وعند القابسي: "أعظامهم"، وقيل: "من أجسامهم" (١).
(الكُفُرَّى): -بضم الكاف والفاء وتشديد الراء، وبفتح الفاء -أيضًا-.
* * *
باب قوله تعالى ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]
٢٣٦٥ - (٤٨٤٨) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا حَرَمِيٌّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "يُلْقَى فِي النَّارِ، وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ، فَتَقُولُ: قَطِ قَطِ".
(حتى يضعَ قدمَه): لم يبين مَنْ هو الواضعِ، وبُيِّنَ في حديث أبي (٢) سفيان: أنه الربُّ ﷻ ، لكنه تارةً رفَعَه (٣)، وتارة لم يرفعه، ولا شكَّ أن هذا من أحاديث الصفات، فينزه عند سماع المشكل.
ثم اختلف أئمتنا: أنُؤَوِّل، أم نُفَوِّضُ منزهين؟ مع اتفاقهم على أن جهلنا بتفصيله لا يقدح، والطريقة الثانية أسلمُ، وهي طريقة السلف، وعليها: فلا كلام.
والطريقةُ الأولى أَحكمُ (٤)؛ فقد أَعملوا الأفكارَ الصحيحة في تأويلها
стр. 3648
وردِّها إلى مجازات كلام وطرقها في المحاورة، ونَزَّلوها على ذلك، وعلى هذا فقيل: إن المراد: تذليلُ (١) جهنمَ عند طغيانها، وقولها بعدُ: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠].
فيذللها الله تعالى تذليلَ من يُوضع تحتَ الرِّجْل، ويؤيده قوله (٢): "فَيَضَعُ قَدَمَهُ عَلَيْهَا"، والعرب تضرب الأمثال بالأعضاء، ولا تريد أعيانها، تقول للنادم: سُقِطَ في يده، وفي الذليل: رَغِمَ أَنْفُه.
وقيل: هم مَنْ قَدَّمهم الله للنار من أهلها، فيقع بهم استيفاء عددهم.
ورواية أبي ذر: "حَتَّى يَضَعَ [رِجْلَهُ" يخيل أن المراد: العضوُ، وليس كذلك، فالرَّجْل بمعنى الجماعة؛ كما يقال: رِجْلٌ منْ جَراد؛ أي] (٣): حتى يضعَ جماعتَه؛ أي: الجماعةَ الذين خلقَهم لاستيفاء العدد الذي قدر أنه يكون في النار، فتتفق هي، ورواية: "قَدَمَهُ"، إذا حُمل على الجماعة الذين قَدَّمهم الله للنار.
قال الزركشي: وحُكي عن ابن عقيل: أنه قال: تعالى الله أن يكون له صفةٌ تشغلُ الأمكنةَ، هذا هو التجسيمُ بعينه، ثم كيف لا يُعمل أمرَه (٤) وتكوينَه حتى يستعينَ بشيء من ذاته، وهو القائل للنار: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ [الأنبياء: ٦٩]، فمَنْ أمرَ نارًا أَجَّجَها غيرُه بانقلابِ طبعِها، وكانت
стр. 3649
كما أَمَرَ، غَنِيٌّ عن هذا (١) ، لا إله إلا هو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٢).
стр. 3650
سُورَةُ ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾
قَالَ عَلِيٌّ ﵇: الرِّيَاحُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿تَذْرُوهُ﴾ [الكهف: ٤٥]: تُفَرِّقُهُ. ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [الذاريات: ٢١]: تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ فِي مَدْخَلٍ وَاحِدٍ، وَيَخْرُجُ مِنْ مَوْضِعَيْنِ. ﴿فَرَاغَ﴾ [الذاريات: ٢٦]: فَرَجَعَ. ﴿فَصَكَّتْ﴾ [الذاريات: ٢٩]: فَجَمَعَتْ أَصَابِعَهَا، فضَرَبَتْ جَبْهَتَهَا. وَالرَّمِيمُ: نَبَاتُ الأَرْضِ إِذَا يَبِسَ وَدِيسَ. ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧]: أَيْ لَذُو سَعَةٍ، وَكَذَلِكَ ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]: يَعْنِي: الْقَوِيَّ. ﴿زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩]: الذَّكَرَ وَالأُنْثَى، وَاخْتِلَافُ الأَلْوَانِ: حُلْوٌ وَحَامِضٌ، فَهُمَا زَوْجَانِ. ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠]: مِنَ اللَّهِ إِلَيْهِ. ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]: مَا خَلَقْتُ أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ الْفَرِيقَيْنِ إِلَّا لِيُوَحِّدُونِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: خَلَقَهُمْ لِيَفْعَلُوا، فَفَعَلَ بَعْضٌ، وَتَرَكَ بَعْضٌ، وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لأَهْلِ الْقَدَرِ. وَالذَّنُوبُ: الدَّلْوُ الْعَظِيمُ.
(سورة والذاريات).
(قال عليٌّ: ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾: الرياح): قال الحافظ مغلطاي: رواه أبو محمد الحنظلي بسنده، وساقه إلى عليِّ بنِ ربيعةَ: أن عبدَ الله بنَ الكواء سأل عليًا: ما الذاريات؟ قال: الرياح.
وفي "تفسير عبد الرزاق" عن معمر، عن وهب بن عبد الله، عن أبي الطفيل: أن ابن الكواء سأل عليًا عن ذلك، فقال: الذاريات: الرياح، ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات: ٢]: السحاب، ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾ [الذاريات: ٣]:
стр. 3651
السفن ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرً﴾ [الذاريات: ٤]: الملائكة، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين (١).
(والرميمُ: نبات الأرض إذا يبسَ ودِيس). بكسر الدال من الدَّوْس، وهو وَطْءُ الشيء بالأَقدام والقوائِم حتى يتفتَّتَ.
(﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ -يقول-: ما (٢) خلقتُ أهلَ السعادةِ من أهلِ الفريقين إلا ليوحِّدُونِ): فجعل العامَّ مرادًا به الخصوصُ.
وقال ابن المنير: الآيةُ سيقت لبيان عظمة الله تعالى، وأن شأنه مع عبيده لا يُقاس بغيره؛ فإن عبيدَ (٣) الخلق مطلوبون (٤) بالخدمةِ والتكسُّبِ للسادة، وبواسطة كسبِ العبيد تَدُرُّ أرزاق ساداتهم، والله تعالى لا يَطلب من عباده رزقًا ولا طعامًا، بل يطلب منهم العبادةَ، وزائد على ذلك: أنه هو الذي يرزقُهم، فهذا هو سياق الآية.
حاصله: وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلا لآمرَهم بعبادتي.
(﴿وَأَكْدَى﴾: قطع عطاءه): قال مجاهد: هو الوليدُ بنُ المغيرة، أعطى قليلًا، ثم قطع عطاءه، كذا في السفاقسي (١).
(﴿رَبُّ الشِّعْرَى﴾: هو مِرْزَم الجوزاء): قال الحافظ مغلطاي: وجدناه منقولًا عن مجاهد، قال: يعبدون الشعرى (٢)، و (٣) هو الكوكب الذي وراء الجوزاء.
وقال مقاتل: كان الناس من خزاعة وغطفان يعبدون الشعرى، وهو الكوكب الذي يطلُع بعد الجوزاء، وهو كوكب مضيء، ويتبع الجوزاء اليمانية نَيَّرَةٌ (٤) في الجنوب يُقال (٥) لها: المِرْزَمُ والعَبُور.
[وقال أبو حنيفةَ في كتاب "الأنواء الكبير": والشِّعْرَى والعَبُور] (٦) والجوزاء في نسقٍ واحدٍ، وهي نجومٌ مشهورة (٧).
[﴿سَامِدُونَ﴾: البَرْطَمَة): هو الغناء الذي لا يُفهم، وقيل: السَّامِدُ: اللاهي، وقيل: الهائمُ، وقيل] (٨): الساكتُ، كذا في السفاقسي (٩).
стр. 3657
٢٣٦٧ - (٤٨٥٥) - حَدَّثَنَا يَحْيىَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبي خَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: يَا أُمَّتَاهْ! هَلْ رَأَى مُحَمَّد ﷺ رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ: لَقَدْ قَفَّ شَعَرِي مِمَّا قُلْتَ، أَيْنَ أَنْتَ مِنْ ثَلَاثٍ، مَنْ حَدَّثَكَهُنَّ فَقَدْ كَذَبَ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ، فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]. وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ، فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]. وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ كَتَمَ، فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، الآيَةَ، وَلَكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ ﵇ فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ.
(لقد قفَّ شعري مما قلتَ): أي: اقشعرَّ جسمي حتى ثارَ ما عليه من الشعر، وليس هذا منها إنكارًا لجواز الرؤية مطلقًا كما يقوله المعتزلة، وإنما أنكرت وقوعَها في الدنيا (١).
قال القاضي في "الشفا": ولا مرية في الجواز؛ إذ ليس في الآيات نصٌّ بالمنع، وأما وجوبُه لنبينا، والقولُ بأنه رآه بعينه، فليس فيه قاطع -أيضًا-، فإن ورد حديث نصٌّ بينٌ في الباب، اعتُقد، ووجبَ (٢) المصيرُ إليه، ولا استحالةَ فيه، ولا مانعَ قطعي يردُّه، والله تعالى الموفق (٣).
стр. 3658
(ثم قرأت: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾): ليس فيها دليل على أن النبي ﷺ لم يَرَ ربَّه، وقد قيل: إن الإدراك (١): الإحاطةُ؛ كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠]، فالمنفي إحاطةُ الأبصار، لا مجردُ الرؤية، بل في تخصيص الإحاطةِ بالنفي (٢) ما يدل على الرؤية (٣)، أو يُشْعِر بها؛ كما تقول: لا تحيطُ به الأفهام (٤)، وأصل المعرفة حاصل.
(﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾): وهذه الآية ليست نصًا في الدلالة على نفي الرؤية مطلقًا، وإنما تدل على أن البشر لا يرى اللهَ في حال التكلم، فنفيُ الرؤيةِ مقيدٌ (٥) بهذه الحالة دونَ غيرها.
* * *
باب ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨]
٢٣٦٨ - (٤٨٥٨) - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨]، قَالَ: رَأَى رَفْرَفًا أَخْضَرَ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ.
(رأى رَفْرَفًا أخضرَ): قيل: الرفرفُ: فِراشٌ، وقيل: ثوبٌ كان لباسًا
стр. 3659
له، وقيل: بِساط (١).
* * *
باب ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩]
٢٣٦٩ - (٤٨٥٩) - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَؤزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: كان اللَّاتُ رَجُلًا يَلُتُّ سَوِيقَ الْحَاجِّ.
(كان اللات رجلًا يَلُتُّ السَّويقَ (٢)): قال السفاقسي: قولُ ابن عباس هذا هو على قراءة من شدَّدَ الياء؛ يعني: وأما قراءة الجمهور بتخفيفها، فلا يلائمها هذا التفسير (٣).
* * *
٢٣٧٠ - (٤٨٦٥) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى! فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ".
(من حلف فقالَ في حلفه: واللاتِ والعزى! فليقل: لا إله إلا الله):
стр. 3660
الحَلِف (١)، بفتح الحاء وكسر اللام، وتسكن تخفيفًا.
قال السفاقسي وغيره: إنما (٢) ألزمَه قولَ: لا إله إلا الله؛ إشفاقًا (٣) عليه من أن يكون الكفر قد لزمه؛ لأن اليمين (٤) إنما تكون بالمعبود الذي يُعَظَّم، فإذا حلف بهما، فقد ضاهى الكفار في ذلك، فأُمر أن يَتدارك ما وقعَ منه بكلمة التوحيد المبرئة من الشرك (٥).
(ومن قال [لصاحبه]: تعالَ أقامرْكَ، فليتصدَّق): قال الأوزاعي: يتصدَّقُ بالمال الذي كان يريد أن يقامرَ عليه، وقيل: يتصدق بصدقةٍ من ماله كفارةً لما جرى على لسانه من هذا القول.
قال القرطبي: وظاهرُ الحديث وجوبُ الصدقة في حقِّ هذا، وقول: لا إله إلا الله في حقِّ الأول (٦).
وفي الحديث دلالة لمذهب الجمهور -كما حكاه القاضي-: أن العزم على المعصية إذا استقر في القلب، كان ذنبًا يُكتب عليه؛ بخلاف الخاطر الذي لا استقرارَ له (٧).
سُورَةُ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾
قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]: ذَاهِبٌ. ﴿مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر: ٤]: مُتَنَاهٍ. ﴿وَازْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩]: فَاسْتُطِيرَ جُنُونًا. ﴿وَدُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣]: أَضْلَاعُ السَّفِينَةِ. ﴿لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٤]: يَقُولُ: كُفِرَ لَهُ جَزَاءً مِنَ اللَّهِ. ﴿مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨]: يَحْضُرُونَ الْمَاءَ.
وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ [القمر: ٨]: النَّسَلَانُ: الْخَبَبُ السِّرَاعُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿فَتَعَاطَى﴾ [القمر: ٢٩]: فَعَاطَهَا بِيَدِهِ فَعَقَرَهَا. ﴿الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١]: كحِظَارٍ مِنَ الشَّجَرِ مُحْتَرِقٍ. ﴿وَازْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩]: افْتُعِلَ مِنْ زَجَرْتُ. ﴿كُفِرَ﴾ [القمر: ١٤]: فَعَلْنَا بِهِ وَبِهِمْ مَا فَعَلْنَا جَزَاءً لِمَا صُنِعَ بِنُوحٍ وَأَصْحَابِهِ. ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣٨]: عَذَابٌ حَقٌّ. يُقَالُ: الأَشَرُ: الْمَرَحُ وَالتَّجَبُّرُ.
(سورة اقتربت).
(﴿مُهْطِعِينَ﴾: النَّسَلان): -بفتحتين-، وهو الإسراع.
قال الزركشي: وحركةُ العين تدل على حركة العين (١).
قلت: أحسنَ في هذه العبارة، ومرادُه بالعين (٢): عينَ (٣) الكلمة، وهي هنا سينُ النَّسَلان، ومرادُه بالعين الثانية: الباصرة، والمرادُ بالحركة الأولى: ما هو مصطلَحٌ عليه في عُرف أهل العربية، وبالحركة الثانية:
стр. 3663
الاضطراب، ولم أقع له في كتابه هذا على أرشقَ من هذا اللفظ، ولا يخفى ما فيه من الحُسْن.
(﴿فَتَعَاطَى فَعَقَر﴾: فعاطها بيده): قال السفاقسي: لا أعلم له وجهًا إلا أن يكون من المقلوب الذي قدمت عينه على لامه؛ لأن العَطْوَ: التناولُ، فيكون المعنى: فتناولها بيده، وأما عَوَطَ، فلا أعلمه في كلام العرب، وأما عَيَطَ، فليس معناه موافقًا لهذا، والذي قاله بعض المفسرين: فتعاطى عَقْرَ الناقة، فعقرَها.
وقال ابن فارس: التعاطي: الجرأة، والمعنى على هذا: أنه تَجَرَّأَ فعقرَ (١).
ونقل الزركشي هذا الفصل بنصه، لم يزد عليه شيئًا؛ كعادته في الاعتماد على هذا الكتاب، والاستمدادِ منه، وما كأنه (٢) إلا مختصره.
قلت: في إدعائه أنه لا يعلم مادة عَوَطَ في كلام العرب، نظرٌ، وذلك أن الجوهريَّ ذكر المادةَ، وقال فيها: يقال: عاطَتِ الناقةُ (٣) تَعوطُ (٤)؛ يعني: إذا حُمل عليها أولَ سنة، فلم تحمل، ثم حُمل عليها (٥) السنة الثانية، فلم تحمل -أيضًا-، فهذه المادة (٦) موجودة في كلام العرب،
стр. 3664
والظن بالسفاقسي علمُ ذلك؛ فإنه كثيرُ النظر في "الصحاح"، ومعتمدٌ عليها في النقل.
فإن قلت: لكن هذا المعنى غيرُ مناسب لما نحن فيه؟
قلت: هو لم ينكر المناسبة، وإنما أنكر وجودَ المادة فيما يعلمه، و (١) الظاهر أنه سهو منه.
(كحِظارٍ من الشجر): بكسر الحاء وفتحها.
* * *
باب: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٤ - ١٥]
قَالَ قَتَادَةُ: أَبْقَى اللَّهُ سَفِينَةَ نُوحٍ حَتَّى أَدْرَكَهَا أَوَائِلُ هَذه الأُمَّةِ.
(﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾): -بالدال المهملة- أصله: "مُذْتَكِر" -بذال معجمة-؛ لأنه مُفْتَعِلٌ من الذِّكْر، فاستُثقل الخروجُ من حرفٍ مجهور، وهو الذال (٢)، إلى حرف مهموس، وهو التاء، فأُبدلت التاء (٣) دالًا مهملةً؛ لتقارب مخرجيهما، ثم أُدغمت الذال المعجمة في المهملة بعد قلب المعجمة إليها للتقارب (٤).
وقيل: جمع حِساب (١)؛ كشِهاب وشُهبان، وهو قول ابن عباس: بحساب ومنازلَ؛ [أي: يجريان في منازلهما بحساب لا يغادران ذلك] (٢).
(و (٣) قال أبو (٤) مالك: العصفُ: أولُ ما يَنبت، تسميه النَّبط هَيُّورًا): النَّبَطُ: -بفتح النون والباء الموحدة-، وهَيُّورًا: بهاء مفتوحة فمثناة تحتية مشددة مضمومة (٥) فواو فراء (٦).
(﴿الْمُنْشَآتُ﴾: ما رفع قِلْعُه من السفن): القِلْع -بكسر (٧) القاف-: شراع السفينة، قاله القاضي (٨).
وضبطه السفاقسي بكسر القاف وسكون اللام، وضبطه بعضهم بفتح اللام (٩).
(قال بعضهم: ليس الرمانُ والنخلُ بفاكهة): قال الزركشي: يريد به: أبا حنيفة.
стр. 3668
ورُدَّ عليه بأن العرب تعدُّهما فاكهة، وأن عطفَهما (١) على الفاكهة من باب عطفِ الخاصِّ على العام.
وقد رُدَّ (٢) على البخاري بأن "فاكهة" نكرة في سياق الإثبات، فلا عموم إذن.
قال الزركشي: وهذا الردُّ مرودٌ بأمرين:
أحدهما: أنه نكرة في سياق الامتنان، وهي عامة (٣).
والثاني: أنه ليس المراد بالعام والخاص هنا: المصطلَحَ عليه في الأصول، بل كلَّ ما كان الأولُ فيه شاملًا للثاني (٤).
قلت: متى اعتُبر الشُّمولُ، جاء الاستغراقُ، وهو المرادُ فيما اصطلح عليه الأصوليون، ولعل مرادَه: كل ما كان الأولُ فيه صادقًا على الثاني، سواء كان هنا استغراقٌ، أو (٥) لم يكن.
ثم (٦) هنا فائدة لا بأس بالتنبيه عليها، وهي (٧) أن الشيخ أبا حيان نقل قولين في المعطوفات إذا اجتمعت، هل كلها معطوف على الأول، أو كلُّ
стр. 3669
واحد منها (١) معطوف على ما قبله؟
فإن قلنا بالثاني، لم يكن عطفُ النخل على الرمان من باب عطف الخاصِّ على العام، بل من عطف أحدِ المتبايِنَيْن على الآخر، ومن هذه الفائدة يتجه لك المنازعةُ في قولهم: إن قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨] أن هذا من عطف الخاص على العام (٢)، وليس كذلك.
فأما إن قلنا بالقول الأول (٣)، فجبريلُ (٤) معطوف على لفظ الجلالة، وإن قلنا بالثاني، فهو معطوف على ﴿رُسُلِهِ﴾، والظاهر أن المراد بهم: الرسلُ من بني آدم؛ لعطفهم على الملائكة، فليس منه.
(وقال أبو الدرداء: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾: يغفر ذنبًا، ويكشف كَرْبًا، ويرفع قومًا، ويضع آخرين): قال غيره: يُخرج كلَّ يوم ثلاثةَ عساكرَ: عسكرٌ من الأصلاب إلى الأرحام، وآخرُ من الأرحام إلى الأرض، وآخرُ من الأرض إلى القبور، ويقبض ويبسط، لا إله إلا هو (٥).
* * *
باب: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢]
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿حُورٌ﴾: سُودُ الْحَدَقِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَقْصُورَاتٌ:
стр. 3670
مَحْبُوسَاتٌ، قُصِرَ طَرْفُهُنَّ وَأَنْفُسُهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ. ﴿قَاصِرَاتُ﴾ [الرحمن: ٥٦]: لَا يَبْغِينَ غَيْرَ أَزْوَاجِهِنَّ.
(وقال ابن عباس: الحور: السودُ الحَدَق): قال السفاقسي: يحتمل أن يريد: شدةَ بياضها، [وهذا قول الأكثرين إن الحَوَرَ شدةُ سوادِ العين في شدةِ بياضها] (١).
وقال أبو عمرو: الحَوَرُ: أن تسوَدَّ العينُ كلُّها مثلَ الظِّباءِ والبقرِ، قال: ليس (٢) في بني آدم حَوَرٌ، وإنما قيل للنساء: حورُ العين؛ لأنهن شُبِّهْن بالظباء والبقر، ويحتمل أن يريد ابن عباس هذا، وهو أشبهُ بظاهر كلامه (٣)(٤).
* * *
٢٣٧٢ - (٤٨٧٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ ابْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبَو عِمْرَانَ الْجَونِيُّ، عَنْ أَبي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ خَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ، عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا، فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ مَا يَرَوْنَ الآخَرِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُونَ".
(مجوفة): أي: واسعةُ الجَوْفِ.
قال السفاقسي: ويحتمل أن يكون أَنْظِرْني (١) بمعنى: اصبرْ عليَّ؛ كقوله:
أَبَا هِنْدٍ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْنَا ... وَأَنْظِرْنَا نُخَبِّرْكَ اليَقِينَا (٢)
(﴿كُبِتُوا﴾: أُخْزِيوا): من الخزي، وقيل: أُذِلُّوا، وقيل: هلكوا، وقيل: غِيظُوا.
стр. 3674
سُورَةُ الْحَشْرِ
﴿الْجَلَاءَ﴾ [الحشر: ٣]: مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ.
باب
٢٣٧٣ - (٤٨٨٣) - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄: سُورَةُ الْحَشْرِ، قَالَ: قلْ: سُورَةُ النَّضِيرِ.
(سورة الحشر).
(قلت لابن عباس: سورة الحشر، قال: قلْ: سورة النَّضِير): قال الزركشي: والنضيرُ قبيلة كبيرة (١) من بني إسرائيل موازية في القَدْر والمنزلة لبني قُريظة، وكان يقال للقبيلتين: الكاهنان؛ لأنهما من ولد الكاهن من (٢) هارون، وكانت أرضُهم وحصونهم قريبًا من المدينة، ولهم نخيل وأموال عظيمة، فلما رجع النبي ﷺ من أُحُد، خرج إليهم، فحاصرهم، وأجلاهم، وإنما كره ابن عباس تسميتَها بالحشر؛ لأن الحشر يوم القيامة، قال: وقال لهم النبي ﷺ يومئذ: "اخرُجوا"، فقالوا: إلى أين؟ فقال: "إلى أرض المحشر" (٣).
"ليُلقينَّ" بنون التأكيد الشديدة (١).
* * *
باب ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢]
٢٣٧٧ - (٤٨٩٢) - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂، قَالَتْ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَرَأَ عَلَيْنَا: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢]. وَنَهَانَا عَنِ النِّيَاحَةِ، فَقَبَضَتِ امْرَأةٌ يَدَهَا، فَقَالَتْ: أَسْعَدَتْنِي فُلَانَةُ، أُرِيدُ أَنْ أَجْزِيَهَا، فَمَا قَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا، فَانْطَلَقَتْ وَرَجَعَتْ، فَبَايَعَهَا.
(فقبضتِ امرأةٌ يدها، قالت: أسعدَتْني فلانةُ، أُريد أن أَجزيها، فما (٢) قال لها النبي ﷺ شيئًا)،: قال الزركشي تابعًا للسفاقسي، ومقلدًا له على عادته، يقال: أسعدتِ المرأةُ صاحبتَها (٣): إذا قامت في مَناحَةٍ، فقامت معها تراسلُها في نَوْحِها، والإسعادُ خاصُّ بهذا المعنى، والمساعدةُ عامةٌ في جميع الأمور (٤).
قلت: ظاهرُ كلام الجوهريِّ خلافُه؛ فإنه قال: والإسعادُ: الإعانة، والمساعدة: المعاونة (٥)، ووقع في "مسلم": أن أمَّ عطية قالت: إلا آلَ فلان؛
стр. 3680
فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلابدَّ لي (١) من أن أُسعدهم، فقال رسول الله ﷺ :"إلا آل فلان" (٢).
قال النووي: هذا محمول على الترخيص لأم عطية في آل فلان خاصة (٣)، فلا تَحِلُّ النياحة لغيرها، ولا لها في غيرِ آلِ فلان؛ كما هو صريحُ الحديث، وللشارع أن يخصَّ من العموم ما شاء (٤)، فحينئذ يحتمل أن يتفسر بهذه الرواية المبهمُ في قولها: "فقبضَتِ امرأةٌ يدَها" بأن يقال: هي أم عطية، فكنت عن نفسِها في هذه الرواية بفلانةَ.
قلت: ما قاله النووي من تخصيص الرخصة [بأم عطية في آل فلان مُشكلٌ، بل الظاهرُ عمومُ الرخصة] (٥) لها ولآل فلان في تلك القضية الخاصة التي يقع فيها إسعاد أم عطية، ولو كانت النياحة محرمةً على آل فلانٍ في تلك الواقعة، لم يتأتَّ الإسعاد فيها من أم عطية أصلًا، فتأمله.
واستضعف الزركشي كلامَ النووي في تخصيص أم عطية بالترخيص، قال: ولو حمل على أنها ساعدتهم بالبكاء الذي لا نياحةَ فيه (٦)، لكان أقرب (٧).
قلت: سياق الحديث يأباه؛ فإن النهي إنما تعلقَ بالنياحة، وقبضُ