِ، فَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَسُولًا، فَقِيلَ لِي: إِنَّهُ لَا يَهِيجُ الرُّسُلَ، قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَآنِي، قَالَ: "آنْتَ وَحْشِيٌّ؟ "، قُلْتُ: نعَمْ، قَالَ: "أَنْتَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ؟ ". قُلْتُ: قَدْ كَانَ مِنَ الأَمْرِ مَا بَلَغَكَ، قَالَ: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُغَيِّبَ وَجْهَكَ عَنِّي؟ ". قَالَ: فَخَرَجْتُ، فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَخَرَجَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ، قُلْتُ: لأَخْرُجَنَّ إِلَى مُسَيْلِمَةَ، لَعَلِّي أَقْتُلُهُ فَأُكَافِئَ بِهِ حَمْزَةَ، قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ، فَكَانَ مِنْ أمرِهِ مَا كَانَ، قَالَ: فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي ثَلْمَةِ جِدَارٍ، كَأَنَّهُ جَمَلٌ أَوْرَقُ ثَائِرُ الرَّأْسِ، قَالَ: فَرَمَيْتُهُ بِحَرْبَتِي، فَأَضَعُهَا بَيْنَ ثَدْيَيْهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ، قَالَ: وَوَثَبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ عَلَى هَامَتِهِ. قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ: فَأَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: فَقَالَتْ جَارِيَةٌ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ: وَاأَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! قَتَلَهُ الْعَبْدُ الأَسْوَدُ. (كأنه حَمِيتٌ): -بحاء مهملة فميم فمثناة تحتية ففوقية (١)، على زنة

стр. 3259

رغيف-؛ أي: زِقٌّ. (معتَجِر بعمامته): أي: لفَّها على رأسه من غير أن يُدير منها شيئًا تحت لحيته. (أم قتال بنتُ أبي العيص): قال الزركشي: إنما (١) هي ابنة أسيدِ بن أبي العيصِ بنِ أميةِ بنِ عبدِ شمسٍ أختُ غياث (٢). قلت: لا بدع في نسبة الإنسان إلى جده الأدنى أو الأعلى. (إن حمزة قتل طُعيمة بنَ عديِّ بنِ الخيار): قيل: إنما هو طُعيمة بنُ عديِّ بنِ نوفلِ بنِ عبدِ منافٍ، [وأمّا عديُّ بن الخيار، فهو ابن أخي طعيمة؛ لأنه عديُّ بنُ الخيارِ بنِ عديِّ بنِ نوفلِ بنِ عبد مناف] (٣)، وقد سبق التنبيه عليه قريبًا. (عام عَينينِ): -تثنية عين-، وهو اسمٌ لعام أحد. (بحِيال أحد): بحاء مهملة مكسورة ومثناة تحتية. (مقطِّعة البظور): بكسر الطاء المهملة من مقطعة (٤)، والبُظور: جمع بَظْر، وهو ما تقطعه الخاتنةُ من فروج النساء، وكانت أمه (٥) خاتنةً تختن النساء، وتسمَّى: الخافِضة، فعَيَّرَه بذلك، قيل: وبعضهم يقوله: بفتح الطاء

стр. 3260

من مقطعة، وهو خطأ (١). (أَتُحادُّ الله ورسوله؟): أي: أَتُعانِدُهما وتُعاديهما (٢)؟ وأصل المحادَّة (٣): أن يكون هذا في حَدٍّ، وهذا في حَدٍّ آخرَ. (كمَنْتُ): -بفتح الميم-: اختفيت. (في ثُنَّته (٤)): -بضم المثلثة وفتح النون المشددة-: هي ما بين السُّرَّةِ والعانَةِ. (لا يَهيج الرُّسُل): -بفتح حرف المضارعة-؛ أي: لا يَنالهم منه مكروه. (في ثَلْمَة جدار): بفتح المثلثة. (جمل أورق): أسمر، لونُه كالرماد. (ووثب إليه رجل من الأنصار، فضربه بالسيف على هامته): هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني (٥)، قاله الحنظلي، ورواه الحاكم في "المستدرك" (٦). وقيل: شاركه عديُّ بن سهل، وقيل: أبو دجانة، ذكرهما السهيلي (٧).
следующие страницы →