النون، وذلك مع التنفيس؛ نحو: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦]، ومع تقديم المعمول بين اللام والفعل؛ نحو (١): ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٨].
ومع كون الفعل للحال؛ نحو: لأقسم (٢)؛ كقراءة ابن كثير هذه، وإنما قدر البصريون هنا مبتدأ؛ لأنهم لا يجيزون لمن قصدَ الحال أن يقسم إلا على الجملة الاسمية، فإذن قراءة ابن كثير صحيحة، إما على أن تُجعل اللام داخلة على الفعل الحالي، فتمتنع النون، أو تجعلها داخلة على مبتدأ محذوف، فتمتنع النون أيضًا، فعلى كل تقدير لا إشكالَ فيها أَلبتة.
* * *
باب: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]
قَالَ سَالِمٌ: الْيقِينُ: الْمَوْتُ.
(قال سالم: اليقينُ: الموتُ): قيل: ليس اليقين من أسماء الموت، وإنما العلمُ به يقينٌ لا يُمترى فيه، فسُمِّيَ يقينًا تجوُّزًا (٣).
(سورة النحل).
(﴿تَمِيدَ﴾: تكفَأ): ضبطه بعضهم بضم المثناة الفوقية وفتح الفاء، وضبطه آخرون بفتح المثناة والكاف وتشديد الفاء بعدها همزة.
قال السفاقسي: وهو أشبه.
وقيل: تميد: تتحرك (١).
(﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] هذا مقدَّم ومؤخَّر، وذلك أن الاستعاذة قبل القراءة): [فالمعنى حينئذ: فإذا استعذت بالله، فاقرأ القرآن.
وفيه نظر؛ لأنه يلزم أن يكون] (٢) الإنسان مأمورًا بقراءة القرآن عند الاستعاذة، والمشهور في الآية أن المعنى: فإذا أردت القراءة، فاستعذ.
قال الشيخ بهاءُ الدين السبكيُّ في "شرح التلخيص": وعليه (٣) سؤال، وهو أن الإرادة إن أُخذت مطلقا، لزم استحبابُ الاستعاذة بمجرد إرادة القراءة، حتى لو أراد، ثم عَنَّ له أن لا يقرأ، يُستحب له الاستعاذةُ، وليس كذلك (٤)، وإن أُخذت الإرادة بشرط اتصالها بالقراءة، استحال تحققُ العلم بوقوعها، ومُنع (٥) حينئذ استحبابُ الاستعاذة قبل القراءة.
قلت: بقي عليه قسم آخر باختياره يزول الإشكال، وذلك أنَّا
стр. 3504
لا نأخذ الإرادة مطلقًا، ولا نشترط اتصالها بالقراءة، وإنما نأخذها مقيدةً بأن لا يَعِنَّ له صارف عن القراءة، فلا يلزم حينئذ استحبابُ الاستعاذة بعد طروِّ العزم على عدم القراءة، ولا يلزم أيضًا استحالةُ تحققِ العلم بوقوعها، فزال الإشكال، ولله الحمد.
(قال ابن عباس: ﴿وَحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢]: مَنْ ولدَ الرجلَ): وقال ابن قتيبة: الحفَدَةُ: الخَدَمُ والأَعوانُ (١)، ويقال: الحفَدَةُ: الأصهار (٢).
(السَّكَرُ: ما حُرِّمَ من ثمرتها): وفي نسخة: "من شربها".
(والرزقُ الحسنُ: ما أحلَّ الله): قال النحاس: هذه الرواية معناها الإخبار بأنهم يفعلون ذلك؛ لأنهم أُذن لهم فيه، قال: وهي رواية ضعيفة؛ لأن راويها عمرو بن سفيان.
وقال ابن قتيبة: سَكَرًا؛ أي: خَمْرًا، ونزل هذا قبلَ تحريم الخمر؛ لأن النحلَ مكيةٌ، وتحريم الخمر كان بالمدينة (٣).
(وقال ابن عيينة عن صدقة: ﴿أَنْكَاثًا﴾: هي خرقاء، كانت إذا أبرمَتْ غَزْلَها، نقضته): قيل: هي رَيْطَةُ بنتُ سعدِ بنِ تميمٍ، وكانت خرقاءَ، اتخذت مِغْزلًا قدرَ (٤) ذِراع، وصنارة مثلَ أصبع، وفلكة عظيمة على قدرها، وكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر، ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن.
وقال مقاتل: هذه قرشية، اسمها ريطَةُ بنتُ عَمْرِو بنِ كَعْبٍ.
стр. 3505
وذكر السهيلي أنها بنتُ سعدِ بنِ زيدِ مناةَ، وجزم به ابن التين، وزعم غيره أنها ريطة بنتُ عمر بنِ سعدٍ.
روى ابن مردويه في "تفسيره": عن ابن عباس: أنها نزلت في التي كانت تُصْرَع، وخَيَّرَها النبيُّ ﷺ بين الصبر، والدعاء لها، فاختارت الصبر والجنة (١).
باب: قوله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠]
٢٢٩٩ - (٤٧٠٧) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُوسَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الأَعْوَرُ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو: "أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ وَالْكَسَلِ، وَأَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ".
(وأرذل العمر): هو أن يهرم حتى ينقصَ عقلُه.
стр. 3506
سورة بَنِي إِسْرَائِيلَ
٢٣٠٠ - (٤٧٠٨) - حَدَّثَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْكَهْفِ وَمَرْيَمَ: إِنَّهُنَّ مِنَ الْعِتَاقِ الأُوَلِ، وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾ [الإسراء: ٥١]: يَهُزُّونَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: نَغَضَتْ سِنُّكَ؛ أَيْ: تَحَرَّكَتْ.
(سورة بني إسرائيل).
(وقال في بني إسرائيل والكهف ومريم: إنهن من العتاق الأول): زاد في فضائل القرآن: وطه، والأنبياء.
والعتاق: جمع عَتيق، وهو كلُّ ما بلغ الغاية في الجودة، وأراد: أن نزولهن متقدم بمكة، وأنهن من أول ما تُعلَّم من القرآن (١).
(وهن (٢) من تلادي): أي: ما حفظته من القرآن قديمًا، والتِّلادُ ما كان قديمَ المِلْك، والطارف: ما كان حديثَ الملك.
سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧]، قَالَ: كَانَ نَاسٌ مِنَ الإنْسِ يَعْبُدُونَ نَاسًا مِنَ الْجِنِّ، فَأَسْلَمَ الْجنُّ، وَتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ بِدِينِهِمْ. زَادَ الأَشْجَعِيُّ: عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ [الإسراء: ٥٦].
(وكان ناس من الإنس يعبدون ناسًا من الجن): قال الزركشي: استشكله السفاقسي؛ لأن الجنَّ لا يسمَّون ناسًا، وأقر كلامه (١).
قلت: في "الصحاح": والناس قد يكون من الإنس والجن (٢)، فهذا نصٌّ صريح في خلاف ما قاله، ولو سلم أن الجن لا يسمون ناسًا، فهذا من المشاكلة؛ نحو: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] على ما تقرر في فن البديع.
* * *
باب: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]
٢٣٠٦ - (٤٧١٦) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، قَالَ: هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ، أُرِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أسري به. ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾ [الإسراء: ٦٠]: شَجَرَةُ الزَّقُّومِ.
﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً﴾ [الإسراء: ٦٠]، قال ابن عباس:
стр. 3515
(هي رؤيا عَيْن): فيه ردٌّ صريح على من أنكرَ مجيءَ المصدر من رَأَى البصرية على رؤيا؛ كالحريري، وغيره، وقالوا: إنما يقال في البصرية: رُؤْيَة، وفي الحُلمية: رؤيا.
* * *
باب: قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]
٢٣٠٧ - (٤٧١٨) - حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ آدَمَ بْنِ عَلِي، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: إِنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جُثًا، كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نبَيَّهَا، يَقُولُونَ: يَا فُلَانُ! اشْفَعْ، حَتَّى تَنْتَهِيَ الشَّفَاعَةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَلِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ.
(جُثًا): -بجيم مضمومة وثاء مثلثة مخففة-: جمع جُثْوَة؛ كخُطوة وخُطًا، وأصلُه كلُّ شيء يجتمع.
قال ابن الأثير: وتروى هذه اللفظة: "جُثًّى" بتشديد المثلثة، جمع جاثٍ، وهو الذي يجلس على ركبتيه (١).
* * *
٢٣٠٨ - (٤٧١٩) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄:
стр. 3516
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
(وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته): "الذي" إما بدلٌ مما (١) تقدم (٢) على طريقة إبدال المعرفة من النكرة، أو صفة للنكرة؛ لأنها وصفت كما هو رأي الأخفش.
(حلت له شفاعتي): أي: غَشِيَتْه، ونزلَتْ به؛ من الحُلُول، وقيل: وَجَبَتْ له، وحَقَّتْ (٣).
* * *
باب: قوله تعالى ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]
٢٣٠٩ - (٤٧٢٠) - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبي نَجيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ، وَحَوْلَ الْبَيْتِ سِتُّونَ وَثَلَاثُ مِئَةِ نُصُبٍ، فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]. ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩].
(وحول البيت ستون وثلاثُ مئة نصب): قال الزركشي: كذا وقع في
стр. 3517
الأصل بغير ألف، والوجه: نُصُبًا، وهو منصوب على التمييز.
قلت: عندنا عددان كُلٌّ منهما يحتاج إلى مميز، فالأولُ مميِّرُه منصوب، والثاني مميزه مجرور، [فإن عنى أنه مميز لكلا العددين، فخطأ، والظاهر أنه مجرور] (١)؛ كما وقع في بعض النسخ تمييز لثلاث مئة، ومميزُ "ستون" محذوف؛ لوجود الدالِّ عليه.
ثم قال: ولا وجهَ للرفع؛ إذ لو (٢) رُفع، لكان صفة، والواحدُ لا يقع صفةً للجمع (٣).
قلت: لم ينحصر وجهُ الرفع (٤) فيما ذكر حتى يتعين فيه الخطأ؛ لجواز أن يكون "نُصُب" خبر مبتدأ محذوف؛ أي: كلٌّ منها نُصُب، وهو بضم النون والصاد، وقد تسكن الصاد، وقد تفتح النون مع سكون الصاد.
* * *
باب: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]
٢٣١٠ - (٤٧٢١) - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرْثٍ، وَهْوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ، إِذْ مَرَّ الْيَهُودُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ؟ فَقَالَ: مَا رَابَكُمْ إِلَيْهِ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالُوا: سَلُوهُ، فَسَأَلُوهُ عَنِ
стр. 3518
الرُّوحِ، فَأَمْسَكَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ مَقَامِي، فَلَمَّا نَزَلَ الْوَحْيُ، قَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].
(فسألوه عن الروح، فأمسك النبيُّ ﷺ ، فلم يردَّ عليهم شيئًا، فعلمتُ أنه يُوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي، قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾): التلاوة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ بإثبات الواو، وظاهر هذا السياق أن الوحي لم يتأخر.
وفي "مغازي ابن إسحاق": أنه تأخر خمسَ عشرةَ ليلةً.
قيل: ولهذا قال القاضي: قوله: فلما نزل الوحي، كذا ثبت في "صحيح مسلم" (١) -أيضًا-، وهو وهمٌ بَيِّنٌ؛ لأنه إنما جاء هذا القول عند انكشاف الوحي، وفي "البخاري" في كتاب: الاعتصام: فلما صعد الوحي، وهو صحيح (٢).
قلت: هذه الإطلاقاتُ صعبةٌ في الأحاديث الصحيحة، لاسيما ما اجتمع على (٣) تخريجه الشيخان، ولا أدري ما هذا الوهم، ولا كيف هو، ولما: حرف وجود لوجود؛ أي: إن مضمون الجملة الثانية وُجد لأجل وجود (٤) مضمون الأولى؛ كما تقول (٥): لما جاءني زيد، أكرمته، فالإكرام وجد لوجود المجيء، كذلك تلاوته ﵇ لقوله تعالى:
стр. 3519
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥] الآية كانت لأجل وجود (١) إنزالها، ولا يضر في ذلك كونُ الإنزال تأخر عن وقت السؤال.
وأما قوله: إن هذا القول إنما كان بعد انكشاف الوحي، فمسلَّم؛ إذ هو لا يتكلم بالمنزل عليه في نفس وقت الإنزال، وإنما يتكلم به بعد انقضاء زمن الوحي.
واتحاد زمني (٢) الفعلين الواقعين في جملتي "لما" غير شرط؛ كما إذا قلت: لما جاءني زيد (٣)، أكرمته، فلا يشترط في صحة هذا الكلام أن يكون الإكرام والمجيء واقعين في زمن واحد لا يتقدم أحدُهما على الآخر، ولا يتأخر، بل هذا التركيب صحيح إذا كان الإكرام متعقبًا للمجيء (٤).
فإن قلت: لعله بناه على رأي الفارسي ومن تبعه في أن "لما" ظرف بمعنى حين، فيلزم أن يكون الفعل الثاني واقعًا في حين (٥) الفعل الأول.
قلت: ليس مراد الفارسي ولا غيرِه من كونها بمعنى "حين" ما فهمته (٦) من اتحاد الزمنين باعتبار الابتداء والانتهاء، ألا ترى أنك يصح أن تقول: جئتُ حينَ جاءَ زيدٌ، وإن كان ابتداءُ مجيئك في آخرِ زمنِ (٧) مجيء زيدٍ،
стр. 3520
ومنتهاه بعد ذلك، والمساحة (١) في مثل هذا والمضايقةُ فيه مما لم تُبْنَ لغةُ العرب عليه.
ثم تحتمل الآية أن تكون جوابًا لهم عن (٢) الروح بأنه من أمر الله، ويحتمل أن لا يكون جوابًا لهم عن مقصودهم، وإنما بين لهم (٣) أن هذا من الأمور التي اختص الله تعالى بها، فلا سؤال لأحد فيها.
أَيْ: لَكِنْ أَنَا هُوَ اللَّهُ رَبِّي، ثُمَّ حَذَفَ الأَلِفَ، وَأَدْغَمَ إِحْدَى النُّونينِ فِي الأُخْرى. ﴿زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]: لَا يثْببُتُ فِيهِ قَدَم. ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ﴾ [الكهف: ٤٤]: مَصْدَرُ الْوَليِّ. ﴿عُقْبًا﴾ [الكهف: ٤٤]: عَاقِبةٌ، وَعُقْبَى، وَعُقْبَةٌ وَاحِدٌ، وَهيَ الآخِرةُ. ﴿قُبُلًا﴾ [الكهف: ٥٥]: وَقَبلًا: اسْتِئْنَافًا: ﴿لِيُدْحِضُوا﴾ [الكهف: ٥٦]: لِيُزِيلُوا، الدَّحْضُ: الزَّلَقُ.
(طرقه (١) وفاطمةَ، قال: ألا تصليان؟): [أشار بطرف الحديث إلى بقيته، وهو: فقال عليٌّ: أنفسُنا بيد الله، إن شاء أطلقها، فخرج النبي] (٢) ﷺ يقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]، واحتج بهذا من قال: إن الآية عامة على من قال: إن المراد بالإنسان (٣) هنا: الكافرُ.
(قِبلًا وقُبُلًا وقَبَلًا (٤): استئنافًا): قال السفاقسي: لا أعرف هذا التفسير، إنما هو استقبالًا، وهو يعود على الأخيرة؛ يعني: بفتح القاف والباء.
وقرأ عاصم والكسائي: "قُبُلَا"، بضمتين.
قال الكسائي: عيانًا.
وقرأ الباقون بكسر القاف وفتح الباء (٥).
(﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾) أي: لكن أنا هو الله ربي، ثم حذف الألف،
стр. 3523
وأدغم إحدى النونين في الأخرى، لكن حذف الهمزة من أنا حذف اعتباطي؛ أي: لغير علة.
وقول بعضهم: نُقلت حركةُ الهمزة إلى النون، ثم حذفت على القياس في التخفيف بالنقل (١)، ثم سُكِّنت النون وأُدغمت؛ مردود؛ لأن المحذوف لعلة بمنزلة الثابت، ولهذا تقول: هذا قاضٍ، بالكسر لا بالرفع؛ لأن حذف الياء للساكنين، فهي مقدرة الثبوت، فيمتنع الإدغام؛ لأن الهمزة فاصلة في التقدير (٢).
* * *
باب: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠]
٢٣١٢ - (٤٧٢٥) - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو ابْنُ دِينَارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا الْبَكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ لَيْسَ هُوَ مُوسَى صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كعْبٍ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ! فَكَيْفَ لِي بِهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا، فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ، فَحَيْثُمَا
(وفي أصل الصخرة عينٌ يقال لها: الحيا (١)): قال أبو الفرج: كذا روي بغير هاء، والمشهور المتعارف: "عين الحياة".
قال السفاقسي: وقال الداودي: لا أرى هذا يثبت، وإن كان محفوظًا، فذلك كله من خلق الله وقدرته (٢)، وإذا أراد الله إحياء ميت، أنشره.
قال: وفي دخول الحوت في العين دليل على أنه حَيَّ قبل دخوله في العين، لو كان كما كان في هذا، فلا يحتاج إلى العين، والله قادر على أنه يحييه بلا عين (٣).
قلت: هذا إنكار لا معنى له، وأي مانع يمنع عقلًا أو شرعًا من أن يكون الله تعالى يخلق الحياة في الميت عند مس ماء (٤) هذه العين له، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون حياة إلا بمس هذا الماء (٥)، وقوله: وفي دخول الحوت في العين دليل على أنه حَيَّ قبل دخوله فيها، خلافُ ما يدل عليه الحديث؛ فإن فيه: "فأصابَ الحوتُ من ماء تلك العين، قال: فتحرك وانسلَّ من المِكْتَل فدخل البحر".
(إلى قَدوم): -بتخفيف الدال-: آلة النجار.
سورة ﴿كهيعص﴾
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (أَبْصِرْ بِهِمْ وَأَسْمِعْ) اللَّهُ يَقُولُهُ، وَهُمُ الْيَوْمَ لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يُبْصِرُونَ. ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم: ٣٨]: يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨]: الْكُفَّارُ يَوْمَئِذٍ أَسْمَعُ شَيءٍ وَأَبْصَرُهُ. ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: ٤٦]: لأَشْتِمَنَّكَ. ﴿وَرِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤]: مَنْظَرًا.
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣]: تُزْعِجُهُمْ إِلَى الْمَعَاصِي إِزْعَاجًا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِدًّا﴾ [مريم: ٨٩]: عِوَجًا.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وِرْدَا﴾ [مريم: ٨٦]: عِطَاشًا. ﴿أَثَاثًا﴾ [مريم: ٧٤]: مَالًا. ﴿إِدًّا﴾ [مريم: ٨٩]: قَوْلًا عَظِيمًا. ﴿رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨]: صَوْتًا. ﴿غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]: خُسْرَانًا. ﴿وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]: جَمَاعَةُ بَاكٍ. ﴿صِلِيًّا﴾ [مريم: ٧٠]: صَلِيَ يَصْلَى. ﴿نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣]، وَالنَّادِي: مَجْلِسًا.
(سورة كهيعص).
(قال ابن عباس: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ اللهُ يقوله، وهم اليوم لا يسمعون ولا يبصرون): قال الزركشي: يريد أنه أَمْرٌ بمعنى الخبر؛ كما (١) قال الله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨] (٢).
قلت: أظنه لم يفهم كلام ابن عباس، ولذلك ساقه على هذا الوجه، وكونه أمرًا بمعنى الخبر [لا يقتضي انتفاءَ سماعهم وإبصارهم، بل يقتضي
стр. 3536
ثبوتَه، ثم ليس هو أمرًا بمعنى الخبر] (١)، بل هو لإنشاء التعجب؛ أي: ما أسمعَهُم وما (٢) أبصرَهُم! والأمر (٣) المفهوم منه بحسب الظاهر غيرُ مراد، بل انمحى معنى الأمر فيه، وصار متمحضًا لإنشاء التعجب، ومراد ابن عباس: أن المعنى: ما أسمعَ الكفارَ وأبصرَهم في الدار الآخرة، وإن كانوا في دار الدنيا لا يسمعون ولا يبصرون! ولذلك قال: الكفارُ يومئذٍ أسمعُ شيء وأبصرُهُ (٤).
(﴿رِكْزًا﴾: صوتًا): المشهورُ أنه (٥) الصوتُ الخفيُّ، لا مُطلق الصوت الذي لا يُفهم.
(﴿وَبُكيًّا﴾: جماعةُ باكٍ): ووزنه فُعول، وأصلُه بُكُوْي، فاجتمعت الواو والياء، وسُبقت إحداهما بالسكون، فقُلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، فصار بُكُيًّا هكذا، ثم كُسرت الكاف لمجانسة الياء بعدها، وهذا مثل جالِس وجُلوس، لكنه في المعتل اللام غيرُ مقيس، وقياسه بُكاةٌ مثل قُضاة، وغُزاة، ورُماة، وقيل: ليس بجمعٍ، وإنما هو مصدرٌ على فُعول؛ كجَلَسَ جُلوسًا.
(﴿نَدِيًّا﴾، والنادي واحدٌ: مجلسًا): ويطلق النادي -أيضًا- على أهل المجلس.
стр. 3537
باب: قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩]
٢٣١٦ - (٤٧٣٠) - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ! فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، وَكلُّهُمْ قَدْ رَآهُ. ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ! فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذا الْمَوْتُ، وَكلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ. ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ! خُلود فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ! خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ [مريم: ٣٩] وَهَؤُلَاءَ فِي غَفْلَةٍ أَهْلُ الدُّنْيَا ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] ".
(يؤتى بالموت كهيئةِ كبشٍ أَمْلَحَ) (١): فيه بياضٌ وسواد، والبياضُ أكثر.
قال القرطبي: والحكمة في كونه أبيضَ وأسودَ؛ لأن البياض من جهة الجنة، والسواد من جهة النار (٢).
قلت: وعليه: فالحكمةُ في كون البياض أكثر الإشارةُ (٣) إلى سَعَة الرحمة وغَلَبَتِها بالنسبة إلى الغَضَب، والله تعالى أعلم.
(فيشرئِبُّون): -بهمزة بعد الراء وبعد الهمزة موحدة مشددة-؛ أي: يرفعون رؤوسهم للمنادي لينظروا ما الخبر.
سورة طه
قَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: بِالنَّبَطِيَّهِ ﴿طه﴾ [طه:١]: يَا رَجُلُ. يُقَالُ: كُلُّ مَا لَمْ يَنْطِقْ بِحَرْفٍ، أَوْ فِيهِ تَمْتَمَة، أَوْ فَأْفَأةٌ، فَهيَ عُقْدَةٌ. ﴿أَزْرِي﴾ [طه: ٣١]: ظَهْرِي. ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ [طه: ٦١]: يُهْلِكَكُمْ. ﴿الْمُثْلَى﴾ [طه: ٦٣]: تأْنِيثُ الأَمْثَلِ، يَقُولُ: بِدِينِكُمْ، يُقَالُ: خُذِ الْمُثْلَى: خُذِ الأَمْثَلَ. ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه: ٦٤]: يُقَالُ: هَلْ أتيْتَ الصَّفَّ الْيَوْمَ؟ يَعْنِي: الْمُصَلَّى الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ. ﴿فَأَوْجَسَ﴾ [طه: ٦٧]: أَضْمَرَ خَوْفًا، فَذهَبَتِ الْوَاوُ مِنْ ﴿خِيفَةً﴾ [طه: ٦٧]، لِكَسْرَةِ الْخَاءِ. ﴿فِي جُذُوعِ﴾ [طه: ٧١]: أَيْ: عَلَى جُذُوعِ. ﴿خَطْبُكَ﴾ [طه: ٩٥]: بَالُكَ. ﴿مِسَاسَ﴾ [طه: ٩٧]: مَصْدَرُ مَاسَّهُ مِسَاسًا. ﴿لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ [طه: ٩٧]: لَنَذْرِيَنَّهُ، ﴿قَاعًا﴾ [طه: ١٠٦]: يَعْلُوهُ الْمَاءُ، وَالصَّفْصَفُ: الْمُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ.
(سورة طه): أي: طه يا رجل، وهو بحرفين من الهجاء، وصححه بعضهم.
وقال الخليل (١): من قرأ طه موقوفًا، فهو يا رجل، ومن قرأ: طه (٢) بحرفين من الهجاء، فقيل: معناه: اطمئن.
وقيل: طَأِ الأرضَ، والهاء كناية عنها.
وبلغنا أن موسى ﵇ لما سمع كلام الله، استفزَّه الخوفُ حتى قامَ على أطراف أصابع قدميه، فقال تعالى: ﴿طه﴾؛ أي: اطمئن (٣).
стр. 3540
(﴿فِي جُذُوعِ﴾ (١)؛ أي: على جذوع): هذا مذهب الكوفيين، وأما البصريون، فيقولون: ليست "في" بمعنى "على" (٢)، ولكن شبه (٣) المصلوب؛ لتمكنه في الجذع بالحالِّ في الشيء، فهو من الاستعارة التبعية.
* * *
باب: قوله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ الآية [طه: ٤١]
٢٣١٩ - (٤٧٣٦) - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سيرِينَ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "الْتَقَى آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى لآدَمَ: أَنْتَ الَّذِي أَشْقَيْتَ النَّاسَ، وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ؟ قَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ، وَاصْطَفَاكَ لِنَفْسِهِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ التَّوْرَاةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَوَجَدْتَهَا كتِبَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي؟ قَالَ: نَعَمْ، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى".
(فحج آدمُ موسى): أي: غَلَبَه بالحجة.
قيل: إنما احتج في خروجه من الجنة بأن الله خلقه ليجعله خليفةً في الأرض، ولم ينف عن نفسه الأكلَ من الشجرة التي نُهِيَ عنها.
وقيل: إنما احتج بأن التائب لا يُلام بعد توبته (٤) على ما كان منه (٥)، وقد سبق القول فيه.