يا ابن الخطاب! دخلْتَ في كل شيء (١) حتى تبغيَ أن تدخلَ بين رسول الله ﷺ وأزواجه! " (٢)، فيحتمل أن تفسر هذه القصة بها، وعلى ذلك (٣) اقتصر الزركشي (٤).
* * *
باب: قَولِهِ تَعَالى ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ الآية [البقرة: ١٤٢]
٢٢٣٤ - (٤٤٨٦) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، سَمِعَ زُهَيْرًا، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَإِنَّهُ صَلَّى، أَوْ صَلَّاهَا، صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ كانَ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجدِ وَهُمْ رَاكعُونَ، قَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ! لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَ الَّذِي مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ قِبَلَ الْبَيْتِ رِجَالٌ قُتِلُوا، لَمْ نَدْرِ مَا نقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣].
стр. 3398
(وكان الذي مات على القبلة قبل أن تُحول رجالٌ قُتلوا لم ندرِ ما نقولُ فيهم): "كان" شأنية، و"رجال" خبر "الذي"، إما على (١) إرادة: الذين، فحذفت النون تخفيفًا لأجل الطول، و [إما] على أن "الذي" صفة لمفردٍ لفظًا دالٍّ على الجماعة؛ أي: الفريق الذي مات.
وعدَّ المفسرون من هؤلاء الذين ماتوا قبل تحويل القبلة: البراءَ بنَ معرور، وأسعدَ بنَ زُرارةَ، كذا ذكره الواحدي في "أسباب النزول"، ومات أسعدُ في السنة الأولى من الهجرة، والبراءُ بنُ معرورٍ في صفرٍ قبلَ قدوم النبي ﷺ بشهر.
لكن قال بعض الحفاظ: تحويلُ القبلة كان قبلَ بدر، ولم يُقتل قبلها أحدٌ من الصحابة (٢).
* * *
باب: قولهِ تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ الآية [البقرة: ١٤٣]
٢٢٣٥ - (٤٤٨٨) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: بَيْنَا النَّاسُ يُصَلُّونَ الصُّبْحَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، إِذْ جَاءَ جَاءٍ فَقَالَ: أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قُرْآنًا: أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا، فَتَوَجَّهُوا إِلَى الْكَعْبَةِ.
٢٢٤٢ - (٤٥١٥) - قَالَ: فَمَا قَوْلُكَ فِي عَلِيِّ وَعُثْمَانَ؟ قَالَ: أَمَّا عُثْمَانُ، فَكَأَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ، فَكَرِهْتُمْ أَنْ تَعْفُوا عَنْهُ. وَأَمَّا عَلِيٌّ، فَابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَخَتَنُهُ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ، فَقَالَ: هَذَا بَيْتُهُ حَيْثُ تَرَوْنَ.
(أما عثمان، فكأن الله عفا عنه): يروى برفع الاسم الشريف على اسم كان، و"عفا عنه" خبرها، وبنصبه على أنه اسمُ كأَنَّ التشبيهية أختِ إِنَّ.
(وخَتَنُه): -بفتح الخاء المعجمة والمثناة الفوقية-، وفيه إطلاق الخَتَنِ على زوجِ البنت، وقال ابن فارس: الختن: أَبو الزوجة (١).
(وهذا بيته حيث ترون): يريد بين أبيات النبي ﷺ .
وكان هذا الرجل السائل لابن عمر هو العلاء بن عرار، رواه النسائي في "خصائص علي" في ترجمة (٢) علي وقربه من النبي ﷺ (٣).
* * *
باب: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]
٢٢٤٣ - (٤٥١٨) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عِمْرَانَ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ ﵄، قَالَ: أُنْزِلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كتَابِ اللَّهِ، فَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ يُنْزَلْ
стр. 3405
قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ، قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ.
(قالَ رجلٌ برأيه ما شاء): وفي الزركشي عقيب هذا مكتوبٌ بالحمرة: قال البخاري: يقال: إنه عمر، ثم كتب بالسواد ما نصه: استشكله الشارح: بأن عمر إنما كان ينهى عن فسخ الحج إلى العمرة، ولم يخالف كتابًا ولا سنة (١).
قلت: وقع في "الإفهام" بعد قول البخاري: "قالَ رجل برأيه ما شاء" ما مثاله: قال ابنُ بشكوال: الرجلُ هو عمرُ بنُ الخطاب، سماه البخاري بعقبِ الحديثِ المتقدم، ولم أرَ ذلك في "البخاري"، ولم يقع هذا -أيضًا- في "مسلم" بإثر هذه الرواية؛ فإن (٢) البخاري هنا أخرجها عن عمران بن مسلم القصير، عن عمران بن ملحان أبي (٣) [رجاء، عن عمران بن حُصين، ووقعت هذه الرواية في "مسلم"، وليس إثرَها تفسيرُ] (٤) الرجل المذكور، وإنما أخرجه مسلم قبل هذه الرواية في رواية مُطَرِّفٍ، عن عمرانَ، وقال ابن حاتم: -يعني: محمدَ بنَ حاتم- في روايته: "ارتأى رجلٌ برأيه ما شاء" يعني: عمر (٥).
لِيَذْكُرِ اللَّهَ كَثِيرًا، وأكثِرُوا التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا، ثُمَّ أَفِيضُوا؛ فَإِن الناسَ كانُوا يُفِيضُونَ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]. حَتَّى تَرْمُوا الْجَمْرَةَ.
(حتى يبلغوا جمعًا الذي يبيتون به (١)): من البيات. ويروى: "يُتَبَرَّرُ به" -براءين-؛ من البِر، ويروى: "يُبْتَرَزُ به" -براء فزاي- (٢)، والفعل في كلتا هاتين (٣) الروايتين مبني للمفعول.
* * *
باب: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]
(﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾): قال الزمخشري: مواضع ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ هذا مجاز، شبهت بالمحارث (٤)؛ تشبيهًا لما يُلقى في أرحامهن من النُّطَف التي منها النسلُ بالبذور (٥).
وقوله: هذا مجاز، قيل: باعتبار إطلاق الحرثِ على موضع (٦) الحرث.
стр. 3408
وقيل: باعتبار تغيرِ حكم الكلمة في الإعراب من جهة حذفِ المضاف؛ كما في: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
وقيل: باعتبار حمل المشبَّه به على المشبه بعد حذف الأداة؛ كما في: زيدٌ أسدٌ، فكثيرًا ما يقال له: المجاز، وإن لم تكن له استعارة، وكان التجوز في ظاهر الحكم بأنه هو، ثم أشار إلى أن (١) هذا التشبيه متفرع على تشبيه النطف (٢) الملقاة في أرحامهن بالبذور؛ إذ لولا اعتبارُ ذلك، لم يكن بهذا الحسن.
وقيل: المراد بالمجاز: الاستعارة بالكناية؛ لأن (٣) في جعل النساء محارثَ دلالةً على أن النطف بذورٌ على ما أشار إليه بقوله: تشبيهًا لما يُلقى. . . . إلى آخره؛ كما تقول: إن هذا الموضع لمفترشُ الشجعان.
قال التفتازاني: ولا أرى ذلك جاريًا (٤) على القانون إلا أن يقال: التقدير: نساؤكم حرث لنطفكم؛ ليكون المشبَّه مصرحًا، والمشبه به مكنيًا.
* * *
٢٢٤٦ - (٤٥٢٧) - وَعَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي أيوبُ، عَنْ
стр. 3409
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. قَالَ: يَأْتِيهَا فِي.
رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّه، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
(عن ابن عمر: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، قال: يأتيها في): كذا الرواية؛ أي: في الدبر، وكأنه (١) أسقط هذا اللفظ؛ لاستنكاره، وقد اختلف النقلُ عن ابن عمر في ذلك، فروي عنه مرة هذا، وروي عنه أنه ذُكر له هذا مرة، فقال ابن عمر: أو يَفعلُ ذلك مؤمنٌ؟
قال الزركشي: ونسب -يعني: القولُ بجواز إتيان المرأة في دبرها- إلى مالك (٢).
قلت: لكن ناقله عنه كاذب مُفْتَرٍ، وقد قال ابن وهب: سألت مالكًا، فقلت له: حَكَوا عنك أنك (٣) تراه؟ قال: معاذَ اللهِ، وتلا: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وقال: لا يكون الحرثُ إلا في موضع الزرع، وإنما نُسب هذا إليه في كتاب "السر"، وهو كتاب مجهول، لا يجوز اعتمادُ النقلِ منه أصلًا.
* * *
٢٢٤٧ - (٤٥٢٨) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ: سَمِعْتُ جَابِرًا ﵁، قَالَ: كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ: إِذَا
стр. 3410
جَامَعَهَا مِنْ وَرَائِهَا، جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
(إذا جامعها من ورائها): أي: في (١) فَرْجِها.
(جاء الولد أحولَ، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾): أي (٢): فأتوهن (٣) كما تأتون أرضَكم التي تريدون أن تحرثوها، من أي (٤) جهة شئتم، لا تُحْظَر عليكم جهة دون جهة، والمعنى: جامعوهن من أي شق أردتم بعد أن يكون المأتي واحدًا، وهو موضع الحرث، وهذا من الكنايات اللطيفة، فحيث أمركم الله كناية عن القُبُل قصدًا إلى كونه على وَفْق المأمور، وترغيبًا فيه عن الدبر، وإتيانُ الحرث كنايةٌ عن مجامعتهن بحيث يحصُل الولد؛ قصدًا إلى أن هذا ينبغي أن يكون الغرضَ الأصلي لا قضاء الشهوة، ثم في هذه تعريض للراغبين في إتيان القبل.
* * *
باب: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ إلى ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤]
٢٢٤٨ - (٤٥٣٠) - حَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ،
(زعم ذلك عن مجاهد): أي: ما قدمه، ومنه: أن تمام السنة وصيَّةٌ، واستُشكل بأنه يذهب إلى أن هذا في الأزواج كلِّهن، وإنما هو للزوجة التي لا ترثُ تجوز لها الوصيةُ.
* * *
٢٢٥٠ - (٤٥٣٢) - حَدَّثَنَا حِبَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى مَجْلِسٍ فِيهِ عُظْمٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَفِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبي لَيْلَى، فَذَكَرْتُ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبة فِي شَأْنِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَلَكِنَّ عَمَّهُ كَانَ لَا يَقُولُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: إِنِّي لَجَرِيء إِنْ كَذَبْتُ عَلَى رَجُلٍ فِي جَانِبِ الْكُوفَةِ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ، فَلَقِيتُ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ، أَوْ مَالِكَ ابْنَ عَوْفٍ، قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهْيَ حَامِلٌ؟ فَقَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أتجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ، وَلَا تَجْعَلُونَ لَهَا الرُّخْصَةَ؟ لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءَ الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى.
(ثنا (١) حِبان): بحاء مكسورة وباء موحدة.
(فيه عُظْمٌ من الأنصار): -بضم العين-؛ أي: عظماء.
(أتجعلون عليها التغليظ (٢)): وهو طولُ الزمن إذا زادت مدة الحمل على أربعة أشهر وعشر.
стр. 3413
[(ولا تجعلون لها الرخصةَ): وهي خروجُها من العدة إذا وضعتْ لأقلَّ من أربعةِ أشهرٍ وعشر] (١).
(لنزلت سورةُ النساء القصرى بعدَ الطُّولى): يريد بالقصرى (٢): سورة الطلاق. يشير (٣) إلى قوله تعالى في هذه السورة: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]؛ فإنها نزلت بعد قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ومفهوم كلام ابن مسعود: أنها نسختها، والجمهورُ على التخصيص.
* * *
باب: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، أي: مُطِيعِينَ
(﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾): أي: مطيعين.
اختُلف في المراد بالقانت في الآية (٤)، هل هو العابدُ، أو (٥) الذاكِرُ، أو (٦) مطيلُ القيام، أو الداعي في حال القيام، أو الصامتُ، أو المقرُّ بالعبودية، أو المطيع كما ذكره؟ أقوال (٧).
стр. 3414
٢٢٥١ - (٤٥٣٤) - حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا يَحْيى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زيدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: كُنَّا نَتَكَلمُ فِي الصَّلَاةِ، يُكَلِّمُ أَحَدُنَا أَخَاهُ فِي حَاجَتِهِ، حَتَّى نزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ.
(ابن شُبيل): بضم الشين المعجمة، تصغير شِبْل.
* * *
باب: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]
(﴿فَصُرْهُنَّ﴾: قَطِّعهن (١)): قال القاضي: هذا غريبٌ، والمعروف: أَمِلْهُنَّ (٢)، يقال: صارَ يَصير ويصور: أَمالَ.
وقال السفاقسي: الذي ذكره المفسرون أن صُرْهن -بضم الصاد- معناه: ضُمَّهن، وبكسرها معناه: قَطِّعهن (٣)، فعلى ما قاله السفاقسي أن ما رُوي في البخاري: بكسر الصاد؛ كقراءة حمزة وغيره، اتجه أن يكون بمعنى (٤): قَطِّعهن كما ذكره، ولا يكون فيه غرابة.
стр. 3415
٢٢٥٢ - (٤٥٣٧) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالح، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إبْرَاهِيمَ إِذ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] ".
(نحن أحقُّ بالشك من إبراهيم إذ قال (١): ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾): قال القاضي في "الشِّفا": قوله ﵇: "نحن أحقُّ بالشك من إبراهيم" نفيٌ لأن يكون إبراهيمُ شكَّ، وإبعادٌ للخواطر الضعيفة أن يُظَنَّ هذا بإبراهيم؛ أي: نحن موقنون بالبعث وإحياء الله (٢) الموتى، فلو شكَّ إبراهيم، لكنا أولى بالشك منه، إما على طريق الأدب، أو أن يريد أُمَّتَه الذين يجوز عليهم الشك، أو على طريق التواضع والإشفاق إن حملت قصة إبراهيم على اختبار (٣) حاله، أو زيادة يقينه. انتهى (٤).
على أن سؤال إبراهيم ﵇ ليس عن شك في القدرة على الإحياء، ولكن عن معرفة كيفيتها، ومعرفةُ (٥) الكيفية لا تُشترط في
стр. 3416
الإيمان، و (١) السؤال بصيغة "كيف" للدلالة على الحال، وهو كما لو علمت أن زيدًا يحكم في الناس، فسألتَ عن تفاصيل حكمه، فقلت (٢): كيف يحكم؟ فسؤالك لم (٣) يقع عن كونه حاكمًا، بل وقع عن (٤) كيفية الحكم، وهو مشعر بالتصديق بالحكم.
وأما قوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة: ٢٦٠]، [فاعلم أن هذه الصيغة -وهي الاستفهام بـ"كيف"- قد تستعمل -أيضًا- عند الشك في القدرة؛ كما تقول لمن يدعي أمرًا تستعجزه عنه: أرني كيف تصنع، فجاء قوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾] (٥) والردُّ بـ"بلى" ليزول الاحتمال اللفظي، ويندفع الشك الذي يُتوهم، ويحصل النص الذي لا يرتاب فيه.
وأما ما يُتخيل من أن قوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] مشعرٌ بفقد الطمأنينة عند السؤال، فيندفع بأن معناه: ليزول عن قلبي الفكرُ في كيفية الحياة بتصورها مشاهدةً، فتزول الكيفيات (٦) المحتملة، وللعيان لطيفُ معنى، فبالمشاهدة يحصُل اطمئنانٌ لا يكون مع العلم اليقيني؛ لما فيه من الإحساس الذي قَلَّما يقع فيه شك (٧)، ومن تظاهر الأدلة، ومن العلم
وجهُ غضبه مع كونهم وَكَلوا العلمَ إلى الله: أنه سألهم (١) عن تعيين ما عندهم في نزول الآية ظنًا أو علمًا على اختلاف الروايتين، فأجابوا بجواب يصلُح صدوره من العالم (٢) بالشيء، والجاهلِ به (٣)، فلم يحصل المقصودُ، فلذلك قال: قولوا: نعلم أو لا نعلم؛ ليُعرف ما عندكم.
* * *
باب: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]
٢٢٥٤ - (٤٥٤٦) - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، أَخْبَرَنَا شُعْبةُ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاء، عَنْ مَرْوَانَ الأَصْفَرِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: أَحْسِبُهُ ابْنَ عُمَرَ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، قَالَ: نسَخَتْهَا الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا.
(﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾، قال: نسختها الآية التي بعدها): قال الخطابي: جرى على أن النسخ يدخل في الخبر المستقبَل دون الماضي، وعليه جماعة من الأصوليين؛ فإن دخوله في الماضي يؤدي إلى الخُلف، بخلاف المستقبل؛ لجواز تعليقه بشرط (٤).
وقال البيهقي: النسخ هنا بمعنى التخصيص، أو التبيين؛ فإن الآية
стр. 3419
الأولى وردت موردَ العموم، فبينت التي بعدها أن مما يخفي شيئًا، فلا يؤاخَذ به، وهو حديث النفس الذي لا يُستطاع دفعه (١).
стр. 3420
سورة آلِ عِمْرَانَ
باب: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ. ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]: يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ كقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]. وَكقَوْلهِ -جَلَّ ذِكْرُهُ-: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٠٠]. وَكقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]. ﴿زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] شَكٌّ. ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧]: الْمُشْتَبِهَاتِ. ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ [آل عمران: ٧] يَعْلَمُونَ ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧].
(سورة آل عمران).
(﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾، وقال مجاهد: الحلال والحرام): وأشبهُ من هذا قولُ من قال: المُحْكَم: ما وضحَ معناه، فيدخل فيه النص، والظاهر. والمتشابه: ما تردَّدَتْ فيه الاحتمالات، فيدخل فيه المجمل والمؤول.
قال الزركشي: والأولى في "الراسخون" رفعُه بالابتداء، و (١) "يقولون": خبره؛ لاستحالة مساواة (٢) علمِهم بالمتشابه لعلم الله تعالى؛ فإنه يعلمه من كل وجه، ولأن جميع الراسخين يقولون: آمنا به، والعالمُ بالمتشابهات بعضُهم، فكان الأولى (٣).
قلت: فيه نظر:
стр. 3421
أما أولًا: فلا نسلم أن العطف مقتضٍ لتساوي (١) المعطوف عليه في الاتصاف بالفعل من جميع الوجوه؛ إذ لا نزاعَ في صحة قولك: فضل زيدٌ وعمرٌو علماءَ بلدهما، مع أن زيدًا قد يكون أفضلَ (٢) من عمرو، وأرجحَ منه في فضله لعلماء البلد.
وأما ثانيًا: فإنه لا فائدة حينئذٍ في قيد الرسوخ، بل هذا حكمُ العالمين كلِّهم، والحقُّ أنه إن (٣) أريد [بالمتشابه: ما لا سبيل لمخلوق إليه، فالحقُّ الوقفُ على ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، وإن أريد] (٤) ما لا يتضح بحيث يتناول [المجمل] والمؤول، فالحقُّ العطف.
* * *
٢٢٥٥ - (٤٥٤٧) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِم بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هذِهِ الآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ إِلَى قوله: ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ، فَاحْذَرُوهُمْ".
стр. 3422
(فإذا رأيتِ الذي (١) يتبعون ما تشابه منه): بكسر التاء من رَأَيْتِ، على أن الخطاب لعائشة، وفتحها، على أنه لكل واحد، وعليهما كسر الكاف وفتحها من قوله: "فأولئكِ الذين سمى الله "، قال ابن عباس: هم الخوارج (٢).
* * *
باب: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]
٢٢٥٦ - (٤٥٤٨) - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إيَّاهُ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا". ثُمَّ يَقُولُ أبو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئتمْ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦].
(ما من مولود يولد إلا والشيطانُ يمسُّه حين يولَد، فيستهلُّ صارخًا من مسِّ الشيطان إياه، إلا مريم وابنها): قال الزمخشري: الله أعلم بصحة هذا، وإن صح، فمعناه: أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه، إلا مريمَ وابنَها؛ فإنهما كانا معصومَيْن، وكذلك كلُّ من كان في صفتهما؛ كقوله: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٠].
стр. 3423
واستهلالُه صارخًا من مَسِّه تخييلٌ وتصوير؛ لطمعه فيه؛ كأنه يمسُّه ويضربُ بيده عليه، ويقول: هذا ممن أُغويه، ونحوه من التخييل قولُ ابن الرومي:
لِمَا تُؤْذِنُ الدُّنْيَا بِهِ مِنْ صُرُوفِهَا ... يَكُونُ بُكَاءُ الطفْلِ سَاعَةَ يُولَدُ
وأما (١) حقيقة المسِّ والنخس كما يتوهم أهل الحشو، فكلَّا، ولو سُلِّط إبليسُ على الناس ينخَسُهم، لامتلأت الدنيا صُراخًا وعِياطًا (٢).
قال الشيخ سعدُ الدين التفتازاني ﵀: طعنَ أولًا في الحديث بمجرد أنه لم يوافق هواه، وإلَّا، فأيُّ امتناع في أن يمس الشيطانُ المولودَ حين يولد (٣)، بحيث يصرُخ كما نرى ونسمع، ولا يكون ذلك في جميع الأوقات حتى يلزم امتلاء الدنيا بالصراخ، ولا تلك المسة للإغواء ليدفع بأنه لا يُتصور في حق المولود حين يولَد، وكفى بصحة هذا الحديث روايةُ الثقاتِ له، وتصحيحُ مثلِ البخاريِّ ومسلمٍ من غير قدحٍ من غيرهما، ثم أَوَّلَه -على تقدير الصحة- بأن المراد بالمس (٤): الطمعُ في إغوائه، واستثنى مريمَ وابنهَا؛ لعصمتهما، ولمَّا لم يخص هذا المعنى بهما، عَمَّمَ (٥) الاستثناء لكل من يكون على صفتهما (٦)، وهذا إما تكذيبٌ للحديث بعد
стр. 3424
تسليم صحته، وإما قولٌ بتعليل الاستثناء والقياس.
وليت شعري من أين ثبت تحقق طمعِ الشيطانِ ورجائِه وصدقه في أن هذا المولود محلّ لإغوائه؛ ليلزمنا إخراجُ كلِّ من لا (١) سبيل له (٢) إلى إغوائه، فلعله يطمع في إغواء مَنْ سوى مريم وابنها، ولا يتمكن منه.
ولما ورد عليه أن الاستهلال صارخًا من المس إنما يصح ترتُّبه على حقيقة المس دون مجازه المذكور؟
أجاب: أنه تخييل وتصوير لطمعه (٣) بأن يوقع ذلك المعنى في الخيال بصورة محسوسة، وإلا، فلا استهلال، ولا صراخ.
وتحقيقه أنه استعارة تمثيلية، [شبه حال الشيطان في قصد الإغواء بحال من يمس الشيء باليد، ويعينه (٤) لما يريد على ما ذكر (٥)] (٦) في مثل: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧].
وكذلك قول ابن الرومي تخييلٌ وتصوير لانتقال الطفل إلى دار الحوادث والآفات، وتمثيلٌ بحالِ مَنْ تؤذيه (٧) الدنيا بذلك، ويبكي لأجل ذلك، وإلا، فلا إيذانَ من الدنيا، ولا بكاءَ من الطفل، لأجل العلم بذلك.
باب: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]
٢٢٥٨ - (٤٥٥٧) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبي حَازِمٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، قَالَ: خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ، تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ، حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الإسْلَامِ.
(﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾) قال أبو هريرة: "خير الناس للناس"، قال الزركشي: قيل: ليس هذا التفسير بصحيح، ولا معنى لإدخاله في المسند؛ لأنه لم يرفعه.
قلت: في مقابلة قول أبي هريرة: بأنه ليس بصحيح، إساءةٌ لا ينبغي ارتكابُ مثلِها.
قال: وقيل: "كان" زائدة، ومعنى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾؛ أي: أنتم خيرُ أمةٍ، والخطاب للصحابة.
قلت: دعوى الزيادة على خلاف الأصل، ولا داعي إلى ارتكابها هنا، وذلك لأن "كان" الناقصة لا دلالة فيها على عَدَمٍ سابق، ولا على الدوام، وهذا معنى الإيهام الذي يثبتونه لها، فلذلك يستعمل فيما هو حادث؛ مثل: كان زيد راكبًا، وفيما هو دائم؛ مثل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفتح: ١٤]، فقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ لا يدل على أنهم لم يكونوا خيرًا، فصاروا خيرًا، وانقطع ذلك عنهم.
وقيل: الخطاب لجميع الأمة، والمعنى: كنتم في علمِ الله أو اللوح المحفوظ (١).
стр. 3427
باب: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، وَهْوَ تَأْنِيثُ آخِرِكُمْ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢]: فَتْحًا أَوْ شَهَادَةً.
(﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ وهو تأنيث آخِرِكم (١)): قال الزركشي: كذا ثبت في النسخ: بكسر الخاء، وإنما هو تأنيث آخَر -بفتح الخاء- أَفْعَلُ (٢) تفضيل؛ كفُضْلَى وأَفْضَل (٣).
قلت: نظرُ البخاريِّ أدقُّ من هذا، وذلك لأنه (٤) لو جعل أخرى هنا تأنيثًا لآخَر -بفتح الخاء-، لم يكن فيه دلالةٌ على التأخُّر الوجودي، وذلك لأنه أُميتت دلالتُه على هذا المعنى بحسب العُرف، وصار إنما يدل على الوصف (٥) بالمغايرة فقط، تقول: مررتُ برجلٍ حَسَنٍ، ورجلٍ آخَر؛ أي: مغايرٍ للأول، وليس المرادُ تأخُّرَه في الوجود عن السابق، وكذا مررت بامرأة جميلة، وامرأة أخرى.
والمراد في الآية: الدلالةُ على التأخر، فلذلك (٦) قال: تأنيث آخِرِكم -بكسر الخاء-؛ لتصير أُخرى دالة (٧) على التأخر؛ كما في: ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ
стр. 3428
لِأُخْرَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٩]؛ أي: المتقدمة للمتأخرة، واستعماله بهذا المعنى موجود في كلامهم، بل هو الأصل.
* * *
٢٢٥٩ - (٤٥٦١) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْر، حَدَّثَنَا أبو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄، قَالَ: جَعَلَ النَّبِي ﷺ عَلَى الرَّجَّالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، وَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ، فَذَاكَ إِذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا.
(ولم يبق مع النبي ﷺ غيرُ اثني عشر رجلًا): ذكر ابن سعد في "الطبقات" أن منهم: محمدَ بنَ مسلمةَ، وعاصمَ بنَ ثابتِ بنِ أبي (١) الأفلح، وسهلَ بنَ حُنيف، وأبا دجانةَ سِماكَ بنَ خَرَشَةَ، والحُبابُ [بنُ] المنذر، وأُسَيْدُ بنُ حُضَيْر، ذكر ذلك مفرقًا في تراجمهم.
وفي "مغازي الواقدي": وثبت مع رسول الله ﷺ أربعةَ عشرَ رجلًا: سبعةٌ من المهاجرين: أبو بكرٍ الصدِّيقُ، وعليُّ بنُ أبي طالب، وعبدُ الرحمنِ ابنُ عوفٍ، وسَعْدُ (٢) بنُ أبي وقاص، وطلحةُ بنُ عُبيد الله، وأبو عبيدةَ بنُ الجراح، والزبيرُ بنُ العوام.
ومن الأنصار سبعة: الحُبابُ بنُ المنذر، وأبو دُجانة، وعاصمُ بنُ ثابتِ بنِ أَبي الأفلح، والحارثُ بنُ الصِّمَّة، وسَهْلُ بنُ حُنيف، وأُسيدُ بنُ حُضير، وسعدُ بنُ معاذ.
стр. 3429
ويقال: ثبت سعدُ بنُ عُبادةَ، ومحمدُ بنُ مَسْلَمَةَ، يجعلونهما مكانَ أُسيد بن حضير، وسعد بن معاذ.
وفي الزركشي: قيل: هم العشرة، وجابر بن عبد الله، وعمار، وابن مسعود (١).
قلت: هذا إنما رأيته مذكورًا في قضية العير الواردة إلى المدينة في يوم الجمعة والنبيُّ ﷺ يخطب، فانفضوا إليها حتى ما بقي معه (٢) ﵇ إلا اثنا عشر رجلًا.
قال السفاقسي: روي أنه بقي (٣) معه طلحةُ، واثنا عشر رجلًا (٤) من الأنصار، فاستأذنه طلحةُ، فلم يأذن له، ولم يزل الاثنا (٥) عشر يستأذنونه (٦) في المقاتلة حتى قُتلوا، ولحق النبي ﷺ وطلحةُ بالجبل (٧).
* * *
باب: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦]
٢٢٦٠ - (٤٥٦٦) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْب، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
شَيْءٍ، فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ، وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِه، فَأَرَوْهُ أَنْ قَدِ اسْتَحْمَدُوا إِلَيْهِ بِمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ فِيمَا سَأَلَهُمْ، وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا مِنْ كِتْمَانِهِمْ، ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ -كَذَلِكَ، حَتَّى قَوْلهِ- ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٧ - ١٨٨].
(لئن كان كلُّ امرئ فرحَ بما أُوتي): كذا في البخاري، ورواه مسلم من طريق ابن جريج: "بما أتى" (١)، وهذا هو (٢) الوجه؛ لموافقة التلاوة ومرسومِ المصحف والمعنى؛ فإنه من الإتيان، وهو المجيء، والذي هنا من الإيتاء، وهو الإعطاء (٣).
стр. 3433
سورة النِّسَاءِ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يَسْتَنْكِفَ﴾ [النساء: ١٧٢]: يَسْتَكْبِرُ. (قِوامًا): قِوَامُكُمْ مِنْ مَعَايِشِكُمْ. ﴿لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]: يَعْنِي: الرَّجْمَ لِلثَّيِّبِ، وَالْجَلْدَ لِلْبِكْرِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ﴾ [النساء: ٣]: يَعْنِى: اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثًا وَأَرْبَعًا، وَلَا تتجَاوِزُ الْعَرَبُ رُبَاعَ.
(سورة النساء).
(قِوَامًا: قِوامُكُم من معايِشِكم): التلاوة إنما هي ﴿قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]، لكن قد يقال: لم يقصد بقوله: قِوامًا التلاوةَ حتى يردَ الاعتراض، بل حذفَ الكلمةَ القرآنية، وأشارَ إلى تفسيرها بقوله: قِوامًا.
وأعقب ذلك بقوله: قوامكم من معايشكم؛ تنبيهًا على المراد (١)، وقد قال أبو عبيدة: قِيامًا وقِوامًا بمنزلة واحدة، تقول: هذا قِوامُ أَمْرِكَ وقِيامُه؛ أي: ما يقومُ به أمرُك (٢).
(﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] يعني: اثنتين وثلاثًا وأربعًا، ولا تتجاوز العربُ رباع): هذه الألفاظ المعدولة عندهم معدولة عن أعداد مكررة، تقول: جاء القوم مثنى؛ أي: اثنين اثنين، وأما أن العرب لا تتجاوز رباع، فلا تقول: خُماس ولا سُداس مثلًا، فهذا هو المشهور عندهم.
باب: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١]
(باب: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]): فيه حديث جابر، وفي آخره: فقلت: "ما تأمرُني أَنْ أصنعَ في مالي يا رسول الله؟ فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ ".
قال الدمياطي: وهمَ ابنُ جريج في هذا الحديث، والذي نزل في جابر هو الآيةُ الأخرى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، كذا رواه شعبة، والثوري، وابن عيسى عن محمد بن المنكدر.
ويؤيده ما ورد في بعض الطرق من قول جابر: "إنما يرثُني كَلالة" (١) والكلالةُ: من لا والدَ له ولا ولدَ، ولم يكن لجابر حينئذ والد ولا ولد (٢)، وأما قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾؛ فإنها نزلت في ورثة سعد بن الربيع، قتل يوم أحد، وخلف ابنين (٣) وأُمهما وأخاه (٤)، فأراد الأخ المال (٥).
* * *
باب: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩]
وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩]: لَا تَقْهَرُوهُنَّ.