مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ فِيمَا بَقِيتُ. وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولهِ ﷺ : ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]. فَواللَّهِ! مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ، بَعْدَ أَنْ هَدَانِي لِلإسْلَامِ، أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ؛ فَأَهْلِكَ كمَا هَلَكَ الذِينَ كَذَبُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا -حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ- شَرَّ مَا قَالَ لأَحَدٍ، فَقَالَ ﵎: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ﴾ إِلَى قَوْلهِ: ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦].
قالَ كَعْبٌ: وَكُنَّا تَخَلَّفْنَا -أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ- عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ حَلَفُوا لَهُ، فَبَايَعَهُمْ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللَّهُ فِيهِ، فَبِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوية: ١١٨]، وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمَّا خُلِّفْنَا عَنِ الْغَزْوِ، إِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا، وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا، عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَقَبِلَ مِنْهُ.
(ولم يُعاتب أحد تخلف عنها): قال الزركشي: كذا هنا، وقد تقدم في غزوة بدر بهذا السند نفسه: "ولم يعاتبِ اللهُ أحدًا تخلَّفَ عنها" (١)(٢).
قلت: هذا لفظ مما روي هناك، وثَمَّ لفظ آخرُ هناك موافقٌ لما هنا، على أن الأول ليس بمعارض لما هناك من اللفظ الآخر، ولا لما هنا.
стр. 3372
(حتى إذا (١) اشتدَّ الناسُ (٢) الجِدَّ): -بكسر الجيم- لجمهور (٣) الرواة، وهو الاجتهادُ في الشيء، والمبالغةُ فيه، و"الناسُ" فاعل اشتد، والجدَّ مصدرٌ نوعي؛ أي: اشتداد الجدِّ، وجُوز أن يكون منصوبًا على إسقاط الخافض؛ أي: في الجد، لكن هذا غيرُ مَقيس، وعند ابن السَّكن: "للناس"، فيكون "الجدُّ" مرفوعًا على أنه فاعل "اشتدَّ"، وهو ظاهر (٤).
(وتفارَطَ الغزو): أي: سبقَ وفاتَ.
(أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصًا عليه النفاقُ): قال الزركشي: بفتح أَنَّ على التعليل (٥).
قلت: ليس بصحيح، إنما هي وصِلَتُها فاعلُ أَحزنني.
ومغموصًا: بغين معجمة وصاد مهملة؛ أي: يُظن به النفاقُ، ويُتهم به.
(فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله! حبسه برداه: الرجل القائل: هو عبد الله بن أُنيس، قاله الواقدي في "المغازي".
(مُرارَةُ بنُ الربيع، وهلالُ بنُ أميةَ الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا): استُغْرِب هذا؛ فإن أهل السير لم يذكروا واحدًا منهما
стр. 3373
فيمن شهد بدرًا، ولا يعرف ذلك في غير هذا الحديث (١).
(فلما قرأتها): إنما تقدم لفظُ كتاب، لكنه أنث على إرادة الصحيفة، وكذا:
(فتيممت به التنور، فسجرتُه بها): أي: أوقدته.
(فقال لي بعض أهلي: لو استأذنتَ رسولَ الله ﷺ في امرأتك) (٢): قال السفاقسي: انظر كيف كلَّمه بعضُ أهله، وقد نهى النبيُّ ﷺ أن يُكَلَّم هو والاثنان معه.
قال ابن الملقن: ولعله عبر عن الإشارة بالقول (٣)؛ يعني (٤): فلم يقع الكلام اللساني (٥)، وهو المنهيُّ عنه.
قلت: هذا بناء منه على الوقوف عند اللفظ واطِّراح جانب المعنى، وإلا، فليس المقصودُ بعدم المكالمة عدمَ النطق باللسان فقط، بل المراد: هو و (٦) ما كان بمثابته من الإشارة المفهِمَة لما يُفهمه القولُ باللسان.
وقد يجاب: بأن النهي كان خاصًا بمن عدا [زوجته، ومن جرت عادته بخدمته إياه من أهله، ألا ترى أن النبي ﷺ إنما حظر على] (٧) زوجة هلالٍ
стр. 3374
غشيانَه إياها، وأذنَ لها في خدمته، ومعلومٌ أنه لابدَّ في ذلك من مخالطةٍ وكلام، [فلم يكن النهي شاملًا لكل أحد، وإنما هو شاملٌ لمن لا تدعو حاجةُ هؤلاء إلى مخالطته وكلامه] (١) من زوجة، وخادم، ونحو ذلك، والله أعلم، فلعل الذي كَلَّمَ كعبًا من أهله هو ممن (٢) لم يشملْه النهيُ، فتأمله.
(أوفى على جبل): أي: أشرفَ عليه.
(والله! ما أملك غيرَهما يومئذ): يريد: من الثياب المعدَّة للباسه، وإلا، فقد كان له مال، ولهذا قال: إن من توبتي أن أنخلعَ من مالي.
(ليهنِك): قيده بعضهم بكسر النون، وبعضهم بفتحها، قال السفاقسي: والفتح الصواب (٣)؛ لأن أصله: "يَهْنَا" -بفتح النون- (٤).
(فقام إليَّ طلحة): وكانا أخوين آخى بينهما (٥) النبي ﷺ .
(أن أنخلع من مالي صدقة): قال الزركشي: هي مصدر، فيجوز انتصابُه بـ"أنخلع"؛ لأن معنى أنخلع: أَتصدَّقَ (٦)، ويجوز أن يكون مصدرًا في موضع الحال؛ أي: متصدقًا (٧).
قلت: لا نسلم أن الصدقة مصدر، وإنما هي اسمٌ لما يتصدَّقُ به،
стр. 3375
ومنه قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣].
وفي "الصحاح": الصدقةُ: ما تُصُدِّقَ به على الفقراء (١).
فعلى هذا يكون نصبُها على الحال من مالي.
(أن لا كون كَذَبْتُه): قال القاضي: كذا في "الصحيحين"، والمعنى: أن أكون كذبته، و"لا" زائدة؛ كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ [ص: ٧٥] (٢).
* * *
باب: كِتَابِ النَّبيِّ ﷺ إِلى كِسْرَى وَقَيْصَرَ
٢٢١٦ - (٤٤٢٤) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إَبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى، مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيم الْبَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ، مَزَّقَهُ، فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ.
(فدعا عليهم رسول الله ﷺ أن يمزقوا كلَّ ممزَّق): قيل: هلك منهم عند ذلك أربعةَ عشرَ ملكًا من ملوكهم في سنة واحدة (٣)، حتى مَلَّكوا أمرَهم امرأة.
أعلى الصدر، والسَّحْر: الرئة.
(وهو مستند): وروي: "مُتَسَنِّد" (١).
* * *
٢٢٢٥ - (٤٤٥٢ و ٤٤٥٣) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ أَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ، حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَتَيَمَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهْوَ مُغَشًّى بِثَوْبِ حِبَرَةٍ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ، فَقَبَّلَهُ وَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأمُّي، وَاللَّهِ! لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ، أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ، فَقَدْ مُتَّهَا.
(لا يجمع الله عليك موتتين): قال الداودي: لا يموت في قبره موتةً أخرى كما يتفق لمن يُسأل عند ردِّ روحه (٢) إليه، ثم يُقبض.
وقيل: أراد بذلك ردَّ قولِ مَنْ قال: لم يمت النبيُّ، فأخبر أنه مات، وليس بحيٍّ يَحْيا، ثم يموت (٣)، فيكون له موتتان (٤).
стр. 3383
٢٢٢٦ - (٤٤٥٤) - قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَرَجَ وَعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَقَالَ: اجْلِسْ يَا عُمَرُ، فَأَبَى عُمَرُ أَنْ يَجْلِسَ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا بَعْدُ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا ﷺ ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ. قَالَ اللَّهُ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إلى قوله: ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. وَقَالَ: وَاللَّهِ! لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ هَذ الآيَةَ حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ، فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ كلُّهُمْ، فَمَا أَسْمَعُ بَشَرًا مِنَ النَّاسِ إِلَّا يَتْلُوهَا.
فَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ: وَاللَّهِ! مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلَاهَا، فَعَقِرْتُ، حَتَّى مَا تُقِلُّنِي رِجْلَايَ، وَحَتَّى أَهْوَيْتُ إِلَى الأَرْضِ حِينَ سَمِعْتُهُ تَلَاهَا، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ مَاتَ.
(فعَقِرت): -بفتح (١) العين المهملة وكسر القاف-؛ أي: تحيرت ودهشت، وروي بضم العين على البناء للمفعول، ومعناه كما تقدم.
(حتى ما تُقِلُّني رجلاي): أي: تحملني، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ [الأعراف: ٥٧].
(وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها: أن النبي ﷺ قد مات): هكذا عند جميع الرواة بجعل "أن" وما بعدها بدلًا من ضمير المؤنث في قوله: تلاها، وعند ابن السكن: فعلمت أن النبي ﷺ قد مات (٢).
стр. 3384
٢٢٢٧ - (٤٤٥٨) - حَدَّثَنَا عَلِىٌّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَزَادَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: لَدَدْنَاهُ فِي مَرَضِهِ، فَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا: أَنْ لَا تَلُدُّونِي، فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ، قَالَ: "أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّوني؟ "، قُلْنَا: كرَاهِيَةَ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ.
(لددناه في مرضه): اللَّدُود: هو الدواء يُجعل في أحد جانبي الفم، [والوَجُور: هو الدواء يجعل في وسط الفم] (١)، قيل: وكان الذي لُدَّ به العود الهندي والزيت (٢).
(فقلنا (٣): كراهيةُ المريض للدواء (٤)): قال القاضي: ضبطناه بالرفع؛ أي: هذه منه كراهيةُ، وهو أوجَهُ (٥) من النصب على المصدر (٦).
* * *
٢٢٢٨ - (٤٤٦٢) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ ، جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ ﵍: وَاكَرْبَ أَبَاهُ! فَقَالَ لَهَا: "لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ". فَلَمَّا مَاتَ، قَالَتْ: يَا أَبَتَاهْ! أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهْ! مَنْ جَنَّةُ
стр. 3385
الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ، يَا أَبَتَاهْ! إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ. فَلَمَّا دُفِنَ، قَالَتْ فَاطِمَةُ ﵍: يَا أَنَسُ! أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ التُّرَابَ؟!
(فقالت فاطمة: واكرب أباه!): قال الزركشي: في هذا (١) نظر، وقد رواه مبارك بن فضالة: "واكرباه! " (٢).
قلت: لا ندفع رواية البخاري -مع صحتها- بمثل هذه، لاسيما وقوله ﵊: "لا كَرْبَ على أبيكِ بعدَ اليوم" يدل على أنها قالت: واكربَ أباه!
(إلى جبريل ننعاه): حكى الزركشي عن صاحب "مرآة الزمان" أنه قال: وقع في الأصل: "أنعاه" -بالألف-، وهو غلط من الرواة، والصحيح بغير ألف (٣).
стр. 3386
كتابُ التَّفسِير
стр. 3387
كِتابُ التَّفسِير
" الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ": اسْمَانِ مِنَ الرَّحْمَةِ، الرَّحِيمُ وَالرَّاحِمُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، كَالْعَلِيمِ وَالْعَالِم.
(كتاب: تفسير القرآن).
(الرحمنُ الرحيمُ: اسمان من الرحمة): لكن في الرحمن من المبالغة ما ليس في الرحيم، وهذا معنى قولهم في كتب اللغة: إن الرحمن أدقُّ من الرحيم.
والحاصل: أن معنى الرحيم: ذو الرحمة، ومعنى الرحمن: كثيرُ الرحمة جدًا، واستدل على ذلك بالاستعمال حيث [يقال: رحمن الدنيا والآخرة (١)، ورحيم الدنيا (٢).
وبالقياس من] (٣) حيث وقع في الرحمن زيادة على الحروف الأُصول فوقَ ما وقع في الرحيم، وأهل العربية يقولون: إن الزيادة في البناء تفيد (٤)
стр. 3388
الزيادة (١) في المعنى، والنقض بحَذِر بالنسبة إلى حاذر، يندفع بأن هذا الحكم أكثريٌّ لا كليٌّ، وبأن ما ذكر لا ينافي أن يقع في البناء الأنقص زيادة معنى بسبب آخرَ؛ كالإلحاق بالأمور الجبلِّيَّة؛ مثل: شَرِه، ونَهِم، وبأن ذلك فيما (٢) إذا كان اللفظان المتلاقيان (٣) في الاشتقاق متَّحِدَي النوع في المعنى؛ كغرث وغرثان، وصَدٍ وصديان، لا كحَذرٍ وحاذرٍ؛ للاختلاف في المعنى.
قلت: وهنا فائدة حسنة، وهي أن بعض المتأخرين كان يقول: إن صفات الله تعالى التي هي على صفة المبالغة؛ كغفار، ورحيم، وغفور، كلها مجازًا؛ إذ هي موضوعة للمبالغة، ولا مبالغةَ فيها؛ لأن المبالغة هي أن تُثبت للشيء (٤) أكثرَ مما له، وصفات الله تعالى [متناهيةٌ في الكمال، لا يمكن المبالغة فيها، وأيضًا فالمبالغةُ إنما تكون في صفاتٍ تقبلُ الزيادةَ والنقصَ، وصفاتُ الله تعالى] (٥) متنزهة عن ذلك (٦).
(الرحيمُ والراحمُ بمعنًى واحد (٧)؛ كالعليم والعالم): قد يقال عليه: إن الراحم اسمُ فاعل، والرحيم إما صفة مشبهة، أو صيغة مبالغة، وكذا
стр. 3389
القول في العليم والعالم، فبينهما فرق، فليسا بمعنى واحد، وقد يجاب بما أسلفته آنفًا إذا تأملت.
* * *
باب: مَا جَاءَ فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ
وَسُمِّيَتْ أُمَّ الْكِتَابِ؛ أَنَّهُ يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَيُبْدَأُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ. وَالدِّينُ: الْجَزَاءُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، كمَا تَدِينُ تُدَانُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِالدِّينِ﴾ [الماعون: ١]: بِالْحِسَابِ. ﴿مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦]: مُحَاسَبِينَ.
(وسميت أُمَّ الكتاب؛ أنه يُبدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءتها في الصلاة): قال السفاقسي: هذا التعليل مناسبٌ لتسميتها بفاتحة الكتاب، لا بأم الكتاب (١)(٢).
وقد ذكر بعض المحققين: أن السبب في تسميتها أمَّ الكتاب اشتمالُها على كليات المعاني التي في القرآن من الثناء على الله تعالى، وهو ظاهر، و (٣) من التعبُّد بالأمر والنهي، وهو في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]؛ لأن معنى العبادة: قيامُ العبد بما تُعُبِّدَ به وكُلِّفَه من امتثالِ الأوامر والنواهي.
وفي ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]-أيضًا-، و (٤) من الوعد والوعيد،
стр. 3390
وهو في ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، وفي ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، وفي ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]؛ أي: الجزاء أيضًا.
وإنما كانت الثلاثة أصولَ مقاصد القرآن؛ لأن الغرض الأصلي منه الإرشاد (١) إلى المعارف الإلهية، وما به نظامُ المعاش (٢)، ونجاة العباد (٣).
والاعتراضُ بأن كثيرًا من السور كذلك، يندفع بعدم المساواة؛ لأنها فاتحة الكتاب، وسابقة السور، وقد اقتصر مضمونها على كليات المعاني الثلاثة بالترتيب على (٤) وجه إجمالي؛ لأن أولها ثناء، وأوسطها تعبُّد، وآخرها وعد ووعيد، ثم يصير ذلك مفصلًا في سائر السور، فكانت منها بمنزلة مكةَ من سائر القرى على ما روي: من أنها مُهِّدَت أرضُها، ثم دحيت الأرض من تحتها (٥)، فتستأهل أن تسمَّى أُمَّ القرآن؛ كما سميت مكةُ أُمَّ القرى، على أن وجه التسمية لا يلزم أن يَطَّرد.
стр. 3391
سورة البقرة
باب: قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]
(﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾): قال الزمخشري (١): أي: أسماءَ المسمَّيات، فحذف المضاف إليه؛ لكونه معلومًا مدلولًا عليه بذكرِ الاسم؛ لأنَّ الاسم (٢) لابدَّ له من مسمًّى، وعُوِّضَ عنه اللام؛ كقوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ﴾ [مريم: ٤] (٣).
وظاهر كلامه: أن اللام عوضٌ عن المضاف إليه كما هو رأي الكوفيين، ولم يَجعل المحذوفَ مضافًا إلى الأسماء؛ أي: مسمَّيات الأسماء؛ لينتظم تعليق الإنباء بالأسماء فيما (٤) ذكر بعد التعليم، وهو وإن تعذر المضاف إليه، وجعل الأسماء غير المسميات، لا تقول (٥): إن ما علمه آدم وعلمه، وعجز عنه الملائكة هو مجردُ الألفاظ واللغات من غير علمٍ بحقائق المسميات وأحوالها ومنافعها؛ لظهور أن الفضيلة والكمال إنما هي في ذلك، وإلى هذا ذهب من جعلَ الاسمَ نفسَ المسمَّى، أو حمل الكلام على حذف المضاف؛ أي: مسميات الأسماء.
ذلك شيء كالتَّرَنْجَبِينِ، وإنما معناه: أنها تنبُت بنفسِها من غير استنبات ولا مؤنة تَكَلُّفٍ له (١).
(وماؤها شفاء للعين): أي: يرتب به الكحل؛ كالتوتياء (٢).
* * *
باب: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ الآية [البقرة: ٥٨]
٢٢٣١ - (٤٤٧٩) - حَدَّثَنِي مُحَمَّد، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، فَبَدَّلُوا، وَقَالُوا: حِطَّةٌ، حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ".
(فبدلوا وقالوا: حنطة، حبة في شعرة): أي: قيل لهم: قولوا: حُطَّ عنا ذنوبنا، فبدلوا ذلك وقالوا: حنطة حبة في شعرة (٣)، ويروى: "في شعيرة" (٤).
ورواه المروزي: "حِطَّة" بدلًا من "حنطة".
قال الزركشي: وبالنون أصوبُ؛ لأنهم بدلوا اللفظ بزيادة النون (٥).
стр. 3395
قلت: وإذا حملوا (١) القول الذي أُمروا به على غير المراد منه، وعَنوا به ما يحملهم عليه استهزاؤهم وجرأتهم، وزادوا مع ذلك لفظًا (٢) آخر من تلقاء نفوسهم يُبين ما زادوه من المعنى المخترع صِدْق التبديل، ولا شك أن قولهم (٣): حِطَّة حَبَّة في شعرة، هو غير القول الذي أُمروا به، فقد بدَّلوا، وبذلك يظهر أن ليس لفظ حنطة -بالنون- أصوبَ من حِطَّة، بدونها.
* * *
باب قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]
٢٢٣٢ - (٤٤٨١) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: أَقْرَؤُنَا أُبَيٌّ، وَأَقْضَانَا عَلِيٌّ، وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنْ قَوْلِ أُبَيٍّ، وَذَاكَ أَنَّ أُبَيًّا يَقُولُ: لَا أَدَعُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦].
(وذاك أن أبيًا يقول: لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ ): قيل: لعله لا يُخبر بالنسخ إلا واحد، فلا يدع ما سمعه بخبر الواحد.
(وقد قال الله : ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾) كذا بضم النون، والمعروف: أن عمر ﵁ كان يقرأ: "أو نَنْسَأْها"،
يا ابن الخطاب! دخلْتَ في كل شيء (١) حتى تبغيَ أن تدخلَ بين رسول الله ﷺ وأزواجه! " (٢)، فيحتمل أن تفسر هذه القصة بها، وعلى ذلك (٣) اقتصر الزركشي (٤).
* * *
باب: قَولِهِ تَعَالى ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ الآية [البقرة: ١٤٢]
٢٢٣٤ - (٤٤٨٦) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، سَمِعَ زُهَيْرًا، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَإِنَّهُ صَلَّى، أَوْ صَلَّاهَا، صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ كانَ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجدِ وَهُمْ رَاكعُونَ، قَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ! لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَ الَّذِي مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ قِبَلَ الْبَيْتِ رِجَالٌ قُتِلُوا، لَمْ نَدْرِ مَا نقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣].
стр. 3398
(وكان الذي مات على القبلة قبل أن تُحول رجالٌ قُتلوا لم ندرِ ما نقولُ فيهم): "كان" شأنية، و"رجال" خبر "الذي"، إما على (١) إرادة: الذين، فحذفت النون تخفيفًا لأجل الطول، و [إما] على أن "الذي" صفة لمفردٍ لفظًا دالٍّ على الجماعة؛ أي: الفريق الذي مات.
وعدَّ المفسرون من هؤلاء الذين ماتوا قبل تحويل القبلة: البراءَ بنَ معرور، وأسعدَ بنَ زُرارةَ، كذا ذكره الواحدي في "أسباب النزول"، ومات أسعدُ في السنة الأولى من الهجرة، والبراءُ بنُ معرورٍ في صفرٍ قبلَ قدوم النبي ﷺ بشهر.
لكن قال بعض الحفاظ: تحويلُ القبلة كان قبلَ بدر، ولم يُقتل قبلها أحدٌ من الصحابة (٢).
* * *
باب: قولهِ تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ الآية [البقرة: ١٤٣]
٢٢٣٥ - (٤٤٨٨) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: بَيْنَا النَّاسُ يُصَلُّونَ الصُّبْحَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، إِذْ جَاءَ جَاءٍ فَقَالَ: أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قُرْآنًا: أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا، فَتَوَجَّهُوا إِلَى الْكَعْبَةِ.