← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

باب: غَزْوَةِ الفتحِ في رمَضَانَ ٢١٨٠ - (٤٢٧٧) - حَدَّثَنِي عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَمَضَانَ إِلَى حُنَيْنٍ، وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ، فَصَائِمٌ وَمُفْطِرٌ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ، دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ أَوْ مَاءٍ، فَوَضَعَهُ عَلَى رَاحَتِهِ، أَوْ: عَلَى رَاحِلَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى النَّاسِ، فَقَالَ الْمُفْطِرُونَ لِلصُّوَّامِ: أَفْطِرُوا. (قال: خرج النبي ﷺ في رمضان إلى حُنين): قيل: المحفوظ أن خروجه إليها كان في شوال لا في رمضان؛ فإن مكة فُتحت في تاسع عشر [رمضان، وسيحكي بعدُ عن ابن عباس: أن النبي ﷺ أقام بمكة سبع عشرة] (١) يومًا يصلي ركعتين (٢) (٣). * * * باب: أَينَ رَكَزَ النبيُّ ﷺ الرَّايةَ يَوْمَ الفَتْحِ ؟ ٢١٨١ - (٤٢٨٠) - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبيهِ، قَالَ: لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا، خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ، يَلْتَمِسُونَ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَقْبَلُوا يَسِيرُونَ حَتَّى أَتَوْا مَرَّ الظَّهْرَانِ،

стр. 3327

فَإِذَا هُمْ بِنِيرَانٍ كَأَنَّهَا نِيرَانُ عَرَفَةَ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا هَذِهِ؟ لَكَأَنَّهَا نِيرَانُ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ: نِيرَانُ بَنِي عَمْرٍو، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: عَمْرٌو أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، فَرَآهُمْ نَاسٌ مِنْ حَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَدْرَكُوهُمْ فَأَخَذُوهُمْ، فَأَتَوْا بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ، فَلَمَّا سَارَ، قَالَ لِلْعَبَّاسِ: "احْبِسْ أَبَا سُفْيَانَ عِنْدَ حَطْمِ الْخَيْلِ، حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ"، فَحَبَسَهُ الْعَبَّاسُ، فَجَعَلَتِ الْقَبَائِلُ تَمُرُّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، تَمُرُّ كَتِيبَةً كَتِيبَةً عَلَى أَبِي سُفْيَانَ، فَمَرَّتْ كَتِيبَةٌ، قَالَ: يَا عَبَّاسُ! مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: هَذِهِ غِفَارُ قَالَ: مَا لِي وَلِغِفَارَ؟، ثُمَّ مَرَّتْ جُهَيْنَةُ، قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَرَّتْ سَعْدُ بْنُ هُذَيْمٍ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمَرَّتْ سُلَيْمُ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى أَقْبَلَتْ كَتِيبَةٌ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا، قَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الأَنْصَارُ، عَلَيْهِمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَعَهُ الرَّايَةُ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ! الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا عَبَّاسُ! حَبَّذَا يَوْمُ الذِّمَارِ. ثُمَّ جَاءَتْ كَتِيبَةٌ، وَهْيَ أَقَلُّ الْكَتَائِبِ، فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، وَرَايَةُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟ قَالَ: "مَا قَالَ؟ "، قَالَ: كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: "كَذَبَ سَعْدٌ، وَلَكِنْ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الْكَعْبَةَ، وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَةُ". قَالَ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُرْكَزَ رَايَتُهُ بِالْحَجُونِ. قَالَ عُرْوَةُ: وَأَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ يَقُولُ لِلزُّبَيرِ بْنِ الْعَوَّامِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! هَاهُنَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَرْكُزَ الرَّايَةَ؟

стр. 3328

قَالَ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ خَالِدَ بْنَ الْوَليدِ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ، وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ كُدَا، فَقُتِلَ مِنْ خَيْلِ خَالِدٍ يَوْمَئِذٍ رَجُلَانِ: حُبَيْشُ بْنُ الأَشْعَرِ، وَكُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الْفِهْرِيُّ. (عند خَطْم الجبل): خَطْم: بخاء معجمة مفتوحة وطاء مهملة ساكنة، والجبل: بجيم فباء موحدة، ويعني بها: أنفَ الجبل، [وهو طرفه السائل منه المسمى بالكراع. ويروى: "حَطْم": بحاء مهملة] (١) -، "والخَيْل": بخاء معجمة (٢) ومثناة تحتية، ويعني به: مجتمع الخيل الذي ينحطم فيه؛ أي: يتضايق حتى كان بعضها يكسر بعضًا. والأول رواية النسفي والقابسي، والثاني رواية الجمهور (٣). (كتيبة): -بمثناة فوقية بعد الكاف-: هي القطعة من العسكر، مأخوذ من الكَتْب، وهو الجمع. (حَبَّذا يومُ الذِّمار): -بذال معجمة مكسورة فميم فألف فراء-؛ أي: حين الغضب للحرم والأهل؛ يعني: الانتصار لمن (٤) بمكة، قاله أَبو سفيان غلبةً وعجزًا. وقيل: أرادَ: حبذا يومٌ يلزمك (٥) فيه حفظي وحمايتي (٦) عن المكروه.

стр. 3329

وقال الخطابي: يومُ الذمار: يوم القتل؛ بمعنى: أن يكون له يدٌ فيحمي قومَه (١). (وهي أقل الكتائب، فيهم رسول الله ﷺ وأصحابه): قال القاضي: كذا لجميعهم، ورواه الحميدي في "مختصره": "أَجَلُّ" -بالجيم واللام-؛ من الجلالة، وهي أظهر، وقد يتجه لـ"أقل" وجهٌ، وهي أنها كتيبة المهاجرين، وهم كانوا أقلَّ عددًا من الأنصار (٢). قلت: لا شك في أن المراد قلةُ العدد، لا الاحتقار، هذا ما (٣) لا يُظن بمسلم (٤) اعتقادُه، ولا توهمُه، فهذا وجهٌ لا محيدَ (٥) عنه، ولا ضَيْرَ فيه بهذا الاعتبار، والتصريح بأن النبي ﷺ كان في هذه الكتيبة التي هي أقلُّ عددًا مما سواها من الكتائب قاضٍ بجلالة قدرها، وعظم شأنها ورجحانها على كل شيء سواها، ولو كان ملء الأرض، بل وأضعاف ذلك، فما هذا الذي يُشَمُّ من نفس القاضي في هذا المحل؟ [(قال كذا وكذا): يريد قوله: اليومَ يومُ الملحمة؛ أي: يوم حرب لا تجد فيها مخلصًا؛ إذ يُقال في يوم القتال: لحم فلانٌ فلانًا: إذا قتله] (٦). (بالحَجون): -بفتح الحاء-: موضع بمكة بقرب الصفا.

стр. 3330

(من أعلى مكة من كَداء): -بفتح الكاف والمد-، والتي دخل منها النبي ﷺ كُدَى: -بالضم والقصر-، هذا أصحُّ ما قيل. (فقتل من خيل خالد يومئذ رجلين): كذا في بعض النسخ: بنصب رجلين، وهو يتخرج على رأي الكوفيين في إقامة غيرِ المفعول به مقامَ الفاعل مع وجود المفعول به. وفي بعضها: "رجلان" على الجادة. (حُبيش): بحاء مهملة مضمومة فباء موحدة (١) فياء تصغير فشين معجمة. وقال ابن إسحاق: بضم الخاء المعجمة وبنون وسين مهملة، والأول أصح (٢). * * * باب: دُخُولِ النَّبيِّ ﷺ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ ٢١٨٢ - (٤٢٩٠) - حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّةَ. (أن عائشة أخبرته: أن النبي ﷺ دخل عام الفتح من كداء): قال القاضي: هو (٣) هنا بضم الكاف مقصور، وتابعه على ذلك وهيب، وأبو أسامة.

стр. 3331

وقال عُبيد (١) بن إسماعيل: دخل عام الفتح من أعلى مكة من كداء بالمد (٢). * * * باب ٢١٨٣ - (٤٣٠٠) - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ مَسَحَ وَجْهَهُ عَامَ الْفَتْحِ. (ابن صُعَيْر): بصاد مهملة مضمومة فعين مهملة (٣) فياء تصغير فراء. * * * ٢١٨٤ - (٤٣٠٢) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو قِلَابَةَ: أَلَا تَلْقَاهُ فَتَسْأَلَهُ؟ قَالَ: فَلَقِيتُهُ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: كُنَّا بِمَاءٍ مَمَرَّ النَّاسِ، وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا الرُّكْبَانُ فَنَسْأَلُهُمْ: مَا لِلنَّاسِ؟ مَا لِلنَّاسِ؟ مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ، أَوْحَى إِلَيْهِ. أَوْ: أَوْحَى اللَّهُ بِكَذَا، فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلَامَ، وَكَأَنَّمَا يُغْرَى فِي صَدْرِي، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلَامِهِمِ الْفَتْحَ، فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ، فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ، فَهْوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ،

стр. 3332

فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفَتْحِ، بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ، وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ، قَالَ: جِئْتُكُمْ -وَاللَّهِ- مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَقًا، فَقَالَ: "صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَصَلُّوا كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أكْثَرُكُمْ قُرْآنًا". فَنَظَرُوا، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي؛ لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ، فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبع سِنِينَ، وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ، كُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ، تَقَلَّصَتْ عَنِّي، فقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْحَيِّ: أَلَا تُغَطُّوا عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ؟ فَاشْتَرَوْا، فَقَطَعُوا لِي قَمِيصًا، فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ فَرَحِي بِذَلِكَ الْقَمِيصِ. (عن عمرو بن سلِمة): بكسر اللام. (فكأنما يقرأ في صدري): يقرأ: بالهمزة لأكثرهم، وعند أبي الهيثم: بدون همز؛ من قَرَيْتُ (١) الماء في الحوض: جمعتُه فيه. ويروى: "يُقَرُّ"، بتشديد الراء. ويروى: "تَغَرَّى" -بغين معجمة وراء مشددة-؛ أي: يلصق بالغراء. وقال القاضي: إنه الوجه (٢). (وكانت العرب تَلَوَّم): أصله: "تتَلَوَّم" -بتاءين-، فحذفت إحداهما (٣) تخفيفًا، والتلَوُّم: التربُّصُ والانتظار (٤).

стр. 3333

(ألا تغطُّوا عنا): من التغطية، وحذفت منه النون في حالة الرفع، وقد مر قولُ ابن مالك أنه ثابت في الكلام الفصيح؛ نثرِه ونظمِه. * * * ٢١٨٥ - (٤٣٠٤) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَفَزِعَ قَوْمُهَا إِلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ يَسْتَشْفِعُونَهُ. قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا كَلَّمَهُ أُسَامَةُ فِيهَا، تَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "أَتُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟! ". قَالَ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّمَا أَهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ، تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمِ الضَّعِيفُ، أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا". ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ، فَقُطِعَتْ يَدُهَا، فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَتَزَوَّجَتْ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . (أن امرأة سرقت): هي فاطمةُ بنتُ الأسودِ بنِ هلال، وأبوها الأسودُ قتله حمزةُ يومَ بدر أولَ من قتل (١). (فلجأ (٢) قومها إلى أسامة): أي: فزعوا إليه، وسألوه أن يشفع فيها.

стр. 3334

باب: قول الله : ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٧] ٢١٨٦ - (٤٣٢٢) - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ ابْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ، نَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يُقَاتِلُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَآخَرُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَخْتِلُهُ مِنْ وَرَائِهِ لِيَقْتُلَهُ، فَأَسْرَعْتُ إِلَى الَّذِي يَخْتِلُهُ، فَرَفَعَ يَدَهُ، لِيَضْرِبَنِي، وَأَضْرِبُ يَدَهُ فَقَطَعْتُهَا، ثُمَّ أَخَذَنِي فَضَمَّنِي ضَمًّا شَدِيدًا حَتَّى تَخَوَّفْتُ، ثُمَّ تَرَكَ، فَتَحَلَّلَ، وَدَفَعْتُهُ ثُمَّ قَتَلْتُهُ، وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَانْهَزَمْتُ مَعَهُمْ، فَإِذَا بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي النَّاسِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَمْرُ اللَّهِ، ثُمَّ تَرَاجَعَ النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى قَتِيلٍ قَتَلَهُ، فَلَهُ سَلَبُهُ". فَقُمْتُ لأَلْتَمِسَ بَيِّنَةً عَلَى قَتِيلِي، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَشْهَدُ لِي، فَجَلَسْتُ، ثُمَّ بَدَا لِي، فَذَكَرْتُ أَمْرَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: سِلَاحُ هَذَا الْقَتِيلِ الَّذِي يَذْكُرُ عِنْدِي، فَأَرْضِهِ مِنْهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَلَّا، لَا يُعْطِهِ أُصَيْبع مِنْ قُرَيْشٍ، وَيَدَعَ أَسَدًا مِنْ أُسْدِ اللَّهِ، يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ . قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَدَّاهُ إِلَيَّ، فَاشْتَرَيْتُ مِنْهُ خِرَافًا، فَكَانَ أَوَّلَ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الإسْلَامِ. (يختِله): -بخاء معجمة ومثناة (١) فوقية (٢) مكسورة-؛ أي: يخدعه.

стр. 3335

(أُضَيْبع): رواه أَبو ذر: بضادٍ معجمة وعين مهملة، [تصغير ضَبُع (١)؛ يحقره بذلك، قيل: وهو مناسب لسياق الكلام؛ حيث (٢) قال: ويدع أسدًا، واعترض بأن] (٣) تصغير ضَبُع ضُبَيِّع، لا أُضيبع (٤). وقال ابن مالك: هو تصغير أَضْبَع (٥)، وهو القصيرُ (٦) الضَّبعْ؛ أي: العَضُد، ويكني به عن الضعيف، وإذا قُصدت المبالغة، صُغِّر. ورواه أَبو زيد (٧) بصاد مهملة وغين معجمة، قيل: معناه: أسود؛ أي: أسودُ الجلد، وقيل: سمي بذلك؛ لشامة كانت له فيصبغها. وروي: "أصيبع (٨) ": بصاد وعين مهملتين (٩). (فاشتريت به (١٠) خرافًا): ويروى: "فاشتريت منه". قال السفاقسي: والخَراف: اسمُ ما يُخْتَرَفُ من التمر، أقام (١١) التمرةَ مقامَ الأصل.

стр. 3336

وقيل: الخَراف والمَخْرَف (١) لا يكون جنى النخل، وإنما هي النخلُ (٢) نفسُها، والتمرُ يسمَّى مَخْرَفًا (٣). وقيل بفتح الخَراف، على الأصل وعلى الثمر. والمراد في هذا الحديث: البستان (٤) (٥). * * * باب: غَزْوَةِ أَوْطَاسٍ ٢١٨٧ - (٤٣٢٣) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: لَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ حُنَيْنٍ، بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ عَلَى جَيْشٍ إِلَى أَوْطَاسٍ، فَلَقِيَ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ، فَقُتِلَ دُرَيْدٌ، وَهَزَمَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ، قَالَ أَبُو مُوسَى: وَبَعَثَنِي مَعَ أَبِي عَامِرٍ، فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فِي رُكْبَتِهِ، رَمَاهُ جُشَمِيٌّ بِسَهْمٍ، فَأَثْبَتَهُ فِي رُكْبَتِهِ، فَانُتهَيْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا عَمِّ! مَنْ رَمَاكَ؟ فَأَشَارَ إِلَى أَبِي مُوسَى فَقَالَ: ذَاكَ قَاتِلِي الَّذِي رَمَانِي، فَقَصَدْتُ لَهُ فَلَحِقْتُهُ، فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى، فَاتَّبَعْتُهُ وَجَعَلْتُ أقولُ لَهُ: أَلَا تَسْتَحِي؟ أَلَا تَثْبُتُ؟ فَكَفَّ، فَاخْتَلَفْنَا

стр. 3337

ضَرْبَتَيْنِ بِالسَّيْفِ، فَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ قُلْتُ لأَبِي عَامِرٍ: قَتَلَ اللَّهُ صَاحِبَكَ، قَالَ: فَانْزِعْ هَذَا السَّهْمَ، فَنَزَعْتُهُ، فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءُ، قَالَ: يَا بْنَ أَخِي! أَقْرِئِ النَّبِيَّ ﷺ السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: اسْتَغْفِرْ لِي. وَاسْتَخْلَفَنِي أَبُو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ، فَمَكَثَ يَسِيرًا ثُمَّ مَاتَ، فَرَجَعْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي بَيْتِهِ عَلَى سَرِيرٍ مُرْمَلٍ وَعَلَيْهِ فِرَاشٌ، قَدْ أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ بِظَهْرِهِ وَجَنْبَيْهِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِنَا وَخَبَرِ أَبِي عَامِرٍ، وَقَالَ: قُلْ لَهُ: اسْتَغْفِرْ لِي، فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ". وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ مِنَ النَّاسِ". فَقُلْتُ: وَلِي فَاسْتَغْفِرْ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ، وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُدْخَلًا كَرِيمًا". قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: إِحْدَاهُمَا لأَبِي عَامِرٍ، وَالأُخْرَى لأَبِي مُوسَى. (رماه جُشَمِيٌّ): بجيم مضمومة فشين معجمة مفتوحة فميم (١) فياء نسب. (على سرير مُرْمَل): أي: منسوجٍ بحبل ونحوه. (وعليه فراش): قال السفاقسي: قال الشيخ أَبو الحسن: الذي أحفظ في هذا: ما عليه فراشٌ، قال: وأرى "ما" سقطت هنا (٢).

стр. 3338

باب: غَزْوَةِ الطَّائِفِ في شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ ٢١٨٨ - (٤٣٢٤) - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، سَمِعَ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بنتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمُّهَا أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَعِنْدِي مُخَنَّثٌ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ غَدًا، فَعَلَيْكَ بِابْنَةِ غَيْلَانَ؛ فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ، وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يَدْخُلَنَّ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُنَّ". قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الْمُخَنَّثُ: هِيتٌ. (وعندي مخنث): قال الزركشي: بكسر (١) النون وفتحها (٢): الذي يتشبه بالنساء (٣). زاد (٤) ابن الملقن: كسر النون أفصح، وإن كان الأشهر الفتح (٥). (فعليك بابنة غَيْلانَ): اسمها بادية -بمثناة تحتية قبل هاء التأنيث-، ووقع بخط مغلطاي: بادنة -بالنون-، وكتب عليه: معًا؛ يعني: أنه يقال: بالنون، والياء آخر الحروف (٦). وفي "تجريد الذهبي": أن عبد الرحمن بن عوف تزوجها. (فإنها تُقبل بأربع، وتُدبر بثمان): قال الزركشي: أطرافُ العُكَن

стр. 3339

الأربع التي في بطنها تظهر ثمانيةً في جنبيها (١)، وقال: ثمان، ولم يقل: ثمانية، والأطراف مذكرة؛ لأنه لم يذكُرْها كما يقال: هذا الثوب سبع (٢) في ثمان؛ أي: سبع أذرع في ثمانية أشياء، فلما لم يذكر الأشياء، أنث (٣)؛ لتأنيث الأذرُع التي قبلها (٤). قلت: أحسنُ من هذا أنه جعل كلًّا من الأطراف عكنة؛ تسميةٌ (٥) للجزء باسم الكل، فأنث بهذا الاعتبار. (قال ابن جريج: المخنثُ: هِيت (٦)): -بهاء مكسورة فمثناة تحتية (٧) فمثناة فوقية- هذا هو المشهور. وقال ابن درستويه (٨): -بالهاء المكسورة فنون ساكنة فباء موحدة-، وزعم أن ما سواه تصحيف. وقيل: هيت لقبٌ له، واسمه ماتعٌ، بمثناة فوقية وعين مهملة (٩).

стр. 3340

٢١٨٩ - (٤٣٢٥) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الشَّاعِرِ الأَعْمَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا حَاصَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الطَّائِفَ، فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ شَيْئًا، قَالَ: "إِنَّا قَافِلُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ". فَثَقُلَ عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا: نَذْهَبُ وَلَا نَفْتَحُهُ؟! وَقَالَ مَرَّةً: (نَقْفُلُ). فَقَالَ: "اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ". فَغَدَوْا، فَأَصَابَهُمْ جِرَاحٌ، فَقَالَ: "إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ". فَأَعْجَبَهُمْ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ . وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: فَتَبَسَّمَ. قَالَ: قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الْخَبَرَ كُلَّهُ. (عن أبي العباس الشاعر الأعمى، عن عبد الله بن عُمَر): -بضم العين وفتح الميم- هذا هو الصحيح، ومنهم من (١) [يقول]: عمرو -بعين مفتوحة وميم ساكنة-، وغُلِّط (٢) قائلُه. (حدثنا (٣) سفيانُ (٤) الخبرَ كلَّه): -بالنصب (٥) -، ويروى: "بالخبرِ (٦) كلِّه". * * * ٢١٩٠ - (٤٣٢٦ و ٤٣٢٧) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدًا،

стр. 3341

وَهْوَ أَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَبَا بَكْرَةَ، وَكَانَ تَسَوَّرَ حِصْنَ الطَّائِفِ فِي أُنَاسٍ، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَا: سَمِعْنَا النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، وَهْوَ يَعْلَمُ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ". (تسوَّرَ حصَن الطائف): أي: صَعِدَ من أعلاه. * * * ٢١٩١ - (٤٣٢٨) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ نَازِلٌ بِالْجِعْرَانةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: أَلَا تُنْجِزُ لِي مَا وَعَدْتَنِي؟ فَقَالَ لَهُ: "أَبْشِرْ". فَقَالَ: قَدْ أَكْثَرْتَ عَلَيَّ مِنْ أَبْشِرْ، فَأَقْبَلَ عَلَى أَبِي مُوسَى وَبِلَالٍ كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ، فَقَالَ: "رَدَّ الْبُشْرَى، فَاقْبَلَا أَنْتُمَا". قَالَا: قَبِلْنَا، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: "اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا، وَأَبْشِرَا". فَأَخَذَا الْقَدَحَ، فَفَعَلَا، فَنَادَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ: أَنْ أَفْضِلَا لأُمِّكُمَا، فَأَفْضَلَا لَهَا مِنْهُ طَائِفَةً. (بالجعرانة بين مكة والمدينة): قيل: إنه وَهْم، والصواب: بين مكةَ والطائف (١).

стр. 3342

٢١٩٢ - (٤٣٣٠) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ: لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، قَسَمَ فِي النَّاسِ فِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا، فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا إِذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ، فَخَطَبَهُمْ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ ". كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قَالَ: "مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ ". قَالَ: كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قَالَ: "لَوْ شِئْتُمْ قُلْتُمْ: جِئْتَنَا كَذَا وَكَذَا، أَتَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ والْبَعِيرِ، وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ لَوْلَا الْهِجْرَةُ، لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا، لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا، الأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ، إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ". (الأنصار شِعار): هو ما يلي الجسدَ، وهو تشبيهٌ بَليغ. (والناسُ دِثار): و (١) هو ما فوقَ الشِّعار، يريد: أن الأنصار أقربُ الناس إليه. * * * ٢١٩٣ - (٤٣٣٣) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ: أَنْبَأَنَا هِشَامُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَنَس، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: لَمَّا

стр. 3343

كَانَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، الْتَقَى هَوَازِنُ، وَمَعَ النَّبِيِّ ﷺ عشَرَةُ آلَافٍ، وَالطُّلَقَاءُ، فَأَدْبَرُوا، قَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! "، قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، لَبَّيْكَ نَحْنُ بَيْنَ يَدَيْكَ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ"، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، فَأَعْطَى الطُّلَقَاءَ وَالْمُهَاجِرِينَ، وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا، فَقَالُوا، فَدَعَاهُمْ فَأَدْخَلَهُمْ فِي قُبَّةٍ، فَقَالَ: "أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ "، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا، وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا، لَاخْتَرْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ". (ومع النبي ﷺ عشرة آلاف): أي: من المهاجرين، وفي الرواية الثانية: "عشرة آلاف من الطُّلَقاء": -بضم الطاء وفتح اللام (١) والمد-: جمع طليق، وهم الذين مَنَّ (٢) عليهم النبي ﷺ يوم فتح مكة، ولم يقتلهم، فمنهم: أَبو سفيانَ بنُ حَرْب، وابنه معاوية، وحَكيمُ بنُ حِزام، وبُدَيْل (٣) ابنُ وَرْقاء، وغيرهم، سُمُّوا بذلك؛ لأن النبي ﷺ مَنَّ عليهم وأطلقهم (٤). * * * ٢١٩٤ - (٤٣٣٤) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: "إِنَّ قُرَيْشًا حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ

стр. 3344

وَمُصِيبَةٍ، وَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَجْبُرَهُمْ وَأَتَأَلَّفَهُمْ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى بُيُوتِكُمْ؟ "، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا، وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ، أَوْ شِعْبَ الأَنْصَارِ". (إن قريشًا حديثُ عهدٍ بجاهلية): قال الزركشي: صوابُه "حديثو عهدٍ" (١). قلت: قد مر هذا، ومرَّ ردُّه وتخريجه على وجه صواب (٢). (أردت أن أُجيزهم): من الإجازة، بالزاي. ويروى بالجيم والموحدة والراء؛ من الجَبْر ضد الكَسْر (٣). * * * ٢١٩٥ - (٤٣٣٧) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ، أَقْبَلَتْ هَوَازِنُ وَغَطَفَانُ وَغَيْرُهُمْ بِنَعَمِهِمْ وَذَرَارِّيهِمْ، وَمَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَمِنَ الطُّلَقَاءِ، فَأَدْبَرُوا عَنْهُ حَتَّى بَقِيَ وَحْدَهُ، فَنَادَى يَوْمَئِذٍ نِدَاءَيْنِ لَمْ يَخْلِطْ بَيْنَهُمَا، الْتَفَتَ عَنْ يَمِينِهِ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! "، قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبْشِرْ

стр. 3345

نَحْنُ مَعَكَ، ثُمَّ الْتَفَتَ عَنْ يَسَارِهِ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! "، قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ، وَهْوَ عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ، فَنَزَلَ فَقَالَ: "أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ"، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، فَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ غَنَائِمَ كثِيرَةً، فَقَسَمَ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالطُّلَقَاءِ، وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: إِذَا كَانَتْ شَدِيدَةٌ، فَنَحْنُ نُدْعَى، وُيعْطَى الْغَنِيمَةَ غَيْرُنَا. فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟ "، فَسَكَتُوا، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَحُوزُونَهُ إِلَى بُيُوتِكُمْ؟ "، قَالُوا: بَلَى، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : "لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا، وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا، لأَخَذْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ". فَقَالَ هِشَامٌ: يَا أَبَا حَمْزَةَ! وَأَنْتَ شَاهِدٌ ذَاكَ؟ قَالَ: وَأَيْنَ أَغِيبُ عَنْهُ؟ (فنادى يومئذ نداءين): -تثنية نداء بالمد-، ويروى: "ناديين" تثنية نادٍ، وهم أهل المجلس (١). * * * باب: بَعْثِ النَّبيِّ ﷺ خَالِدَ بنَ الوَليدِ إِلَى بَني جَذِيْمَةَ ٢١٩٦ - (٤٣٣٩) - حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. وَحَدَّثَنِي نُعَيْمٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خالِدَ بْنَ الْوَليدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ، فدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا، فَجَعَلُوا

стр. 3346

يَقُولُونَ: صَبَأْنَا صَبَأْنَا، فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ! لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي، وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَكَرْنَاهُ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ فَقَالَ: "اللَّمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ"، مَرَّتَيْنِ. (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد): يحتمل "ما" فيه (١) أن تكون مصدرية، وأن تكون موصولة. قال الخطابي: إنما نَقِمَ النبيُّ ﷺ على خالد في استعجاله في شأنهم، وترك التثبت في أمرهم إلى أن يستبرئ المراد من قولهم: صبأنا، وتأولَ خالدٌ أنه كان مأمورًا بقتالهم إلى أن (٢) يُسلموا، ولم يوجد منهم لفظ صريح يقتضي الدخولَ في الإسلام، فنفذ خالدٌ قتلهم لانتفاء شرط حقن الدم، وعذرَ النبيُّ ﷺ خالدًا؛ لأنه متأوِّل، فلم ير (٣) عليه قَوَدًا، ولم يذكر فيه دية ولا كفارة (٤). وروى ابن سعد: أن النبي ﷺ بعث عليًا، فودَى لهم (٥) قتلاهم (٦).

стр. 3347

باب: سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ، وُيقَالُ: إِنَّهَا سَرِيَّةُ الأَنْصَارِي (سرية عبد الله بن حُذافة السهمي، وعلقمة بن مُجَزِّزٍ المدلجيِّ): قيده كافة الرواة على ما حكاه القاضي: بحاء مهملة فراء فزاي، على صيغة اسم الفاعل من أحرز. وقيده بعضهم عن القابسي على الصواب: مُجَزِّز -بجيم وزايين أولاهما مشددة مكسورة-، وحكي فتحها. قال عبد الغني: والصوابُ الكسر (١)؛ لأنه جزَّ نواصيَ أُسارى (٢) العرب (٣). ٢١٩٧ - (٤٣٤٠) - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً، فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ، فَقَالَ: أَلَيْسَ أَمَرَكُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُطِيعُونِي؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا، فَجَمَعُوا، فَقَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا، فَأَوْقَدُوهَا، فَقَالَ: ادْخُلُوهَا، فَهَمُّوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا، وَيَقُولُونَ: فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنَ النَّارِ، فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتِ النَّارُ، فَسَكَنَ غَضَبُهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "لَوْ دَخَلُوهَا، مَا خَرَجُوا مِنْهَا

стр. 3348

إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ". (واستعمل رجلًا من الأنصار): قال ابن سعد: هو عبدُ الله بنُ حُذافةَ السَّهْمِيُّ، وكانت فيه دَعابةٌ. وقيل: هو علقمةُ بن مُجَزِّزٍ (١)، ولكن تعجل علقمة، فأمَّر عليهم عبدَ الله (٢). (فما زالوا حتى خمَدت النار): -بفتح الميم-: انطفأ لَهَبُها. * * * باب: بَعْثِ أَبِي مُوسَى ومُعَاذٍ إلى اليَمَنِ قَبْلَ حَجَّةِ الوَدَاعِ ٢١٩٨ - (٤٣٤١ و ٤٣٤٢) - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانة، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا مُوسَى، وَمُعَاذَ ابْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ، قَالَ: وَبَعَثَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مِخْلَافٍ، قَالَ: وَالْيَمَنُ مِخْلَافَانِ، ثُمَّ قَالَ: "يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا". فَانْطَلَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى عَمَلِهِ، وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا سَارَ فِي أَرْضِهِ، كَانَ قَرِيبًا مِنْ صَاحِبِهِ أَحْدَثَ بِهِ عَهْدًا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَسَارَ مُعَاذٌ فِي أَرْضِهِ قَرِيبًا مِنْ صَاحِبِهِ أَبِي مُوسَى، فَجَاءَ يَسِيرُ عَلَى بَغْلَتِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ، وَإِذَا هُوَ جَالِسٌ، وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ، وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ قَدْ جُمِعَتْ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ! أيمَ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا رَجُلٌ كَفَرَ

стр. 3349

بَعْدَ إِسْلَامِهِ، قَالَ: لَا أَنْزِلُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَالَ: إِنَّمَا جِيءَ بِهِ لِذَلِكَ، فَانْزِلْ، قَالَ: مَا أَنْزِلُ حَتَّى يُقْتَلَ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ، ثُمَّ نزَلَ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَهِ! كَيْفَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: أَتَفَوَّقُهُ تَفَوُّقًا، قَالَ: فَكَيْفَ تَقْرَأُ أَنْتَ يَا مُعَاذُ؟ قَالَ: أَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَأَقُومُ وَقَدْ قَضَيْتُ جُزْئِي مِنَ النَّوْمِ، فَأَقْرَأُ مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي، فَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي. (على مخلاف): هو في لسان أهل اليمن كالرستاق (١)، وقيل: الإقليم (٢). (أَيُّمَ هذا): أي: أَيُّ شيءٍ هذا؟ وأصلُه أَيُّما، و"أَيُّ" استفهامية، و"ما" بمعنى شيء (٣)، إلا أنه حذف الألف تخفيفًا. (أتفوَّقُه تفوقًا): أي أقرؤه شيئًا بعد شيء في آناء الليل والنهار، يريد لا أقرؤه (٤) مرة واحدة، بل أفرق (٥) قراءته على أوقات، مأخوذٌ من فُواق الناقة؛ أي: تُحْلَب ثم تُتْرَك ساعة حتى تدرَّ، ثم تُحلب. (فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم): قال الزركشي: قيل: الوجه: قضيت أَربي (٦).

стр. 3350

قلت: وهذا من التحكُّمات العارية من الدليل (١). * * * ٢١٩٩ - (٤٣٤٦) - حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَائِذٍ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ طَارِقَ بْنَ شِهَابٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ ﵁، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَرْضِ قَوْمِي، فَجِئْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنِيخٌ بِالأَبْطَحِ، فَقَالَ: "أَحَجَجْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "كَيْفَ قُلْتَ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ إِهْلَالًا كَإِهْلَالِكَ، قَالَ: "فَهَلْ سُقْتَ مَعَكَ هَدْيًا؟ "، قُلْتُ: لَمْ أَسُقْ، قَالَ: "فَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَاسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حِلَّ"، فَفَعَلْتُ حَتَّى مَشَطَتْ لِي امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ بَنِي قَيْسٍ، وَمَكُثْنَا بِذَلِكَ حَتَّى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ. (عباس بن الوليد): -بموحدة وسين مهملة-، وهو النَّرْسِيُّ. وقيده الدمياطي بمثناة تحتية وشين معجمة، وهو الرقاشي، وكلاهما من شيوخ البخاري (٢).

стр. 3351

باب: بَعْثِ عَليِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ وخالدِ بنِ الوَليدِ إِلَى اليَمَنِ قَبْلَ حَجَّةِ الوَدَاعِ ٢٢٠٠ - (٤٣٤٩) - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى الْيَمَنِ، قَالَ: ثُمَّ بَعَثَ عَلِيًّا بَعْدَ ذَلِكَ مَكَانَهُ، فَقَالَ: "مُرْ أَصْحَابَ خَالِدٍ، مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ أَنْ يُعَقِّبَ مَعَكَ، فَلْيُعَقِّبْ، وَمَنْ شَاءَ، فَلْيُقْبِلْ". فَكُنْتُ فِيمَنْ عَقَّبَ مَعَهُ، قَالَ: فَغَنِمْتُ أَوَاقٍ ذَوَاتِ عَدَدٍ. (من شاء منهم أن يعقِّبَ): التعقيب (١): أن يعود الجيش بعد القُفول ليصيبوا غِرَّةً من العدوِّ. قاله الخطابي (٢). * * * ٢٢٠١ - (٤٣٥٠) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ مَنْجُوفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا إِلَى خَالِدٍ لِتَقْبِضَ الْخُمُسَ، وَكُنْتُ أُبْغِضُ عَلِيًّا، وَقَدِ اغْتَسَلَ، فَقُلْتُ لِخَالِدٍ: أَلَا تَرَى إِلَى هَذَا؟ فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "يَا بُرَيْدَةُ! أَتُبْغِضُ

стр. 3352

عَلِيًّا؟ "، فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "لَا تُبْغِضْهُ؛ فَإِنَّ لَهُ فِي الْخُمُسِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ". (أتبغض عليًا؟ قلت: نعم): قال الحافظ أَبو ذر (١): إنما أبغَضَه؛ لأنه رآه أخذَ من المغنم، فظنَّ أنه غَلَّ، فلما أعلمَه النبيُّ ﷺ أنه أخذ أقلَّ من حقه، أَحَبَّه، ﵃ أجمعين (٢). * * * ٢٢٠٢ - (٤٣٥١) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، عَنْ عُمَارَةَ ابْنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ شُبْرُمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي نُعْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْيَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ، لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا، قَالَ: فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ، وَأَقْرَعَ بْنِ حَابِسٍ، وَزَيْدِ الْخَيْلِ، وَالرَّابِعُ: إِمَّا عَلْقَمَةُ، وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا مِنْ هَؤُلَاءِ، قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً؟! ". قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، مُشْرِفُ الْوَجْنتَيْنِ، نَاشِزُ الْجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، مُشَمَّرُ الإِزَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اتَّقِ اللَّهَ، قَالَ: "وَيْلَكَ! أَوَ لَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ؟! ". قَالَ: ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ. قَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟

стр. 3353

قَالَ: "لَا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي". فَقَالَ خَالِدٌ: وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ قُلُوبَ النَّاسِ، وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ". قَالَ: ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ وَهْوَ مُقَفٍّ، فَقَالَ: "إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ رَطْبًا، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ -وَأَظُنُّهُ قَالَ:- لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ، لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ". (بذُهَيبةٍ): تصغير ذَهَبَةٍ، وهي القطعةُ من الذهب. (في أديم مقروظٍ): أي: مدبوغ بالقَرَظ. (لم تُحَصَّلْ من ترابها): أي: لم تحصَّلْ من تراب المعدِن بالسَّبك. (والرابعُ إما علقمة، وإما عامر بنُ الطفيل): قيل: الشك في عامر هنا وَهم؛ لأنه لم يُسلم، ولا عُدَّ في المؤلفة، ولا أدركَ هذا، بل مات كافرًا. قيل: والصحيحُ علقمةُ، من غير شك (١). (ناشز الجبهة): -بالزاي- في أكثر النسخ؛ أي: مرتفعها، ووقع في بعض أصول البخاري بالراء (٢). (أن أَنْقُب): رواه ابن ماهان بسكون النون وضم القاف [مع فتح (٣) الهمزة، وعند غيره بضم الهمزة وفتح النون وتشديد القاف] (٤) المكسورة،

стр. 3354

فالأولُ بمعنى: أَشُق، والثاني بمعنى: أُفتش وأَبحث (١). (وهو مُقَفٍّ (٢)): أي: مُوَلِّ قَفاه. وفي بعض النسح: "وهو مُقَفِّي" بإثبات الياء بناء على الوقف في مثله بالياء، وهو وجه صحيح قرأ به ابن كثير في: ﴿هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]، و [وَالٍ﴾ [الرعد: ١١]؛ و ﴿وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٤]، و ﴿بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، لكن الوقف بحذفها أقيسُ وأكثر، ولا يجوز في الوصل إلا الحذفُ، ومن أثبتها وقفًا، أثبتها (٣) خَطًّا؛ رعاية لحال الوقف، وعليه تتخرج هذه النسخة (٤). (يتلون كتاب الله رَطْبًا): قيل: يعني (٥) أنه يواظب على القراءة، فلا يزال لسانه رطبًا بها. وقيل: هو من تحسين الصوت في القرآن. قال السفاقسي: ويكون -أيضًا- من الحِذْق بالقراءة، فيمر لسانه عليها مَرًّا لا يتغير ولا ينكس. وقيل: يريد: الذي لا شدة في صوت قارئه، فهو لَيِّنٌ رَطْبٌ (٦).

стр. 3355

باب: غَزْوَةِ ذِي الْخَلَصَةِ (غزوة ذي الخَلَصَة): تقدم ضبطه. ٢٢٠٣ - (٤٣٥٥) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، حَدَّثَنَا بَيَانٌ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: كَانَ بَيْتٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُقَالُ لَهُ: ذُو الْخَلَصَةِ، وَالْكَعْبَةُ الْيَمَانِيةُ، وَالْكَعْبَةُ الشَّأْمِيَّةُ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : "أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ؟ "، فَنَفَرْتُ فِي مِئَةٍ وَخَمْسِينَ رَاكِبًا، فَكَسَرْنَاهُ، وَقتلْنَا مَنْ وَجَدْنَا عِنْدَهُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَدَعَا لَنَا وَلأحْمَسَ. (كان بيتٌ في الجاهلية يقال له: ذو الخلصة، والكعبة اليمانية (١)، والكعبة الشأمية): قال الزركشي: هذا وهم، وصوابه: والتي بمكةَ الكعبةُ الشامية، فالكعبةُ الشامية (٢) رفعٌ بالابتداء غير معطوف (٣). قلت: جرى على عادته في الجرأة على التوهيم من غير تثبت. وقد تكفل السهيلي برفع هذا الإشكال، فقال: اللام من قوله: "يقال له" لام العِلَّة؛ أي: إن وجود هذا البيت الحادث كان يُقال لأجله: الكعبة اليمانية (٤)، والكعبة الشامية، يريد: أن السبب الحامل على وصف الكعبة الحرام بالشامية قصدُ تمييزها من هذا البيت الخبيث الذي سموه بالكعبة اليمانية، وأما (٥) قبل وجوده، فكانت الكعبة لا تحتاج

стр. 3356

إلى وصف، وإذا (١) أُطلقت، فلا يراد بها إلا البيتُ الحرام؛ لعدم المزاحم. فقد زال الإشكال، واضمحل التوهيم (٢)، ولله الحمد. * * * باب: غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، وَهْيَ غَزْوَةُ لَخْمٍ وَجُذَامَ (غزوة ذات السلاسل): مما يلي طريقَ الشام، كانت سنة (٣) سبع، وقيل: ثمان، وسميت بذلك (٤)؛ لأن المشركين ارتبطَ بعضُهم إلى بعض لئلا يَفروا. ٢٢٠٤ - (٤٣٥٨) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: "عَائِشَةُ". قُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: "أَبُوهَا". قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "عُمَرُ". فَعَدَّ رِجَالًا، فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَنِي فِي آخِرِهِمْ. (ثنا (٥) خالد بن عبد الله، عن خالد الحذاء): الأول: هو (٦) الطحان،

стр. 3357

وأما الثاني: فقيل له: الحذاء؛ لأنه (١) كان يجلس إلى حَذَّاء، فَنُسب إليه، ويقال: إنه ما حذا قَطُّ. * * * باب: وَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ ٢٢٠٥ - (٤٣٧١) - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ -هُوَ ابْنُ طَهْمَانَ-، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: أَوَّلُ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ، بَعْدَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ فِي مَسْجدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فِي مَسْجدِ عَبْدِ الْقَيْسِ بِجُوَاثَى. يَعْنِي: قَرْيَةً مِنَ الْبَحْرَيْنِ. (بجُواثَى من البحرين): بجيم مضمومة فواو مخففة فألف فمثلثة فألف، ومنهم من يهمز الواو. * * * باب: وَفْدِ بني حَنِيفَةَ، وحَدِيثِ ثُمَامَةَ بنِ أُثَالٍ ٢٢٠٦ - (٤٣٧٦) - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مَهْدِيَّ ابْنَ مَيْمُونٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيَّ يَقُولُ: كنَّا نَعْبُدُ الْحَجَرَ، فَإِذَا وَجَدْنَا حَجَرًا هُوَ أَخْيَرُ مِنْهُ، أَلْقَيْنَاهُ، وَأَخَذْنَا الآخَرَ، فَإِذَا لَمْ نَجدْ حَجَرًا، جَمَعْنَا جُثْوَةً مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ جِئْنَا بِالشَّاةِ، فَحَلَبْنَاهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُفْنَا بِهِ، فَإِذَا

стр. 3358

دَخَلَ شَهْرُ رَجَبٍ، قُلْنَا: مُنَصِّلُ الأَسِنَّةِ، فَلَا نَدَعُ رُمْحًا فِيهِ حَدِيدَةٌ، وَلَا سَهْمًا فِيهِ حَدِيدَةٌ إِلَّا نَزَعْنَاهُ، وَأَلْقَيْنَاهُ شَهْرَ رَجَبٍ. (جثْوَة من تراب): -بجيم تحرك بكل من الحركات الثلاث بعدها ثاء مثلثة-: هي القطعة من التراب. (مُنصل الأَسِنَّة): مُنَصِّل مثلُ مُخَرِّج وزنًا ومعنى، وإنما سموه بذلك؛ لأنهم كانوا ينزعون الأسنة فيه، ولا يغزون (١)، ولا يُغير بعضُهم على بعض (٢). * * * قِصَّةُ الأَسْوَدِ العَنْسِيِّ ٢٢٠٧ - (٤٣٧٩) - قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، عَنْ رُؤْيَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي ذَكَرَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، أُرِيتُ أَنَّهُ وُضعَ فِي يَدَيَّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَفُظِعْتُهُمَا وَكَرِهْتُهُمَا، فَأُذِنَ لِي، فَنَفَخْتُهُمَا، فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ". فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيُّ الَّذِي قَتَلَهُ فَيْرُوزُ بِالْيَمَنِ، وَالآخَرُ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ. (ففظِعتهما): -بفاء فظاء معجمة مكسورة فعين-؛ من قولك: شيءٌ فَظيع؛ أي: شديد. قال ابن الأثير: هكذا رُوي متعديًا، والمعروف: فُظِعْتُ به، أو منه،

стр. 3359

والتعدية من باب الحمل على المعنى؛ لأنه بمعنى: أكبرتُهما، وخفتُهما (١). * * * قِصَّةُ أَهْلِ نَجْرانَ ٢٢٠٨ - (٤٣٨٠) - حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: جَاءَ الْعَاقِبُ وَالسَّيِّدُ، صَاحِبَا نَجْرَانَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرِيدَانِ أَنْ يُلَاعِنَاهُ، قَالَ: فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لَا تَفْعَلْ، فَوَاللَّهِ! لَئِنْ كَانَ نبِيًّا، فَلَاعَنَّا، لَا نُفْلِحُ نَحْنُ وَلَا عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا. قَالَا: إِنَّا نُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَنَا، وَابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا أَمِينًا، وَلَا تَبْعَثْ مَعَنَا إِلَّا أَمِينًا. فَقَالَ: "لأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ". فَاسْتَشْرَفَ لَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ". فَلَمَّا قَامَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ". (عباس بن الحسين): بموحدة وسين مهملة. * * * باب: قِصَّةِ عُمَانَ وَالْبَحْرَيْنِ (عُمان): بضم العين المهملة وتخفيف الميم. * * * باب: قُدُومِ الأَشْعَريينَ وأهْلِ اليَمَنِ ٢٢٠٩ - (٤٣٨٥) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ، عَنْ

стр. 3360

أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ زَهْدَمٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ أَبُو مُوسَى، أَكْرَمَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ جَرْمٍ، وَإِنَّا لَجُلُوسٌ عِنْدَهُ، وَهْوَ يَتَغَدَّى دَجَاجًا، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ جَالِسٌ، فَدَعَاهُ إِلَى الْغَدَاءِ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا، فَقَذِرْتُهُ، فَقَالَ: هَلُمَّ؛ فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُهُ، فَقَالَ: إِنِّي حَلَفْتُ لَا آكُلُهُ، فَقَالَ: هَلُمَّ أُخْبِرْكَ عَنْ يَمِيِنكَ: إِنَّا أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ نَفَرٌ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ، فَاسْتَحْمَلْنَاهُ، فَأَبَى أَنْ يَحْمِلَنَا، فَاسْتَحْمَلْنَاهُ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أُتِيَ بِنَهْبِ إِبِلٍ، فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ، فَلَمَّا قَبَضْنَاهَا، قُلْنَا: تَغَفَّلْنَا النَّبِيَّ ﷺ يَمِينَهُ، لَا نُفْلِحُ بَعْدَهَا أَبَدًا، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا، وَقَدْ حَمَلْتَنَا؟ قَالَ: "أَجَلْ، وَلَكِنْ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا". (فقذِرته): -بكسر الذال المعجمة-؛ أي: كرهتُه. * * * قِصَّةُ دَوْسٍ والطُّفَيلِ بنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ ٢٢١٠ - (٤٣٩٢) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: جَاءَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ دَوْسًا قَدْ هَلَكَتْ، عَصَتْ وَأَبَتْ، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا، وَأْتِ بِهِمْ". (إن دوسًا قد هلكَتْ، عصتْ وأَبَتْ): [قال السفاقسي: أنكر الداودي

стр. 3361

قوله: هَلَكَتْ، وقال: ليس هو بمحفوظ، إنما قال: أَبَتْ وعَصَتْ] (١) (٢). * * * ٢٢١١ - (٤٣٩٣) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ: يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا ... عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الْكُفْرِ نَجَّتِ وَأَبَقَ غُلَامٌ لِي فِي الطَّرِيقِ، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَبَايَعْتُهُ، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الْغُلَامُ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! هَذَا غُلَامُكَ". فَقُلْتُ: هُوَ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَعْتَقْتُهُ. (وأَبَقَ لي غلام في الطريق) (٣): قال السفاقسي: وهم، إنما ضَلَّ كلُّ واحد منهما من صاحبه (٤). * * * باب: حَجَّةِ الوَدَاعِ ٢٢١٢ - (٤٤٠٠) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا

стр. 3362

فُلَيْحٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ، وَهْوَ مُرْدِفٌ أُسَامَةَ عَلَى الْقَصْوَاءَ، وَمَعَهُ بِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، حَتَّى أَنَاخَ عِنْدَ الْبَيْتِ، ثُمَّ قَالَ لِعُثْمَانَ: "ائْتِنَا بِالْمِفْتَاحِ"، فَجَاءَهُ بِالْمِفْتَاحِ، فَفَتَحَ لَهُ الْبَابَ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَأُسَامَةُ وَبِلَالٌ وَعُثْمَانُ، ثُمَّ أَغْلَقُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ، فَمَكَثَ نهَارًا طَوِيلًا، ثُمَّ خَرَجَ وَابْتَدَرَ النَّاسُ الدُّخُولَ، فَسَبَقْتُهُمْ، فَوَجَدْتُ بِلَالًا قَائِمًا مِنْ وَرَاءَ الْبَابِ، فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: صَلَّى بَيْنَ ذَيْنِكَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ، وَكَانَ الْبَيْتُ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ، سَطْرَيْنِ، صَلَّى بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ مِنَ السَّطْرِ الْمُقَدَّمِ، وَجَعَلَ بَابَ الْبَيْتِ خَلْفَ ظَهْرِهِ، وَاسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الَّذِي يَسْتَقْبِلُكَ حِينَ تَلِجُ الْبَيْتَ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجدَارِ. قَالَ: وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ: كَمْ صَلَّى؟ وَعِنْدَ الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَرْمَرَةٌ حَمْرَاءُ. (وكان البيت على ستة أعمدة، سطرين): كذا للجماعة، بسين مهملة، وعند الأصيلي بالمعجمة، قال القاضي: وهو تصحيف (١). * * * ٢٢١٣ - (٤٤٠٦) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "الزَّمَانُ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَةِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَة حُرُمٌ: ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ،

стр. 3363

وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ "، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: "أليسَ ذُو الْحِجَّةِ؟ "، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: "فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ "، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: "أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ؟ "، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: "فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ "، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: "أليْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ "، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ -قَالَ مُحَمَّد: وَأَحْسِبُهُ قَالَ:- وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُّمْ، فَسَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلَّغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ". فَكَانَ مُحَمَّدٌ إِذَا ذَكَرَهُ يَقُولُ: صَدَقَ مُحَمَّدٌ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: "أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ "، مَرَّتَيْنِ. (ورجب مضر): أضيف إليهم؛ لأنهم كانوا يبالغون (١) في حرمته، وأفادت هذه الإضافة تخليصَ رجبٍ الحقيقيِّ من رجبٍ الذي كانوا ينقلون إليه. * * * باب: غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَهْيَ غَزْوَةُ الْعُسْرَةِ (غزوة تبوك، وهي غزوة العسيرة (٢)): -بالسين المهملة-، وقد تقدم

стр. 3364

سبب تسميتها بذلك في أول المغازي. * * * ٢٢١٤ - (٤٤١٥) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسُامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْأَلُهُ الْحُمْلَانَ لَهُمْ؛ إِذْ هُمْ مَعَهُ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ، وَهْيَ عَزْوَةُ تَبُوكَ، فَقُلْتُ: يَا نبَيَّ اللَّهِ! إِنَّ أَصْحَابِي أَرْسَلُونِي إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ، فَقَالَ: "وَاللَّهِ! لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ". وَوَافَقْتُهُ وَهْوَ غَضْبَانُ وَلَا أَشْعُرُ، وَرَجَعْتُ حَزِينًا مِنْ مَنْعِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمِنْ مَخَافَةِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ وجَدَ فِي نَفْسِهِ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي، فَأَخْبَرْتُهُمُ الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا سُوَيْعَةً إِذْ سَمِعْتُ بِلَالًا يُنَادِي: أَيْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ! فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوكَ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ، قَالَ: "خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ، وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ -لِسِتَّةِ أَبْعِرَةٍ ابْتَاعَهُنَّ حِينَئِذٍ مِنْ سَعْدٍ-، فَانْطَلِقْ بِهِنَّ إِلَى أَصْحَابِكَ، فَقُلْ: إِنَّ اللَّهَ، أَوْ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ، فَارْكبُوهُنَّ". فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِمْ بِهِنَّ، فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَلَكِنِّي -وَاللَّهِ- لَا أَدَعُكُمْ حَتَّى يَنْطَلِقَ مَعِي بَعْضُكُمْ إِلَى مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَا تَظُنُّوا أَنِّي حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا لِي: إِنَّكَ عِنْدَنَا لَمُصَدَّقٌ، وَلَنَفْعَلَنَّ مَا أَحْبَبْتَ، فَانْطَلَقَ أَبُو مُوسَى بِنَفَرٍ مِنْهُمْ، حَتَّى أتَوُا الَّذِينَ سَمِعُوا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْعَهُ إِيَّاهُمْ، ثُمَّ إِعْطَاءَهُمْ بَعْدُ، فَحَدَّثُوهُمْ بِمِثْلِ مَا حَدَّثَهُمْ بِهِ أَبُو مُوسَى.

стр. 3365

(هذين القرينين): أي: الجَمَلَين المشدودِ أحدُهما إلى الآخر، ويروى: "هاتين القرينتين"، بالتأنيث. (لستة أبعرة ابتاعهم من سعد): حق الكلام أن يؤتى بضمير المؤنث، فيقال: ابتاعَهُنَّ، أو: ابتاعَها (١). * * * حَدِيْثُ كَعْبِ بِنِ مَالِكٍ ٢٢١٥ - (٤٤١٨) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ قِصَّةِ تَبُوكَ، قَالَ كَعْبٌ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهَا، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ، وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإسْلَامِ، وَمَا أُحُبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا، كَانَ مِنْ خَبَرِي: أَنِّي لَمْ أكنْ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزْاةِ، وَاللَّهِ! مَا اجْتَمَعَتْ عِنْدِي قَبْلَهُ رَاحِلَتَانِ قَطُّ، حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا،
следующие страницы →