سُورَةُ ص
﴿عُجَابٌ﴾ [ص:٥]: عَجيبٌ. الْقِطُّ: الصَّحِيفَةُ، هُوَ هَاهُنَا صَحِيفَةُ الْحَسَنَاتِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ [ص: ٢]: مُعَازِّينَ. ﴿الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ [ص: ٧]: مِلَّةُ قُرَيْشٍ. الاِخْتِلَاقُ: الْكَذِبُ. ﴿الْأَسْبَابِ﴾ [ص: ١٠]: طُرُقُ السَّمَاءِ فِي أَبْوَابِهَا. ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾ [ص: ١١]: يَعْنِي: قُرَيْشًا. ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ [ص: ١٣]: الْقُرُونُ الْمَاضِيَةُ. ﴿فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥]: رُجُوعٍ. ﴿قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦]: عَذَابَنَا. ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [ص: ٦٣]: أَحَطْنَا بِهِمْ. ﴿أَتْرَابٌ﴾ [ص: ٥٢]: أَمْثَالٌ.
(سورة ص).
(﴿عُجَابٌ﴾: عجيب): مثل طُوال وطويل.
(القِطُّ: الصحيفةُ، وهو هاهنا: صحيفة الحساب): كذا للجمهور بكسر الحاء في أوله وبموحدة آخره، ويروى: صحيفة الحسنات، جمع حَسَنة (١).
(﴿فَوَاقٍ﴾: رجوع): أبو عبيدة: "فَواق" -بفتح الفاء-: راحة، وبضمها: انتظار، وقيل: هما لغتان (٢).
وقال السُّدي: ما لهم بعدها إفاقةٌ ولا رجوع (٣).
стр. 3607
(﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾: أحطنا بهم): كذا هو في الأصول من الإحاطة، وبخط الدمياطي لعله (١): "أخطأناهم"، وحذف مع ذلك القولُ الذي هذا تفسيره، وهو: ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص: ٦٣] (٢).
وآخره سين مهملة.
(مُطيفين بحِفافَيْه (١)): تثنية حِفاف، وهو الجانب، ويروى: "بجانبيه".
* * *
باب: قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]
٢٣٤٧ - (٤٨١١) - حَدَّثنا آدَمُ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّا نجَدُ أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلَائِقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ؛ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧].
(جاء حَبر): -بفتح الحاء، ومنهم من كسرها-: واحدُ الأحبار، وهو العالم، وقد تكلف الخطابي وابنُ فَوْرك وغيرُهما في تأويل الإصبع، والأولى طريقة السلف (٢)، وهي الكَفُّ عن ذلك مع اعتقادِ أنه لم يُرَدْ ظاهرُه، ونكل علمَه إلى الله تعالى (٣).
стр. 3610
باب: قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [الزمر: ٦٨]
٢٣٤٨ - (٤٨١٣) - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحِيم، عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبي زَائِدَةَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَي أَولُ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الآخِرَةِ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى مُتَعَلِّقٌ بِالْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَذَلِكَ كَانَ، أَمْ بَعْدَ النَّفْخَةِ؟ ".
(فإذا أنا بموسى متعلقٌ بالعرش، فلا أدري أكذلك كان، أم بعد النفخة؟): قال السفاقسي حاكيًا عن الداودي: هذا وهم؛ لأن موسى مقبورٌ ومبعوثٌ بعدَ النفخة، فكيف يكون ذلك قبلها (١)؟
* * *
٢٣٤٩ - (٤٨١٤) - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبي، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ". قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالَ: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، "وَيَبْلَى كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الإنْسَانِ إِلَّا عَجْبَ ذَنَبهِ، فِيهِ يُرَكبُ الْخَلْقُ".
(ويبلى كلُّ شيء من الإنسان إلا عَجْبَ ذَنبِه): -بسكون الجيم-: هو: عظمٌ لطيفٌ في أصل الصُّلْب، وهو رأس العُصْعُص.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "البعث" من حديث أبي سعيد الخدري:
стр. 3611
قيل: يا رسول الله! ما عَجْبُ الذَّنَب؟ قال: "مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ".
ويقال له (١): "عَجْم" -بالميم (٢) -؛ كلازِب، ولازِم (٣).
стр. 3612
سورَةُ الْمُؤْمِنِ
قَالَ مُجَاهِدٌ: مَجَازُهَا مَجَازُ أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَيُقَالُ: بَلْ هُوَ اسْمٌ؛ لِقَوْلِ شُرَيْح بْنِ أَبِي أَوْفَى الْعَبْسِيِّ:
يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ ... فَهَلَّا تَلَا حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ
(سورة المؤمن): حم.
(مجازُها مجازُ أوائلِ السور): أي: تأويلُ مجازها، وصرفُ لفظِها عن ظاهره كالكلام في غيرها من الحروف المقطَّعة في أوائل السور.
(ويقال: بل هو اسمٌ (١)): يعني: للسورة، وهو قولٌ مشهور، وأنشد عليه (٢) قول شُرَيْحِ (٣) بنِ أَوْفى العبسيِّ: يُذَكِّرُني حم؛ يعني: حم (٤) عسق؛ لما فيها من قوله تعالى (٥): ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]، وقد كان من القرابة، أمره أبو طلحة يومَ الجمل أن يتقدم للقتال، فنثر درعه بين رجليه (٦)، وكان كلما حمل عليه رجل، قال: نشدتك بحم (٧)، حتى حمل عليه العبسيُّ فقتله، وأنشأ يقول:
стр. 3613
وَأَشْعَثَ قَوَّامٍ بِآيَاتِ رَبِّهِ ... قَلِيلِ الأَذَى فِيمَا تَرَى العَيْنُ مُسْلِمِ
شَكَكْتُ لَهُ بِالرُّمْحِ جَيْبَ قَمِيصِهِ ... فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ
عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ غَيْرَ أَنْ لَيْسَ تَابِعًا ... عَلِيًّا وَمَنْ لا يَتْبَعِ الحَقَّ يَظْلِمِ
يُنَاشِدُني حم وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ ... فَهَلَّا تَلا حم قَبْلَ التَّقَدُّمِ
فلما رآه عليٌّ ﵁، استرجَعَ، وقال: إنْ كان لشابًّا صالحًا، ثم قعدَ كئيبًا (١).
فقوله: "على غير شيء" متعلق بـ"شككت"؛ أي: خَرَقْتُ؛ يعني: بلا سبب من الأسباب.
وقوله: "غيرَ أنْ ليس تابعًا" استثناءٌ من شيء؛ لعمومه بالنفي، أو بدل، والفتحُ للبناء.
(والرمح شاجِرٌ): أي: طاعِنٌ؛ من شَجَرْتُه بالرمح: طعنتُه به.
وقيل: مختلف، فعلى الأول معناه: لو ذَكَّرني حم قبل أن أطعنه (٢) بالرمح لَسَلِمَ (٣)، وعلى الثاني: قبلَ قيامِ الحرب وتردُّدِ الرماح.
(سورة حم السجدة).
(﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾: أَعْطيا): ائتيا: من الإتيان، وهو المجيء، فكيف يُفَسَّر بالإعطاء، وهذا غير (١) معروف في اللغة، وإنما يفسر بالإعطاء قولُك: آتيتُ زيدًا مالًا -بمد همزة القطع-، والهمزة التي في الآية همزة وصل.
وقال السفاقسي: لعل ابن عباس قرأ بالمد، فيصح تفسيره بالإعطاء (٢).
(قال رجل لابن عباس: إني لأجد في القرآن أشياء (٣) تختلفُ عليَّ): روى الحاكم في "المستدرك" في كتاب: الأهوال: عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: سأل (٤) نافعُ بنُ الأزرق عن قوله : ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥]، و ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨]، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]، و ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، فقال: وَيْحَكَ! هل سألتَ عن هذا أحدًا قبلي؟ قال: لا، قال: أما إنك لو سألتَ هلكتَ، أليس قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]، قال: بلى، وإن لكل مقدار يوم من هذه الأيام لونًا من هذه الألوان. قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (٥) انتهى.
فعلى هذا يفسَّر المبهم هنا بنافع بن الأزرق، كذا في "الإفهام".
стр. 3617
(والسَّمَاء بناها): التلاوة: ﴿أَمِ السَّمَاءُ﴾.
(والهدى الذي هو الإرشاد بمنزلة أسعدناه (١)): حكى الزركشي عن السهيلي أنه قال: هو (٢) بالصاد أقربُ إلى تفسير أرشدناه من أسعدناه -بالسين-؛ لأنه إذا كان بالسين، كان من السعادة ضد الشقاوة، وأرشدتُ الرجلَ إلى الطريق، وهديته السبيل بعيدٌ من هذا التفسير.
قلت (٣): لا أدري ما الذي أبعدَ هذا التفسير مع (٤) قربِ ظهوره؛ فإن الهدايةَ إلى السبيل، والإرشادَ إلى الطريق إسعادٌ لذلك الشخص المهديِّ؛ إذ سلوكُه في الطريق مُفْضٍ إلى السعادة، ومجانَبَتُه لها مما يؤدِّي إلى ضلاله وهلاكه.
ثم قال: فإذا قلت: "أصعدناه" -بالصاد- خرجَ اللفظُ إلى معنى الصُّعُداتِ في قوله: "إِيَّاكُمْ وَالقُعُودَ عَلَى (٥) الصُّعُدَاتِ" (٦)، وهي الطرق (٧)، وكذلك أصعدَ في (٨) الأرض: إذا سار فيها على قصد، فإن كان البخاري
стр. 3618
قصد هذا، وكتبها في نسخته: "بالصاد" التفاتًا إلى حديث الصُّعدات، فليس يبعد، ولا ينكر (١).
قلت: تكلُّف لا داعي إليه، وما في النسخ صحيح بدون هذا، فتأمله.
* * *
باب: قوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ﴾ الآية [فصلت: ٢٢]
٢٣٥٠ - (٤٨١٦) - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِم، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢]: كَانَ رَجُلَانِ مِنْ قُرَيشٍ، وَخَتَنٌ لَهُمَا مِنْ ثَقِيفَ، أَوْ رَجُلَانِ مِنْ ثَقِيفَ، وَخَتَنٌ لَهُمَا مِنْ قُرَيْشٍ، فِي بَيْتٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أترَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ حَدِيثَنَا؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَسْمَعُ بَعْضَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَئِنْ كَانَ يَسْمَعُ بَعْضَهُ، لَقَدْ يَسْمَعُ كلَّهُ، فَأُنْزِلَتْ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢].
(رجلان من قريش وخَتَنٌ لهما من ثقيف، أو رجلان من ثقيف وخَتَنٌ لهما من قريش): ذكر الثعلبي والبغوي في "تفسيرهما": أن الثقفي اسمه عبدُ يا ليل بن عمرو بن عُمير، وختناه القرشيان: ربيعةُ، وصفوانُ بنُ أُمية (٢).
стр. 3619
وقال ابن بشكوال: القرشيُّ: الأسودُ بنُ عبدِ يغوثَ، والثقفيُّ الواحد: الأَخْنَس بنُ شَريق، ذكره ابن عباس (١). وفي "تفسير ابن الجوزي": نزلت في صفوانَ بنِ أمية، وربيعةَ، وخُبيبِ بنِ عمرو الثقفيين (٢).
ولا نسمع قيلهم): هذا يقتضي الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجمل كثيرة.
قال الزركشي: فينبغي حملُ كلامه على أنه أراد تفسير المعنى، ويكون التقدير: ونعلم قيلَه (١).
قلت: يرد عليه ما حكاه السفاقسي من إنكار بعضهم لهذا التفسير، وقال: إنما يصح ذلك أن لو كانت التلاوة: وقيلَهم، والمعنى: إلا من شهد بالحق، وقال: يا ربِّ إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، على الإنكار (٢).
(﴿يَعْشُ﴾: يعمى): قال السفاقسي: يجب عليه أن تكون القراءة بفتح الشين.
وهذا الذي قاله محكي عن أبي عبيدة، فإنه قال: من قرأ: يَعْشُ -بضم الشين-، فمعناه: أنه تُظْلِمُ عينهُ، ومن قرأ بفتحها، فمعناه: تعمى عينه (٣).
يبقى في الآية بحث، وهو أن يقال: فيها نكتتان:
إحداهما: أن النكرة في سياق الشرط تَعُمُّ، وفيها اضطرابُ الأصوليين، وإمامُ الحرمين يختار العمومَ، وإن بعضَهم حمل كلامه على العموم البدلي، لا الاستغراقي (٤)؛ كما مر لنا في هذا التعليق على ما أظنه، فإن كان مراده عمومَ الشمول، فالآية حجةٌ له من وجهين؛ لأنه نكر الشيطان، ولم يرد إلا
стр. 3623
الكل؛ لأن كلَّ إنسان له شيطان، فكيف بالعاشي عن ذكر الله؟
والثاني: أنه أعاد عليه الضمير مجموعًا في قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ [الزخرف: ٣٧]، ولولا عمومُ الشمول، لما جاز عَوْدُ ضميرِ (١) الجمع (٢) على واحد، فهذه نكتة توجب للمخالفين سكتة، هكذا في "الانتصاف" لابن المنير ﵀.
قلت: في كل من الوجهين اللذين أبداهما نظر:
أما الأول: فلا نسلم أنه أراد كلَّ شيطان، بل المقصودُ أنه قُيِّضَ لكل فرد من العاشينَ عن ذكر الله شيطانٌ واحد، لا كل شيطان، وذلك واضح.
وأما الثاني: فعودُ ضمير الجماعة [على شيء ليس بينه وبين العموم الشمولي تلازم بوجه، وعودُ الضمير في الآية بصيغة ضمير الجماعة] (٣) إنما كان باعتبار تعدد الشياطين المفهومة (٤) مما تقدم؛ إذ معناه -على (٥) ما قررنا (٦) -: أن كلَّ عاشٍ له شيطانٌ، فبهذا (٧) الاعتبار جاء التعددُ، فعاد الضمير كما يعود على الجماعة، فما هذه النكتة التي أوجبت سكتة المخالفين؟
النكتة الثانية: أن في الآية حجةً على من زعم أن العود على معنى "مَنْ" يمنعُ من العود على لفظها، محتجًا بأنه إجمال بعدَ البيان، وقد عاد الضمير
стр. 3624
في هذه الآية على لفظ "مَنْ" مرتين في قوله: [﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾، وقوله: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ﴾ [الزخرف: ٣٦]، ثم على المعنى في قوله: ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾، ثم على اللفظ في قوله] (١): ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ [الزخرف: ٣٨]، فإن (٢) كان [مراد (٣) المانع المنعَ مطلقًا، وردت عليه هذه الآيةُ ونظائرُها، وإن كان] (٤) مرادُه تقييدَ المنع بما إذا كان في جملة واحدة، فلا ترد مثلُ هذه عليه.
(﴿يَصِدُّونَ﴾: يضجُّون) يريد على قراءة من قرأ: ﴿يَصِدُّونَ﴾ -بكسر الصاد-، وأما من قرأ: ﴿يَصِدُّونَ﴾ -بالضم-، فالمعنى عنده: يُعْرِضون.
وقال الكسائي: هما لغتان بمعنى، وأنكر بعضهم الضم، وقال: لو لم يكن مضمومًا، لكان "عنه"، ولم يكن "منه".
وأجيب: بأن "مِنْ" تعليلية، فالضمُّ صحيح (٥).
* * *
باب: قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]
٢٣٥١ - (٤٨١٩) - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ،
هنا بفتح الباء في الماضي، وضمها في المستقبل، [ولم يذكر أهل اللغة عبد بمعنى: جحد.
قلت: والذي رأيته في نسخة: ضبطه بكسر الباء في الماضي، وفتحها في المستقبل] (١)، وكذا ضبطه البَيَّاسي فيما حكاه الزركشي عنه (٢).
قَالَ: فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اسْتَسْقِ اللَّهَ لِمُضَرَ؛ فَإِنَّهَا قَدْ هَلَكَتْ. قَالَ: "لِمُضَرَ؟ إِنَّكَ لَجَرِيءٌ". فَاسْتَسْقَى، فَسُقُوا. فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]. فَلَمَّا أَصَابَتْهُمُ الرَّفَاهِيَةُ، عَادُوا إِلَى حَالِهِمْ حِينَ أَصَابَتْهُمُ الرَّفَاهِيَةُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]. قَالَ: يَعْنِي: يَوْمَ بَدْرٍ.
(فقيل: يا رسول الله! استسق الله لمضر! فإنها قد هلكت): في "الإفهام": هذا القائل: هو كعبُ بنُ مُرَّةَ، [وقيل: مرةُ بنُ كعب البهزِيُّ السلميُّ، والأولُ أكثر.
قال أبو عمر (١): كعبُ بنُ مرةَ] (٢) أصحُّ.
وقال ابن أبي خيثمة: هما اثنان، ذكر ذلك ابن الأثير، قال: وروى عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد: أن شرحبيل بن أبي السَّمْط قال: يا (٣) كعب بن مرة! حدِّثنا (٤) حديثًا (٥) سمعته من رسول الله ﷺ ، قال: "دعا رسولُ الله ﷺ على مضر، فأتيته فقلتُ: يا رسول الله! قد نصركَ الله وأعطاكَ واستجابَ لك، وإنَّ قومك قد هلكوا، فادعُ اللهَ لهم، فقال: "اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا طَبَقًا غَدَقًا عَجِلًا غَيْرَ رَائِثٍ، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ" (٦).
سُورَةُ الْجَاثِيَةِ
باب قوله تعالى: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]
٢٣٥٤ - (٤٨٢٦) - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَالَ اللَّهُ : يُؤْذِيني ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ، أقُلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ".
(سورة الجاثية).
(يؤذيني ابنُ آدمَ): أي: يُخاطبني من القول بما يتأذى به (١) مَنْ يصحُّ (٢) التأذي في حقه؛ لا أنَّ الله تعالى يتأذى (٣)؛ إذ هو عليه مُحال، بل النفعُ كذلك في حقه، لا ينتفع بشيء، ولا يتضرر بشيء -جل وعلا-، له الكمال المطلق.
(وأنا الدهر): ضبطه المحققون بالرفع؛ أي: أنا الفاعلُ لما تصفونه إلى الدهر، أو الخالق (٤)، أو المقدر (٥) لما (٦) تنسبونه إليه، ولا يصح أن
стр. 3632
يقال: هو (١) اسم الله تعالى.
ويقال عن أبي بكر بن داود الظاهري: أنه كان يرويه بالفتح، نصبًا على الظرف؛ أي: أنا طولَ الدهرِ بيدي الأمرُ، وكان يقول: لو كان مضموم الراء؛ لكان من (٢) أسماء الله تعالى، [وقد تبين توجيهُ الرفع مع الحكم بأنه ليس من أسماء الله تعالى] (٣)، ولكن ظاهريته تحمله على مثل هذا الفهم، وهَبْ أن النصب (٤) على الظرفية يأتي له في حديث البخاري، فماذا تصنع في رواية: "فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ" (٥)؟ وإنما تأويلُه ما تقدم، وقد جوز النصبَ جماعةٌ، منهم النحاسُ (٦).
قال القاضي: نصبه بعضُهم على الاختصاص، والظرفُ أصحُّ (٧).
стр. 3633
سُورَةُ الأحْقَافِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿تُفِيضُونَ﴾ [الأحقاف: ٨]: تَقُولُونَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أثرَةٍ وَأُثْرَةٍ وَ ﴿أَثَارَةٍ﴾ [الأحقاف: ٤]: بَقِيَّة عِلْمٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]: لَسْتُ بِأَوَّلِ الرُّسُلِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ [الأحقاف: ١٠]: هَذِهِ الأَلِفُ إِنَّمَا هِيَ تَوَعُّدٌ، إِنْ صَحَّ مَا تَدَّعُونَ، لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ، وَلَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ بِرُؤْيةِ الْعَيْنِ، إِنَّمَا هُوَ: أتعْلَمُونَ؟ أَبَلَغَكُمْ أَنَّ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ خَلَقُوا شَيْئًا؟
(سورة الأحقاف).
(قال ابن عباس: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]: ما كنت بأول (١) الرسل (٢)): قال الزركشي: قال بعض الأئمة: هذه السورة مكية محكمة إلا آيتين: إحداهما (٣) قوله: ﴿مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾، والثانية: ﴿مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩].
قالوا: وليس في كتاب الله آية من المنسوخ ثبتَ حكمُها كهذه الآية، ثبتت ستَّ عشرةَ سنةً، وناسخها أولُ سورة الفتح.
стр. 3634
قال الزركشي: وممن نص على أن ذلك ناسخها (١) الشافعىُّ في "أحكام القرآن" (٢).
قلت: في كون هذا من النسخ المصطَلَح عليه (٣) نظر؛ فإن إعلامه ﵇ بأمر لم يكن أُعلمه قبل ذلك ليس من النسخ في شيء.
وقال الزمخشري: أجودُ ما قيل فيه: حملُه على الدراية المفصَّلة، وإن كان يدري أن مُضِيَّه إلى النعيم، ومصيرَهم إلى العذاب (٤)(٥).
* * *
باب قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ الآية [الأحقاف: ١٧]
٢٣٥٥ - (٤٨٢٧) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، قَالَ: كَانَ مَرْوَانُ عَلَى الْحِجَازِ، اسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَةُ، فَخَطَبَ، فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ؛ لِكَيْ يُبَايعَ لَهُ بَعْدَ أَبيهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبي بَكْرٍ شَيْئًا، فَقَالَ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ عَائِشَةَ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ مَرْوَانُ: إِنَّ هَذَا الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ [الأحقاف: ١٧]، فَقَالَتْ عَائِشَةُ مِنْ
стр. 3635
وَرَاءِ الْحِجَابِ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِينَا شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عُذْرِي.
(فقال له عبدُ الرحمن بنُ أبي بكرٍ شيئًا): قيل: إنه قال له: بيننا وبينكم ثلاثٌ سبقن، تُوُفي النبي ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، ولم يعهدوا (١).
وقول عائشة: "ما أنزل الله فينا شيئًا من القرآن إلا عذري" تريد: في بني أبي بكر، [وإلا، فقد نزلَ في أبي بكر: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠].
قال الزجاج: والصحيحُ في الآية، وهي قوله تعالى] (٢): ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ [الأحقاف: ١٧] أنها نزلت في الكافر العاقِّ، ولا يجوز أنها نزلت في عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بكر؛ [لأن الله تعالى قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ [الأحقاف: ١٨]، وعبدُ الرحمنِ بنُ أبي بكرٍ] (٣) من خيار المسلمين (٤).
стр. 3636
سورة مُحَمَّدٍ ﷺ -
﴿أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤]: آثَامَهَا، حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا مُسْلِمٌ.
(سورة محمد ﷺ ).
(﴿أَوْزَارَهَا﴾: آثامها): نُقل عن ابن قرقول: أنه قال: هذا تفسير يحتاج إلى تفسير، وذلك أن الحربَ لا آثامَ لها فتوضعَ، فلعله كما قال الفراء: أوزارَ أهلِها، ثم حذف المضاف، وأبقى المضاف إليه، أو كما قال النحاس: حتى يزولَ الشرك (١).
قلت: هذا هو ظاهرُ قولِ البخاري: "أوزارَها: آثامها حتى لا يبقى إلا مسلمٌ".
* * *
باب قوله تعالى: ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]
٢٣٥٦ - (٤٨٣٠) - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيةُ بْنُ أَبي مُزَرَّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ، قَامَتِ الرَّحِمُ، فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ لَهُ: مَهْ، قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَن وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَذَاكِ لَكِ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢].
стр. 3637
(فأخذت): اقتصر على هذه في بعض النسخ، وثبت في بعضها: "فَأَخَذَتْ بِحَقْوَيِ الرَّحْمَنِ".
قال القابسي: أبى أبو زيد أن يقرأ لنا هذا الحرف؛ لإشكاله، وقال غيره: هو صحيح، مع تنزيه الله عن الجوارح، ولا إشكال حينئذ.
وأصل الحَقْوِ: مَعْقِدُ الإزار، ويُطلق على الإزار (١) -أيضًا-، وهو هنا على طريقة الاستعارة من المُلِحِّ في الطَّلبِ المتعلِّقِ بمطلوبه من المخلوقين.
وقال القاضي: الحَقْوُ: من أوكدِ ما يُستجار (٢) وُيتَحَزَّم به؛ لأنه مما يَتحامى عنه الإنسان، ويدفعُ عنه، حتى يقال: يمنعُه مما يمنع منه إزارَه، فاستعير ذلك للرحم، واستعاذتُها بالله من القطيعة (٣).
(فقال: مه): قال ابن مالك: هي هنا "ما (٤) " الاستفهامية حُذفت ألفُها، ووُقف عليها بهاء السكت، والشائع أن لا يُفعل ذلك بها إلا وهي مجرورة، ومن استعمالها كما وقع هنا قولُ أبي ذؤيب: قدمَ المدينةَ ولأهلها ضجيجٌ كضجيجِ الحجيجِ أَهَلُّوا بالإحرام، فقلت: مه؟ فقيل لي: هَلَكَ رسولُ الله ﷺ (٥).
стр. 3638
سُورَةُ الْفَتْحِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿سِيمَاهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]: السَّحْنَةُ، وَقَالَ مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ: التَّوَاضُعُ.
(سورة الفتح).
(﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾: السِّحْنة): قيده أبو ذر بكسر السين وسكون الحاء، وقيده الأصيلي وابن السكن بفتح السين والحاء معًا.
قال القاضي: وهو الصواب عند أهل اللغة، وهو لينُ الشيء، والنعمة في النظر، وقيل: الجمال.
قال: وعند القابسي، وعبدوس في تفسير ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾: السجدة (١)، يريد: أثرها (٢).
قلت: في التئام هذا مع قوله: ﴿مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]، قلقٌ لا يَخْفى.
* * *
باب قوله تعالى ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]
٢٣٥٧ - (٤٨٣٣) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ ابْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَعُمَرُ ابْنُ الْخَظَابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلًا، فَسَأَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ شَيْءٍ، فَلَمْ يُجبْهُ