(فأيهن): قال الزركشي: كذا لهم، وللأصيلي: "فأيتهن (١) " وهو أصوب (٢).
قلت: هذا اعتراف منه بأن كلًّا صواب، وهو خلافُ ما يُفهمه قولُه فيما تقدم في حديث الإفك (٣): إن "أيتهن" -بالتاء- هو الوجه، وقد أسلفنا الكلام عليه هناك.
(في غزوة غزاها): هي غزوة بني المصطلق.
* * *
٢١٥٠ - (٤١٤٣) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَسْرُوقُ بْنُ الأَجْدَع قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ رُومَانَ، وَهْيَ أُمُّ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: بَيْنَا أنَا قَاعِدَةٌ أَنَا وَعَائِشَةُ، إِذْ وَلَجَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَتْ: فَعَلَ اللَّهُ بِفُلَانٍ وَفَعَلَ، فَقَالَتْ أُمُّ رُومَانَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَتْ: ابْنِي فِيمَنْ حَدَّثَ الْحَدِيثَ، قَالَتْ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَتْ: كَذَا وَكَذَا، قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: نعمْ، قَالَتْ: وَأَبُو بَكْرٍ؟ قَالَتْ: نعمْ، فَخَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا، فَمَا أَفَاقَتْ إِلَّا وَعَلَيْهَا حُمَّى بِنَافِضٍ، فَطَرَحْتُ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا فَغَطَّيْتُهَا، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخَذَتْهَا الْحُمَّى بِنَافِضٍ، قَالَ: "فَلَعَلَّ فِي حَدِيثٍ تُحُدِّثَ بِهِ؟ "، قَالَتْ: نعمْ، فَقَعَدَتْ عَائِشَةُ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ! لَئِنْ
стр. 3297
حَلَفْتُ، لَا تُصَدِّقُونِي، وَلَئِنْ قُلْتُ، لَا تَعْذِرُوني، مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَيَعْقُوبَ وَبَنِيهِ: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]. قَالَتْ: وَانْصَرَف وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَهَا، قَالَتْ: بِحَمْدِ اللَّهِ، لَا بِحَمْدِ أَحَدٍ، وَلَا بِحَمْدِكَ.
(حدثني مسروق بن الأجدع، قال: حدثتني أم رومان): انتقد هذا بأن مسروقًا لم يدرك أم رومان.
قال الواقدي: والزبير مات سنة ستٍّ، ومسروقٌ ولد باليمن، ولم يقدم المدينة إلا بعد وفاة رسول الله ﷺ ، إما في خلافة أبي بكر، أو بعدها.
وقال عبد الغني: قد روي الحديث عن مسروق، عن ابن مسعود، وهو أشبه بالصواب (١).
* * *
٢١٥١ - (٤١٤٦) - حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبهَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ ﵂، وَعِنْدَهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُنْشِدُهَا شِعْرًا، يُشَبِّبُ بِأَبْيَاتٍ لَهُ، وَقَالَ:
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وَتُصْبحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ
فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ. قَالَ مَسْرُوقٌ: فَقُلْتُ لَهَا: لِمَ تَأْذَنِي لَهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْكِ؟ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ
стр. 3298
عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١ - ١٤]. فَقَالَتْ: وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَى؟ قَالَتْ لَهُ: إِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ، أَوْ يُهَاجِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
(حَصان): -بفتح الحاء-؛ أي: عفيفة.
(رَزان): على زنة حَصان؛ أي: ثابتةُ العقل؛ أي: مثبتة في أمورها.
(ما تُزَنُّ بريبةٍ): -بفتح الزاي وتشديد النون على البناء للمفعول-؛ أي: ما تُتَّهَم، ولا تُرمى بشيء مما يُرتاب به.
(وتصبح غرثى): من الغَرَث، وهو الجوع، يريد: أنها لا تُغتاب (١).
(من لحوم الغوافل): أي: عما يُرْمَيْنَ به من الشر؛ لأنهن لم يُتهمن قَطُّ، ولا خطر على قلوبهن، فهنَّ (٢) في غفلة عنه، وهذا أبلغُ ما يكون من الوصف بالعفاف.
(فقلت لها: لم تأذنين له أن يدخل عليكِ، وقد قال الله : ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١ - ١٤]): قال الزركشي: أُنكر ذلك عليه، وإنما الذي تولى (٣) كِبْرَه عبدُالله بنُ أُبي [ابنُ] سلولَ، وإنما كان حسان من الجملة (٤).
قلت: هذا في الحقيقة إنكار على عائشة ﵂؛ فإنها سلَّمت لمسروقٍ ما قال بقولها: وأيُّ عذاب أشدُّ من العمى؟ وحذف نون (٥)
стр. 3299
الرفع من قوله: "تأذني" لمجرد التخفيف.
قال ابن مالك: وهو (١) ثابت في الكلام الفصيح؛ نثره ونظمِه (٢)
(ينافح): -بالحاء المهملة-: يخاصم ويكافح.
* * *
باب: غَزْوَةِ الحُدَيْبِيَةِ
(غزوة الحُدَيْبِية): وفي نسخة: "عمرة (٣) الحديبية"، وهي بتخفيف المثناة التحتية التي قبل هاء التأنيث على الأفصح (٤).
٢١٥٢ - (٤١٥٦) - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عِيسَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ: أَنَّهُ سَمِعَ مِرْداسًا الأَسْلَمِيَّ يَقُولُ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ-: يُقْبَضُ الصَّالِحُونَ، الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، وَتَبْقَى حُفَالَهٌ كَحُفَالَةِ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ، لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِمْ شَيْئًا.
(يقبض الصالحون الأولُ فالأولُ): قال الزركشي: يجوز رفعه على الصفة.
قلت: المنصوص أن عطف الصفات المعرَّفة (٥) مع اجتماع منعوتها
стр. 3300
من خصائص الواو، والعاطف هنا الفاء لا الواو.
ثم (١) قال: ويجوز نصبُه على الحال؛ أي: مترتبين، [وجاز وإن كان فيه الألف واللام؛ لأن الحال ما يتخلص من التكرر؛ أي: مترتبين] (٢)، قاله أبو البقاء.
وهل الحال الأول أو الثاني، أو المعنى المجموع منهما؟ فيه خلاف كالخلاف في: هذا حلو حامض (٣)؛ لأن الحال أصلُها الخبر (٤).
قلت: نقلُ قولٍ بأن الخبر في نحو (٥): هذا حلو حامض، هو الثاني، لا الأول، غريب، ولم أقف عليه، فحرره.
(وتبقى حُفالة): -بحاء مهملة مضمومة وفاء-؛ أي: شيء رديء، وكذا الحثالة بالمثلثة.
(لا يعبأ الله بهم): أي: ليست لهم عند الله منزلةٌ، وهذا الحديث مما انفرد به (٦) البخاري عن الأئمة الخمسة، وليس لراويه مرداس (٧) الأسلمي (٨) سواه (٩).
(ألا تسمعنا من هَناتك): أي (١): من أخبارك وأشعارك، فكنى بها عن ذلك.
ويروى: "هُنَيَّاتك": بالتصغير والياء مشددة.
ويروى: "هنيهاتك" -بهاءين (٢) - تصغير هنة، على لغة مَنْ أصلُها عنده هُنَيَّة؛ كسُنَيْهة في سَنَة (٣).
(فاغفر فداء لك): قيل: الخطاب للنبي ﷺ ؛ أي: اغفر لنا تقصيرَنا في حقك وطاعتك (٤)؛ إذ لا يتصور أن يقال مثلُ هذا الكلام للباري .
(وبالصياح عولوا علينا): قال الخطابي: هو من عويل؛ أي: أجلبوا علينا بأصواتهم (٥)، قيل: والأشبه أنه من التعويل؛ أي: استعانوا علينا بالصياح (٦).
(قال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله، لولا أمتعتنا به): القائل ذلك هو عمرُ بنُ الخطاب ﵁، كذا في "أسد الغابة" (٧).
стр. 3311
ووقع في "طبقات ابن سعد": أن عمر قال: وجبت، وأن رجلًا قال: لو متعتنا به (١).
ومعنى وجبت: ثبتت (٢) الشهادة له في سبيل الله بسبب دعوة (٣) النبي ﷺ له (٤) بالرحمة؛ فإنه كان لا يستغفر لإنسان يخصه بذلك إلا استُشهد (٥).
(فتناول به ساقَ يهودي): اسمُ اليهودي مَرْحَبٌ، كما ذكره ابن سعد في "الطبقات" (٦).
(ويرجعُ ذُباب سيفه): أي: طَرَفُه.
(فأصاب عينَ ركبته (٧)): هو رأسُ الرُّكْبَة.
(إنه لجاهدٌ مجاهدٌ): الجاهدُ: من يرتكب المشقةَ، والمجاهدُ: من يجاهد في سبيل الله، وهو مشتق منه (٨).
وعند أبي ذر: "لجاهدَ مُجاهدًا" بجعل الأول فعلًا ماضيًا، والثاني اسمًا منصوبًا بذلك الفعل، جمعًا لمجتهد (٩).
(قلَّ عربيٌّ نشأَ بها مثله): نشأ: فعل ماض مهموز الآخر؛ أي:
стр. 3312
ثبت وكَبِرَ، والباء من "بها" ظرفية، والضمير عائد إلى الحرب، أو إلى (١) هذه الأرض.
وروي: "عربيًا": بالنصب -فخرَّجه السهيلي على أن "مثلُه" فاعل "قَلَّ" (٢)، و"عربيًا": منصوب على التمييز؛ لأن في الكلام معنى المدح؛ نحو عَظُمَ زيدٌ رجلًا، وقَلَّ ذا أدبًا.
وروي: "مشى": -بميم- من المشي.
قال القاضي: وأكثر رواة البخاري عليه (٣)، وعند بعضهم "مشابهًا" اسم فاعلٍ (٤) من شابَهَهُ: إذا ماثَلَهُ؛ أي: ليس عربي مشابهًا مثلَه في صفات القتال (٥). وإنما فسرناه بذلك؛ لما في (٦) قَلَّ من معنى النفي، فتأمله.
* * *
٢١٦٤ - (٤١٩٧) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنسٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى خَيْبَرَ لَيْلًا، وَكَانَ إِذَا أَتَى قَوْمًا بِلَيْلٍ، لَمْ يُغِرْ بِهِمْ حَتَّى يُصْبحَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ، خَرَجَتِ الْيَهُودُ بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ، قَالُوا: مُحَمَّد وَاللَّهِ! مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ
الْمُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا، حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ الْمَعْرُوفَ.
(وما عسَيتهم (١) أن يفعلوا بي): بفتح السين وكسرها.
قال ابن مالك: وفيه شاهد على صحة تضمين فعل معنى فعل (٢) آخر، وإجرائه مجراه (٣) في التعدية؛ فإن "عسى" في هذا الكلام قد ضُمِّنَت معنى "حسب"، وأُجريت مجراها، فنصبت (٤) ضمير الغائبين على أنه مفعول أول، ونصبت "أن يفعلوا" تقديرًا على أنه مفعول ثان، وكان حقه أن يكون عاريًا من "أن" كما لو كان بعد حسب، ولكن جيء بأن؛ لئلا تخرج عسى بالكلية عن مقتضاها، ولأن "أن" قد تسدُّ بصلتها مسدَّ مفعولي حسب، فلا يستبعد مجيئها بعد المفعول الأول بدلًا منه، وسادَّةً مسدَّ ثاني (٥) مفعوليهما.
* * *
باب: الشَّاةِ التي سُمَّتْ للنَّبيِّ ﷺ بِخَيْبَرَ
٢١٧٦ - (٤٢٤٩) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ، أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ.
стр. 3323
(أهديت للنبي ﷺ شاة فيها سُم): التي سَمَّتِ الشاةَ هي زينبُ بنتُ الحارثِ أختُ مرحبٍ زوجةُ سلامِ بنِ مِشْكَم، وقيل: بنتُ أخي مرحب.
وروي أنه عفا عنها، وروي أنه قتلها، وجمع بينهما بأن العفو كان في حق نفسه، فلما مات البراءُ بنُ معرورٍ بأكله من تلك الشاة، قتلَها قصاصًا به.
قال الزركشي: وروى معمر في "جامعه" عن الزهري: أنها أسلمت، فتركها، وأشار إلى تفرده به (١)(٢).
* * *
باب: غَزْوَةِ مُؤتَةَ مِنْ أَرْضِ الشَّأمِ
(غزوة مُؤْتة): -بميم مضمومة فهمزة ساكنة فمثناة فوقية فهاء تأنيت-، وهي قرية من البلقاء.
وقال الدمياطي: مؤتة بإزاء البلقاء، والبلقاءُ دون دمشق، وكانت في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة، التقوا مع هرقل (٣).
٢١٧٧ - (٤٢٦٢) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ وَاقِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَعَى زيدًا وَجَعْفَرًا وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ، فَقَالَ: "أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ"،
стр. 3324
وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ، "حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ".
(نعى (١) زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس): أي: أخبرهم بموتهم (٢).
* * *
باب: بَعْثِ النبيِّ ﷺ أُسَامَةَ بنَ زيدٍ إِلَى الحُرَقَاتِ مِنْ جُهَينَةَ
٢١٧٨ - (٤٢٦٩) - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو ظَبْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زيدٍ ﵄ يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْحُرَقَةِ، فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَكَفَّ الأَنْصَارِيُّ، فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا، بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "يَا أُسَامَةُ! أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟! "، قُلْتُ: كَانَ مُتَعَوِّذًا. فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
(يا أسامة! أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟! قلت: كان متعوذًا، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم): قد أسلفنا قريبًا الكلام على حديث أسامة. وقوله "تمنيت أني لم أكن
стр. 3325
أسلمت" إنما قاله على جهة (١) المبالغة، لا الحقيقة، وفيه أن الكافر يعصم دمه إذا أتى بالشهادتين.
قيل: وإنما تأول أسامة قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥]. ولم ينقل أن رسول الله ﷺ ألزم أسامةَ ديةً ولا غيرها.
لكن نقل القرطبي في "تفسيره": أنه أمره بالدية، فينبغي تحريره (٢).
* * *
٢١٧٩ - (٤٢٧٣) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ، فَذَكَرَ: خَيْبَرَ، وَالْحُدَيْبِيَةَ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ، وَيَوْمَ الْقَرَدِ، قَالَ يَزِيدُ: وَنسَيتُ بَقِيَّتَهُمْ.
(ونسيت بقيتهم): الضمير عائد على الغزوات، فكان من حقه: "بَقِيَّتهِنَّ"، كما ثبت في بعض النسخ، أو "بَقِيَّتهَا (٣) ".
стр. 3326
باب: غَزْوَةِ الفتحِ في رمَضَانَ
٢١٨٠ - (٤٢٧٧) - حَدَّثَنِي عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَمَضَانَ إِلَى حُنَيْنٍ، وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ، فَصَائِمٌ وَمُفْطِرٌ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ، دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ أَوْ مَاءٍ، فَوَضَعَهُ عَلَى رَاحَتِهِ، أَوْ: عَلَى رَاحِلَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى النَّاسِ، فَقَالَ الْمُفْطِرُونَ لِلصُّوَّامِ: أَفْطِرُوا.
(قال: خرج النبي ﷺ في رمضان إلى حُنين): قيل: المحفوظ أن خروجه إليها كان في شوال لا في رمضان؛ فإن مكة فُتحت في تاسع عشر [رمضان، وسيحكي بعدُ عن ابن عباس: أن النبي ﷺ أقام بمكة سبع عشرة] (١) يومًا يصلي ركعتين (٢)(٣).
* * *
باب: أَينَ رَكَزَ النبيُّ ﷺ الرَّايةَ يَوْمَ الفَتْحِ ؟
٢١٨١ - (٤٢٨٠) - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبيهِ، قَالَ: لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا، خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ، يَلْتَمِسُونَ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَقْبَلُوا يَسِيرُونَ حَتَّى أَتَوْا مَرَّ الظَّهْرَانِ،
قَالَ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ خَالِدَ بْنَ الْوَليدِ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ، وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ كُدَا، فَقُتِلَ مِنْ خَيْلِ خَالِدٍ يَوْمَئِذٍ رَجُلَانِ: حُبَيْشُ بْنُ الأَشْعَرِ، وَكُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الْفِهْرِيُّ.
(عند خَطْم الجبل): خَطْم: بخاء معجمة مفتوحة وطاء مهملة ساكنة، والجبل: بجيم فباء موحدة، ويعني بها: أنفَ الجبل، [وهو طرفه السائل منه المسمى بالكراع.
ويروى: "حَطْم": بحاء مهملة] (١) -، "والخَيْل": بخاء معجمة (٢) ومثناة تحتية، ويعني به: مجتمع الخيل الذي ينحطم فيه؛ أي: يتضايق حتى كان بعضها يكسر بعضًا.
والأول رواية النسفي والقابسي، والثاني رواية الجمهور (٣).
(كتيبة): -بمثناة فوقية بعد الكاف-: هي القطعة من العسكر، مأخوذ من الكَتْب، وهو الجمع.
(حَبَّذا يومُ الذِّمار): -بذال معجمة مكسورة فميم فألف فراء-؛ أي: حين الغضب للحرم والأهل؛ يعني: الانتصار لمن (٤) بمكة، قاله أَبو سفيان غلبةً وعجزًا.
وقيل: أرادَ: حبذا يومٌ يلزمك (٥) فيه حفظي وحمايتي (٦) عن المكروه.
стр. 3329
وقال الخطابي: يومُ الذمار: يوم القتل؛ بمعنى: أن يكون له يدٌ فيحمي قومَه (١).
(وهي أقل الكتائب، فيهم رسول الله ﷺ وأصحابه): قال القاضي: كذا لجميعهم، ورواه الحميدي في "مختصره": "أَجَلُّ" -بالجيم واللام-؛ من الجلالة، وهي أظهر، وقد يتجه لـ"أقل" وجهٌ، وهي أنها كتيبة المهاجرين، وهم كانوا أقلَّ عددًا من الأنصار (٢).
قلت: لا شك في أن المراد قلةُ العدد، لا الاحتقار، هذا ما (٣) لا يُظن بمسلم (٤) اعتقادُه، ولا توهمُه، فهذا وجهٌ لا محيدَ (٥) عنه، ولا ضَيْرَ فيه بهذا الاعتبار، والتصريح بأن النبي ﷺ كان في هذه الكتيبة التي هي أقلُّ عددًا مما سواها من الكتائب قاضٍ بجلالة قدرها، وعظم شأنها ورجحانها على كل شيء سواها، ولو كان ملء الأرض، بل وأضعاف ذلك، فما هذا الذي يُشَمُّ من نفس القاضي في هذا المحل؟
[(قال كذا وكذا): يريد قوله: اليومَ يومُ الملحمة؛ أي: يوم حرب لا تجد فيها مخلصًا؛ إذ يُقال في يوم القتال: لحم فلانٌ فلانًا: إذا قتله] (٦).
(بالحَجون): -بفتح الحاء-: موضع بمكة بقرب الصفا.
стр. 3330
(من أعلى مكة من كَداء): -بفتح الكاف والمد-، والتي دخل منها النبي ﷺ كُدَى: -بالضم والقصر-، هذا أصحُّ ما قيل.
(فقتل من خيل خالد يومئذ رجلين): كذا في بعض النسخ: بنصب رجلين، وهو يتخرج على رأي الكوفيين في إقامة غيرِ المفعول به مقامَ الفاعل مع وجود المفعول به.
وفي بعضها: "رجلان" على الجادة.
(حُبيش): بحاء مهملة مضمومة فباء موحدة (١) فياء تصغير فشين معجمة.
وقال ابن إسحاق: بضم الخاء المعجمة وبنون وسين مهملة، والأول أصح (٢).
* * *
باب: دُخُولِ النَّبيِّ ﷺ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ
٢١٨٢ - (٤٢٩٠) - حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّةَ.
(أن عائشة أخبرته: أن النبي ﷺ دخل عام الفتح من كداء): قال القاضي: هو (٣) هنا بضم الكاف مقصور، وتابعه على ذلك وهيب، وأبو أسامة.