كلام ابن عباس في حق (١) عبد الله بن الزبير.
قيل: وسقط من ذلك: "وتركتُ بني عمي، إن وصلوني" الحديث، يريد: بني أمية؛ لكونهم من عبد مناف، ويبينه الحديثُ بعدَه.
(وإن ربُّوني): -بضم المشددة-؛ أي: كانوا عليَّ أُمراء.
(ربَّني أكفاء كرام): -بفتح الموحدة المشددة-؛ يعني: بني أمية؛ فإنهم في النسب إلى ابن عباس أقربُ من ابن الزبير، والأكفاء: الأمثال.
(برز يمشي القُدَمية (٢)): -بضم القاف وفتح الدال المهملة وتشديد المثناة التحتية-، هذه الرواية الصحيحة.
ويروى بضم الدال أيضًا؛ يعني: أنه تقدم في الشرف والفضيلة على أصحابه، وأصله التَّبَخْتُر.
قال أبو عبيدة: إنما هو مَثَلٌ ضربه؛ يريد: أنه ركب معالي الأمور، وعمل بها (٣).
(وإنه لوَّى ذنبه): -بتشديد الواو وتخفيفها-؛ يريد: ابن الزبير، كنى به عن إيثار الدَّعَة (٤) والراحة، كما تفعل السباعُ بأذنابها إذا أرادت النوم.
* * *
٢٢٨٦ - (٤٦٦٦) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ
من ينتهي إلى ذلك الرجل نسبًا، ويحتمل (١) مذهبًا، وهذا القائل يظهر أن يكون ذا الخُوَيْصِرَة.
قال الزركشي: واعلم أن البخاري ترجم هذا الحديث بقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٠].
وكان ينبغي أن يترجمه بقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] (٢).
[قلت: ووجهُ ما فعله البخاري ظاهرٌ -أيضًا-؛ فإن الحديث اشتمل على إعطاء المؤلفة قلوبهم صريحًا، واشتمل على لمزه في الصدقات] (٣)، فإن ترجم على الأول، صَحَّ، وإن ترجم على الثاني، صح، ولا نسلِّم أولويةَ أحدِهما بالنسبة إلى الآخر، فلا وجه للاعتراض.
* * *
باب: قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]
٢٢٨٨ - (٤٦٧٠) - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ، جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ، فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
стр. 3473
لِيُصَلِّيَ، فَقَامَ عُمَرُ، فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تُصَلِّي عَلَيْهِ، وَقَدْ نهاكَ رَبُّكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيهِ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا خَيَّرَني اللهُ، فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠]، وَسَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ". قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِق، قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤].
(عن ابن عمر، قال: لمّا تُوُفِّيَ عبدُ الله بنُ أُبي (١)): قال الزركشي: في هذه الرواية وَهْمٌ، وهو أن عمر قال لرسول الله ﷺ : "أتصَلِّي عليه، وقد نهاكَ ربُّك أن تُصلِّيَ عليه؟! "، ثم أخبر بعد انفصال القضية: أن الله تعالى أنزل: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ﴾ [التوبة: ٨٤] (٢).
قلت: لا (٣) وهمَ -إن شاء الله- في الرواية، والكلامُ شديد منتظم، وذلك بأن تقول: لعل عمر ﵁ فهم نهيَ الله تعالى عن الصلاة على هذا المنافق من قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]؛ من حيث سوى بين الاستغفار وعدمه في عدم النفع، وعلل ذلك بكفرهم، وقد ثبت من جهة الشرع امتناعُ المغفرة لمن مات كافرًا، والدعاءُ بوقوع ما عُلم انتفاءُ وقوعه شرعًا أو عقلًا ممتنعٌ، ولا شك أن الصلاة على المشرك الميت استغفارٌ له ودعاء، وقد نُهي عنه، فتكون الصلاة عليه منهيًا عنها (٤).
стр. 3474
ويؤيده قوله في الرواية الأخرى بعد هذا: "أتصلِّي عليه [وهو منافق، وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟! "، وحينئذ فلا منافاة بين قوله: وقد نهاك ربك أن تصلي عليه] (١)، وبين إخباره بأن آية النهي عن الصلاة على كل مشرك، والقيام على قبره، فنزلت بعد ذلك.
(إنما خيّرني الله، فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾، وسأزيد (٢) على السبعين): قال الزمخشري: لم يخْفَ على النبي ﷺ أن الذي يفهم من ذكر هذا العدد كثرةُ الاستغفار، ولكنه خيل بما قال؛ إظهارًا لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليه؛ كقول إبراهيم: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وفي إظهار النبي الرحمة والرأفة (٣) لطفٌ لأمته، ودعاءٌ لهم إلى ترحُّم بعضِهم على بعض (٤).
قال ابن المنير: وقد أنكر القاضي حديثَ الاستغفار، ولم يصححه، وتعالى قوم فجعلوه عمدة مفهوم المخالفة.
قلت: وقد تبع القاضيَ أبا بكر على إنكار الحديث إمامُ الحرمين، والغزاليُّ، وهذا من هؤلاء الأئمة الأكابر عجيب، كيف (٥) باحوا بذلك، والحديثُ ثابتٌ صحيح مدوَّن في (٦) البخاري ومسلم؟!
والأكتاف: جمعُ كَتِف، وهما معروفان، والعُسُب: جمعُ عَسيب، وهو سَعَفُ النخل، وكانوا يكتبون فيها.
(حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع غيره): قال الخطابي: هذا مما يخفى معناه على كثير يتوهمون أن بعض القرآن إنما أخذ من الآحاد، فليعلَمْ أن القرآن كان محفوظًا في الصدور أيامَ رسول الله ﷺ ، ومؤلفًا هذا التأليف الذي عندنا، إلا سورة براءة، كانت في آخر ما نزل، فلم (١) يبين لهم رسول الله ﷺ موضعها من التأليف حتى خرجَ من الدنيا، فقرنها الصحابةُ بالأنفال (٢).
قلت: حكى القرطبي في أوائل "تفسيره" عن ابن الطيب: أن السلف اختلفوا في ترتيب السور، فمنهم من كتب أولها الفاتحة، ومنهم من كتب السور على تاريخ نزولها، وقدم المكيَّ على المدني، ومنهم من جعل أول المصحف: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١].
قال القاضي أبو بكر: فيحتمل أن يكون ترتيبُ السور على ما هي عليه اليوم، كان على وجه الاجتهاد من الصحابة.
ثم قال القرطبي: وذكر أبو بكر الأنباري أن اتِّساقَ السور كاتساق الآيات والحروف، كلُّه عن النبي ﷺ (٣).
سُقَاطُنَا. ﴿إِجْرَامِي﴾ [هود: ٣٥]: هُوَ مَصْدَر مِنْ أَجْرَمْت، وَبَعْضُهُمْ يَقولُ: جَرَمْتُ. ﴿الْفُلْكَ﴾ [هود: ٣٧]، وَالْفَلَكُ وَاحِد، وَهْيَ السَّفِينَةُ وَالسُّفُنُ. ﴿مَجْرَاهَا﴾ [هود: ٤١]: مَدْفَعُهَا، وَهْوَ مَصْدَرُ أَجْرَيْتُ، وَأَرْسَيْتُ: حَبَسْت، ويقْرَأُ: ﴿مُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١] مِنْ رَسَتْ هِيَ، وَ ﴿مَجْرَاهَا﴾ مِنْ جَرَتْ هِيَ. ومُجريها ومُرسيها: مِنْ فُعِلَ بِهَا. الراسيات: ثَابِتَاتٌ.
(الفُلْك والفُلَك واحد): ضبط بضم الفاء فيهما وإسكان اللام في الأول (١) وفتحها في الثاني، قيل: وصوابه: الفَلَك واحد -بفتحتين-، والفُلْك جمع، بضم الفاء وإسكان اللام.
قال القاضي: كذا لبعض الرواة، ولآخرين (٢): الفلك والفلك يعني -بضم الفاء وإسكان اللام-، وهو الصواب في أن الواحدَ والجمعَ بلفظ واحد، وهو مراد البخاري (٣). واللفظ وإن كان واحدًا، لكنه مختلف بحسب التقدير، فضمة فُلك للواحد كضمة قُفْل، وضمة فُلك الجمع كضمة أُسْد (٤).
(مُجْراها: موقعها): قال الزركشي: كذا لبعضهم، والصواب: "مُجْراها: مَسيرُها، ومُرْسَاها: مَوْقِفُها"، وهو مصدر (٥).
قلت: الذي رأيته في نسخة: "مَدْفَعُها"؛ من الدَّفْع، لا موقِفُها من
стр. 3483
الوقوف، وهو حسن، ورأيت في هذه النسخة أيضًا: "مجراها: مسيرها"، وكتب عليها: نسخة، ثم النظر بعد ذلك في شيء آخر، وهو أنه (١) يحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١] جملة واحدة، ويحتمل أن يكون جملتين، والأولى انتهت عند قوله تعالى: ﴿فِيهَا﴾.
قال بعضهم: وكونُ الكلام جملةً واحدة على تأويل: اركبوا قائلين: بسم الله، أَوْلى؛ لأنه يكون قد أمرهم بهذا القول، ولهذا كان (٢) سُنَّة في كل مَنْ ركب السفينة أن يقول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١].
بقي في الآية بحث، وهو أن يقال: العادةُ في سنة التسمية أن يكون في الأول، فيقول الآكل أولَ أكلِه: باسم الله خاصة، إلا أن تفوته التسميةُ أولًا، فيقول في أثنائه: بِاسْمِ اللهِ أَوَّلَ الطَّعَامِ وَآخِرَهُ؛ كما (٣) جاء في الحديث: أن أعرابيًا جاء والنبيُّ (٤) ﷺ يأكل في قصعة مع أصحابه، فأكل الأعرابي ولم يُسَمِّ، فلما فرغ قال: باسم اللهِ أولَ الطعام وآخرَه، فقال النبي ﷺ : "إِنَّ هَذَا الأَعْرَابِى لَمَّا أكلَ وَلَمْ يُسَمِّ، رَأَيْتُ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ مَعَنَا، فَلَمَّا قَالَ: بِاسْمِ اللهِ أَوَّلَ الطَّعَامِ وَآخِرَهُ، رَأَيْتُ الشَّيْطَانَ قَاءَ مَا أكلَ" (٥)،
стр. 3484
فما وجهُ كونِ السنَّةِ في (١) السفينة أن يقول: "بسم الله مجراها ومرساها" يذكر المبدأ (٢) والمنتهى؟
قال ابن المنير في "تفسيره": الحكمة فيه -والله أعلم-: أن السفينة لا يحصل الغرضُ منها إلا بالبلاغ، فلو سافرت ما شاء الله تعالى، ثم عطبتْ (٣) في آخر السفر، لم يحصُل شيء من (٤) الغرض، قَلَّ ولا جَلَّ، ولا كذلك الطعامُ ونحوُه من الأفعال التي يحصُل بكل جزء منها جزءٌ (٥) من الغرض، فتوقفُ أولِ السفر على آخره في حصول الغرض أوجبَ أن تكون التسمية إلى آخره (٦) جامعة للأول والآخر؛ لئلا يكون حيثُ لا غرض (٧) ألبتة، ففي ذلك تنبيه على المشهور (٨) من المذهب، وهو أن أُجرة السفن على البلاغ، فلو عطبتْ -ولو في الآخر-، فلا أجرة لصاحبها ألبتة، كما أنه لم يحصل لصاحبه غرض ألبتة، وتحقُّقُ أن الغرض موقوف على الآخر (٩): أن السنَّةَ أن يسمِّي في ركوبها لأول السفر وآخره من أول الأمر.
أَحْلَامٍ﴾ [يوسف: ٤٤]: مَا لَا تأْوِيلَ لَهُ، وَالضِّغْثُ: مِلْءُ الْيَدِ مِنْ حَشِيشٍ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَمِنْهُ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص: ٤٤]، لَا مِنْ قَوْلهِ: أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ، وَاحِدُهَا ضِغث. ﴿وَنَمِيرُ﴾ [يوسف: ٦٥]: مِنَ الْمِيرَةِ. ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٦٥]: مَا يَحْمِلُ بَعِير. ﴿آوَى إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٦٩]: ضَمَّ إِلَيْهِ. ﴿السِّقَايَةَ﴾ [يوسف: ٧٠]: مِكْيَال. ﴿تَفْتَأُ﴾ [يوسف: ٨٥]: لَا تَزَالُ. ﴿حَرَضًا﴾ [يوسف: ٨٥]: مُحْرَضًا، يُذِيبُكَ الْهَمُّ. ﴿فَتَحَسَّسُوا﴾ [يوسف: ٨٧]: تَخَبَّرُوا. ﴿مُزْجَاةٍ﴾ [يوسف: ٨٨]: قَلِيلَةٍ. ﴿غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٧]: عَامة مُجَلِّلَة.
(سورة يوسف).
(عن مجاهد: مُتْكًا: الأترجُّ بالحبشية): هو بضم الميم وإسكان التاء وتنوين الكاف، وقد خالف البخاري هذا، فقال بعد أسطر: المُتَّكَأ: ما اتكأتَ عليه، وأبطل الذي قال: الأترج، [وليس في كلام العرب الأترج] (١)، فلما احتج عليهم بأنه المتكأ من نمارق، فروا إلى شر منه، وقالوا: إنما هو المُتْك -ساكنة التاء-، وإنما المتك طرفُ البَظْر فإن كان ثم أترج، فإنه بعد المتكأ.
وهذا أخذه من كلام أبي عبيد؛ فإنه قال: المتكأ: النُّمْرُقة التي يتكَأ عليها، وزعم قوم أنه الترنج، وهذا أبطلُ باطلِ في الأرض، ولكن عسى أن يكون مع المتكَأ ترنجٌ يأكلونه.
وقال ابن عطية: ما يُتكَأ عليه من فُرُش ووسائدَ، ومعلوم أن هذا
стр. 3489
النوعَ من الكرامات لا يخلو من الطعام والشراب، فلذلك فسر (١) مجاهدٌ وعكرمة المتكأ (٢) بالطعام (٣).
وقال الزمخشري: هو (٤) من قولك: اتَّكَأنا عندَ فلان: طَعِمْنا، على سبيل الكناية؛ لأن من دعوته ليطْعَمَ عندك، اتخذت له تُكَأَةً يتكئ عليها (٥).
(شغفها يقال: بَلَغَ إلى شغافها): قال السفاقسي: في كتب اللغة: بفتح الشين، وضبطه المحدثون بكسرها (٦).
(كيلَ بعير: ما يحملُه بعير): قال مجاهد: أرادَ كيلَ حمار، قال: وبعضُ (٧) العرب تقول (٨) للحمار: بعير، وهذا شاذ.
قال ابن خالويه: وذلك أن يعقوبَ وإخوة يوسف كانوا بأرض كنعان، ولم يكن هناك إبل، قال: وكذلك ذكره مُقاتلُ بنُ سليمان، وفي زَبور داود: البعيرُ كلُّ ما يحمل، ويقال لكل ما يحمل بالعبرانية: بعيرٌ، قال ابن خالويه: وهذا حرف نادر ألقيته على المتنبي بين يدي سيف الدولة، فكسرت قرنه.
стр. 3490
قال الزركشي: و (١) لم يأت في ذلك بحجة (٢).
قلت: طريقُ إثباته النقلُ عن الأئمة، وقد نقل عن مجاهد ومقاتلٍ صحة ما ذكره.
* * *
باب: قوله تعالى: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨]
٢٢٩٤ - (٤٦٩١) - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَسْرُوقُ بْنُ الأَجْدع، قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ رُومَانَ، وَهْيَ أُمُّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا وَعَائِشَةُ، أَخَذَتْهَا الْحُمَّى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَعَل فِي حَدِيثٍ تُحُدِّثَ؟ "، قَالَتْ: نَعَمْ، وَقَعَدَتْ عَائِشَةُ، قَالَتْ: مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كيَعْقُوبَ وَبَنِيهِ: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨].
(مسروق قال: حدثتني أم رُومان، وهي أم عائشة): تقدم ما فيه من الانتقاد باعتبار أن مسروقًا لم يسمع من أم رُومان.
* * *
باب: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هَيْتَ لَكَ: بِالْحَوْرَانِيَّةِ: هَلُمَّ. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: تَعَالَهْ.
стр. 3491
(قال عكرمة: هيت [لك] بالحورانية: هلم): هذا على رأي من قال: إنها معربة، والجمهور على أنها عربية.
* * *
باب: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ الآية [يوسف: ٥٠]
٢٢٩٥ - (٤٦٩٤) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِم، عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ يُونُس بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيبِ وَأَبي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ، لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ، وَنَحْنُ أَحَقُّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لَهُ: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] ".
(ثنا عبد الرحمن بن القاسم): هذا صاحبُ الإمام مالكٍ، وليس له (١) في البخاري غيرُ هذا الحديث.
(ولو لبثتُ في السجن ما لبثَ يوسفُ، لأجبتُ الدّاعي): وصفَه (٢) بالصبر والتثبُّت؛ أي: لو كنتُ مكانَه، لخرجتُ ولم ألبثْ، وهذا من تواضعه ﵇ (٣).
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ [الرعد: ٤]: طَيِّبُهَا، وَخَبِيثُهَا السِّبَاخُ. ﴿صِنْوَانٌ﴾ [الرعد: ٤] النَّخْلَتَانِ أَوْ أكثَرُ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ [الرعد: ٤]: وَحْدَهَا. ﴿بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ [الرعد: ٤]: كصَالح بَنِي آدَمَ وَخَبِيثهِمْ، أبوهُمْ وَاحِدٌ. ﴿السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد: ١٢]: الَّذِي فِيهِ الْمَاءُ. ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾ [الرعد: ١٤]: يَدْعُو الْمَاءَ بِلِسَانِهِ، وَيُشِيرُ إِلَيْهِ بيده، فَلَا يَأْتِيهِ أَبَدًا. ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧]: تَمْلأُ بَطْنَ وَادٍ. ﴿زَبَدًا رَابِيًا﴾ [الرعد: ١٧]: زَبَدُ السَّيْلِ، خَبَثُ الْحَدِيدِ وَالْحِلْيَةِ.
(سورة الرعد).
(﴿الْمَثُلَاتُ﴾ واحدها مَثُلَة): أي: كسَمُرَة وسَمُرَات، وهي العقوبة الواضحة.
(﴿جُفَاءً﴾ يقال: (أجفأَتِ القدرُ: إذا غَلَتْ، فعلاها الزبدُ): قيل: المشهور في اللغة جَفَأتِ [القدرُ: إذا ألقَتْ بزبدها عندَ الغليان، وأجفأ لغةٌ فيه، وجفأتُ] (١) أنا القدرَ: إذا أَمَلْتُها فصببتُ ما فيها (٢)، ولا يقال: أَجْفَأْتُها (٣).
﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾: لم يَتَبينْ): كذا قال أبو عبيد: ألم يعلمْ ويتبينْ.
وقال الفراء: لم يُسمع يئستُ بمعنى: علمْتُ، ورُدَّ بأنه نافٍ، وأبا عُبيد مُثْبِت (٤).
стр. 3494
(﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: يقولون: سلامٌ عليكم): قال الزركشي: الأحسنُ تقدير: يدخلون قائلين سلامٌ عليكم، فالجملة محكية بقول مضمر، والقولُ (١) المضمَرُ حالٌ من فاعل يدخلون (٢).
[قلت: وعبارة البخاري لا تأبى ما قاله؛ لجواز جعل "يقولون" جملة حالية من فاعل "يدخلون"؛ أي: يدخلون] (٣) في حالة كونهم يقولون، وليس الخلاف بين (٤) التقديرين إلا بجعل الحال مفردة في الأول دون الثاني، فإن كانت الأحسنية من حيث إن الأصل في الحال أن تكون مفردة؛ لعراقةِ (٥) المفردة من الإعراب، وتطفُّل الجملة عليه بموقعها موقعَه، فيمكن، والأمرُ في ذلك قريب، ويحتمل أن يجعل "يقولون" خبرًا ثانيًا عن الملائكة، لا حالًا.
* * *
باب: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ [الرعد: ٨]
٢٢٩٦ - (٤٦٩٧) - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ، لَا يَعْلَمُ
جَعَلَ القَيْنُ عَلَى الدُّفِّ إِبَرْ
وقد رأيته كذلك في بعض النسخ بدون ألف، وكَتب على النون فتحتين إشارة إلى ما قلناه، وفي بعضها: "خُضْعانًا"، بالألف.
(فإذا فُزِّعَ عن قلوبهم): أي: سُلِبَ الفَزَعُ منها، فالتضعيفُ فيه للسَّلْبِ؛ مثل: قَرَّدْتُ (١) البعيرَ: إذا أزلتُ قُرادَهُ.
* * *
باب: قوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]
﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾ [الحجر: ٩٠]: الَّذِينَ حَلَفُوا، وَمِنْهُ ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ [القيامة: ١]: أَيْ: أُقْسِمُ، وَتُقْرَأُ: "لأُقْسِمُ". ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ [الأعراف: ٢١]: حَلَفَ لَهُمَا، وَلَمْ يَحْلِفَا لَهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿تَقَاسَمُوا﴾ [النمل: ٤٩]: تَحَالَفُوا.
(ومنه: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾: أي: أقسم): يريد أن "لا" زائدة، وهو قول ابن عباس وغيرِه.
(وتقرأ: لأقسم): هي قراءةٌ لابن (٢) كثير من السبعة.
قال الزركشي: والجمهورُ ضعّفوها؛ لأن اللام يصحبها النون في القسم (٣).
قلت: هذا على إطلاقه غيرُ صحيح، بل قد توجد اللام وتمتنع
стр. 3501
النون، وذلك مع التنفيس؛ نحو: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦]، ومع تقديم المعمول بين اللام والفعل؛ نحو (١): ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٨].
ومع كون الفعل للحال؛ نحو: لأقسم (٢)؛ كقراءة ابن كثير هذه، وإنما قدر البصريون هنا مبتدأ؛ لأنهم لا يجيزون لمن قصدَ الحال أن يقسم إلا على الجملة الاسمية، فإذن قراءة ابن كثير صحيحة، إما على أن تُجعل اللام داخلة على الفعل الحالي، فتمتنع النون، أو تجعلها داخلة على مبتدأ محذوف، فتمتنع النون أيضًا، فعلى كل تقدير لا إشكالَ فيها أَلبتة.
* * *
باب: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]
قَالَ سَالِمٌ: الْيقِينُ: الْمَوْتُ.
(قال سالم: اليقينُ: الموتُ): قيل: ليس اليقين من أسماء الموت، وإنما العلمُ به يقينٌ لا يُمترى فيه، فسُمِّيَ يقينًا تجوُّزًا (٣).
(سورة النحل).
(﴿تَمِيدَ﴾: تكفَأ): ضبطه بعضهم بضم المثناة الفوقية وفتح الفاء، وضبطه آخرون بفتح المثناة والكاف وتشديد الفاء بعدها همزة.
قال السفاقسي: وهو أشبه.
وقيل: تميد: تتحرك (١).
(﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] هذا مقدَّم ومؤخَّر، وذلك أن الاستعاذة قبل القراءة): [فالمعنى حينئذ: فإذا استعذت بالله، فاقرأ القرآن.
وفيه نظر؛ لأنه يلزم أن يكون] (٢) الإنسان مأمورًا بقراءة القرآن عند الاستعاذة، والمشهور في الآية أن المعنى: فإذا أردت القراءة، فاستعذ.
قال الشيخ بهاءُ الدين السبكيُّ في "شرح التلخيص": وعليه (٣) سؤال، وهو أن الإرادة إن أُخذت مطلقا، لزم استحبابُ الاستعاذة بمجرد إرادة القراءة، حتى لو أراد، ثم عَنَّ له أن لا يقرأ، يُستحب له الاستعاذةُ، وليس كذلك (٤)، وإن أُخذت الإرادة بشرط اتصالها بالقراءة، استحال تحققُ العلم بوقوعها، ومُنع (٥) حينئذ استحبابُ الاستعاذة قبل القراءة.
قلت: بقي عليه قسم آخر باختياره يزول الإشكال، وذلك أنَّا
стр. 3504
لا نأخذ الإرادة مطلقًا، ولا نشترط اتصالها بالقراءة، وإنما نأخذها مقيدةً بأن لا يَعِنَّ له صارف عن القراءة، فلا يلزم حينئذ استحبابُ الاستعاذة بعد طروِّ العزم على عدم القراءة، ولا يلزم أيضًا استحالةُ تحققِ العلم بوقوعها، فزال الإشكال، ولله الحمد.
(قال ابن عباس: ﴿وَحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢]: مَنْ ولدَ الرجلَ): وقال ابن قتيبة: الحفَدَةُ: الخَدَمُ والأَعوانُ (١)، ويقال: الحفَدَةُ: الأصهار (٢).
(السَّكَرُ: ما حُرِّمَ من ثمرتها): وفي نسخة: "من شربها".
(والرزقُ الحسنُ: ما أحلَّ الله): قال النحاس: هذه الرواية معناها الإخبار بأنهم يفعلون ذلك؛ لأنهم أُذن لهم فيه، قال: وهي رواية ضعيفة؛ لأن راويها عمرو بن سفيان.
وقال ابن قتيبة: سَكَرًا؛ أي: خَمْرًا، ونزل هذا قبلَ تحريم الخمر؛ لأن النحلَ مكيةٌ، وتحريم الخمر كان بالمدينة (٣).
(وقال ابن عيينة عن صدقة: ﴿أَنْكَاثًا﴾: هي خرقاء، كانت إذا أبرمَتْ غَزْلَها، نقضته): قيل: هي رَيْطَةُ بنتُ سعدِ بنِ تميمٍ، وكانت خرقاءَ، اتخذت مِغْزلًا قدرَ (٤) ذِراع، وصنارة مثلَ أصبع، وفلكة عظيمة على قدرها، وكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر، ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن.
وقال مقاتل: هذه قرشية، اسمها ريطَةُ بنتُ عَمْرِو بنِ كَعْبٍ.
стр. 3505
وذكر السهيلي أنها بنتُ سعدِ بنِ زيدِ مناةَ، وجزم به ابن التين، وزعم غيره أنها ريطة بنتُ عمر بنِ سعدٍ.
روى ابن مردويه في "تفسيره": عن ابن عباس: أنها نزلت في التي كانت تُصْرَع، وخَيَّرَها النبيُّ ﷺ بين الصبر، والدعاء لها، فاختارت الصبر والجنة (١).
باب: قوله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠]
٢٢٩٩ - (٤٧٠٧) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُوسَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الأَعْوَرُ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو: "أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ وَالْكَسَلِ، وَأَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ".
(وأرذل العمر): هو أن يهرم حتى ينقصَ عقلُه.