← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وهذا محمول على أمر الفتن، وتعيين المنافقين والمرتدين، ونحو ذلك مما (١) لا تعلق له بحكم شرير، وقد اتخذ الباطنية هذا الكلام وَزَرًا في تصحيح (٢) باطلهم واعتقادهم أن للشريعة ظاهرًا وباطنًا بقول أبي هريرة هذا، ولا تمسكَ لهم فيه بوجه. * * * باب: الإنصاتِ للعلماءِ ١٠٨ - (١٢١) - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبةُ، قَالَ: أَخْبَرني عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبي زُرْعَةَ، عَنْ جَرِيرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الْوَداعِ: "اِسْتَنْصِتِ النَّاسَ"، فَقَالَ: "لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ". (عن جرير: أن النبي ﷺ قال له في حجة الوداع: استنصت الناس): أنكر بعضهم لفظة: "له" في هذا الحديث؛ لأن جريرًا (٣) أسلم قبل وفاته ﵊ بأربعين يومًا. وتوقف المنذري؛ لثبوتها من الطرق (٤) الصحيحة (٥). وقد ذكر غيرُ واحد أنه أسلم في رمضان سنة عشرٍ، فأمكن (٦) حضورُه

стр. 387

مسلمًا لحجة (١) الوداع، وظهر أن لا خلل في الحديث. (لا ترجعوا بعدي كفارًا): قيل: أي: مثلَ الكفار في قتل بعضهم بعضًا. وقيل: هؤلاء أهل الردَّة الذين قتلهم الصدِّيق ﵁. وقيل: الكفر على حقيقته، والمعنى: لا ترجعوا بعدي كفارًا. (يضرب بعضكم رقاب بعض): أي: مستحلِّين لذلك. قال القاضي: والرواية -برفع الباء-، ومن سكَّنها أحال المعنى؛ لأن التقدير: لا تفعلوا فعلَ الكفار فتتشبهوا بهم في حال قتلهم (٢) بعضهم (٣) بعضًا (٤). وجوز أبو البقاء وابن مالك الجزمَ على تقدير شرط مضمَر؛ أي: فإن ترجعوا، يضربْ (٥). وتعلق بعض (٦) أهل البدع بهذا في إنكار حجيَّة الإجماع؛ كما قال الماوردي؛ لأنه نهى الأمة بأسرها عن الكفر، ولولا جواز إجماعها عليه، لما نهاها (٧). وأجيب: بأن الامتناع إنما جاء من جهة خبر الصادق، لا من الإمكان.

стр. 388

باب: ما يستحبُّ للعالم إذا سُئِلَ: أيُّ الناسِ أعلمُ؟ فيكِلُ العلمَ إلى الله ١٠٩ - (١٢٢) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ؟ فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَناَ أَعْلَمُ، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ: يَا رَبِ! وَكيْفَ بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، فَإِذَا فَقَدْتَهُ، فَهْوَ ثَمَّ، فَانْطَلَقَ، وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نوُنٍ، وَحَمَلَا حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، حَتَّى كاناَ عِنْدَ الصَّخْرَةِ، وَضَعَا رُؤُوسَهُمَا وَنَامَا، فَانْسَلَّ الْحُوتُ مِنَ الْمِكْتَلِ، فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا، وَكانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمِهِمَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ، قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا، لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِناَ هَذَا نصبًا. وَلَمْ يَجدْ مُوسَى مَسًّا مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ فتاهُ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ؟ فَإنِّي نسَيتُ الْحُوتَ، قَالَ مُوسَى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نبغِي، فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَلَمَّا انتهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، إِذَا رَجُل مُسَجًّى بِثَوْبٍ، أَوْ قَالَ تَسَجَّى بِثَوْبِهِ، فَسَلَّمَ مُوسَى، فَقَالَ الْخَضِرُ: وَأنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ فَقَالَ: أَناَ مُوسَى، فَقَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نعمْ، قَالَ: هَلْ أتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا؟ قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، يَا مُوسَى! إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْم اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ

стр. 389

أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ لَا أَعْلَمُهُ. قَالَ: سَتجِدُنِي إِنْ شَاءَ الله صَابِرًا، وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا. فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، لَيْسَ لَهُمَا سَفِينةٌ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الْخَضِرُ، فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَجَاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نقرَتَيْنِ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ الْخَضِرُ: يَا مُوسَى! مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْم اللَّهِ إلَّا كنَقْرَةِ هَذَا الْعُصْفُورِ فِي الْبَحْرِ، فَعَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ ألوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ، فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ، فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا؟ قَالَ: أَلَمْ أقلْ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ قَالَ: لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نسَيتُ -فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا- فَانْطَلَقَا، فَإِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلَاهُ، فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مُوسَى: أَقتلْتَ نَفْسًا زكيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ؟ قَالَ: أَلَمْ أقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ -قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَهَذَا أَوْكَدُ-، فَانْطَلَقَا، حَتَّى إِذَا أتيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ، قَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا، قَالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْني وَبَيْنكَ". قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا". (إن نَوْفًا): - بفتح النون وإسكان الواو وآخره فاء (١) -: هو أبو رُشَيْدِ ابنُ فَضَالَةَ ابنُ امرأةِ كعب، كان من علماء التابعين.

стр. 390

(البِكالي): بكسر الموحدة وتخفيف الكاف. وقيل: -بفتحها (١) مع تشديد الكاف-، وبكال من حِمْيَرَ. (إنما (٢) هو موسًى آخرُ): أي: شخصٌ آخرُ مسمًّى بموسى (٣)، فهو نكرة، فينصرف؛ لزوال علميته. وجعله ابن مالك من قبيل ما نُكِّرَ تحقيقًا (٤)، يريد: باعتبار جعله بمعنى شخص مسمًّى بهذا الاسم، ذلك موجود كثيرًا، فيتحقق (٥) له شياع (٦) في أمته بالاعتبار المذكور، بخلاف مثل: لا بصرةَ (٧) لكم؛ أي: لا بلدَ مسمَّاة بالبصرة، فهذا ليس محققًا، إنما هو أمر مقدر ضرورةَ أن لا شيء من البلاد مسمًّى (٨) بالبصرة غير تلك المدينة الواحدة. فأما وجود أشخاص يسمَّى كلٌّ منهم بموسى، فمن قبيل المحقَّق، لا المقدَّر، فلا وجه حينئذٍ لاستشكال الزركشي جعلَ ابن مالك تنكيرَ موسى مثالًا للتحقيقي (٩)، فتأمله.

стр. 391

(فقال: كذب عدوُّ الله): أي: قال غيرَ الواقع، ولا يلزم منه تعمُّدُه، وهذا الكلام من ابن عباس ﵄ خرجَ مخرَج التنفير عن هذا القول، لا القدح في القائل. (فعتب الله عليه): أي: لم (١) يرض قوله شرعًا، وأما العَتْبُ بمعنى المَوْجِدَة (٢) وتغيُّر النفس، فمستحيلٌ على الله تعالى، وعَتَبَ كضرب وخرج. قال ابن المنير: وأورد الشارح -يعني: ابن بطال- كلامًا كثيرًا عن السلف في التحذير من دعوى العلم، والتحضيضِ على قول القائل: لا أدري، وما كان لائقًا (٣) بهذا السياق؛ فإن فيه إشعارًا بأن الآحاد بلغوا من التحرز ما لم يبلغه موسى ﵇، وهذا لا يجوز اعتقادُه، ولا إيرادُه في سياق العتب على موسى، بل يقتصر على ما ورد في الحديث. وليس قول موسى ﵇: "أنا أعلم" كقول الآحاد لهذا القول، ولا نتيجةُ قوله (٤) كنتيجة قولهم، بل كانت (٥) نتيجةُ قوله المزيدَ من العلم، وتمهيدَ قواعدِ ما (٦) جرى بينه وبين الخضر، والتنبيه (٧) بتلك الكلمة إلى زيادات في التواضع، وإلى مزيد (٨) حرصٍ في طلب العلم.

стр. 392

وإطلاقُ الشارح الخطأ عليه؛ حيثُ بين له الخضرُ ما بين، غلطٌ (١)؛ فإن موسى ﵇ قضى بالظاهر المتعَبَّد (٢) به، وكشفُ الغيب لمخالفة الباطن له لا يطَّرق (٣) له خطأ؛ كما لو قضى القاضي ببراءة الخصم بيمينه حيث لم يُحضر المدعي بينتَه (٤)، فقامت البينةُ بعدُ، فلا يكون القاضي مخطئًا، بل لو أقر الخصمُ نفسُه أنه حلف يمينًا فاجرةً، استحلفه القاضي إياها، فلا يكون القاضي مخطئًا بالإجماع. وقد قال ﷺ : "فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، فَلَا يَأْخُذْهُ، إِنَّمَا (٥) أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ" (٦). أفترى ذلك من النبي ﷺ إلا صوابًا محضًا لا ينسب إليه فيه خطأ بالإجماع؟!! وإنما عاد موسى على نفسه بالاعتراف بالنسيان؛ لأنه كان واعدَ الخضر ألَّا يُنْكِر عليه، ثم غلبه في الأولى (٧) النسيانُ، وفي الثانية اعتيادُ (٨) الغيرة والحمية لظاهر الشرع الذي هو متعبَّد به (٩).

стр. 393

والأدبُ مع جميع الأنبياء واجب ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، والله الموفق. (في مِكتَل):- بميم مكسورة ومثناة من فوق مفتوحة-: القُفَّة. (يوشَعَ): -بالفتح- لا ينصرف. (فانطلقا بقيةَ ليلتِهما ويومِهما (١)): أما الليلة، فمضاف إليه بقية، ويومِهما: إما -بالجر- عطفًا عليه، وإما -بالنصب- عطفًا على البقية (٢)، والمراد: سير جميعه، كذا جاء (٣) هنا. وفي التفسير: "بقيةَ يومِهما وليلِهما (٤) " (٥)، وهو الظاهر. (مسجًّى): مغطًّى. (وأنى بأرضك السلام؟!): أنى بمعنى: من أين؟ أو بمعنى: كيف؟ وهي (٦) خبر مقدم على المبتدأ، وهو السلام، وبأرضك إما متعلق بما تعلق به الظرف، أو في محل نصب على الحال من الضمير المستتر فيه العائد على السلام، والاستفهام هنا تعجبي، وذلك أنه لما رآه في أرض قفرٍ (٧)، استبعد (٨) علمَه بالسلام وكيفيته.

стр. 394

(فكلموهم أن يحملوهما): هكذا ورد بصيغة الجماعة (١) [أولًا، وصيغة ضمير الاثنين ثانيًا، والمعنى: أن موسى (٢) والخضر ويوشَع (٣) كلموا أصحاب السفينة، فأتى بضمير الجماعة] (٤) على الأصل، وأتى بضمير الاثنين في يحملوهما عائدًا [إلى الخضر وموسى ﵉، ويوشعُ تبعٌ لهما، وقد قال الله (٥) تعالى: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧] (٦) , فخاطبهما، ثم خاطبه؛ لأنها (٧) في حكم التبع له. (قوم حملونا): قال الزركشي: أي: هؤلاء قومٌ، أو: هم قومٌ، فالمبتدأ محذوف، وقومٌ (٨) خبره (٩). قلت: ويجوز أن يكون قومٌ مبتدأ، وإن كان نكرة؛ لأنه قد وُجد مسوّغٌ الابتداء (١٠)، وخبرُه: عمدتَ إلى سفينتهم. (بغير نَوْل): -بفتح النون وإسكان الواو-؛ أي (١١): بغير أجرة.

стр. 395

(عُصفور): -بضم العين-، وذكر بعضهم أنه (١) الصُّرَد. (نَقْرَة): بفتح النون وإسكان القاف. (ما نقص علمي وعلمُك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور): لفظ (٢) النقص هنا ليست (٣) على ظاهرها؛ إذ علمُ الله تعالى لا تدخله زيادةٌ ولا نقص، وإنما هذا على طريق التمثيل؛ أي: إن علمَنا بالنسبة إلى علم الله كنسبة هذه النقرة؛ فإنها لحقارتها لا تظهر، فكأنه (٤) لم يأخذ شيئًا (٥).

стр. 396

. . . . . . . . . . . . . . .

стр. 397

باب: قول الله تعالى ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] ١١٠ - (١٢٥) - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَيْنَا أَناَ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَرِبِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْألوهُ، لَا يَجيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونه، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلنَهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِم! مَا الرُّوحُ؟ فَسَكَتَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ، فَلَمَّا انْجَلَى عَنهُ، فقَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. قَالَ الأَعْمَشُ: هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا. (خَرِب المدينة): بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء، وعكسه. قال القاضي: كذا رواه البخاري بخاء معجمة وآخره باء موحدة،

стр. 398

ورواه في غير هذا الموضع "حرث" (١) بحاء مهملة وآخره ثاء مثلثة (٢). * * * باب: مَنْ تركَ بعضَ الاختيارِ مخافةَ أنْ يقصُرَ فهمُ بعضِ الناسِ عنه، فيقعوا في أشدَّ منه ١١١ - (١٢٦) - حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى، عَنْ إسْرَائيلَ، عَنْ أَبِي إسْحاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، قالَ: قالَ لي ابنُ الزُّبَيْرِ: كَانَتْ عَائِشَةُ تُسِرُّ إِلَيْكَ كَثِيرًا، فَمَا حَدَّثَتْكَ فِي الْكَعْبةِ؟ قُلْتُ: قَالَتْ لِي: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا عَائِشَةُ! لَوْلَا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ -قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: بِكُفْرٍ-، لنقَضْتُ الْكَعْبةَ، فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ، وَبَابٌ يَخْرُجُونَ". فَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ. (لولا (٣) قومك حديثٌ عهدهم): فيه إثبات خبر المبتدأ بعد لولا، وإنما أثبت؛ لكونه خاصًّا لا دليل عليه لو حذف. وأتحقق الآن أني وقعت (٤) في كلام ابن أبي الربيع في "شرح الإيضاح" على ما معناه أنه تتبع طرق هذا الحديث، فلم يجد فيه إثبات الخبر، وهذا

стр. 399

يرد عليه، فحرره (١). (لجعلت (٢) (٣) لها بابين: بابًا): بنصب بابًا، على أنه وما بعده بدلٌ من المنصوب، وبالرفع (٤) على أنه خبرٌ لمحذوف؛ أي: أحدهما بابٌ يدخل الناس منه، والآخر: بابٌ يخرجون منه، أو على أنه وما بعده خبرُ محذوف؛ أي: باب (٥) كذا، وباب كذا. وقد استدل الأصيلي بهذا (٦) الحديث في مسألة من النكاح: وذلك أن يتيمة غنية كان لها ابنُ عم فيه ميلٌ إلى الصبوة، فخطبها هو ورجل غني، فمال الوصيُّ إلى الرجل، وكانت اليتيمة وابن عمها متحابين، فرُفع ذلك إلى القاضي، فأفتى فقهاء وقته أن لا تُزَوَّجَ من ابن عمها، وأفتى الأصيلي بأن تُزوَّجَ منه؛ خشية أن يقعا في المكروه استدلالًا بهذا الحديث، فزُوِّجَتْ منه (٧). وتعقبه ابن المنير: بأن هذا (٨) لا يؤخذ على إطلاقه، فإن المتزوجة لو هَوِيَتْ غيرَ زوجها، وخُشي عليها الوقوعُ في الزنا، لم يلزم زوجَها طلاقُها

стр. 400

إجماعًا، وكذا الطالبُ لنكاح أمةٍ هَوِيَهَا وهو غني لا نُزوجه (١) إياها، وإن خاف (٢) العنتَ فيها الذي هو أشدُّ، ويُلْزَمُ بالتعفف، أو الحد (٣)، والذي (٤) في الحديث إنما هو الخشيةُ على الجم (٥) الغفير، فلا تقاس عليه الضرورة القاصرة. * * * باب: من خصَّ بالعلمِ قومًا دونَ قومٍ كراهيةَ أن لا يفهموا ١١٢ - (١٢٨) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، قَالَ: "يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ! ". قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ الله وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: "يَا مُعَاذُ! ". قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ الله وَسَعْدَيْكَ، ثَلَاثًا، قَالَ: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أفلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: "إِذًا يَتَّكِلُوا". وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتهِ تَأثُّمًا. (رَديفُه (٦)): على صيغة فعيل: هو الراكبُ خلفَ الراكب.

стр. 401

(يا معاذُ بنَ جبل!): -بضم الذال- على أصل المنادى العلم المفرد، و -بالفتح- على الإتباع، وابنَ منصوبٌ بلا خلاف. (أفلا أخبر (١) الناسَ فيستبشروا): بالنصب على القاعدة في نصب المضارع المقترن بالفاء في جواب العرض، وعند الكشميهني: "فيستبشرون" (٢) -بالرفع- على أن الفاء لمجرد العطف في (٣) غير سببية كما في الأول. (إذًا يتّكلوا): -بتشديد التاء-؛ من الاتكال، وعند الكشميهني: بالنون وضم الكاف (٤)؛ أي: يمتنعوا من العمل. (وأخبر بها معاذٌ عند موته تأثمًا): لأجل مجانبة الإثم وإلقائه عن نفسه. * * * باب: الحياءِ في العلم ١١٣ - (١٣٠) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زينَبَ بْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِ مِنَ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ". فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ -تَعْنِي: وَجْهَهَا-، وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَتَحْتَلِمُ الْمَرْأة؟ قَالَ: "نعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا؟! ".

стр. 402

(إذا رأت الماء): أي: في اليقظة كما يراه الرجل في منامه إذا استيقظ، ولو رأى أو رأت أنهما أنزلا، واستيقظا فلم يجدا ماء، فلا غسل عليهما، فالرجل والمرأة في ذلك سواء، وإنما يختلفان في اليقظة، فلا يغتسل الرجل حتى يرى الماء، أو يلتقي الختانان، وأما المرأة تجد لذة الإنزال بغير التقاء الختان (١)، فإنها تغتسل، وإن لم تر الماء؛ لأن ماءها تقذفه (٢) إلى داخل الفرج، ولا يكاد يخرج منه شيء إلا في الحين عند الامتلاء، كذا في ابن (٣) المنير. (إن الله لا يستحيي من الحق): تمهيد لبسط (٤) عذرها في ذكر ما تستحيي النساء من ذكره، وهو أصل فيما يصنعه (٥) الكتاب والأدباء من استفتاح مكاتباتهم ومخاطباتهم بما يناسب المقصود، ويسمى: بَراعةَ الاستهلال (٦). وما يفعلونه في ابتداء ذلك من التمهيدات لما يأتون به، ويحسنه في مثل ذلك: أن العذر إذا تقدمَ، دفعَ النفسَ عن نسبة القبح إلى المعتذَر عنه، فأدركته صافيًا من العيب، وإذا تأخر، أدركت قبحه أولًا، ثم يأتي العذر رافعًا لا دافعًا (٧) كالأول.

стр. 403

وقد مر في تأويل: "إِنَّ اللهَ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا" ما يرشد إلى تأويل ما هنا. (وتحتلم المرأة؟): هو على حذف همزة الاستفهام، وفي بعض النسخ: "أَوَتحتلم؟ " بإثباتها. * * * باب: من استحيا فأمرَ غيرَه بالسُّؤال ١١٤ - (١٣٢) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ داوُدَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدٍ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ أَنْ يَسْأَلَ النبي ﷺ ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "فِيهِ الْوُضُوءُ". (فأمرتُ المقداد): هو ابنُ عمرِو (١) بنِ ثعلبة، ونُسب إلى الأسود؛ لأنه كان تبناه في الجاهلية. * * * باب: ذكرِ العلم والفُتيا في المسجد ١١٥ - (١٣٣) - حَدَّثَنِي قُتَيْبةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ مَوْلَى عبد الله بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي الْمَسْجدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مِنْ أَيْنَ تأْمُرُناَ

стр. 404

أَنْ نهُلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأْمِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ". وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "ويُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِن يَلَمْلَمَ". وَكانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أَفْقَهْ هَذه مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . (أن نُهل (١)): -بضم حرف المضارعة-؛ لأن الماضي: "أهلَّ" رباعي. (قَرْن): بفتح القاف وإسكان الراء. (يلملم): قال القاضي: ويقال: "ألَمْلَم"، وهو الأصل، والياء بدل منها، وهو على ليلتين من مكة (٢). * * * باب: مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأكثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ (باب: من أجاب السائل بأكثر مما سأله): قال ابن المنير: وموقع الترجمة من الفوائد التنبيهُ على أن مطابقةَ الجواب للسؤال حتى لا يكون الجواب عامًّا، والسؤال خاصًّا غيرُ لازمة، فيوجب ذلك حملَ اللفظ العام الوارد على سبب خاص على عمومه، لا على خصوص السبب؛ لأنه جواب وزيادة فائدة، وهو المذهب الصحيح من القاعدة، والتحقيق بعد هذا كله أن السائل (٣) عما يلبس المحرم عَمَّمَ السؤالَ؛ لأن "ما" مبهمة عامة، والمحرِمُ عامٌّ، فلا ينطبق على سؤاله إلا جواب عام يشمل جميعَ

стр. 405

ما يلبسه (١) كلُّ محرم في كل حالة، فيدخل في ذلك الخفان المقطوعان للضرورة عند عدم النعلين. لا يقال: سأل عن الإثبات، فأجيب (٢) بالنفي، فحصل الغرض من الإثبات والنفي، وهو أزيدُ من السؤال؛ لأنا نقول: السؤالُ عن وجود أحد الضدين سؤالٌ عن عدم الآخر ضرورة؛ إذ لا انفكاك (٣) للمحل القابل للشيء وضده عن واحد منهما، فسؤاله عما يلبس سؤالٌ عما لا يلبس. ولا يتصور أن يعلم السائل حصرَ الملبوس في كذا حتى يعلم أن ما سوى ذلك لا يلبس، فما (٤) في القضية إلا المطابقة من حيث المعنى، لا أزيد، ولا أنقص. ولو أن أحدًا علم أن أحد رجلين قام وقعد الآخر، ولم يتعين له القائم، فقال: أيُّ الرجلين قام؟ فقيل له: فلان؛ لعلم أن الآخر لم يقم. وهاهنا لو أجابه الرسول بما يُلبَس على سبيل الحصر كما سأل، لعلم أن هذه الأصناف مما لا (٥) يلبس، وإنما كانت البلاغة في العدول عما لا ينحصر إلى ما ينحصر، والكل مسؤول عنه، فلا يؤخذ منه قاعدة العام الوارد على سبب خاص، وهي التي (٦) أرادها البخاري، إلا بأن يقول: لم

стр. 406

يمتنع القائل بالخصوص في العموم إلا لعدم المطابقة اللفظية التي تحمد (١) في الكلام، فيقال له: قد انفكت في حديث المحرم، وحمد (٢) الكلام للاختصار، فينبغي (٣) أن يحمد (٤) لزيادة الفائدة (٥) على السبب بطريق الأولى. * * *

стр. 407

كتاب الوضوء

стр. 408

كتاب الوضوء (كتاب (١): الوُضوء): -بضم الواو- للفعل -وبفتحها- للماء، هذا هو الأشهر. وقيل: -بالفتح- فيهما، وقيل: -بالضم- فيهما، وتأتي الثلاث في الطهور. وإذا قلنا: إن (٢) الوَضوء -بالفتح- اسم للماء، فهل هو اسم لمطلق (٣) الماء، أو للماء بقيد (٤) كونه متوضَّأً به، أو مُعَدًّا للوضوء به؟ فيه نظر يحتاج إلى كشفٍ، قاله ابن دقيق العيد (٥). * * *

стр. 409

باب: مَا جَاءَ فِي الوُضُوءِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] قَالَ أبو عَبْدِ اللَّهِ: وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ فَرْضَ الْوُضُوءَ مَرَّةً مَرَّةً، وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ، وَكَرِهَ أَهْلُ الْعِلْم الإسْرَافَ فِيهِ، وَأَنْ يُجَاوِزُوا فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ . (باب: ما جاء في قول الله تعالى): كذا في النسخ الصحيحة، ووقع في نسخةٍ: "باب ما جاء في الوضوء، وقولِ الله تعالى". (أن فرض الوضوء مرة مرة): برفعهما على الخبرية، وفي بعض الأصول: بنصبهما (١) على الحال السَّادَّةِ مسدَّ الخبر بفعل (٢)؛ كقراءة بعضهم: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ٨]. (ولم يزد على ثلاثة): كذا ثبت، وكان الأصل: "ثلاث"؛ إذ المعدود مؤنث، لكنه أوله بأشياء. وفي هذا إشارة من البخاري إلى منع الزيادة على الثلاث، وفيه خلاف، فقيل: حرام، وقيل: مكروه، وقيل: خلاف الأولى، وأبعدَ قومٌ زعموا أن الزيادةَ على الثلاث تُبطل الوضوء. * * *

стр. 410

باب: لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ (باب: لا تُقبل صلاةٌ بغير طهور): هذا لفظ حديث صحيح وقع في "صحيح (١) مسلم" من طريق ابن عمر بزيادة: "وَلا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ" (٢). ١١٦ - (١٣٥) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِهٍ: أَنَّهُ سَمعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يتَوَضَّأ". قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ. (الحنظلي): بظاء معجمة. (معْمر): -بعين ساكنة- وقد مر. (مُنَبِه): اسم فاعل من نَبَّه، بتشديد الموحدة. (لا تقبل (٣) صلاة من أحدث): هو من الحدث. وفي "المحكم": الحدث: الإيذاء، وقد أحدث (٤). وقال الصغاني (٥) في "العباب": وأما قول الفقهاء: أحدث إذا أتى

стр. 411

منه ما نقض (١) طهارته، فلا تعرفه العرب. (حتى يتوضأ): أي: فيقبل (٢) حينئذٍ، وقد فسر القَبول: بأنه تَرَتُّبُ الغرضِ المطلوب من الشيء عليه، والغرضُ من الصلاة: وقوعُها مجزئةً لمطابقتها (٣) الأمرَ (٤)، ولا شك أن هذا المعنى إذا انتفى، انتفت الصحة. وفسره بعضهم: بأنه كونُ العبادةِ بحيثُ يترتبُ على فعلها الثوابُ والأجر كونها (٥) مطابقةً للأمر (٦)؛ ليدفع بذلك ما ورد في أن العبد إذا أَبقَ لا تُقبل له صلاة، وكذا في شارب الخمر، وفيمن أتى عرَّافًا، لكن هذا يضر في حديث أبي هريرة؛ إذ القبول حينئذٍ أخصُّ، فلا يلزم من نفيه نفيُ الصحة، وعلى التفسير الأول يندفع هذا، لكن يرد عليه صلاة الآبق ونحوه، فيحتاج تحريرًا. وقال لي بعض الفضلاء: يلزم في حديث أبي هريرة: أن الصلاة الواقعة في حال الحدث إذا وقع بعدها وضوء صحت، فقلت له: الإجماعُ يدفعه. فقال: يمكن أن يدفع من لفظ الشارع، وهو أولى من التمسك بدليل خارج، وذلك بأن تجعل الغاية للصلاة، لا لعدم القبول، والمعنى: صلاة

стр. 412

أحدكم إذا أحدثَ حتى يتوضأ لا تُقبل، والله أعلم. (قال رجل من حضرموت): هي (١) اسم بلدة (٢) من بلاد اليمن، واسم قبيلة، مُنع من الصرف للعلمية والتركيب. فإن قلت: لمَ لمْ يخرج الحديث المطابق للترجمة؟ قلت: لأن في سنده سِمَاكَ بنَ حَرْبٍ، وليس هو على شرطه، وإن أخرج له تعليقًا، كذا قيل. فإن قلت: لم عدل عن الترجمة بلفظ مطابق لحديثها إلى ما صنع؟ قلت: لينبه على أن خصوصية الوضوء في قبول الصلاة غيرُ معتبرة، بل المعتبر هو الطهور أَعَمُّ من أن (٣) يكون وضوءًا أو غيرَه؛ كالتيمم بشرطه. فإن قلت: المراد بالحدث (٤) في الحديث (٥): حدثٌ خاص، وهو الواقع في الصلاة، ولذلك فسره بالريح الذي يسبق في الصلاة غالبًا. قلت: لا نسلِّم، ولعل أبا هريرة أجاب السائل عما يجهله، أو عما يحتاج إليه في الغالب، وعلى الجملة: يُحتمل قيامُ قرائنَ حاليةٍ لأبي هريرة اقتضت التخصيصَ الذي اعتمدَه، ولو سُلِّم، كان هذا (٦) استدلالًا على أن (٧)

стр. 413

ما هو أغلظُ (١) من الريح من بابٍ أولى، أو نبه على التسوية بين الحدث في الصلاة، والحدثِ في غيرها؛ لئلا يتخيل الفرق (٢)؛ كما فرق بعضُهم بين أن يشك (٣) في الحدث في الصلاة فيلغيه، وبين شكه في غيرها فيعتبره. * * * باب: فَضْلِ الْوُضُوء، وَالْغُرِّ الْمُحَجَّلُونَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ (باب: فضل الوضوء، والغر المحجلون من آثار الوضوء): رأيت في بعض النسخ: "والغُرِّ المحجلين" -بالجر- عطفًا على الوضوء، ولا غبار عليه، وأما الرفعُ، فمشكل. قال الزركشي: وإنما قطعه عما قبله؛ لأنه ليس من جملة الترجمة (٤). قلت: فما فائدة الإتيان به حينئذ، ولم يبين وجه إعرابه؟ والظاهر على ما قال: أن يكون مبتدأ حذف خبره، والأصل: وحديثُ الغرِّ المحجلين دليلٌ عليه؛ أي: على فضل الوضوء، فحذف الخبر والمضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، فإن كان هذا مراده، فهو حملٌ للفظ (٥) على ما لا فائدة فيه؛ إذ حديثُ الغرِّ المحجلين مسوقٌ في الباب، وإنما كان هذا يحسن لو لم يذكره، وذكر غيره مما يدل على فضل الوضوء،

стр. 414

ولا يصح أن يكون "الغر المحجلون" مبتدأ، و"من آثار الوضوء" خبره؛ لعدم صحة الحمل، ولعدم الفائدة، كما تقدم. فإن قلت: فماذا تصنع به، وهو ثابت في الأمهات الصحيحة؟ قلت: لعل وجهه أن (١) الفضل هنا مصدر قولك: فَضَلَ الشيءُ يَفْضُل فهو فاضل (٢)، وأضيف إلى الوضوء، وهو (٣) فاعله، فهو (٤) في محل رفع، فعطف "الغرُّ المحجلون" على هذا المحل، كما عطف على (٥) اللفظ في النسخة الأخرى، والمعنى واحد. فإن قلت: هذا ممنوع عند الحذَّاق؛ كسيبويه ومَنْ وافقه من أهل البصرة. قلت: قد أجازه الكوفيون مطلقًا، وأبو عمرٍو من البصريين في العطف والبدل، واختار ابن مالك المذهبَ الكوفي، واستظهره (٦)؛ لكثرة ما سمع منه، والتأويل (٧) خلاف الظاهر، هذا غاية ما ظهر لي فيه (٨)، فتأمله. * * *

стр. 415

١١٧ - (١٣٦) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ نعيْمِ الْمُجْمِرِ، قَالَ: رَقِيتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجدِ، فتوَضَّأَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ، فَلْيَفْعَلْ". (عن نعيمٍ المُجْمِرِ): هو بضم الميم وإسكان الجيم وكسر الميم الثانية، وقيل: بفتح الجيم وتشديد الميم أبعدها، وُصف به نُعيم؛ لأنه كان يجمِّر المسجد؛ أي: يبخِّره] (١). وقال ابن حِبَّان: لأن أباه كان يأخذ المجمر قدامَ عمرَ بنِ الخطاب إذا خرج إلى الصلاة في شهر رمضان (٢). وقال النووي: هو صفة لعبد الله، ويطلق على ابنه نُعيم مجازًا (٣). قال ابن دقيق العيد: ولا يتعين المجاز حتى يتبين انتقال الحقيقة، وهو أنه لم يكن يجمر المسجد، وهذا يحتاج إلى نقلٍ ممن عاصره، قال: وكلام البخاري يدلُّ على أنه صفة لنعيم (٤). (رقيت): -بكسر القاف- على الصحيح المشهور، وحكي الفتح مع الهمز وعدمه، واختلف في أجودهما. (على ظهر المسجد): يومًا.

стр. 416

(فتوضأ): والأكثرون على جواز مثله؛ أي: الوضوء في المسجد، ولا فرق بين أعلاه وأسفله، وممن قال به من أصحابنا ابنُ القاسم، وكرهه بعضُ العلماء تنزيهًا للمسجد. (إن أمتي): المراد بهم (١) هنا أتباعه ﷺ جعلنا الله منهم (٢). (غرًّا محجلين): الغرة: بياض في جبهة الفرس، والتحجيل: بياض في يديها ورجليها، فأطلق ذلك على النُّور الذي يكون في مواضع الوضوء استعارة. وغرًّا: جمع أغر (٣)، وهو والوصف (٤) الآخر إما مفعولٌ بـ "يدعون"؛ كأنه بمعنى (٥): يسمَّون غرًّا، قاله ابن دقيق العيد (٦)، والأقرب أنه حال. قال الزركشي: أي: يُدعون إلى يوم القيامة، وهم بهذه الصفة، فيتعدى "يُدعون" في المعنى بالحرف؛ كقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٣] (٧). قلت: حذف مثل هذا الحرف ونصب المجرور بعد حذفه غير مَقيسٍ، ولنا مندوحة عن ارتكابه بأن نجعل يوم القيامة ظرفًا؛ أي: يُدعون فيه غرًّا محجلين (٨)، ولا نزاع فيه.

стр. 417

(من آثار الوُضوء): الرواية فيه بضم الواو، وجوَّز ابنُ دقيقِ العيد فتحَها على أن المراد: الماء (١)، والظاهر أن "من" فيه (٢) تعليلية؛ فيكون هذا علة للغرة والتحجيل، فيتعلق إمَّا بـ "يدعون"، وإمَّا بأحد الوصفين على طريق التنازع. وقد وقع في الترمذي من حديث عبد الله بن بُسْر وصححه: "أُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ غُرٌّ مِنَ السُّجُودِ، مُحَجَّلَةٌ مِنَ الوُضُوءِ" (٣)، وهو معارض لظاهر ما في البخاري. * * * باب: لا يتوضَّأُ من الشكِّ حتى يستيقِنَ ١١٨ - (١٣٧) - حَدّثنا عليٌّ، قالَ: حَدَّثَنَا سُفْيانُ، قالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عنْ سَعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمِ، عَنْ عَمِّهِ: أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ : الرَّجُلَ الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: "لَا يَنْفَتِلْ -أَوْ: لَا يَنْصَرِفْ- حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا". (أنه شكا): كذا الرواية هنا بالبناء (٤) للمعلوم، وجوَّز النووي الضم (٥).

стр. 418

قال الزركشي: وعلى هذين يجوز في الرجل الرفع، والنصب (١). قلت: بل الوجهان محتملان على الأول وحده، وذلك أن ضمير "أنه" يحتمل أن يكون ضمير الشأن، وشكا الرجل فعلٌ وفاعلٌ تفسيرٌ للشأن، ويحتمل أن يعود إلى الراوي، وشكا مسند (٢) إلى ضمير يعود إليه أيضًا (٣)، والرجل مفعول به. (حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا): محملُه عند المالكية على مَن (٤) استنكحه الشكُّ؛ بدليلِ شكا، والشكوى لا تكون إلا من علَّةٍ، أو على من شكَّ في سبب ناجز منحصر (٥)؛ كالذي يتخيَّل (٦) في دبُره حركةً، ولم يتيقَّنْ خروجَ الخارج، وهو قولٌ في المذهب، إن كان الشك تخيلًا من سبب ناجز، بَنى على الطهارة، وإن كان شكَّ هل بالَ ونسيَ، أو لم يبل، فهذا يَبني على الحدث. قال ابن المنير: وما ينبغي أن يكون هذا القول إلا تفسيرًا (٧)، ولا يعدُّ خلافًا، وبالجملة: فقد بان أن الحديث لا يرد علينا. * * *

стр. 419

باب: التخفيفِ في الوضوء ١١٩ - (١٣٨) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ناَمَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ صَلَّى. وَرُبَّمَا قَالَ: اضْطَجَعَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى. ثُمَّ حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ، مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونة لَيْلَةً، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ، قَامَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا، يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو وَيُقَلِّلُهُ، وَقَامَ يُصَلِّي، فتوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: عَنْ شِمَالِهِ، فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينهِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أتاهُ الْمُنَادِي فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قُلْنَا لِعَمْرٍو: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُه؟ قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. (كريب): مصغرًا. (فقام النبي ﷺ من الليل): كذا لأكثرهم: "فقام"؛ من القيام، وعند أبي ذر: "فنام"؛ من (١) النوم، قال القاضي: وهو الصواب؛ لأن بعده: "فلما كان في بعض الليل، قام" (٢).

стр. 420

(شَن): -بفتح الشين المعجمة-: هي القِرْبَةُ الخَلَق (١). (معلق): بالتذكير على (٢) إرادة الجلد، ويروى: "معلقة" على الأصل. (يخففه عمرو ويقلله (٣)): استظهر ابن المنير احتمالَ أن يكون المراد: فعلَهُ مرةً لم يُكثر فيها من الدلك، فيكون التخفيف راجعًا إلى عدم الإكثار من الدلك، والتقليل راجع إلى عدم التعداد، والمعنى: فعله مرة واحدة بغير إكثار من الدلك فيها، فهي قليلة (٤) خفيفة، وتوصل بذلك إلى الاستدلال على إيجاب الدلك حيث فعل أبلغ ما يكون في الاختصار، ولم يختصره. قلت: لا ينهض (٥) مجرد هذا حجةً له، فتأمله. * * * باب: إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءَ: الإنْقَاءُ. (وقال ابن عمر: إسباغ الوضوء: الإنقاء): المعروف في اللغة أن إسباغ الوضوء: إتمامُه، وإكمالُه، والمبالغةُ فيه. ١٢٠ - (١٣٩) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُوسَى

стр. 421

ابْنِ عُقْبةَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ: أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ، نَزَلَ فَبَالَ، ثم تَوَضَّأَ، وَلَمْ يُسْبغِ الْوُضُوءَ، فَقُلْتُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: "الصَّلَاةُ أَمَامَكَ". فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدلِفَةَ، نَزَلَ فتوَضَّأَ، فَأَسْبَغ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَناَخَ كُلُّ إنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ، فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا. (بالشِّعب): بكسر الشين المعجمة. (فقلت: الصلاةَ): -بالنصب-؛ أي: أتريد الصلاة؟ وقال القاضي: على الإغراء، ويجوز الرفع؛ أي (١): حانت أو حضرت (٢). (فلما جاء المزدلفة، نزل فتوضأ، فأسبغ الوضوء): ظاهره يرد على أهل المذهب حيث يقولون: لا يجدد إلا من صلى، وإلا كان تكرارًا زائدًا (٣) على الثلاث. وحاول ابن المنير الجواب بأنه يجوز أن يكون في الثاني فعل مرتين، فلم يزد بالأولى (٤) وبهذا على الثلاث، لكن يقال: فكيف يفعل في المسح، وقد كرره؟

стр. 422

قال: ولك أن تقول: لما أراد استدراكَ فضل العدد، أعاد (١) المسحَ؛ رعاية للترتيب، ففيه دليل على صحة القول بأن مستدرِكَ المسحِ إذا نسيه، يُعيد غسلَ رجليه؛ حفظًا لنظام الترتيب، وفيه خلاف، هكذا (٢) كلامه، وفيه ما لا يخفى عليك. * * * باب: غسلِ الوجهِ باليدينِ مِن غَرفَة واحدة ١٢١ - (١٤٠) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيم، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ بِلَالٍ -يَعْنِي: سُلَيْمَانَ-، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا، أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الأُخْرَى، فَغَسَلَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرَى، فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ -يَعْنِي: الْيُسْرَى-، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ. (غُرفة): بضم الغين المعجمة (٣) وفتحها.

стр. 423

(فرش على رجله (١)): أي: رَشًّا عمَّها؛ بدليل قوله: "حتى غسلها"، وكأنه أراد: أن الماء كان خفيفًا. * * * باب: التَّسْمِيَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَعِنْدَ الْوِقَاعِ (باب: التسمية على كل حال): أي: من الطهارة وعدمها. (وعند الوقاع): مصدرُ قولكَ: واقعَ الرجلُ امرأته: إذا جامَعَها، ومقصودُه: الردُّ على من قال: لا يذكر الله إلا على طهارة، وعلى من كره ذلك في حالين: عند الخلاء، والوقاع؛ كما ذهب إليه ابن عباس، وعطاء، ومجاهد. قال ابن المنير: وقولهم هذا يدل على أنهم كانوا يعتقدون رفضَ الطهارة بالنية. ١٢٢ - (١٤١) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِم بْنِ أبي الْجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: "لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أتى أَهْلَهُ قَالَ: بِاسم اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرُّهُ". (يبلُغ): -بالبناء للفاعل- مثل يأكل. (لم يضرُّه): -بضم الراء- على الأفصح. * * *

стр. 424

باب: ما يقولُ عندَ الخَلاءِ ١٢٣ - (١٤٢) - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا دَخَلَ الخلاء، قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ". تَابَعَهُ ابْنُ عَرْعَرَةَ عَنْ شُعْبَةَ. وَقَالَ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبةَ: إِذَا أتى الخلاءَ. وَقَالَ مُوسَى، عَنْ حَمَّادٍ: إِذَا دَخَلَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زيدٍ: حَدَّثَنَا عَبدُ الْعَزِيزِ: إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ. (أعوذ بك من الخبُث): -بضم الباء (١) - جمعُ خبيث، وصرح الخطابي بأن تسكينها ممنوع، وعدَّه من أغاليط المحدِّثين (٢)، وأنكره النووي (٣)، وابنُ دقيق العيد (٤)؛ لأن فُعُلًا -بضم الفاء والعين- تخفف عينه بالتسكين اتفاقًا. ورده الزركشي في "تعليق العمدة": بأن التخفيف إنما يَطَّرِدُ فيما لا يُلْبِس؛ كعُنْق من المفرد، ورُسْل من الجمع، لا فيما يُلْبِسُ؛ كحُمُرٍ؛ فإنه لو خُفف، أَلْبَسَ، بِجَمْعِ (٥) أحمرَ (٦) (٧).

стр. 425

قلت (١): لا أعرف هذا التفصيلَ لأحدٍ من أئمة العربية، بل في كلامه ما يدفعُه؛ فإنه صرح بجواز التخفيف في عُنْق، مع أنه يُلْبِس حينئذ بجمعِ أَعْنَقَ، وهو الرجلُ الطويلُ العنقِ، والأنثى عَنْقاء بيِّنَة (٢) العَنَق، وجمعُها: عُنْق، بضم العين وإسكان النون. * * * باب: وضعِ الماءِ عند الخَلاءِ ١٢٤ - (١٤٣) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم، قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبي يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النبي ﷺ دَخَلَ الْخَلَاءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا، قَالَ: "مَنْ وَضَعَ هَذَا؟ "، فَأُخْبِرَ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ". (فوضعت له وَضوءًا): بفتح الواو. (فقال: اللهم فقهه في الدين): قال ابن المنير: وجهُ تفقُّهِ ابنِ عباس في ذلك: أنه قدر الاحتمالات ثلاثة: أن (٣) يدخل إليه بالماء في الخلاء، وأن يخرج فيطلب الماء من (٤) مكان بعيد عن الخلاء، وأن يخرج فيجده عند الخلاء، فعرف أن هذا التقدير أسلمُها؛ لأن في الأول: تعرضًا للاطلاع (٥)،
следующие страницы →