← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

ثبوتَه، ثم ليس هو أمرًا بمعنى الخبر] (١)، بل هو لإنشاء التعجب؛ أي: ما أسمعَهُم وما (٢) أبصرَهُم! والأمر (٣) المفهوم منه بحسب الظاهر غيرُ مراد، بل انمحى معنى الأمر فيه، وصار متمحضًا لإنشاء التعجب، ومراد ابن عباس: أن المعنى: ما أسمعَ الكفارَ وأبصرَهم في الدار الآخرة، وإن كانوا في دار الدنيا لا يسمعون ولا يبصرون! ولذلك قال: الكفارُ يومئذٍ أسمعُ شيء وأبصرُهُ (٤). (﴿رِكْزًا﴾: صوتًا): المشهورُ أنه (٥) الصوتُ الخفيُّ، لا مُطلق الصوت الذي لا يُفهم. (﴿وَبُكيًّا﴾: جماعةُ باكٍ): ووزنه فُعول، وأصلُه بُكُوْي، فاجتمعت الواو والياء، وسُبقت إحداهما بالسكون، فقُلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، فصار بُكُيًّا هكذا، ثم كُسرت الكاف لمجانسة الياء بعدها، وهذا مثل جالِس وجُلوس، لكنه في المعتل اللام غيرُ مقيس، وقياسه بُكاةٌ مثل قُضاة، وغُزاة، ورُماة، وقيل: ليس بجمعٍ، وإنما هو مصدرٌ على فُعول؛ كجَلَسَ جُلوسًا. (﴿نَدِيًّا﴾، والنادي واحدٌ: مجلسًا): ويطلق النادي -أيضًا- على أهل المجلس.

стр. 3537

باب: قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩] ٢٣١٦ - (٤٧٣٠) - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ! فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، وَكلُّهُمْ قَدْ رَآهُ. ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ! فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذا الْمَوْتُ، وَكلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ. ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ! خُلود فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ! خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ [مريم: ٣٩] وَهَؤُلَاءَ فِي غَفْلَةٍ أَهْلُ الدُّنْيَا ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] ". (يؤتى بالموت كهيئةِ كبشٍ أَمْلَحَ) (١): فيه بياضٌ وسواد، والبياضُ أكثر. قال القرطبي: والحكمة في كونه أبيضَ وأسودَ؛ لأن البياض من جهة الجنة، والسواد من جهة النار (٢). قلت: وعليه: فالحكمةُ في كون البياض أكثر الإشارةُ (٣) إلى سَعَة الرحمة وغَلَبَتِها بالنسبة إلى الغَضَب، والله تعالى أعلم. (فيشرئِبُّون): -بهمزة بعد الراء وبعد الهمزة موحدة مشددة-؛ أي: يرفعون رؤوسهم للمنادي لينظروا ما الخبر.

стр. 3538

باب: قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ الآية [مريم: ٧٧] ٢٣١٧ - (٤٧٣٢) - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: سَمِعْتُ خَبَّابًا، قَالَ: جِئْتُ الْعَاصِيَ ابْنَ وَائِلٍ السَّهْمِيَّ أتقَاضَاهُ حَقًّا لِي عِنْدَهُ، فَقَالَ: لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ: لَا، حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ، قَالَ: وَإِنِّي لَمَيِّت ثُمَّ مَبْعُوثٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَال: إِنَّ لِي هُنَاكَ مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيكَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]. (جئت العاصيَ): -بإثبات الياء-، سمي بذلك من عصا يعصو: إذا ضرب بالعصا، وقيل: لأنه تقلَّدَ العَصا بدلًا من السيف. * * * باب: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨] ٢٣١٨ - (٤٧٣٣) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ خَبَّابٍ، قَالَ: كنْتُ قَيْنًا بِمَكَّةَ، فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِي بْنِ وَائِلِ السَّهْمِيِّ سَيْفًا، فَجئْتُ أتقَاضَاهُ، فَقَالَ: لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، قُلْتُ: لَا أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ حَتَّى يُمِيتَكَ اللَّهُ ثُمَّ يُحْيِيَكَ، قَالَ: إِذَا أَمَاتَنِي اللَّهُ ثُمَّ بَعَثَنِي، وَلِي مَالٌ وَوَلَدٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٧ - ٧٨] قَالَ: مَوْثِقًا. (كنت قَيْنًا): هو الحَدَّاد (١)، وجمعه قُيونٌ.

стр. 3539

سورة طه قَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: بِالنَّبَطِيَّهِ ﴿طه﴾ [طه:١]: يَا رَجُلُ. يُقَالُ: كُلُّ مَا لَمْ يَنْطِقْ بِحَرْفٍ، أَوْ فِيهِ تَمْتَمَة، أَوْ فَأْفَأةٌ، فَهيَ عُقْدَةٌ. ﴿أَزْرِي﴾ [طه: ٣١]: ظَهْرِي. ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ [طه: ٦١]: يُهْلِكَكُمْ. ﴿الْمُثْلَى﴾ [طه: ٦٣]: تأْنِيثُ الأَمْثَلِ، يَقُولُ: بِدِينِكُمْ، يُقَالُ: خُذِ الْمُثْلَى: خُذِ الأَمْثَلَ. ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه: ٦٤]: يُقَالُ: هَلْ أتيْتَ الصَّفَّ الْيَوْمَ؟ يَعْنِي: الْمُصَلَّى الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ. ﴿فَأَوْجَسَ﴾ [طه: ٦٧]: أَضْمَرَ خَوْفًا، فَذهَبَتِ الْوَاوُ مِنْ ﴿خِيفَةً﴾ [طه: ٦٧]، لِكَسْرَةِ الْخَاءِ. ﴿فِي جُذُوعِ﴾ [طه: ٧١]: أَيْ: عَلَى جُذُوعِ. ﴿خَطْبُكَ﴾ [طه: ٩٥]: بَالُكَ. ﴿مِسَاسَ﴾ [طه: ٩٧]: مَصْدَرُ مَاسَّهُ مِسَاسًا. ﴿لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ [طه: ٩٧]: لَنَذْرِيَنَّهُ، ﴿قَاعًا﴾ [طه: ١٠٦]: يَعْلُوهُ الْمَاءُ، وَالصَّفْصَفُ: الْمُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ. (سورة طه): أي: طه يا رجل، وهو بحرفين من الهجاء، وصححه بعضهم. وقال الخليل (١): من قرأ طه موقوفًا، فهو يا رجل، ومن قرأ: طه (٢) بحرفين من الهجاء، فقيل: معناه: اطمئن. وقيل: طَأِ الأرضَ، والهاء كناية عنها. وبلغنا أن موسى ﵇ لما سمع كلام الله، استفزَّه الخوفُ حتى قامَ على أطراف أصابع قدميه، فقال تعالى: ﴿طه﴾؛ أي: اطمئن (٣).

стр. 3540

(﴿فِي جُذُوعِ﴾ (١)؛ أي: على جذوع): هذا مذهب الكوفيين، وأما البصريون، فيقولون: ليست "في" بمعنى "على" (٢)، ولكن شبه (٣) المصلوب؛ لتمكنه في الجذع بالحالِّ في الشيء، فهو من الاستعارة التبعية. * * * باب: قوله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ الآية [طه: ٤١] ٢٣١٩ - (٤٧٣٦) - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سيرِينَ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "الْتَقَى آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى لآدَمَ: أَنْتَ الَّذِي أَشْقَيْتَ النَّاسَ، وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ؟ قَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ، وَاصْطَفَاكَ لِنَفْسِهِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ التَّوْرَاةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَوَجَدْتَهَا كتِبَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي؟ قَالَ: نَعَمْ، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى". (فحج آدمُ موسى): أي: غَلَبَه بالحجة. قيل: إنما احتج في خروجه من الجنة بأن الله خلقه ليجعله خليفةً في الأرض، ولم ينف عن نفسه الأكلَ من الشجرة التي نُهِيَ عنها. وقيل: إنما احتج بأن التائب لا يُلام بعد توبته (٤) على ما كان منه (٥)، وقد سبق القول فيه.

стр. 3541

باب: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ﴾ الآية [طه: ٧٧ - ٧٩] (﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى﴾): التلاوة: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا﴾.

стр. 3542

سورة الأنبيَاءِ ٢٣٢٠ - (٤٧٣٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْكَهْفُ وَمَرْيَمُ وَطَهَ وَالأَنْبِيَاءُ: هُنَّ مِنَ الْعِتَاقِ الأُوَلِ، وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي. وَقَالَ قتادَةُ: ﴿جُذَاذًا﴾ [الأنبياء: ٥٨]: قَطَّعَهُنَّ. وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿فِي فَلَكٍ﴾ [الأنبياء: ٣٣]: مِثْلِ فَلْكَةِ الْمِغْزَلِ. ﴿يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]، يَدُورُونَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿نَفَشَتْ﴾ [الأنبياء: ٧٨]: رَعَتْ. ﴿يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٣]: يُمْنَعُونَ. ﴿أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢]: قَالَ: دِينُكُمْ دِين وَاحِدٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿حَصَبُ﴾ [الأنبياء: ٩٨] حَطَبُ بِالْحَبَشِيَّةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿أَحَسُّوا﴾ [الأنبياء: ١٢]: تَوَقَّعُوهُ، مِنْ أَحْسَسْتُ. ﴿خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥]: هَامِدِينَ. ﴿حَصِيدًا﴾ [الأنبياء: ١٥]: مُسْتَأْصَلٌ، يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالاِثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ. ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩]: لَا يُعْيُونَ، وَمِنْهُ: ﴿حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤]، وَحَسَرْتُ بَعِيرِي. ﴿عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧]: بَعِيدٌ. ﴿نُكِسُوا﴾ [الأنبياء: ٦٥]: رُدُّوا. ﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ [الأنبياء: ٨٠]: الدُّرُوعُ. ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٩٣]: اخْتَلَفُوا. الْحَسِيسُ وَالْحِسُّ وَالْجَرْسُ وَالْهَمْسُ وَاحِدٌ، وَهْوَ مِنَ الصَّوْتِ الْخَفِيِّ. ﴿آذَنَّاكَ﴾ [فصلت:٤٧]: أَعْلَمْنَاكَ. ﴿آذَنْتُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]: إِذَا أَعْلَمْتَهُ، فَأنْتَ وَهوَ ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]: لَمْ تَغْدِرْ.

стр. 3543

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٣]: تُفْهَمُونَ. ﴿ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]: رَضِيَ. ﴿التَّمَاثِيلُ﴾ [الأنبياء: ٥٢]:الأَصْنَامُ. ﴿السِّجِلِّ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]: الصَّحِيفَةُ. (سورة الأنبياء). (عن عبد الله، قال: بني إسرائيل): قال الزركشي: كذا وقع، وصوابه: "بنو إسرائيل" (١). قلت: قد (٢) يوجَّه بأن الأصل: "سورةُ بني إسرائيل"، فحذف المضاف، وأبقى المضاف إليه على حاله؛ مثل: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧]-بالكسر-؛ أي: ثوابَ الآخرةِ، وهذا وإن لم يكن مقيسًا، فهي وجه في الجملة يمكن حملُ الكلام عليه، وله نظائر. (﴿فِى فَلَكٍ﴾: مثل فَلْكَة المِغْزَل): قال الجوهري: فَلْكَةُ المغزل سُميت لاستدارتها (٣). وقال ابن عطية: تكلموا فيما هو الفلك، فقال بعضهم: كحديدة الرحى (٤). وقال بعضهم: كالطاحونة، وغير هذا مما لا ينبغي التسوُّرُ عليه، غير أنا نعرف أن الفلك جسمٌ مستدير (٥).

стр. 3544

(﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾: لا يُعْيُون): قال السفاقسي: هو (١) من أَعْيَا (٢) يُعْيي. وضُبط في رواية أبي ذر: "يَعْيَوْن" -بفتح الياء-، وليس بِبَيِّنٍ (٣). (السّجِل): الصحيفة): هذا قول مجاهد؛ أي: نطوي ليُكْتب فيها. وعن ابن عباس: هو رجل كان يكتب للنبي ﷺ . رواه أبو داود في "سننه" (٤). وأنكره الثعلبي، وقال: ليس في كتاب النبي ﷺ سِجِلٌّ، وإنما المراد: الصحيفة، [وحكاه عن ابن عباس -أيضًا-، قال: واللام في "الكتاب" بمعنى: على؛ أي: كطي الصحيفة] (٥) على الكتاب؛ أي: على الشيء المكتوب فيها، قال: هو (٦) اسم مَلَك يكتب أعمال العباد (٧).

стр. 3545

سورة الحَجِّ وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ﴿الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤]: الْمُطْمَئِنِّينَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]: إِذَا حَدَّثَ، أَلقَى الشَّيْطَانُ فِي حَدِيثهِ، فَيُبْطِلُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ، وَيُحْكِمُ آيَاتِهِ، وَيُقَالُ: أمنِيَّتُهُ: قِرَاءَتُهُ، ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]: يَقْرَؤُونَ وَلَا يَكْتُبُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥] بِالْقَصَّةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَسْطُونَ﴾ [الحج: ٧٢]: يَفْرُطُونَ؛ مِنَ السَّطْوَةِ، وَيُقَالُ: ﴿يَسْطُونَ﴾: يَبْطُشُونَ. ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج: ٢٤]: أُلْهِمُوا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿بِسَبَبٍ﴾ [الحج: ١٥]: بِحَبْلٍ إِلَى سَقفِ الْبَيْتِ. ﴿تَذْهَلُ﴾ [الحج: ٢]: تُشْغَلُ. (سورة الحج). (﴿الْمُخْبِتِينَ﴾: المطمئنين): أي: بذكر الله تعالى، وقيل: المتواضعين، وقيل: الخاشعين. (قال ابن عباس: ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]: إذا حَدَّثَ، ألقى الشيطانُ في حديثه، فيُبْطِل اللهُ ما يلقي الشيطان، ويُحْكِمُ الله آياته): يعني: أن النبي إذا تلا شيئًا من الآيات المنزلة عليه (١) من ربه، فقد يوقع الشيطان في مسامع أهلِ الشرك ما يوافق آراءهم الباطلة، فيتوهمون أنه مما تلاه النبي ﷺ ، وهو مُبَرَّأٌ (٢) عن ذلك، ومُنَزَّهٌ عنه، لا يخلِطُ حقًا بباطل،

стр. 3546

حاشاه من ذلك، ولأنه يحكي عن الله تعالى ما أنزله عليه من غير زيادة ولا نقص. وأما حديثُ البزار في قصة الغرانيق العلا، فهو حديثٌ باطلٌ لا أصلَ له، وإن كَثَّرَ الطبريُّ (١) طُرَقَه (٢)، وقد أتى القاضي عياض في "الشفا" (٣) بما فيه الشفاء من ذلك. وقال ابن قتيبة: الأُمْنِيَّةُ: التلاوة، وقال تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] أي: لا يعرفونه إلا تلاوة (٤). (مشيد بالقَصَّة): -بفتح القاف-. وقال ابن قتيبة: المشيد: المبنيُّ بالشِّيد (٥)، وهو الجِصُّ (٦). * * * باب: قوله: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج: ٢] ٢٣٢١ - (٤٧٤١) - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آدَمُ! يَقُولُ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادَى

стр. 3547

بِصَوْتٍ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ، قَالَ: يَا رَبِّ! وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ ألفٍ -أُرَاهُ قَالَ- تِسْعَ مِئَةٍ وَتسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَحِينَئِذٍ تَضَعُ الْحَامِلُ حَمْلَهَا، وَيشِيبُ الْوَلِيدُ، وَ ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢]. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى تَغَيَّرَتْ وُجُوهُهُمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ تِسْعَ مِئَةٍ وَتسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَمِنْكُمْ وَاحِدٌ، ثُمَّ أَنْتُمْ فِي النَّاسِ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الأَبْيَضِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: "ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: "شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، فَكَبَّرْنَا. (فينادَى بصوت): بفتح الدال، على البناء للمفعول، وروي بكسرها، على البناء للفاعل. (إن الله يأمرك أن تُخرج من ذريتك بعثًا إلى النار): أي: نصيبًا، والبعثُ: الجيش، والجمعُ: البُعُوث. * * * باب: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] إَلَى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [الحج: ١٢] ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣]: وَسَّعْنَاهُمْ. (﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ﴾: وَسَّعْناهم): ذكرُ هذا في سورة الحج لا محلَّ له، وإنما محلُّه سورةُ المؤمنين (١).

стр. 3548

٢٣٢٢ - (٤٧٤٢) - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبي حَصِينٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١]، قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ الْمَدِينَةَ، فَإِنْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلَامًا، وَنُتِجَتْ خَيْلُهُ، قَالَ: هَذَا دِينٌ صَالِحٌ، وَإِنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأتُهُ، وَلَمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ، قَالَ: هَذَا دِينُ سُوءٍ. (ونُتجت خيلُه): بضم النون، فهي منتوجة؛ مثل: نُفِسَتْ فهي منفوسة: إذا وَلَدَتْ. * * * باب: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ الآية [الحج: ١٩] ٢٣٢٣ - (٤٧٤٣) - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو هَاشِمٍ، عَنْ أَبي مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁: أَنَّهُ كانَ يُقْسمُ فِيهَا: إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ. ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] نَزَلَتْ فِي: حَمْزَةَ وَصَاحِبَيْهِ، وَعُتْبَةَ وَصَاحِبَيْهِ، يَوْمَ بَرَزُوا فِي يَوْمِ بَدْرٍ. (نزلت في حمزةَ وصاحِبَيْه): وهما عليٌّ، وعبيدةُ بنُ الحارث، وهم الفريق المؤمنون (١). (وعتبةَ وصاحبيه): يعني: عتبةَ وشيبةَ ابني ربيعة، والوليدَ بنَ عتبةَ، وهم الفريق الآخر، فعتبةُ وشيبةُ قتلهما عليٌّ وحمزةُ، وقطع الوليدُ رجلَ عبيدةَ بنِ الحارث، فمات منها بالصفراء، ومال عليٌّ وحمزةُ على الوليد فقتلاه.

стр. 3549

(يوم برزوا في بدرٍ): واستُشكل هذا بكون السورة مكية، يندفع بما قالوه من أنها مكية إلا ثلاثَ آيات، وهي: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ١٩] إلى آخره، فإطلاقُ المكية عليها باعتبار أكثرِها.

стр. 3550

سورة المُؤْمِنِينَ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧]: سَبع سَمَوَاتٍ. ﴿لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١]: سَبَقتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ. ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون:٦٠]: خَائِفِينَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ [المؤمنون: ٣٦]: بَعِيدٌ بَعِيدٌ. ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٣]: الْمَلَائِكَةَ. ﴿لَنَاكِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٤]: لَعَادِلُونَ. ﴿كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]: عَابِسُونَ. ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]: الْوَلَدُ، وَالنُّطْفَةُ: السُّلَالةُ. وَالْجِنَّةُ وَالْجُنُونُ وَاحِدٌ. وَالْغُثَاءُ: الزَّبَدُ، وَمَا ارْتَفَعَ عَنِ الْمَاءِ ومَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ. (سورة المؤمنين). (﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ بعيدٌ بعيدٌ (١)): المعروف عند النحاة: أنها اسمُ فعل؛ أي: سُمِّي (٢) بها (٣) الفعلُ الذي هو بَعُدَ، وهذا تحقيق لكونه اسمًا، مع أن مدلوله وقوعُ البعدِ في الزمن الماضي. والمعنى: أن دلالته على معنى بَعُدَ ليست من حيث إنه موضوع (٤) لذلك المعنى ليكون فعلًا، بل من حيث إنه موضوع لفعل دالًّ (٥) على بُعْدٍ

стр. 3551

مقترن (١) بالزمان الماضي، وهو بَعُدَ؛ كوضع سائر الأسماء لمدلولاتها، وقد مرّ لنا تحقيقُ ذلك حيث (٢) تكلمنا على "آمين" في كتاب: الصلاة. (الولد والنطفة: السُّلالة (٣)): أي: لأنه استُلَّ من أبيه، وهو مثل البُرَادة والنُّحَاتَةِ، لما يتساقط (٤) من الشيء بالبَرْد والنَّحْت (٥).

стр. 3552

سورة النُّورِ ﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: ٤٣]: مِنْ بَيْنِ أَضْعَافِ السَّحَابِ. ﴿سَنَا بَرْقِهِ﴾ [النور: ٤٣]: الضِيَاءُ. ﴿مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩] يُقَالُ لِلْمُسْتَخْذِي: مُذْعِنٌ. ﴿أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١]: وَشَتَّى وَشَتَاتٌ وَشَتٌّ وَاحِدٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ [النور:١]: بيَّنَّاهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: سُمِّيَ الْقُرْآنُ لِجَمَاعَةِ السُّوَرِ، وَسُمِّيَتِ السُّورَةُ؛ لأَنَّهَا مَقْطُوعَةٌ مِنَ الأُخْرَى، فَلَمَّا قُرِنَ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، سُمِّيَ قُرْآنًا. وَقَالَ سَعْدُ بْنُ عِيَاضٍ الثُّمَالِيُّ: الْمِشْكَاةُ: الْكُوَّةُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]: تَأْلِيفَ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]: فَإِذَا جَمَعْنَاهُ وَألَفْنَاهُ، فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ؛ أَيْ: مَا جُمِعَ فِيهِ، فَاعْمَلْ بِمَا أَمَرَكَ، وَانْتَهِ عَمَّا نَهَاكَ اللَّهُ. وُيقَالُ: لَيْسَ لِشِعْرِهِ قُرْآن؛ أَيْ: تَأْلِيفٌ. وَسُمِّيَ الْفُرْقَانَ؛ لأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. وَيُقَالُ لِلْمَرْأَةِ: مَا قَرَأَتْ بِسَلًا قَطُّ؛ أَيْ: لَمْ تَجْمَعْ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا. وَقَالَ: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١]: أَنْزَلْنَا فِيهَا فَرَائِضَ مُخْتَلِفَةً، وَمَنْ قَرَأَ: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ يَقُولُ: فَرَضْنَا عَلَيْكُمْ وَعَلَى مَنْ بَعْدكُمْ. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ [النور: ٣١]: لَمْ يَدْرُوا؛ لِمَا بِهِمْ مِنَ الصِّغَرِ. (سورة النور). (وقال ابن عباس: ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾: بيَنَّاها): قال الزركشي: كذا في النسخ،

стр. 3553

والصواب: "أنزلناها وفرضناها: بيناها (١) "، فبيناها تفسير فرضناها، لا أنزلناها (٢). قلت: يا عجبًا لهذا الرجل! وتقويلِه لابن عباس ما لم يقلْه، فالبخاري نقلَ (٣) عن ابن عباس تفسيرَ أنزلنا: بيناها، وهو نقل صحيح، ذكره الحافظ مغلطاي من طريق ابن المنذر بسنده إلى ابن عباس، فما هذا الاعتراض البارد؟ (المشكاة: الكُوَّة بلسان الحبشة): مرادُه: أن أصلها كلمة حبشية، فصارت مُعَرَّبة باستعمال العربِ لها، وقد مرّ أن الكوَّة -بضم الكاف وفتحها-. * * * باب: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ الآية [النور: ٦] ٢٣٢٤ - (٤٧٤٥) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ عُويمِرًا أَتَى عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ، وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي عَجْلَانَ، فَقَالَ: كَيْفَ تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَصْنعُ؟ سَلْ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. فَأَتَى عَاصِمٌ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسَائِلَ، فَسَألهُ عُويمِرٌ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَرِهَ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا، قَالَ عُويمِرٌ: وَاللَّهِ! لَا أَنتُهِي حَتى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ

стр. 3554

عَنْ ذَلِكَ، فَجَاءَ عُويمِرٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! رَجُل وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ فتقْتُلُونَهُ، أَمْ كيْفَ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ". فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمُلَاعَنَةِ بِمَا سَمَّى اللَّهُ فِي كتَابِهِ، فَلَاعَنَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنْ حَبَسْتُهَا، فَقَدْ ظَلَمْتُهَا، فَطَلَّقَهَا، فَكَانَتْ سُنَّةً لِمَنْ كَانَ بَعْدَهُمَا فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "انْظُرُوا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أسحَمَ، أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ، عَظِيمَ الأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَلَا أَحْسِبُ عُويمِرًا إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا. وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أحُيْمِرَ، كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ، فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا". فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نعَتَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ منْ تَصْدِيقِ عُوَيْمِرٍ، فَكَانَ بَعْدُ يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ. (فجاء عُويمر، فقال: يا رسول الله! رجلٌ وجد مع امرأته رجلًا): في "الإفهام" لم يُسَمَّ في رواية عُويمر المرميُّ به، وفي قصة هلالِ بنِ أمية سُمي المرميُّ به شَريكَ بنَ سَحْماء. [ووقع في "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي في ترجمة عويمر العجلاني: أنه رمى زوجته بشَريكِ بن سَحْماء] (١) (٢)، وهذا قد سبقه إليه ابن الأثير في "أسد الغابة" (٣)، وفيه نظر، فشريكٌ لم تُرْمَ به صريحًا إلا زوجةُ هلالِ بنِ أميةَ، لا زوجةُ عويمرٍ العجلاني. ووقع في "تهذيب الأسماء واللغات" -أيضًا- في قسم المبهمات:

стр. 3555

واختلفوا في الذي وجدَ مع امرأته رجلًا، وتلاعنا، على ثلاثة أقوال: أحدها: هلال بن أمية، والثاني: عاصمُ بنُ عدي، والثالث: عُويمر العجلاني. قال الإمام أبو الحسن الواحدي: أظهرُ هذا الأقوال أنه عويمرٌ؛ لكثرة هذه الأحاديث، قال (١): واتفقوا على أن الموجود زانيًا شريكُ بن السَّحْماء (٢). انتهى. وفيه تعقُّبات: أحدها: قوله: اختلفوا في الملاعِنِ، فقد ثبت قصةُ ملاعنة هلالِ بنِ أمية، وقصةُ ملاعَنَةِ عُويمرٍ العجلاني، فكيف يُختلف في ذلك؟ وإنما لعله نقص شيء، وهو أن يقال: اختلفوا في الآية على أيِّ سبب نزلت؟ وهذا ممكن، والجمعُ بينهما أن القصتين قريبتا (٣) الوقوع، فجاز أن ينزل بسببها التعقب (٤). الثاني: قوله: والثاني عاصمُ بنُ عدي، هذا (٥) باطلٌ، فعاصمٌ قَطُّ لم (٦) يلاعِن، إنما سأل لعويمرٍ (٧) العجلاني.

стр. 3556

التعقُّب الثالث: قوله: و (١) اتفقوا أن الموجود زانيًا شريكٌ، ممنوع، فهو لم يوجد زانيًا، وإنما هم اعتقدوه كذلك، ولم يثبت ذلك في حقه في (٢) ظاهر الحكم، فكأن صواب العبارة أن يقال: واتفقوا على أن المرميَّ به شريكُ بنُ سَحْماء، وهذا الاتفاق متعقَّب كما سبق؛ فإنه لم يُصرَّحْ به إلا في قصة هلال، لا في غيرها، ويَبعد كلَّ البعد أن يكون مَرْميًا به في الواقعتين. ووقع في "سيرة الدمياطي" في تفاصيل سني الهجرة في السنة التاسعة فيها: "لاعَنَ رسولُ الله ﷺ بينَ عُويمرٍ العجلاني وبين امرأته في مسجده بعدَ العصرِ في شعبانَ"، وكان عويمرٌ قدمَ من تبوكَ، فوجدَها حبلى، وكان قبل ذلك قال: إن غزوة تبوك في رجب، وقدم منها في رمضان، [وحيئذٍ فإذا كان القدوم من تبوكَ في رمضان] (٣)، فكيف تكون الملاعنةُ في شعبان في المسجد؟ وقد وجدت ذلك أيضًا في بعض شروح (٤) البخاري، فقال: وكانت الملاعَنَةُ في شعبانَ في سنة تسع، وكان عويمرٌ قدمَ من تبوك، فوجدها حبلى، وعاش ذلك المولود سنتين، ثم مات، وعاشت أمه بعده يسيرًا، ذكره (٥) بعضُهم، لكن في "كتاب أبي داود": أنه كان -يعني: الغلامَ- أميرًا على مصر، وما يُدعى لأبٍ (٦). انتهى.

стр. 3557

ورأيت بخط الحافظ مغلطاي على "حواشي أسد الغابة": خولةُ بنتُ قيسٍ الأنصاريةُ زوجُ عُويمرٍ العجلاني التي لاعَنَها، ذكرها مقاتل في "تفسيره"، وهذا غريب. انتهى ما في "الإفهام". (فإن جاءت به أَسْحَمَ): أي: أسودَ، والسُّحْمَةُ: السوادُ. (أدعجَ العينين): أي: شديدَ سوادِهما (١) في شدَّةِ البياض. (خَدَلَّج الساقين): -بخاء معجمة ودال مهملة مفتوحتين فلام مشددة مفتوحة فجيم-؛ أي: عظيمَ الساقين. (وإن جاءت به أُحَيْمِرَ): قال الزركشي: كذا وقع غيرَ مصروف (٢)، والصوابُ صرفُه، تصغير (٣) أحمر، وهو الأبيض (٤). قلت: عدمُ الصرف -كما في المتن- هو الصواب، وما ادَّعى هو أنه عينُ الصواب هو عينُ الخطأ، وبالله التوفيق. (كأنه وَحَرَة): -بفتحات وحاء مهملة-، وهي دُوَيبة حمراء كالقَطاةِ تلزق (٥) بالأرض، وجمعها وَحَرٌ (٦)، شبهه بها؛ لحمرتها وقصرِها (٧). قال السفاقسي: وفيه: أن النبي ﷺ اعتبر الشبهَ بالولد، ثم لم يحكم

стр. 3558

به، وذلك من أجل ما هو أقوى من الشبه (١)، وهو الفراش، وكذلك صنعَ في ابنِ وليدةِ زَمْعَةَ، وإنما يُحكم بالشبه، وهو حُكم القافة: إذا استوت العلائق؛ كسيدين وَطِئا في طُهْر (٢). * * * باب: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٨] ٢٣٢٥ - (٤٧٤٧) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبي عَدِيٍّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمُيَّةَ قَذَفَ امْرَأتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْبَيِّنَةَ، أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ"، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ؟! فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "الْبَيِّنَةَ، وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ"، فَقَالَ هِلَالٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! إِنِّي لَصَادِقٌ، فَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الْحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ -فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ:- ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦ - ٩]. فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَجَاءَ هِلَالٌ، فَشَهِدَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ ". ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ، فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الْخَامِسَةِ، وَقَّفُوهَا، وَقَالُوا: إنَّهَا مُوجِبَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:

стр. 3559

فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ، ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ، فَمَضَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَبْصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكحَلَ الْعَيْنَيْنِ، سَابغَ الأليَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَهْوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ". فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ". (عن هشام بن حسان، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن هلال بن أمية قذف امرأته): قال الزركشي: قيل: لم يذكر هلالًا في هذا إلا هشامُ ابنُ حسانَ، وهو غلط. والدليل عليه: أن القاسمَ بنَ محمد روى هذا الحديث عن ابن عباس، فذكر فيه (١) العجلاني، وكذلك ذكر ابنُ عمرَ العجلانيَّ [في اللعان (٢)، كما ذكره سهل بن سعد (٣)، فاتفقت الطرق على العجلاني] (٤)، وهو عويمر، فصح بذلك غلطُ هشام (٥). قلت: في انتهاض هذا دليلًا على غلطه (٦) نظر.

стр. 3560

باب: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ إلى: ﴿هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٢ - ١٣] ٢٣٢٦ - (٤٧٥٠) - حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإفْكِ مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِمَّا قَالُوا، وَكُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنَ الْحَدِيثِ، وَبَعْضُ حَدِيثهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضٍ، الَّذِي حَدَّثَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْرعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَخَرَجَ سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ مَا نَزَلَ الْحِجَابُ، فَأَنَا أُحمَلُ فِي هَوْدَجِي وَأُنْزَلُ فِيهِ، فَسِرْنَا، حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَتهِ تِلْكَ، وَقَفَلَ، وَدَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ قَافِلِينَ، آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي، أَقْبَلْتُ إِلَى رَحْلِي، فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ قَدِ انْقَطَعَ، فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي، وَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي، فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي، فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كنْتُ رَكِبْتُ، وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يُثْقِلْهُنَّ اللَّحْمُ، إِنَّمَا تَأْكُلُ الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ خِفَّةَ الْهَوْدجَ حِينَ رَفَعُوهُ، وَكنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا، فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ

стр. 3561

الْجَيْشُ، فَجئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجيبٌ، فَأَمَمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كنْتُ بِهِ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُوني فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي، غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءَ الْجَيْشِ، فَأَدْلَجَ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمِ، فَأتانِي، فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الْحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجلْبَابِي، وَاللَّهِ! مَا كلَّمَنِي كلِمَةً، وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ عَلَى يَدَيْهَا، فَرَكبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ، حَتَّى أتيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَ مَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الإفْكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الإفْكِ، لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهْوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللَّطَفَ الَّذِي كنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتكِي، إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُولُ: "كيْفَ تِيكُمْ؟ "، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَذَاكَ الَّذِي يَرِيبُنِي وَلَا أَشْعُرُ، حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَ مَا نَقَهْتُ، فخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَحِ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ، وَهْوَ مُتَبَرَّزُنَا، وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الأُوَلِ فِي التَّبَرُّزِ قِبَلَ الْغَائِطِ، فَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتنَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ، وَهْيَ ابْنَةُ أَبي رُهْم بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي قَدْ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحِ فِي مِرْطِهَا، فَقَالَتْ: تعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا:

стр. 3562

بِئْسَ مَا قُلْتِ، أتسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا؟! قَالَتْ: أَيْ هَنتاهُ! أَوَ لَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: وَمَا قَالَ؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الإفْكِ، فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي، وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -تَعْنِي:- سَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: "كيْفَ تِيكُمْ؟ "، فَقُلْتُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟ قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، قَالَتْ: فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَجئْتُ أَبَوَيَّ، فَقُلْتُ لأُمِّي: يَا أُمَّتَاهْ! مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ قَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ! هَوِّنِي عَلَيْكَ، فَوَاللَّهِ! لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأةٌ قَطُّ وَضِيئَةً عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، وَلَهَا ضَرَائِرُ، إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا. قَالَتْ: فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَلَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أكتَحِلُ بِنَوْمٍ حَتَّى أَصْبَحْتُ أَبْكِي، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبي طَالِبٍ، وَأُسُامَةَ بْنَ زيدٍ ﵄ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ، يَسْتَأْمِرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ، فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْوُدِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَهْلَكَ، وَمَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا. وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبي طَالِبٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَإِنْ تَسْأَلِ الْجَارِيةَ، تَصْدُقْكَ، قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَرِيرَةَ، فَقَالَ: "أَيْ بَرِيرَةُ! هَلْ رَأَيْتِ عَلَيْهَا مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ؟ "، قَالَتْ بَرِيرَةُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا أَكثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجينِ أَهْلِهَا، فتأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَعْذَرَ يَوْمَئِذٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: "يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ! مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ

стр. 3563

فِي أَهْلِ بَيْتِي؟ فَوَاللَّهِ! مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي". فَقَامَ سَعْدُ ابْنُ مُعَاذٍ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ، إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ، ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الْخَزْرجَ، أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ. قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَهْوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ، فَقَالَ لِسَعْدٍ: كَذَبْتَ، لَعَمْرُ اللَّهِ! لَا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ. فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَهْوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدٍ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ، لَعَمْرُ اللَّهِ! لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ. فتثَاوَرَ الْحَيَّانِ الأَوْسُ وَالْخَزْرجُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ. قَالَتْ: فَمَكُثْتُ يَوْمِي ذَلِكَ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْع، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، قَالَتْ: فَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي، وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا، لَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، وَلَا يَرْقَأُ لِي دَمْع، يَظُنَّانِ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كبِدِي، قَالَتْ: فَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي، فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأةٌ مِنَ الأَنْصَار، فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي، قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ، دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ، قَالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي. قَالَتْ: فتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ: يَا عَائِشَةُ! فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً، فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ، وَتُوبِي إِلَيْهِ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ، ثُمَّ تَابَ إِلَى اللَّهِ، تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ". قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَالتَهُ، قَلَصَ

стр. 3564

دَمْعِي، حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لأَبِي: أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فيمَا قَالَ، قَالَ: وَاللَّهِ! مَا أَدْرِي مَا أقولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ لأُمِّي: أَجِيبِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَتْ: مَا أَدْرِي مَا أقولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَتْ: فَقُلْتُ، وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرآنِ: إِنِّي وَاللَّهِ! لَقَدْ عَلِمْتُ: لَقَدْ سَمِعْتُمْ هَذَا الْحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ، وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، فَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي بَرِيئَةٌ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، لَا تُصَدِّقُوني بِذَلِكَ، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأمْرٍ، وَاللهُ يَعْلمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ، لتصَدَقُنِّي، وَاللهِ! مَا أجِدُ لكمْ مَثلًا إِلا قَوْل أَبِي يُوسُفَ، قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]. قَالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ، فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ! مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى، وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا. قَالَتْ: فَوَاللَّهِ! مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ، وَهْوَ فِي يَوْم شَاتٍ؛ مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي يُنْزَلُ عَلَيْهِ. قَالَتْ: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، سُرِّيَ عَنْهُ وَهْوَ يَضْحَكُ، فَكَانَتْ أَوَّلُ كلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا: "يَا عَائِشَةُ! أَمَّا اللَّهُ ، فَقَدْ بَرَّأَكِ". فَقَالَتْ أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ! لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ﴾ [النور: ١١]، الْعَشْرَ الآيَاتِ كلَّهَا، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا فِي بَرَاءَتِي، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ؛ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ: وَاللَّهِ!

стр. 3565

لَا أُنفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا، بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى وَاللَّهِ! إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ! لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يسْأَلُ زيْنَبَ بْنَةَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ: "يَا زَيْنَبُ! مَاذَا عَلِمْتِ، أَوْ رَأَيْتِ؟ "، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أحمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا، قَالَتْ: وَهيِ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِيِني مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرعَ، وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ تُحَارِبُ لَهَا، فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ مِنْ أَصْحَابِ الإفْكِ. (وأن الله يبرئني ببراءتي): كذا في بعض النسخ "يُبَرِّئني" على أنه فعل مضارع. وفي أكثر النسخ: "مُبَرِّئُني" -بميم في أوله على أنه اسم فاعل-، واستشكله السفاقسي بأن نون الوقاية إنما تدخل في الأفعال لتسلمَ من الكسر، والأسماءُ تُكسر، فلا يُحتاج إليها (١). قلت: دعوى الحصر باطلة بصور من الأسماء والحروف: فالأول: كلَدُنِّي، وقَدْني، وقَطْني (٢). والثاني: نحو: مِنِّي وعَنِّي وإنَّني وكأَنَّني، ونحوها، وقد تدخل في

стр. 3566

بعض الأسماء قليلًا كقوله: أَمُسْلِمُني إِلَى قَوْمِي شَرَاحِي وفي الحديث: "غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ" (١). * * * باب: قوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ الآية [النور: ١٤] ٢٣٢٧ - (٤٧٥١) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ أُمِّ رُومَانَ أُمِّ عَائِشَةَ: أَنَّهَا قَالَت: لَمَّا رُمِيَتْ عَائِشَةُ، خَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا. (خَرَّت مَغْشِيًّا عليها): وفي بعض النسخ: "مغشيًا" لا غير. قال السفاقسي: صوابه "مَغْشِيَّةً". وردَّه الزركشي بأنه على تقدير الحذف؛ أي: عليها، فلا معنى للتأنيث (٢). قلت: لكن يلزمُ على تقديره حذفُ النائب عن الفاعل، وهو ممتنع عند البصريين، وإنما ينسب القول به للكسائي من الكوفيين. وأما على ما استصوبه السفاقسي، فإنما يلزم حذفُ الجار، وجعلُ المجرور مفعولًا على سبيل الاتساع، وهو موجود في كلامهم.

стр. 3567

باب: قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ إلى: ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ١٩ - ٢٠] ٢٣٢٨ - (٤٧٥٧) - وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبي، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا ذُكِرَ مِنْ شَأْنِي الَّذِي ذُكِرَ، وَمَا عَلِمْتُ بِهِ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيَّ خَطِيبًا، فتشَهَّدَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ: أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهْلِي، وَايْمُ اللَّهِ! مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوءٍ، وَأَبَنُوهُمْ بِمَنْ وَاللَّهِ! مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَطُّ، وَلَا يَدْخُلُ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا وَأَنَا حَاضِرٌ، وَلَا غِبْتُ فِي سَفَرٍ إِلَّا غَابَ مَعِي". فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: ائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ نَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، وَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْخَزْرجِ، وَكَانَتْ أُمُّ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ مِنْ رَهْطِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَقَالَ: كَذَبْتَ، أَمَا وَاللَّهِ! أَنْ لَوْ كَانوُا مِنَ الأَوْسِ، مَا أَحْبَبْتَ أَنْ تُضْرَبَ أَعْنَاقُهُمْ. حَتَّى كَادَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الأَوْسِ وَالْخَزْرجَ شَرٌّ فِي الْمَسْجدِ، وَمَا عَلِمْتُ. فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي، وَمَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ، فَعَثَرَتْ وَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ: أَيْ أُمِّ! تَسُبِّينَ ابْنَكِ؟! وَسَكَتَتْ، ثُمَّ عَثَرَتِ الثَّانِيَهَ، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: تَسُبِّينَ ابْنَكِ؟! ثُمَّ عَثَرَتِ الثَّالِثة، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَانتهَرْتُهَا، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ! مَا أَسُبُّهُ إِلَّا فِيكِ، فَقُلْتُ: فِي أَيِّ شَأْنِي؟ قَالَتْ: فَبَقَرَتْ لِي الْحَدِيثَ، فَقُلْتُ: وَقَدْ كَانَ هَذَا؟ قَالَتْ: نعمْ وَاللَّهِ! فَرَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي، كَأَنَّ الَّذِي خَرَجْتُ لَهُ لَا أَجِدُ مِنْهُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا. وَوُعِكْتُ، فَقُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَرْسِلْنِي إِلَى بَيْتِ أَبي، فَأَرْسَلَ مَعِي الْغُلَامَ، فَدَخَلْتُ الدَّارَ، فَوَجَدْتُ أُمَّ رُومَانَ فِي السُّفْلِ، وَأَبَا بَكْرٍ فَوْقَ الْبَيْتِ يَقْرَأُ، فَقَالَتْ أُمِّي: مَا جَاءَ بِكِ يَا بُنَيَّةُ؟

стр. 3568

فَأَخْبَرْتُهَا، وَذَكَرْتُ لَهَا الْحَدِيثَ، وَإِذَا هُوَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا مِثْلَ مَا بَلَغَ مِنِّي، فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ! خَفِّضِي عَلَيْكِ الشَّأْنَ، فَإِنَّهُ -وَاللَّهِ- لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأةٌ حَسْنَاءُ، عِنْدَ رَجُل يُحِبُّهَا، لَهَا ضَرَائِرُ، إِلَّا حَسَدْنها، وَقِيلَ فِيهَا، وَإِذَا هُوَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا مَا بَلَغَ مِنِّي، قُلْتُ: وَقَدْ عَلِمَ بِهِ أَبِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَاسْتَعْبَرْتُ وَبَكَيْتُ، فَسَمِعَ أَبُو بَكْرٍ صَوْتِي وَهْوَ فَوْقَ الْبَيْتِ يَقْرَأُ، فَنَزَلَ، فَقَالَ لأُمِّي: مَا شَأْنها؟ قَالَتْ: بَلَغَهَا الَّذِي ذُكِرَ مِنْ شَأْنِهَا، فَفَاضَتْ عَيْنَاه، قَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ -أَيْ بُنَيَّة- إِلَّا رَجَعْتِ إِلَى بَيْتِكِ، فَرَجَعْتُ. وَلَقَد جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتِي، فَسَأَلَ عَنِّي خَادِمَتِي، فَقَالَتْ: لَا وَاللَّهِ! مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا عَيْبًا، إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَرْقُدُ حَتَّى تَدْخُلَ الشَّاةُ فَتَأْكُلَ خَمِيرَهَا، أَوْ عَجِينَهَا، وَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اصْدُقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى أَسقَطُوا لَهَا بِهِ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَاللَّهِ! مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الأَحْمَرِ، وَبَلَغَ الأَمْرُ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي قِيلَ لَهُ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَاللَّهِ! مَا كَشَفْتُ كنَفَ أُنْثَى قَطُّ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُتِلَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَتْ: وَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي، فَلَمْ يَزَالَا حَتَّى دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ صَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ وَقَدِ اكْتَنَفَنِي أَبَوَايَ عَنْ يَمِيني وَعَنْ شِمَالِي، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ: يَا عَائِشَةُ! إِنْ كنْتِ قَارَفْتِ سُوءًا، أَوْ ظَلَمْتِ، فَتُوبِي إِلَى اللَّهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْ عِبَادِهِ". قَالَتْ: وَقَدْ جَاءَتِ امْرَأةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَفيَ جَالِسَةٌ بِالْبَابِ، فَقُلْتُ: أَلَا تَسْتَحِي مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ أَنْ تَذْكُرَ شَيْئًا، فَوَعَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَالْتَفَتُّ إِلَى أَبِي، فَقُلْتُ: أَجِبْهُ، قَالَ: فَمَاذَا أقولُ؟

стр. 3569

فَالْتَفَتُّ إِلَى أمُّي، فَقُلْتُ: أَجِيبِيهِ، فَقَالَتْ: أَقُولُ مَاذَا؟ فَلَمَّا لَمْ يُجيبَاهُ، تَشَهَّدْتُ، فَحَمِدْتُ اللَّهَ وَأثنَيْتُ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَّا بَعْدُ: فَوَاللَّهِ! لَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي لَمْ أَفْعَلْ، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنِّي لَصَادِقَةٌ، مَا ذَاكَ بِنَافِعِي عِنْدَكُمْ، لَقَدْ تَكَلَّمْتُمْ بِهِ، وَأُشرِبَتْهُ قُلُوبُكُمْ، وَاِنْ قُلْتُ: إِنِّي فَعَلْتُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْ، لَتَقُولُنَّ: قَدْ بَاءَتْ بِهِ عَلَى نفسِهَا، وَإِنِّي وَاللَّهِ! مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا، وَالْتَمَسْتُ اسْمَ يَعْقُوبَ، فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ، إِلَّا أَبَا يُوسُفَ حِينَ قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]. وَأُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ سَاعَتِهِ، فَسَكَتْنَا، فَرُفِعَ عَنْهُ، وَإِنِّي لأَتَبَيَّنُ السُّرُورَ فِي وَجْهِهِ، وَهْوَ يَمْسَحُ جَبِينَهُ وَيَقُولُ: "أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتَكِ". قَالَتْ: وَكُنْتُ أَشَدَّ مَا كُنْتُ غَضَبًا، فَقَالَ لِي أَبَوَايَ: قُومِي إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ! لَا أقومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُهُ، وَلَا أَحْمَدُكُمَا، وَلَكِنْ أَحْمَدُ اللَّهَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي، لَقَدْ سَمِعْتُمُوهُ، فَمَا أَنْكَرْتُمُوهُ، وَلَا غَيَّرْتُمُوهُ. وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: أَمَّا زينَبُ بْنَةُ جَحْشٍ، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِدِينِهَا، فَلَمْ تَقُلْ إِلَّا خَيْرًا، وَأَمَّا أختُهَا حَمْنَةُ، فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيهِ مِسْطَحٌ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَالْمُنَافِقُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وَهْوَ الَّذِي كانَ يَسْتَوْشِيهِ وَيَجْمَعُهُ، وَهْوَ الَّذِي تَوَلَّى كبْرَهُ مِنْهُمْ هُوَ وَحَمْنَةُ، قَالَتْ: فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لَا يَنْفَعَ مِسْطَحًا بِنَافِعَةٍ أَبَدًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ -إِلَى آخِرِ الآيَةِ، يَعْنِي: أَبَا بَكْرٍ- ﴿وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ -يَعْنِي: مِسْطَحًا، إِلَى قَوْلهِ-: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. حَتَّى قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى -وَاللَّهِ- يَا رَبَّنَا، إِنَّا لنحِبُّ أَنْ تَغْفِرَ لَنَا، وَعَادَ لَهُ بِمَا كَانَ يَصْنعُ.

стр. 3570

(أبَنوا أهلي): -بباء موحدة مفتوحة مخففة ومشددة، والتخفيف أشهر-؛ أي: اتهموهم، وذكروهم بسوء، ويروى: "أنَّبوهم"، بتقديم النون وتشديدها. قال القاضي: وهو تصحيف؛ فإن التأنيبَ: اللومُ، وليس هذا موضعه (١). (فقام سعد بن عُبادة، فقال: ائذنْ لي): قيل: هذا وهمٌ من أبي أسامة، أو هشام، والمحفوظ: سعدُ بنُ معاذ، والذي عارضه سعدُ بنُ عبادة، وقد تقدم في البخاري قريبًا. (فبقَّرَتْ لي الحديث): -بالباء الموحدة وتشديد القاف-؛ أي: قَصَّته. (وانتهرها بعضُ أصحابه، فقال: اصْدُقي رسولَ الله ﷺ حتى أسقطوا لها به): أي: حتى أتوا في حقها بسَقَطٍ من القول بسبب ذلك الأمر، فـ "لها" جار ومجرور، وكذا "به"، وضمير "لها" عائد على [الجارية، وضمير "به" عائد على] (٢) الأمر الذي يُفيضون فيه، أو على الانتهار الصادر من بعض الصحابة. قال القاضي: كذا أثبتناه وحفظناه، وإلى هذا كان يذهب الوقشي، وابن بطال. قال: وصَحَّفه بعضُهم فرواه: "حتى أَسقطوا لَهاتَها" -بالتاء المثناة من فوق-، وهي رواية ابن ماهان، قال: ولا وجهَ لهذا عند أكثرهم (٣). (فقالت: أقول ماذا؟): قال ابن مالك: فيه شاهد على أن "ما" الاستفهامية إذا رُكبت مع "ذا" لا يجب تصديرها، فيعمل فيها ما قبلَها (٤).

стр. 3571

باب: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] (﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾): الخُمُر: جمع خِمار، وهو كلُّ ما غُطِّيَ به الرأسُ، وضربُ الخمارِ على الجيب: أن تُغطي المرأةُ رأسَها، وترمي الخمار من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر.

стр. 3572

سُورَة الْفُرْقانِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]: مَا تَسْفِي بِهِ الرِّيحُ. ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥]: مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ. ﴿سَاكِنًا﴾ [الفرقان: ٤٥]: دَائِمًا. ﴿عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٥]: طُلُوعُ الشَّمْسِ. ﴿خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢]: مَنْ فَاتَهُ مِنَ اللَّيْلِ عَمَلٌ، أَدْركَهُ بِالنَّهَار، أَوْ فَاتَهُ بِالنَّهَارِ، أَدْركَهُ بِاللَّيْلِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾ [الفرقان: ٧٤]: فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَمَا شَيْءٌ أقرَّ لِعَيْنِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَرَى حَبِيبَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣]: وَيْلًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: السَّعِيرُ مُذَكَّرٌ، وَالتَّسَعُّرُ وَالاِضْطِرَامُ: التَّوَقُّدُ الشَّدِيدُ. ﴿تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ [الفرقان: ٥]: تُقْرَأُ عَلَيْهِ؛ مِنْ أَمْلَيْتُ، وأَمْلَلْتُ. ﴿الرَّسِّ﴾ [الفرقان: ٣٨]: الْمَعْدِنُ، جَمْعُهُ رِسَاسٌ. (سورة الفرقان). (﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس): على هذا غالبُ المفسرين، واعترضه ابن عطية بأن ذلك في غير نهار، ولا يقال له: ظل، ثم لا خصوصية لهذا الوقت، بل من قبل مغيب الشمس مدة يسيرة لا يكون على الأرض ظل ممدود مع أنه في نهار، وفي سائر أوقات النهار ظلال منقطعة (١). (﴿الرَّسِّ﴾: المَعْدِن): قال الجوهري: الرسُّ: البئرُ المطوَّيةُ بالحجارة، والرسُّ: اسمُ بئر كانت لبقيَّةٍ في ثمود (٢). وهو الذي عناه مجاهد بقوله: كانوا على بئر يقال لها: الرسُّ، فنُسبوا إليها، وقيل: قتلوا نبيهم ورَسُّوه في

стр. 3573

البئر؛ أي: دَسُّوه فيها (١). * * * باب: قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الآية [الفرقان: ٦٨] ٢٣٢٩ - (٤٧٦١) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، وَسُلَيْمَانُ، عَنْ أِبي وَائِلٍ، عَنْ أَبي مَيْسَرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: وَحَدَّثنِي وَاصِلٌ، عَنْ أَبي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: سَأَلْتُ، أَوْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أَكْبَرُ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ". قَالَ: وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨]. (أن تُزاني بحليلةِ جارِك): قال الزركشي: تُزاني: تُفاعِل، وهو يقتضي من الجانبين (٢). قلت: لعله نبه به على شدة قبح الزنا إذا كان منه لا منها؛ بأن يغشاها نائمة، أو مكرهة، فإنه إذا كان زناه بها مع المشاركة منها (٣) له، والطواعية كبيرًا، كان زناه بدون ذلك أكبرَ وأقبحَ من باب الأولى (٤).

стр. 3574

والحليلة: المرأة؛ لأنها تحل معه، ويحل معها. * * * ٢٣٣٠ - (٤٧٦٢) - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ: أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ أَبي بَزَّةَ: أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ: هَلْ لِمَنْ قتلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨]. فَقَالَ سَعِيدٌ: قَرَأْتُهَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا قَرَأْتَهَا عَلَيَّ، فَقَالَ: هَذه مَكِّيَّةٌ، نسًخَتْهَا آيَة مَدَنِيَّةٌ، الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاء. (القاسم بن أبي بَزَّة): -بموحدة وزاي مشددة مفتوحتين-: هو جدُّ البَزِّيِّ المقرئِ. (فقرأت عليه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ التلاوة: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان:٦٨]. قلت: أورده الشارحون على معنى الاعتراض بوقوع التلاوة على غير ما هي عليه، ويظهر لي فيه وجه (١) يندفع (٢) به الاعتراض، وذلك بأن يقال: المعنى: فقرأت عليه آية: ﴿الَّذِينَ لَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ﴾، فحذفَ المضاف، وأقام المضافَ إليه مقامه، وحينئذٍ لم يلزم كونُه غيرَ التلاوة؛ لأنه لم يحكها نصًا (٣)، بل أشار إليها، فلعله تلاها على الوجه، وهو الذي ينبغي أن يُظن بالمسلم.

стр. 3575

(فقال: هذه آية مكية نسختها (١) آية مدنية التي في سورة النساء): يعني قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣]، وهذا مبني على قوله: أن لا توبةَ له، وعنه رواية أخرى وقعت في "البخاري" بعدَ هذا: إن هذه الآية نزلت في المعاصي التي تكون في زمن الشرك، ثم يقع الإسلام بعدها (٢). وحينئذ فلا يكون من باب الناسخ والمنسوخ، [قيل: ولعله قال بالنسخ] (٣)، ثم رجع عنه؛ لإمكان الجمع، ولهذا أخَّر البخاري الرواية الثانية (٤). * * * باب: قوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧] ٢٣٣١ - (٤٧٦٧) - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخَانُ، وَالْقَمَرُ، وَالرُّومُ، وَالْبَطْشَةُ، وَاللِّزَامُ. ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧]. (قال عبد الله: خمس [قد] مضين: الدخانُ): يعني: السَّنَةَ التي أصابت أهلَ مكة بدعوته ﵇ حتى أكلوا الميتةَ.
следующие страницы →