"ليُلقينَّ" بنون التأكيد الشديدة (١).
* * *
باب ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢]
٢٣٧٧ - (٤٨٩٢) - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂، قَالَتْ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَرَأَ عَلَيْنَا: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢]. وَنَهَانَا عَنِ النِّيَاحَةِ، فَقَبَضَتِ امْرَأةٌ يَدَهَا، فَقَالَتْ: أَسْعَدَتْنِي فُلَانَةُ، أُرِيدُ أَنْ أَجْزِيَهَا، فَمَا قَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا، فَانْطَلَقَتْ وَرَجَعَتْ، فَبَايَعَهَا.
(فقبضتِ امرأةٌ يدها، قالت: أسعدَتْني فلانةُ، أُريد أن أَجزيها، فما (٢) قال لها النبي ﷺ شيئًا)،: قال الزركشي تابعًا للسفاقسي، ومقلدًا له على عادته، يقال: أسعدتِ المرأةُ صاحبتَها (٣): إذا قامت في مَناحَةٍ، فقامت معها تراسلُها في نَوْحِها، والإسعادُ خاصُّ بهذا المعنى، والمساعدةُ عامةٌ في جميع الأمور (٤).
قلت: ظاهرُ كلام الجوهريِّ خلافُه؛ فإنه قال: والإسعادُ: الإعانة، والمساعدة: المعاونة (٥)، ووقع في "مسلم": أن أمَّ عطية قالت: إلا آلَ فلان؛
стр. 3680
فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلابدَّ لي (١) من أن أُسعدهم، فقال رسول الله ﷺ :"إلا آل فلان" (٢).
قال النووي: هذا محمول على الترخيص لأم عطية في آل فلان خاصة (٣)، فلا تَحِلُّ النياحة لغيرها، ولا لها في غيرِ آلِ فلان؛ كما هو صريحُ الحديث، وللشارع أن يخصَّ من العموم ما شاء (٤)، فحينئذ يحتمل أن يتفسر بهذه الرواية المبهمُ في قولها: "فقبضَتِ امرأةٌ يدَها" بأن يقال: هي أم عطية، فكنت عن نفسِها في هذه الرواية بفلانةَ.
قلت: ما قاله النووي من تخصيص الرخصة [بأم عطية في آل فلان مُشكلٌ، بل الظاهرُ عمومُ الرخصة] (٥) لها ولآل فلان في تلك القضية الخاصة التي يقع فيها إسعاد أم عطية، ولو كانت النياحة محرمةً على آل فلانٍ في تلك الواقعة، لم يتأتَّ الإسعاد فيها من أم عطية أصلًا، فتأمله.
واستضعف الزركشي كلامَ النووي في تخصيص أم عطية بالترخيص، قال: ولو حمل على أنها ساعدتهم بالبكاء الذي لا نياحةَ فيه (٦)، لكان أقرب (٧).
قلت: سياق الحديث يأباه؛ فإن النهي إنما تعلقَ بالنياحة، وقبضُ
стр. 3681
يدها، أو قولُها إلا آلَ فلان، يقتضي أن مرادَها الإسعادُ (١) بالنياحة، ولو كان المرادُ البكاءَ المجرد الذي لا نياحةَ فيه، لم يكن لقبضِ يدها عندَ النهي عن النياحة معنى، وكذا لقولها: إلا آل فلان، فتأمله.
стр. 3682
سُورَةُ الصَّفِّ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤]: مَنْ يَتَّبِعُنِي إِلَى اللَّهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]: مُلْصَقٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: بِالرَّصَاصِ.
(سورة الصف).
(وقال ابن عباس: ﴿مَرْصُوصٌ﴾: مُلْصَق بعضُه ببعض، وقال يحيى: بالرصاص): المراد بيحيى: الفَرَّاءُ صاحبُ كتاب "معاني القرآن".
وفي بعض النسخ: قيل، أو قال بعضهم.
"والرصاص" بفتح الراء، وذكر القاضي في "التنبيهات (١) " الكسر (٢).
والآية التي أشير إلى تفسيرها هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]. قال الزمخشري: حالان متداخلتان (٣).
وقال صاحب "الانتصاف": يريد أن معنى الأولى مشتملٌ على الثانية؛ فإن هيئة التراصِّ غيرُ هيئة الاصطفاف، وهذا منتقَد؛ لأن النحاة لا يريدون بالتداخل هذا، وإنما مرادهم أن الحال الثانية وقعت جزءًا من الحال الأولى؛ لأن معنى "صفًا": مصطفين، وفيه ضمير، وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ﴾
стр. 3683
حال من الضمير المذكور، فالحال الثانية داخلة في الأولى، وهو كقوله تعالى: ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٢ - ٣].
قال فيه الزمخشري: إنهما حالان متداخلتان على أحد الوجهين بناء على أن ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ حالٌ من ضمير "يلعبون" (١).
стр. 3684
سُورَةُ الجُمُعَةِ
باب: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣]
٢٣٧٨ - (٤٨٩٧) - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ أَبي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: كنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْجُمُعَةِ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣]. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَلَمْ يُرَاجِعْهُ حَتَّى سَأَلَ ثَلَاثًا، وَفِينَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ، ثُمَّ قَالَ: "لَوْ كَانَ الإيمَان عِنْدَ الثُّريَا، لَنَالَهُ رِجَالٌ، أَوْ رَجُلٌ، مِنْ هَؤُلَاءِ".
(سورة الجمعة).
(﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾): قيل: إن الآخرين هم التابعون (١)، وقيل: العجم، وقيل: أبناؤهم، وقيل: جميعُ من أسلم إلى يوم القيامة.
قال القرطبي: أحسنُ ما قيل فيهم: أنهم أبناء فارس (٢)؛ بدليل هذا الحديث: "لنالَهُ رجالٌ من هَؤُلاء، ووضعَ يدَه على سلمان"، وقد ظهر ذلك للعيان؛ فإنه ظهر فيهم الدين، وكثر فيهم، وكان وجودُهم كذلك دليلًا من أدلة صدقه ﷺ (٣).
(عند الثريَّا): هي النجم المعروف، وهي مؤنثة مقصورة تكتب
стр. 3685
بالألف؛ لمكان الياء التي في آخره.
قال الجوهري: والثريا: اسم امرأة من أمية الصغرى، شَبَّبَ بها عُمر (١) بنُ أبي ربيعةَ (٢).
قلت: ومن محاسن شعره فيها لما تزوجَتْ بسهيلٍ اليماني قولُه:
أَيُّهُا المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ... عَمْرَكَ اللهَ كَيْفَ يَلْتَقِيَانِ
هِيَ شَامِيَّةٌ إِذَا مَا اسْتَقَلَّتْ ... وَسُهَيْلٌ إِذَا اسْتَقَلَّ يَمَانِ
فأوهم السامعَ أنه يريد النجمين، ويقول (٣): كيف يجتمعان، والثريا من منازل القمر، وسهيلٌ من النجوم اليمانية؟ ومرادُه: الثريا التي كانت يتغزل فيها، وزوجها سهيل اليماني، ولبعد ما بين المنازل الشامية والتخوم اليمانية تأتَّى له الإنكارُ على مَنْ فعل ذلك بألطفِ وجه، وهذا من أحسن توريةٍ سُمعت لمتقدمٍ.
стр. 3686
سورة الْمُنَافِقِينَ
باب: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١]
٢٣٧٩ - (٤٩٠٠) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبي إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: كُنْتُ فِي غَزَاةٍ، فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ يَقُولُ: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ، وَلَوْ رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِهِ، لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي أَوْ لِعُمَرَ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَدَعَانِي، فَحَدَّثْتُهُ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ وَأَصْحَابِهِ، فَحَلَفُوا مَا قَالُوا، فَكَذَّبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَصدَّقَهُ، فَأَصَابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ، فَجَلَسْتُ فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ لِي عَمِّي: مَا أَرَدْتَ إِلَى أَنْ كَذَّبَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَقَتَكَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون:١]، فَبَعَثَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَرَأَ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ يَا زَيْدُ".
(سورة المنافقين).
(كنت في غَزاة): هي غزوة المُرَيْسيع.
وقال ابن العربي: إنها كانت غزوةَ تبوك، وانتُقِد بأن المسلمين كانوا في تبوكَ أعزاء، والمنافقين أذلة.
وأيضًا: فمنهم من قال: إن ابن أُبيّ لم يُشاهدها، إنما كان في الخوالف (١).
стр. 3687
(فذكرت ذلك لعمي): قيل: هو ثابتُ بنُ قيسِ بنِ زيد (١)، وهو أخو أرقمَ بنِ زيدٍ.
قال الحافظ مغلطاي: وفي "الطبراني": قال زيد: لما سمعتُ ابنَ أُبيٍّ يقولُ ما قال، أتيتُ سعدَ بنَ عُبادةَ، فأخبرتُه، فأتى رسولَ الله ﷺ ، فأخبره (٢)، فيحتمل أنه أراد بعمه هذا، لأنه شيخ من شيوخ قبيلته الخزرج، ويحتمل أنه أراد عمَّه زوجَ أمه (٣) ابنَ رواحةَ (٤).
(فذكره للنبي ﷺ ، فدعاني فحدثته): قال ابن العربي: فيه أنه يجوز تبليغ (٥) ما لا يجوز للمقول فيه، وليس من النميمة؛ لما فيه من المنفعة، وكشفِ الغطاء عن السرائر الخبيثة (٦).
وأما قول زيد بن أرقم: فسمعتُ عبدَ الله بنَ أُبي ابنَ سلولَ يقول (٧): لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، فهذه الزيادةُ الواقعة فيه، وهي قوله: "من حوله" موجودة في قراءة ابن مسعود، ولم تثبت في شيء من المصاحفِ المتفقِ عليها، ويمكن أن يكون ابن مسعود أدخلَها على جهة التفسيرِ وزيادةِ البيان؛ كما فعل في حروف كثيرة وقعت في مصحفه (٨).
لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] على أن الكذب هو عدمُ مطابقةِ الخبرِ [لاعتقادِ (١) المخبِر، ولو كان خطأ؛ فإنه تعالى جعلهم كاذبين في قولهم: إنك لرسول الله؛ لعدم مطابقته] (٢) لاعتقادهم، وإن كان مطابقًا للواقع.
ورُدَّ هذا الاستدلالُ بثلاثة أمور:
[أحدُها: أن المعنى: لكاذبون في الشهادة، وفي ادعائهم المواطأة، فالتكذيبُ راجع إلى الشهادة] (٣) باعتبار تضمُّنِها خبرًا كاذبًا غيرَ مطابق للواقع، وهو أن هذه الشهادة من صميم (٤) القلب، وخلوصِ الاعتقاد؛ [بشهادة إن والجملة الاسمية.
الثاني: أن المعنى: إنهم لكاذبون في تسمية هذا الخبر شهادةً؛ لأن الشهادة ما يكون على وَفْق الاعتقاد.
والثالث: أن] (٥) المعنى (٦): إنهم لكاذبون في قولهم: إنك لرسولُ الله، لكن لا في الواقع، بل في زعمِهم الفاسد، واعتقادِهم الباطل؛ لأنهم يعتقدون أنه (٧) غيرُ مطابق للواقع، فيكون كاذبًا باعتبار اعتقادهم، وإن كان صادقًا في نفس الأمر، فكأنه قيل: إنهم يزعمون أنهم كاذبون في
سِنانُ بنُ وبر، ويقال (١): ابنُ وبرةَ الجُهَنِيُّ.
(يا لَلأنصار!): -بفتح اللام-، وهي لام الاستغاثة، وكذا: يا لَلْمهاجرين!
(دعوها): أي: دعوا هذه الدعوى التي هي دعوى الجاهلية.
(فإنها مُنتِنة): -بضم الميم (٢) وكسر المثناة الفوقية-، ويجوز في اللغة كسر الميم إتباعًا.
(لا يتحدَّثُ (٣) الناس أن محمدًا يقتل أصحابه): أدخله في الأصحاب باعتبار الظاهر، وإلا، فالصحابيُّ لابدَّ من كونه مسلمًا، والإسلامُ والنفاقُ لا يجتمعان، وهذا كان في المنافقين، بل من رؤوسهم، فليس بمسلم، فليس بصحابي، لكن اعتبر ظاهرُ أمره؛ لتلفظه بالشهادتين كما قدمناه.
стр. 3692
سُورَةُ التَّغَابُنِ
وَقَالَ عَلْقَمَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]: هُوَ الَّذِي إِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ رَضِيَ، وَعَرَفَ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ.
* * *
سُورَةُ الطَّلاقِ
وقال مُجاهِدٌ: ﴿وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ [التغابن: ٥]: جَزاءَ أمْرِها.
(سورة التغابن والطلاق).
(﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾: هو الذي إذا أصابته مصيبة، رضي، وعرف أنها من عند (١) الله): فالمعنى على هذا: يهدِ قلبَه إلى التسليم لأمر الله إذا أُصيب، وزاد غيره: وإلى الشكر إذا أنعم عليه، وإلى الغفران إذا ظُلم (٢).
وقيل: يهد قلبه إلى الاسترجاع، يريد: إذا أُصيب بمصيبة.
وقال ابن عباس: يهدِ قلبَه لليقين (٣)، فيعلم (٤) أن ما أصابه لم يكن
نون وياء بعدها-؛ أي: أَسْكَتَني، ويقال: ضَمَزَ: سَكَتَ، وضَمَّزَ غَيْرَه؛ أي: أَسْكَتَهُ (١).
(ففطَنت): -بفتح الطاء-؛ أي: فهمْتُ مرادَه.
(لكنَّ عمَّه لم يقلْ ذلك): يعني: ابن مسعود، وهذا اختلاف من قوله.
(لَنَزَلت (٢) سورةُ النساء): قال الزركشي: اللامُ جوابُ قَسَمٍ محذوف؛ أي: واللهِ لنزلَتْ (٣).
قلت: هذا مذهبُ الجمهور في الماضي المتصرف المجرد من قد، وذهب الكسائي وهشام إلى أنها لام الابتداء على إضمار قد، ويظهر (٤) أثر الاختلاف في مثل: علمت أن زيدًا لقام (٥)، فالجمهور يفتحون همزة أن، وعندهما يجب الكسر.
(القُصرى بعد الطُّولى): القُصرى: صفة لـ: "سورةٌ" من قوله: سورة النساء، ويريد بها: سورة الطلاق، ويريد بالطُّولى: سورة البقرة، وقد تقدم
стр. 3697
أنه جعل ذلك نسخًا، وأن الجمهور يرونه تخصيصًا، وخصصوا الآيةَ بحديث سُبيعة.
стр. 3698
سورة التَّحْرِيمِ
٢٣٨٥ - (٤٩١١) - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ فِي الْحَرَامِ: يُكَفِّرُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
(سورة: لِمَ تُحَرِّمُ).
(أن ابن عباس قال في الحرام (١): يُكَفِّرُ): وقال أبو حنيفة والشافعي ﵄: إنه يُكَفِّر كفارةَ يمين فيما عدا الزوجة، واستدلا (٢) بقوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ثم جعل ذلك يمينًا بقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢].
واحتج القاضي عبد الوهاب المالكي بقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، وبقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ [يونس: ٥٩]، فتوعَّدَ على فعل ذلك، ومنعَ منه، فدلَّ على أنه لا يتعلق به تكفير (٣)(٤).
* * *
٢٣٨٦ - (٤٩١٢) - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ، يَرْقَى عَلَيْهَا بِعَجَلَةٍ، وَغُلَامٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْوَدُ عَلَى رَأْسِ الدَّرَجَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: قُلْ: هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَأَذِنَ لِي، قَالَ عُمَرُ: فَقَصَصْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هذَا الْحَدِيثَ، فَلَمَّا بَلَغْتُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ، تَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، وِإن عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَصْبُوبًا، وَعِنْدَ رَأْسِهِ أَهَبٌ مُعَلَّقَةٌ، فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِهِ، فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: "مَا يُبْكِيكَ؟ "، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ كسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ! فَقَالَ: "أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا، وَلَنَا الآخِرَةُ؟ ".
(حتى يظل يومه غضبانًا): قال الزركشي: كذا، و (١) صوابه: "غضبان" (٢).
قلت: يريد بمنع الصرف بناء على أن مؤنثه غَضْبى، فقد تحقق شرطُ منع الألف والنون الزائدة في الوصف، وهو وجود فَعْلَى، فيجب منعُ الصرف.
لكن حكى الزركشي وغيره: أن بني أسد يقولون في مؤنث غضبان: غضبانة، فلعله اعتبر هذه اللغة في الحديث، فصرف.
(لا يغرنَّكِ هذه التي أعجبها حسنُها حُبُّ رسولِ الله ﷺ إياها): حكى الزركشي عن أبي القاسم بن الأبرش: أنه قال: حُبُّ رسولِ الله ﷺ معطوفٌ على "حسنُها" بغير واو؛ كقولهم: أكلتُ (٣) تمرًا زبيبًا أَقِطًا،
стр. 3702
وحذفُ حرف العطف جائز، ويؤيده روايةُ مسلم له بالواو (١).
قلت: حذفُ (٢) حرفِ العطف بابُه الشعر، نصَّ عليه ابنُ هشام في "المغني" (٣)، وما استشهدوا به من النثر (٤) محتمِلٌ للتأويل.
وقال السهيلي في "نتائج الفكر": بلغني عن بعض مشايخنا الجلة: أنه جعله من باب حذف حرف (٥) العطف؛ أي: وحُبُّ رسولِ الله ﷺ ، وبلغ الاستحسان بالسامعين لذلك إلى أن علقوه في الحواشي من كتاب الصحيح، وليس كذلك، ولكنه مرتفع على البدل من الفاعل الذي في أول الكلام، وهو "لا يغرنك هذه"، فهذه فاعل، و"التي" نعتٌ بصلتِه، و"حُبُّ" بدل اشتمال؛ كما تقول: أعجبني يومُ الجمعة صومٌ فيه، وسرني زيدٌ حُبُّ الناسِ له.
قلت: ولو جعل "حُبُّ رسول الله" من بدل الإضراب، والمبدَل منه "حسنُها"، لكان وجهًا.
هذا كلُّه على رفع "حُبُّ"، وهو الذي حكاه القاضي عن النحاة، قال: وضبطه بعضهم بالنصب على إسقاط الخافض (٦).
قلت (٧): يريد أنه مفعول لأجله، والأصل: لحبِّ رسولِ الله، ثم
стр. 3703
حذفت اللام، فانتصب (١) على أنه مفعول له، ولا نزاعَ في جوازه.
(اعتزل رسول الله ﷺ ): هذا خلاف الرواية التي سبقت له في كتاب: العلم، وغيره: "طلق رسول الله ﷺ نساءه" (٢)، والمذكور هنا هو الصواب، وأما الأول، فيحمل على (٣) المجاز؛ أي: فعلَ فِعْلَ (٤) المطلِّقِ من الاجتنابِ والاعتزال، لا على أن الطلاق وقع؛ لأن هذا خلافُ الواقع، وفي هذه الرواية ما يشير إلى أن إخباره أولًا بالطلاق إنما هو على جهة المجاز.
(وإنَّ عند رجليه قَرَظًا مصبورًا (٥)): القَرَظُ -بفتح القاف والراء وبالظاء المعجمة-: وَرَقُ السَّلَم يُدبغ به الأَدَمُ، والمصبور: المجموع، مأخوذٌ من الصُّبْرَة، وهي الكَوْمُ من الطعام (٦).
(وعند رأسه أُهُبٌ): -بضم الهمزة والهاء، جمع إهاب-، وحكى السفاقسي فتحَها أيضًا، والإهابُ: الجلدُ مطلقًا، سواء دُبغ، أو لم يُدبغ، وقيل: هو الجلدُ قبل أن يُدبغ (٧).
стр. 3704
باب: قوله: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]
صَغَوْتُ وَأَصْغَيْتُ: مِلْتُ. ﴿وَلِتَصْغَى﴾ [الأنعام: ١١٣]: لِتَمِيلَ.
﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]: عَوْنٌ، تَظَاهَرُونَ: تَعَاوَنُونَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾ [التحريم: ٦]: أَوْصُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّه، وَأَدِّبُوهُمْ.
(وقال مجاهد: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: أوقفوا أهليكم بتقوى الله): قيل: صوابه "أَوْصوا"؛ من الوصية، كذا حكاه عنه ابن النحاس، وقيل: مراده: أوقفوهم عن المعصية، وعن النار.
قال الزركشي: وعلى هذا، فصوابه: قفوا؛ لأن وقف ثلاثي (١).
قلت: وقع في "الصحاح" ما نصه: وحكى أبو عبيد في "المصنف" عن الأصمعي، واليزيدي: أنهما ذكرا عن أبي عمرِو (٢) بنِ العلاء: أنه قال: لو مررتَ برجل واقف، فقلتَ: ما أوقفك هاهنا؟ [لرأيته حسنًا، وحكى ابن السِّكِّيتِ: ما أوقفك هاهنا؟] (٣)، انتهى (٤).
"وأوقفوا": هكذا بالهمزة والقاف والفاء، هي رواية ابن السكن، والقابسي.
стр. 3705
وعند الأصيلي: "أَوْثِقوا" بثاء مثلثة بدل القاف.
قال القاضي: وصوابُه: قُوا أنفسكم، وَقُوا أهليكم (١)(٢).
* * *
باب: قوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥]
(﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] , الآية): قال الزمخشري: وأُخليتْ صفاتُ النسوة من العاطف، وأُدخلت في ﴿وَأَبْكَارًا﴾؛ لأنهما (٣) صفتان متعاقبتان لا يمكن اجتماعُهما (٤).
وذكر ابن الحاجب أن القاضيَ الفاضلَ عبدَ الرحيمِ البيسانيَّ (٥) كاتبَ السلطان صلاحِ الدينِ يوسفَ بنِ أيوبَ كان يعتقد أن الواو في الآية واو الثمانية، وكان يتبجَّح (٦) باستخراجها زائدة على المواضع الثلاثة:
١ - أحدها: في التوبة: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢].
٢ - الثاني: في الكهف: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢].
٣ - الثالث: في الزمر: في قوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣].
стр. 3706
قال: فذكر ذلك الفاضلُ يومًا مستحسِنًا له بحضرة أبي الجود النحويِّ المقرئ، فبين له أنه (١) واهم في عدِّها من هذا القسم، وذكر له نحوَ ما ذكره الزمخشري من دعاء الضرورة إليها، واستحالة المعنى بعدمها: واو الثمانية لا تُزاد إلا حيثُ لا (٢) حاجة إليها إلا الإشعارُ بتمام عدد السبعة، فقال له الفاضل: أرشدتَنا يا أبا الجود.
قال ابن هشام: ثم إن (٣) ﴿أَبْكَارًا﴾ صفة تاسعة، لا ثامنة؛ إذ أولُ الصفات: ﴿خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ لا ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾.
فإن أجاب: بأن مسلمات وما بعده تفصيل للصفات السابقة (٤) لخيرًا منكن، فلهذا لم تعد قسيمة لها.
قلنا: وكذلك ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ تفصيلٌ للصفات السابقة، فلا تعدَّهما معها (٥).
стр. 3707
سورة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾
التَّفَاوُتُ: الاِخْتِلَافُ، وَالتَّفَاوُتُ وَالتَّفَوُّتُ وَاحِدٌ. ﴿تَمَيَّزُ﴾ [الملك: ٨]: تَقَطَّعُ. ﴿مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: ١٥]: جَوَانِبِهَا. ﴿تَدَّعُونَ﴾ [الملك: ٢٧]، وَتَدْعُونَ، مِثْلُ: تَذَّكَّرُونَ وَتَذْكُرُونَ. ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩]: يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿صَافَّاتٍ﴾ [الملك: ١٩]: بَسْطُ أَجْنِحَتِهِنَّ. ﴿وَنُفُورٍ﴾ [الملك: ٢١]: الْكُفُورُ.
(سورة الملك).
(وتَفور: الكُفور): قال القاضي: كذا لجميعهم، وعند الأصيلي: "و ﴿تَفُورُ﴾: تفور (١) كقدر"، وهو الأولى، وما عداه تصحيف (٢).
قلت (٣): لا أدري وجهَ هذا التصحيف (٤)، وتفسيرُ النُّفور من قوله: ﴿فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك: ٢١] بالكُفور صحيحٌ ظاهرُ المعنى، فما هذا الذي يقوله؟!
стр. 3708
سورةُ ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿حَرْدٍ﴾ [القلم: ٢٥]: جِدٍّ فِي أَنْفُسِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَضَالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦]: أَضْلَلْنَا مَكَانَ جَنَّتِنَا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم: ٢٠]: كَالصُّبْح انْصَرَمَ مِنَ اللَّيلِ، وَاللَّيْلِ انْصَرَمَ مِنَ النَّهَارِ، وَهْوَ أَيْضًا: كُلُّ رَمْلَةٍ انْصَرَمَتْ مِنْ مُعْظَم الرَّمْلِ، وَالصَّرِيمُ أَيْضًا: الْمَصْرُومُ، مِثْلُ: قَتِيلٍ وَمَقْتُولٍ.
(سورة ن والقلم).
(على (١) جِدٍّ في أنفسهم): -بكسر الجيم- من "جِدٍّ"، وهو الاجتهادُ والمبالغة في الأمر.
قال السفاقسي: وضُبط بالفتح (٢).
(أضللنا مكانَ جَنَّتِنا): قال الحافظ الدمياطي: صوابه: "ضَلَلْنا"، تقول: ضَلَلْتُ الشيءَ: إذا جعلتَه في مكان، ولم تدرِ أين هو، وأَضْلَلْتُهُ: إذا ضَيَّعْتَه، وإذا وجدتَه (٣) ضالًا -أيضًا-، وإذا حملته على الضلال، وأدخلته فيه أيضًا (٤).
стр. 3709
باب: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣]
٢٣٨٨ - (٤٩١٧) - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبي حَصِينٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣]، قَالَ: رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، لَهُ زَنَمَةٌ مِثْلُ زَنَمَةِ الشَّاةِ.
(﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾): العُتُلُّ: الغليظُ العنيفُ.
(قال: رجلٌ من قريش له زَنَمَة كزنمةِ الشاةِ): قيل: هو الوليدُ بنُ المغيرةِ المخزوميُّ، كانت له ستةُ أصابعَ، في كل يد أصبع زائدةٌ.
وقيل: إنه الأَخْنَسُ بنُ شَريقٍ، قاله السدي.
وقيل: إنه الأسود بن عبد يغوث والدُ عبدِ الرحمنِ بنِ الأسود، قاله مجاهد.
وفي "تفسير البغوي" في قوله: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ﴾ [القلم: ١٠]؛ أي: كثيرَ الحَلِفِ بالباطل، قال مقاتل: يعني: الوليدَ بنَ المغيرة، وقيل: الأسودَ ابنَ عبدِ يغوث، وقال عطاء: الأخنسَ (١) بنَ شَريق (٢).
* * *
باب: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]
٢٣٨٩ - (٤٩١٩) - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ زيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي
стр. 3710
سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُل مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِئَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ، فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا".
(يكشف ربنا عن ساقه): من أهل السنة المؤولين لأحاديث الصفات مَنْ قال: يحتمل أن يكون المراد: التجلِّيَ لهم، وكشفَ الحجب، حتى إذا رأوه، سجدوا، وطريقةُ السلف: التسليمُ، وتركُ الخوض، مع التنزيه عن سمات الحدوث، وهي أولى وأسلم (١)؛ كما قدمناه.
(فيعود ظهره طبقًا واحدًا): الطَّبَقُ: فَقارُ (٢) الظهر، واحدتها طبقة، يريد: صار فَقارُه كأنه الفَقارةُ الواحدة، فلا ينثني للسجود.
قال الزركشي: وفي رواية خارج الصحيح: "كَأَنَّ فِي ظُهُورِهِمُ السَّفافِيد" (٣).
(ونسرًا أسماء (١) رجال صالحين): قيل: ولعل قوله: "ونسرًا" مُغَيَّر (٢) عما كان في الأصل، [وكأَنَّ الذي كان في الأصل] (٣) -فيما أرى-: وهي: "أسماءُ رجالٍ صالحين"، [ولو كانت صحيحة غير مغيرة، لم يكن له بدٌّ من إعادة بقية الأسماء الأربعة، وهي: وَدٌّ، وسواعٌ، ويغوثُ ويعوق (٤).
والحاصل قولان: فقيل: كانت الأصنام في قوم نوح، وقيل: إنها أسماء رجال صالحين] (٥) ماتوا، فحزن عليهمِ قومهم، فجاءهم الشيطان، فقال لهم: صَوِّروا على صُوَرهم أمثلةً تنفرِجون بالنظر إليها، ففعلوا، فلما ماتوا، قال (٦) لأبنائهم: إن آباءكم كانوا يعبدون هذه الأصنام، فعبدوها (٧).
سُورَةُ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾
يُقَالُ: مَعْنَاهُ: أتى عَلَى الإنْسَانِ، وَهَلْ: تَكُونُ جَحْدًا، وَتَكُونُ خَبَرًا، وَهَذَا مِنَ الْخَبَرِ، يَقُولُ: كَانَ شَيْئًا، فَلَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا، وَذَلِكَ مِنْ حِينِ خَلَقَهُ مِنْ طِينٍ إِلَى أَنْ يُنْفَخ فِيهِ الرُّوحُ.
(سورة ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾).
(و"هل" تكونُ جحدًا): يعني: أنها يُراد بالاستفهام بها: النفيُ (١)، ولذلك دخلت على الخبر بعدها "إلا" في نحو: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠].
(و"هل"، تكون خبرًا، وهذا من الخبر): يريد أنها تكون حيثُ لا استفهامَ أَلبتة، فتدخل في كلام خبري، وغرضُه أنها تكون بمنزلة "قد".
قال سيبويه في باب: بيان "أَمْ" لِم دخلت على (٢) حروف الاستفهام، ولم تدخل على الألف، ما نصه: نقول: أم من (٣) تقول، أم هل تقول، ولا تقول: أم أَتقول، وذلك لأن "أم" بمنزلة الألف، وليست "أي"، و"من"، و"ما (٤) "، و"متى" بمنزلة الألف، إنما (٥) هي أسماء بمنزلة هذا، وذلك، إلا أنهم تركوا ألف الاستفهام؛ إذ (٦) كان هذا النحو من الكلام لا يقع
стр. 3715
إلا في المسألة، فلما علموا أنه لا يكون إلا كذلك، استغنوا عن الألف، فكذلك "هل" إنما تكون بمنزلة "قد"، لكنهم تركوا الألف؛ إذ كانت لا تقع إلا في الاستفهام (١).
ووقع -أيضًا- في كتاب سيبويه في بعض أبواب الاشتغال، في باب: ما يُختار فيه النصب، وليس قبله (٢) منصوبٌ بُني على الفعل، وهو باب (٣) الاستفهام، ما نصه: وأما الألف، فتقديم الاسم فيها قبل الفعل جائز كما جاز ذلك في هذا؛ لأنها حرف الاستفهام الذي لا يزول (٤) إلى غيره، وليس للاستفهام في الأصل غيرُه، وإنما تركوا الألف في "من"، و"متى"، و"هل"، ونحوِهِنَّ حيث أَمِنوا الالتباسَ، ألا ترى أنك تُدخلها على "من" إذا تمت بصِلَتِها؛ كقول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠].
وتقول: أم هل، فإنما هي بمنزلة "قد"، ولكنهم تركوا الألف استغناءً؛ إذ (٥) كان هذا الكلام لا يقع إلا في الاستفهام (٦).
فقد صرح سيبويه [بأن "هل" بمنزلة "قد"، بل أتى بإنما المفيدة للحصر.