شَيْءٍ، فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ، وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِه، فَأَرَوْهُ أَنْ قَدِ اسْتَحْمَدُوا إِلَيْهِ بِمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ فِيمَا سَأَلَهُمْ، وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا مِنْ كِتْمَانِهِمْ، ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ -كَذَلِكَ، حَتَّى قَوْلهِ- ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٧ - ١٨٨].
(لئن كان كلُّ امرئ فرحَ بما أُوتي): كذا في البخاري، ورواه مسلم من طريق ابن جريج: "بما أتى" (١)، وهذا هو (٢) الوجه؛ لموافقة التلاوة ومرسومِ المصحف والمعنى؛ فإنه من الإتيان، وهو المجيء، والذي هنا من الإيتاء، وهو الإعطاء (٣).
стр. 3433
سورة النِّسَاءِ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يَسْتَنْكِفَ﴾ [النساء: ١٧٢]: يَسْتَكْبِرُ. (قِوامًا): قِوَامُكُمْ مِنْ مَعَايِشِكُمْ. ﴿لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]: يَعْنِي: الرَّجْمَ لِلثَّيِّبِ، وَالْجَلْدَ لِلْبِكْرِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ﴾ [النساء: ٣]: يَعْنِى: اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثًا وَأَرْبَعًا، وَلَا تتجَاوِزُ الْعَرَبُ رُبَاعَ.
(سورة النساء).
(قِوَامًا: قِوامُكُم من معايِشِكم): التلاوة إنما هي ﴿قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]، لكن قد يقال: لم يقصد بقوله: قِوامًا التلاوةَ حتى يردَ الاعتراض، بل حذفَ الكلمةَ القرآنية، وأشارَ إلى تفسيرها بقوله: قِوامًا.
وأعقب ذلك بقوله: قوامكم من معايشكم؛ تنبيهًا على المراد (١)، وقد قال أبو عبيدة: قِيامًا وقِوامًا بمنزلة واحدة، تقول: هذا قِوامُ أَمْرِكَ وقِيامُه؛ أي: ما يقومُ به أمرُك (٢).
(﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] يعني: اثنتين وثلاثًا وأربعًا، ولا تتجاوز العربُ رباع): هذه الألفاظ المعدولة عندهم معدولة عن أعداد مكررة، تقول: جاء القوم مثنى؛ أي: اثنين اثنين، وأما أن العرب لا تتجاوز رباع، فلا تقول: خُماس ولا سُداس مثلًا، فهذا هو المشهور عندهم.
باب: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١]
(باب: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]): فيه حديث جابر، وفي آخره: فقلت: "ما تأمرُني أَنْ أصنعَ في مالي يا رسول الله؟ فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ ".
قال الدمياطي: وهمَ ابنُ جريج في هذا الحديث، والذي نزل في جابر هو الآيةُ الأخرى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، كذا رواه شعبة، والثوري، وابن عيسى عن محمد بن المنكدر.
ويؤيده ما ورد في بعض الطرق من قول جابر: "إنما يرثُني كَلالة" (١) والكلالةُ: من لا والدَ له ولا ولدَ، ولم يكن لجابر حينئذ والد ولا ولد (٢)، وأما قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾؛ فإنها نزلت في ورثة سعد بن الربيع، قتل يوم أحد، وخلف ابنين (٣) وأُمهما وأخاه (٤)، فأراد الأخ المال (٥).
* * *
باب: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩]
وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩]: لَا تَقْهَرُوهُنَّ.
стр. 3436
﴿حُوبًا﴾ [النساء: ٢]: إِثْمًا. ﴿تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]: تَمِيلُوا. ﴿نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]: النِّحْلَةُ: الْمَهْرُ.
(ويذكر عن ابن عباس: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩]: لا تنهروهن): قال القاضي: كذا لأكثر الرواة بالنون؛ من الانتهار، وعند المستملي: "تقهروهن" -بالقاف- (١).
(﴿تَعُولُوا﴾: تميلوا): وقال الشافعي ﵀: تعولوا: تكثر (٢) عيالُكم (٣).
قال ابن العربي: وقد أعجب أصحاب الشافعي بهذا منه، وقالوا: هو حجة في اللغة، ومنزلتُه في الفصاحة ما هي، حتى لقد قال الجويني: هو أفصحُ مَنْ نطق بالضاد، واعتقدوا أن معنى الآية: فانكحوا واحدة إن خفتم أن تكثر عيالكم، فذلك أقرب إلى أن ينتفي عندكم (٤) كثرةُ العيال.
قالوا: ولو كان المراد: الميل، لم تكن فيه فائدة؛ لأن الميل لا يختلف بكثرة النساء وقلتهن، وإنما يختلف القيامُ بحقوقهن.
قال ابن العربي: وكلُّ ما وُصِف به الشافعي، فهو جزء من مالك، ونَغْبةٌ من بحره، والمعنى واللفظ يشهد لما (٥) قاله مالك من أن المراد: الميل كما قاله ابن عباس.
стр. 3437
أما اللفظ، فلأن الفعل ثلاثي يستعمل في الميل الذي (١) ترجع إليه معاني "ع ول" كلُّها، والفعل في كثرة العيال رباعي، لا مدخل له في الآية.
وأما المعنى، فلأن الله تعالى قال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى﴾ [المائدة: ١٠٨]؛ أي (٢): أقرب إلى أن ينتفي العَوْل (٣)، يريد: الميل، فإنه إذا كانت واحدة، عُدِمَ الميل، وإذا كن ثلاثًا، فالميلُ أقلُّ، وهكذا اثنتين، فأرشد الله الخلقَ إذا خافوا عدمَ القسط بالوقوع في الميل (٤) مع اليتامى [أن يأخذوا من الأجانب أربعًا إلى واحدة، فذلك أقربُ إلى أن يقلَّ الميلُ في اليتامى] (٥)، وفي الأعداد المأذون فيها، أو ينتفي، وذلك هو المراد، وأما كثرةُ العيال، فلا يصح أن يقال: ذلك أقربُ إلى (٦) أن لا تكثرَ عيالُكم (٧).
* * *
باب قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]
٢٢٦٤ - (٤٥٨١) - حَدَّثنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي
المفتوحة-؛ أي: بقايا أهل الكتاب، وغَبَرَ الشيء يَغْبُرُ غُبورًا (١): مَكَثَ وبَقِيَ، وقيل: أصلُه غابِرٌ وغُبَّرٌ؛ كراكع ورُكَّعٍ، وجُمع غُبُر على غُبُرات؛ كطُرق وطُرُقات (٢).
(يحطم بعضُها بعضًا): أي: يكسر بعضها، ولذلك سميت النارُ: الحُطَمَةَ (٣).
* * *
باب: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]
الْمُخْتَالُ وَالْخَتَّالُ وَاحِد. ﴿نَطْمِسَ﴾ [النساء: ٤٧]: نُسوِّيَهَا حَتَّى تَعُودَ كَأَقْفَائِهِمْ، طَمَسَ الْكِتَابَ: مَحَاهُ، ﴿سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]: وُقُودًا.
(المختالُ والخَتَّالُ واحد): هكذا وقفت عليه في بعض النسخ، والخَتَّال -بخاء معجمة مفتوحة ومثناة فوقية مشددة-، ولا ينتظم هذا مع المختال؛ لأن المراد به: ذو الخيلاء والكبر، فهو مُفْتَعل من الخيلاء، وأما خَتَّال: فهو فَعَّال من الخَتْل، وهو (٤) الخديعة، فلا يمكن أن يكون بمعنى المختالِ المرادِ (٥) به المتكَبِّر.
стр. 3440
قال الزركشي: قال القاضي في باب: الخاء مع التاء [-يعني: المثناة الفوقية- في تفسير سورة النساء: كذا (١) لهم، وعند الأصيلي: "والخالُ"، وكلُّه صحيح من الخيلاء (٢)، وقال في باب: الخاء مع الياء] (٣) -يعني: المثناة التحتية-: قوله: "المختالُ والخالُ" كذا وقع للأصيلي، ولغيره: والختال (٤)، وليس بشيء هنا، والصواب الأول (٥). هذا آخر كلامه، وهو مناقض لقوله أولًا: وكله صحيح، ثم يقول في الآخر: وليس بشيء. انتهى كلام الزركشي (٦).
قلت: واعتراضه مندفع؛ فإن القاضي قدم أولًا ثلاثة ألفاظ، وهي: المختال على صيغة مُفْتَعل، والخَتَّال على صيغة فَعّال، والخال على صيغة فَعَل متحرك العين بحسب الأصل، ثم قال: وكله صحيح [من الخيلاء، ولم يسكت على (٧) قوله: صحيح] (٨)، فإنما شمل ما يمكن اشتقاقه، وهو المختال والخال.
وأما الخَتَّال -بالمثناة المشددة-، فمن الختل؛ بمعنى: الخديعة كما قدمناه، فلم يدخل تحت قوله: و (٩) كلُّه صحيح من الخيلاء، وقوله:
стр. 3441
ولغيره: الخَتَّال، وليس بشيء هنا، فهو إنكار (١) لإدخال هذه اللفظة في هذا المحل الذي لا يليق به، ولم يصدر منه ما يناقض هذا الإنكار بوجه، فالاعتراض عليه ساقط. وما أحسنَ قولَه هنا؛ فإنه إشارة (٢) إلى ثبوت اللفظ في الجملة، وإنما انصب الإنكار إلى الإتيان بها في غير محلها.
* * *
٢٢٦٥ - (٤٥٨٢) - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ يَحْيى: بَعْضُ الْحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: قَالَ لِي النَّبِي ﷺ : "اقْرَأْ عَلَيَّ". قُلْتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: "فَإِنِّي أحُبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي". فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءَ، حتى بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، قَالَ: "أَمْسِكْ"، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ.
(عن عَبيدة): بفتح العين.
* * *
باب: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]
٢٢٦٦ - (٤٥٨٤) - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
стр. 3442
قَالَ: نزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ، إِذْ بَعَثَهُ النَّبِي ﷺ فِي سَرِيَةٍ.
(ابن عباس: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: نزلت في عبد الله بن حذافةَ بنِ قيسِ بنِ عديٍّ إذ بعثه النبي ﷺ في سرية): قال الداودي: هذا وهم على ابن عباس؛ فإن عبد الله خرج على جيش، فغضب فأوقد نارًا، فقال: اقتحموها، فنظر بعضهم إلى بعض، وقالوا: من النار فررنا، وهمَّ بعضهم أن يقتحمها، فذُكر ذلك للنبي ﷺ ، [فقال: "لَوْ دَخَلُوهَا، مَا خَرَجُوا مِنْهَا، إِنَّمَا الطَّاعَةُ في المَعْرُوفِ" (١).
قال: والذي هنا خلافُ قولِ النبي ﷺ ] (٢) إن كانت الآيةُ بعدُ، فإنما قيل لهم: لمَ لم تطيعوهم؟ وقد تقدم الحديث في المغازي في سرية عبد الله بن حُذافَةَ (٣).
* * *
باب: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩]
(فأُولئكَ عسى اللهُ أن يعفوَ عنهُمْ وكانَ اللهُ غفورًا رحيمًا)، التلاوة: ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾.
الصَّدَقَةِ"، قال الزركشي: فلابد من تأويل هذا اللفظ (١).
قلت: ولم يذكر وجه التأويل، إما لعدم ذكراه (٢) له، أو لقصد تشحيذ الأذهان، والأمرُ أيسرُ من ذلك كله، هي نَعَم الصدقة، وإضافتها (٣) إليه باعتبار أنه الناظرُ فيها وفي قسمتها بين الفقراء، ولم ينحصر سببُ الإضافة في الملك، بل يكون بأدنى ملابسة.
(فما يُستبطأ): روي: "فما يُسْتَبقَى" (٤).
* * *
باب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]
٢٢٦٨ - (٤٦١٩) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى وَابْنُ إِدْرِيس، عَنْ أَبي حَيَّانَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ ﵁ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ: أيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهْيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ.
(عن عمر: نزلَ تحريمُ الخمر، وهي من خمسة: من العنب):
قال الزركشي: هذا خلاف ما رواه أولًا عن ابن عمر: "ما فيها
стр. 3446
شراب العنب" (١).
[قلت: الذي رواه عن ابن عمر أولًا: "نزل تحريمُ الخمر، وإن بالمدينة يومئذ لخمسةَ أَشْرِبة، ما فيها شراب العنب"] (٢)، فالذي يفيده هذا الكلام: أن تحريم الخمر نزل في حالة لم يكن شرابُ العنب فيها بالمدينة، وأن الأشربة الموجودة بها حين نزل التحريم خمسةُ أشربة، ليس فيها شيء من العنب.
وقول عمر: "نزل (٣) تحريم الخمر، وهي من خمسة: من العنب" إلى آخره، لا يقتضي أن شراب العنب كان في المدينة إذ ذاك بوجه، فما وجهُ التعارض؟ وأيُّ خلاف يظهر بالنسبة إلى شراب العنب؟ فتأمله.
* * *
باب: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣]
٢٢٦٩ - (٤٦٢٠) - حَدَّثَنَا أبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنسٍ ﵁: أَنَّ الْخَمْرَ الَّتِي أُهْرِيقَتِ الْفَضِيخُ.
وَزَادَنِي مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ، قَالَ: كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبي طَلْحَةَ، فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، فَأَمَرَ منَادِيًا فَنَادَى، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَانْظُرْ مَا هَذَا الصَّوْتُ؟ قَالَ: فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ: هَذَا مُنَادٍ يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَقَالَ لِي: اذْهَبْ فَأَهْرِقْهَا، قَالَ: فَجَرَتْ فِي سِكَكِ
стр. 3447
الْمَدِينَةِ. قَالَ: وَكَانَتْ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الْفَضِيخَ، فَقَالَ بَعْض الْقَوْمِ: قُتِلَ قَوْم وَهْيَ فِي بُطُونهِمْ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣].
(أن الخمر التي أُهَرِيقت): -بتحريك الهاء-، قال السفاقسي: صوابه: "هُرِيقَتْ، أو أُريقَتْ"، وأما الجمعُ بين الهاء والهمزة، فليس بجيد؛ لأن الهاء بدل من الهمزة، فلا يجمع بينهما (١).
قلت: قد جمعوا بينهما كما في "الصحاح" وغيره، وقد صرح به سيبويه.
(وزادني محمد): القائل: "زادني" هو الفِرَبْري، ومحمد هو البُخاري (٢).
* * *
باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآية [المائدة: ١٠١]
٢٢٧٠ - (٤٦٢١) - حَدَّثَنَا مُنْذِرُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَارُودِيُّ، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنسٍ، عَنْ أَنسٍ ﵁، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُطْبةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، قَالَ: "لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كثِيرًا". قَالَ فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجُوهَهُمْ، لَهُمْ خَنِينٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَنْ
стр. 3448
أَبِي؟ قَالَ: "فُلَان"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
(لهم حنين): -بالحاء المهملة-؛ أي: بكاءٌ دونَ الانْتِحاب.
قال الخطابي: وروي بالخاء المعجمة؛ لأنه بالمهملة من الصدر (١)، وبالمعجمة من الأنف (٢).
* * *
باب: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ١١٦] يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ، وَ"إِذْ" هاهنا صِلَةٌ.
الْمَائِدَةُ: أَصْلُهَا مَفْعُولة؛ كَعِيشَةٍ رَاضِيَةٍ، وَتَطْلِيقَةٍ بَائِنَةٍ، وَالْمَعْنَى: مِيدَ بِهَا صَاحِبُهَا مِنْ خَيْرٍ، يُقَالُ: مَادَنِي يَمِيدُنِي.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥]: مُمِيتُكَ.
(المائدة أصلُها مفعولة؛ كعيشة راضية، وتطليقة بائنة، والمعنى: ميد بها صاحبها): قال أبو حاتم: المائدة: الطعامُ نفسُه، والناسُ يظنونها الخِوانَ، كذا في الزركشي (٣).
قلت: وقع في "الصحاح": المائدة: خوان عليه طعام، فإذا لم يكن عليه طعام، فليس بمائدة، وإنما هو خوان، ثم حكى معنى ما في البخاري عن أبي عبيدة (٤).
الْقِنْوُ: الْعِذْقُ، وَالاِثْنَانِ قِنْوَانِ، وَالْجَمَاعَةُ أَيْضًا قِنْوَان؛ مِثْلُ: صِنْوٍ وَ ﴿صِنْوَانٍ﴾ [الرعد: ٤].
(سورة الأنعام).
(﴿أَسَاطِيرُ﴾: واحدها أُسْطُورَةٌ): بضم الهمزة.
(وِإسْطارَة): بكسر الهمزة.
(مستَقَرٌّ في الرَّحِم، ومستودع في الصُّلْب): كذا في العُزَيري، والمفسرون يقولون عكس ذلك: "مستقَر في الصُّلب، ومستودع في الرحم"، وكذا هو (١) في بعض نسخ البخاري.
وقوى (٢) الزركشي قولَ المفسرين بقول ابن عباس لسعيد بن جبير: هل تزوجت؟ فقال له (٣): لا، فقال ابن عباس: إن الله سيخرج من ظهركَ ما استودَعَه فيه (٤).
قلت: هذا يؤيد الأولَ، لا الثاني، فتأمله.
* * *
باب: قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١]
٢٢٧٤ - (٤٦٣٤) - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: "لَا أَحَدَ أَغْيَرُ
стр. 3453
مِنَ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا شَيْءَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ، لِذَلِكَ مَدح نَفْسَهُ". قُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: نعَمْ، قُلْتُ: وَرَفَعَهُ؟ قَالَ: نعَمْ.
(ولا شيء (١) أَحَبُّ إليه المدحُ من الله): قال الزركشي: استنبط منه عبد اللطيف البغدادي جواز قول (٢): مدحتُ الله، وليس صريحًا؛ لاحتمال أن يكون المراد (٣): إن الله يحب أن يمدحه (٤) غيرُه؛ [ترغيبًا للعبد في الازدياد مما يقتضي المدح، ولذلك يمدح نفسه؛ لأن المراد: يحب أن يمدحه غيره] (٥)(٦).
قلت: الظاهرُ الأولُ، ولذلك مدح نفسه [شاهدُ صدق على صحته، وما اعترضَ به على عدم الصراحة بإبداء الاحتمالِ المذكورِ ليس من قِبَلِ نفسه] (٧)، بل ذكره الشيخ بهاءُ الدين السبكي في "أول شرح التلخيص".
* * *
باب: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨]
(﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾): قال ابن الحاجب وغيره من المحققين:
стр. 3454
[أي: وكَسْبُها، والمعنى: أن النفس التي لم تكن آمنت من قبلُ، أو كسبت في إيمانها خيرًا، لا ينفعها إيمانُها] (١) وكسبُها، والآية من اللَّفِّ والنَّشْر، وبهذا (٢) التقدير تندفع شبهةُ المعتزلة؛ الزمخشريِّ وغيرِه؛ إذ قالوا: سَوَّى الله بينَ عدم الإيمان وبينَ الإيمان الذي لم يقترن بالعمل الصالح في عدم الانتفاع به.
قال التفتازاني (٣): والاعتراضُ بأن "أو" لأحد الأمرين، ففي سياق النفي يفيد العموم كالنكرة؛ على ما ذُكِرَ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، فعدمُ النّفع يكون للنفس التي لم يكن فيها الإيمانُ ولا كسبُ الخير مدفوعٌ بأن هذا لا يستقيم هنا؛ لأنه إذا انتفى الإيمان، انتفى كسبُ الخير في الإيمان بالضرورة، فيكون ذكره لغوًا من الكلام، فوجب حملُ "أو" على المعنى الذي ذكره الزمخشري، وهو التسوية بين النفس التي لم تؤمن قبل ذلك اليوم، والتي آمنت ولم تكسب خيرًا.
والحاصل (٤): أن العموم إنما يلزم إذا عُطف أحدُ الأمرين على الآخر بأو، ثم سُلّط النفيُ عليه؛ مثل: لم تكن آمنتْ أو عملَتْ، لا إذا عُطف بأو نفيٌ (٥) على نفي أمرٍ؛ كما تقول: لم تكن آمنت، أو لم تكن كسبت (٦)،
стр. 3455
وهاهنا قد تعذر الأول؛ للزوم التكرار، فتعين الثاني.
قال: وأجيب عن التمسك بأن الآية من باب اللف التقديري (١)؛ أي: لا ينفع نفسًا إيمانها، ولا كسبُها في الإيمان لم تكن آمنت من قبلُ، أو كسبت فيه، فتوافق (٢) الآيات والأحاديث الشاهدة بأن مجرد الإيمان ينفع، ويورث النجاةَ من العذاب، ولو بعد حين، ويلائم مقصود الآية حيث وردت بخبر الذين أَخْلَفوا ما وَعَدوا من الرسوخ في الهداية عندَ إنزال الكتاب؛ حيثُ كَذَّبوا وصدفوا عنه؛ أي: يوم تأتي الآيات لا ينفعهم تلهُّفُهم على ترك الإيمان بالكتاب، ولا على ترك العمل بما فيه، وقريبٌ من ذلك ما قال ابن الحاجب: إن المعنى لا ينفعُ نفسًا إيمانهُا ولا كسبُها، وهو العمل الصالح، لم تكن آمنت من قبلُ، ولم تعمل العملَ الصالح، فاختُصر؛ للعلم به.
عليه قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢]، وهو (١) وإن نسب إليه الأذى، لا يخرج عن كونه غيثًا (٢)، وفيه نظر.
* * *
٢٢٧٨ - (٤٦٤٨) - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ، هُوَ ابْنُ كُرْدِيدٍ، صَاحِبُ الزِّيادِيِّ: سَمِعَ أَنس بْنَ مَالِكٍ ﵁: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ، أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيم﴾. فَنَزَلتْ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الأنفال: ٣٣ - ٣٤].
(قال أبو جهل: ﴿اللهمَّ إن كان هذا هو الحقَّ من عندك، فأمطرْ علينا حجارةً من السماء، أو ائتنا بعذابٍ أليم﴾): أورد ابن المنير في "تفسيره (٣) " هنا سؤالًا، فقال: قد حكى الله عنهم هذا الكلام في هذه الآية، وهو من جنس نظم القرآن، فقد وجد منه (٤) التكلم ببعض القرآن، فكيف يتمُّ نفيُ المعارضة بالكلية، وقد وُجد بعضُها، ومنها حكاية الله عنهم في سورة بني إسرائيل: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]؟
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخَتَنُهُ، وَأَشَارَ بِيَده: وَهَذه ابْنتهُ -أَوْ بِنتهُ- حَيْثُ تَرَوْنَ.
(أحب إلي من أن أغترَّ بهذه الآية): من الاغترار، ويروى بمثناة تحتية، من التعيير.
(إما يقتلوه، وإما يوثقوه): بحذف نون الرفع، وقد تقدم عن ابن مالك أنه موجود في الكلام الفصيح نثرِه ونظمِه.
قال الزركشي: كذا وقع، وصوابه: "يقتلونه، ويوثقونه"؛ لأن "إِمَّا" هاهنا عاطفة مكررة، وإنما تجزم إذا كانت شرطًا (١).
قلت: لا فائدة في قوله: مكررة، وعبارتُه موهمة؛ لأن "إما" العاطفة تجزم إذا كانت شرطًا (٢)، ولم يخلق الله "إما" عاطفة شرطية، وإنما (٣) مراده أن الذي يجزم هو "أَمَّا" -المفتوحة الهمزة الشرطية-، وعبارته لا توفي بذلك، على أن "إما" (٤) الشرطية لا يقع بعدها فعل مجزوم ملفوظ به أصلًا.
(وهذه ابنته أو بَيْتُه (٥) حيث تَرَوْنَ): قال الزركشي: هذا الشك لا معنى له أصلًا، والصواب: "بَيْتُه (٦) " (٧).
قلت: بل له معنى، وهو المحافظة على نقل اللفظ على وجهه كما
стр. 3464
سُمع، فالراوي شكَّ هل قال ابنُ عمر: وهذه ابنته؛ أي: ابنة رسول الله ﷺ حيث ترونَ منزلها بين منازل أبيها، وهي زوجةُ عليٍّ كما لا يخفى، أو قال: وهذا بيته؛ يريد: واحد البيوت؛ حيث ترون، فأتى الراوي باللفظين مع حرف الشك تحرُّجًا من أن يجزم بلفظ هو فيه شاكّ، ويروى: "هذه أبنيته (١)، أو بيته"؛ الأولُ جمع بِناء، والثاني واحدُ البيوت.
* * *
باب: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ الآية [الأنفال: ٦٦]
٢٢٨٠ - (٤٦٥٣) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ خِرِّيتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: لَمَّا نزَلَتْ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥]. شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، حِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِد مِنْ عَشَرَةٍ، فَجَاءَ التَّخْفِيفُ، فَقَالَ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦]. قَالَ: فَلَمَّا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنَ الْعِدَّةِ، نقصَ مِنَ الصَّبْرِ بِقَدرِ مَا خُفِّفَ عَنْهُمْ.
(الزبير بن خِرِّيْت): بخاء معجمة وراء مشددة مكسورتين فمثناة تحتية ساكنة فمثناة فوقية.
كلام ابن عباس في حق (١) عبد الله بن الزبير.
قيل: وسقط من ذلك: "وتركتُ بني عمي، إن وصلوني" الحديث، يريد: بني أمية؛ لكونهم من عبد مناف، ويبينه الحديثُ بعدَه.
(وإن ربُّوني): -بضم المشددة-؛ أي: كانوا عليَّ أُمراء.
(ربَّني أكفاء كرام): -بفتح الموحدة المشددة-؛ يعني: بني أمية؛ فإنهم في النسب إلى ابن عباس أقربُ من ابن الزبير، والأكفاء: الأمثال.
(برز يمشي القُدَمية (٢)): -بضم القاف وفتح الدال المهملة وتشديد المثناة التحتية-، هذه الرواية الصحيحة.
ويروى بضم الدال أيضًا؛ يعني: أنه تقدم في الشرف والفضيلة على أصحابه، وأصله التَّبَخْتُر.
قال أبو عبيدة: إنما هو مَثَلٌ ضربه؛ يريد: أنه ركب معالي الأمور، وعمل بها (٣).
(وإنه لوَّى ذنبه): -بتشديد الواو وتخفيفها-؛ يريد: ابن الزبير، كنى به عن إيثار الدَّعَة (٤) والراحة، كما تفعل السباعُ بأذنابها إذا أرادت النوم.
* * *
٢٢٨٦ - (٤٦٦٦) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ