(ونسرًا أسماء (١) رجال صالحين): قيل: ولعل قوله: "ونسرًا" مُغَيَّر (٢) عما كان في الأصل، [وكأَنَّ الذي كان في الأصل] (٣) -فيما أرى-: وهي: "أسماءُ رجالٍ صالحين"، [ولو كانت صحيحة غير مغيرة، لم يكن له بدٌّ من إعادة بقية الأسماء الأربعة، وهي: وَدٌّ، وسواعٌ، ويغوثُ ويعوق (٤).
والحاصل قولان: فقيل: كانت الأصنام في قوم نوح، وقيل: إنها أسماء رجال صالحين] (٥) ماتوا، فحزن عليهمِ قومهم، فجاءهم الشيطان، فقال لهم: صَوِّروا على صُوَرهم أمثلةً تنفرِجون بالنظر إليها، ففعلوا، فلما ماتوا، قال (٦) لأبنائهم: إن آباءكم كانوا يعبدون هذه الأصنام، فعبدوها (٧).
سُورَةُ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾
يُقَالُ: مَعْنَاهُ: أتى عَلَى الإنْسَانِ، وَهَلْ: تَكُونُ جَحْدًا، وَتَكُونُ خَبَرًا، وَهَذَا مِنَ الْخَبَرِ، يَقُولُ: كَانَ شَيْئًا، فَلَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا، وَذَلِكَ مِنْ حِينِ خَلَقَهُ مِنْ طِينٍ إِلَى أَنْ يُنْفَخ فِيهِ الرُّوحُ.
(سورة ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾).
(و"هل" تكونُ جحدًا): يعني: أنها يُراد بالاستفهام بها: النفيُ (١)، ولذلك دخلت على الخبر بعدها "إلا" في نحو: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠].
(و"هل"، تكون خبرًا، وهذا من الخبر): يريد أنها تكون حيثُ لا استفهامَ أَلبتة، فتدخل في كلام خبري، وغرضُه أنها تكون بمنزلة "قد".
قال سيبويه في باب: بيان "أَمْ" لِم دخلت على (٢) حروف الاستفهام، ولم تدخل على الألف، ما نصه: نقول: أم من (٣) تقول، أم هل تقول، ولا تقول: أم أَتقول، وذلك لأن "أم" بمنزلة الألف، وليست "أي"، و"من"، و"ما (٤) "، و"متى" بمنزلة الألف، إنما (٥) هي أسماء بمنزلة هذا، وذلك، إلا أنهم تركوا ألف الاستفهام؛ إذ (٦) كان هذا النحو من الكلام لا يقع
стр. 3715
إلا في المسألة، فلما علموا أنه لا يكون إلا كذلك، استغنوا عن الألف، فكذلك "هل" إنما تكون بمنزلة "قد"، لكنهم تركوا الألف؛ إذ كانت لا تقع إلا في الاستفهام (١).
ووقع -أيضًا- في كتاب سيبويه في بعض أبواب الاشتغال، في باب: ما يُختار فيه النصب، وليس قبله (٢) منصوبٌ بُني على الفعل، وهو باب (٣) الاستفهام، ما نصه: وأما الألف، فتقديم الاسم فيها قبل الفعل جائز كما جاز ذلك في هذا؛ لأنها حرف الاستفهام الذي لا يزول (٤) إلى غيره، وليس للاستفهام في الأصل غيرُه، وإنما تركوا الألف في "من"، و"متى"، و"هل"، ونحوِهِنَّ حيث أَمِنوا الالتباسَ، ألا ترى أنك تُدخلها على "من" إذا تمت بصِلَتِها؛ كقول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠].
وتقول: أم هل، فإنما هي بمنزلة "قد"، ولكنهم تركوا الألف استغناءً؛ إذ (٥) كان هذا الكلام لا يقع إلا في الاستفهام (٦).
فقد صرح سيبويه [بأن "هل" بمنزلة "قد"، بل أتى بإنما المفيدة للحصر.
стр. 3716
وإنكارُ ابنِ هشام أن يكون سيبويه] (١) قالَ ذلك قصورٌ، وقد أوضحناه في "حاشية المغني".
وقول البخاري: وهذا من الخبر؛ يعني: أنها من قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١] بمعنى "قد"، وأن (٢) الكلام خبرٌ (٣) عار عن الاستفهام، وبذلك فسره جماعة، منهم ابنُ عباس ﵁، والكسائيُّ، والفَرَّاءُ، والمبرِّدُ.
قال في "المقتضب": "هل" للاستفهام؛ نحو: هل جاء زيد؟ ويكون بمنزلة "قد"؛ نحو قوله -جل اسمه-: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (٤).
قال ابن هشام: ولعل ابن عباس إنما أراد: الاستفهامُ في (٥) الآية للتقرُّر، وليس باستفهام حقيقي، وقد صرح بذلك جماعةٌ من المفسرين، قال بعضهم: "هل" هنا للاستفهام التقريري، والمقرَّرُ به (٦) مَنْ أنكرَ البعث، وقد علم أنهم يقولون: نعم قد مضى دهرٌ طويل لا إنسانَ (٧) فيه، فيقال لهم: فالذي (٨) أحدثَ الناسَ بعدَ أن لم يكونوا كيف يمتنعُ عليه إحياؤهم بعدَ
стр. 3717
موتهم، وهو معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢]، فيعلمون أنه من أنشأ شيئًا بعدَ أن لم يكن قادرٌ على إعادته بعدَ عدمِه (١).
стр. 3718
سُورَةُ وَالْمُرْسَلَاتِ
باب: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣]
٢٣٩١ - (٩٣٣٤) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِي، حَدَّثَنَا يَحْيىَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾ [المرسلات: ٣٢]: كُنَّا نَعْمِدُ إِلَى الْخَشَبَةِ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ وَفَوْقَ ذَلِكَ، فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتَاءِ، فَنُسَمِّيهِ: الْقَصَرَ. ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣]: حِبَالُ السُّفْنِ تُجْمَعُ حَتَّى تَكُونَ كَأَوْسَاطِ الرِّجَالِ.
(سورة والمرسلات).
(سمعت ابن عباس: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢]:كنا نَعْمِد إلى الخشب. . . . إلى آخره): ثبت القصر هنا بإثبات الصاد، وإنما هو بفتحها، كذا قيده صاحب "النهاية" وغيره، فإنها قراءة مشهورة عن ابن عباس، فكأنه فسر قراءته، وهو جمع قَصَرَة -بالفتح-، وهي أعناقُ الإبلِ والنخلِ وأصولِ الشجر (١).
قال ابن قتيبة: القَصْر: البناء، ومن فتحَ الصاد، أراد: أُصولَ النخلِ المقطوعةِ (٢).
سَمِعْتُ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى يُحَدِّثُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَهْوَ حَافِطٌ لَهُ، مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ، وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهْوَ يَتَعَاهَدُهُ، وَهْوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ، فَلَهُ أَجْرَانِ".
(مَثَل الذي يقرأ القرَان): بفتح الميم والثاء (١).
قال الزمخشري: والمَثَلُ في أصل كلامهم بمعنى المِثْلُ، وهو النظير، يقال: مَثَلٌ، ومِثْلٌ، ومَثيلٌ (٢)؛ كشَبَهٍ (٣) وشَبْهٍ وشَبيهٍ، ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بموردِهِ: مَثَل، ولم يضربوا مثلًا، ولا رأوه أهلًا للتسيير، ولا جديرًا بالتداوُلِ والقَبول، إلا قولًا فيه غرابةٌ من بعض الوجوه، ومن ثم حوفِظَ عليه، وحُمي من التغيير.
ولما رأى الزمخشري أن ما ذكره من كون المَثَل بمعنى الشبه، والقولِ السائر لا يناسب ما هو بصدده من تفسير قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] سأل: ما معناه ومفهومه؟ وما الأمرُ الذي يصدق عليه في جانب المشبه والمشبه به؟
وأجاب: بأن المثل قد استُعير استعارةَ الأسدِ للمقدام للحال أو الصفة (٤) أو القصة إذا كان لها شأن، وفيها غرابة، كأنه قيل: حالُهم العجيبةُ الشأنِ كحال الذي استوقد نارًا. انتهى (٥).
стр. 3723
فإن قلت: كيف يتمشى هذا في قوله في الحديث: "مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَهْوَ حَافِظٌ لَهُ، مَعَ السَّفَرَةِ"؟
قلت: ليس خبرًا لـ"مَثَلُ" قولُه: "مع السفرة"، وإنما هو محذوف، تقديره: كونُه مع السفرة، والمعنى: أن صفته الغريبةَ العجيبةَ الشأنِ هي كونُه مع السفرةِ الكرامِ البررة.
فإن قلت: وما تقدير [قوله: "وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَهْوَ يَتَعَاهَدُهُ، وَهْوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ، فَلَهُ أَجْرَانِ"؟
قلت: التقدير] (١): مَثَلُ مَنْ (٢) هو بهذه الحالة مَثَلُ مَنْ يحاول عبادةً شاقةً يقوم بأعبائها، مع شدتها وصعوبتها عليه، فله أجران؛ أي: أجرٌ على فعلِ العبادة، وأجرٌ على تحمُّل المشقة.
فإن قلت: ظاهرُ الحديث: أن الأول أفضلُ من الثاني؛ بدليل الإخبارِ بأنه مع السفرة، وكيف والأجرُ على قدر المشقَّة؟
قلت: هما رأيان في المسألة، فمن الناس من ذهبَ إلى أن أجر الثاني أكثرُ، وأن المراد من ثبوت الأجرين له: ثبوتُ أجر الأولِ له مضاعَفًا؛ تمسكًا بأن الأجور بحسب ما يرتكبه المأجورُ من المشقة، ومنهم من ذهب إلى أن الأولَ أفضلُ؛ بشهادة كونِه (٣) مع السفرة، وشهادةِ كونه ماهرًا باعتنائه بالقرآن، وإتقانه وحفظه، ولا شك أن هذه المهارة لا تحصل للإنسان بحيث تصيرُ مَلَكَةً
стр. 3724
له إلا بعدَ عناء كبير، ومشقة شديدة، فلا نسلم أن الماهر خالٍ من مشقة، ولا أن الثاني أكثرُ مشقةً منه.
سُورَةُ الانْفِطَارِ
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمِ: ﴿فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: ٣]: فَاضَتْ.
وَقَرَأَ الأَعْمَشُ، وَعَاصِمٌ: ﴿فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧]: بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَهُ أَهْلُ الْحِجَازِ بِالتَّشْدِيدِ، وَأَرَادَ: مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ، وَمَنْ خَفَّفَ يَعْنِي: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ﴾ [الانفطار: ٨]: شَاءَ: إِمَّا حَسَنٌ، وَإِمَّا قَبِيحٌ، وَطَوِيلٌ وَقَصِيرٌ.
(قال الربيعُ بنُ خُثيم: ﴿فُجِّرَتْ﴾: فاضتْ): قال الزركشي: ينبغي قراءته بتخفيف (١) الجيم؛ فإنها القراءة المنسوبةُ للربيع صاحبِ هذا التفسير (٢).
(وقرأ الأعمش وعاصم: ﴿فَعَدَلَكَ﴾ بالتخفيف، وقرأه أهل الحجاز بالتشديد): فالمعنى (٣) على قراءة التثقيل: جعلَكَ متناسبَ الأطراف، فلم يجعل إحدى يديك أو رجليك أطولَ، ولا إحدى عينيك أوسعَ، فهو من (٤) التعديل، والمعنى على قراءة التخفيف: صرفَك إلى ما شاء من الهيئات والأشباه والأشكال، فهو من العُدول، ويحتمل رجوعها إلى معنى التثقيل -أيضًا-؛ أي: عَدَّلَ بعضَ أعضائك ببعض (٥).
стр. 3727
سُورَةُ ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿رَانَ﴾ [المطففين: ١٤]: ثَبْتُ الْخَطَايَا. ﴿ثُوِّبَ﴾ [المطففين: ٣٦]: جُوزِيَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُطَفِّفُ لَا يُوَفِي غَيْرَهُ.
(﴿بَلْ رَانَ﴾: ثَبْتُ الخطايا): المعروف أن ران بمعنى: غَطَّى؛ من الرَّيْن، وهو الحجابُ الكثيف، والغَيْنُ: الحجابُ الرقيق (١).
* * *
باب
٢٣٩٦ - (٤٩٣٨) - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]. حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ فِي رَشَحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ".
(في رَشَحه): -بفتح الراء والشين المعجمة جميعًا-: هو العرق.
قال الزركشي: لأنه يخرج شيئًا فشيئًا كما يرشح الإناءُ المتحللُ الأجزاءِ (٢).
قلت: حكى القاضي أبو بكر بنُ العربي: أن كلَّ أحد يقوم عرقُه معه، وهو خلافُ المعتاد في الدنيا؛ فإن الجماعة إذا وقفوا في الأرض المعتدلة (٣)،
стр. 3728
أخذهم الماءُ أخذًا واحدًا، ولا يتفاوتون، وهذا من القدرة التي تخرق العادات، والإيمانُ بها من الواجبات (١).
стр. 3729
سُورَةُ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾
باب: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨]
٢٣٩٧ - (٤٩٣٩) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ .
(سمعت ابنَ أبي مُليكة: سمعت عائشة): هذا (١) صريح في أن ابنَ أبي (٢) مليكة سمعَ من عائشة بغير واسطة، ثم قال في الإسناد الواقع بعده:
* * *
٢٣٩٨ - (٤٩٣٩) / م- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ أَيَّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(عن ابن أبي مليكة، عن القاسم، عن عائشة): وهذا صريح في ثبوت الواسطة بينه وبين عائشة، فيكون ابنُ أبي مليكة تارة منها، وتارة من واحد عنها (٣)، ولا بدع في ذلك (٤).
стр. 3730
باب: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]
٢٣٩٩ - (٤٩٤٠) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩]: حَالًا بَعْدَ حَالٍ، قَالَ: هَذَا نبِيُّكُمْ ﷺ .
(﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قال: هذا نبيكم): قال السفاقسي: هذا يدل على أن ابن عباس فسر لتركَبَنَّ بفتح الباء (١).
стр. 3731
سُورَةُ ﴿الْبُرُوجِ﴾
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الْأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤]: شَقٌّ فِي الأَرْضِ. ﴿فَتَنُوا﴾ [البروج: ١٠]: عَذَّبُوا.
(قال مجاهد: ﴿الْأُخْدُودِ﴾: شَقٌّ في الأرض): قال السفاقسي: زاد غيره: الشَّقُّ المستطيلُ في الأرض.
قال ابن إسحاق: هم أهلُ نجران، كانوا على دين عيسى ﵇، فرحل إليهم ذو نواس بجنوده، فخيرهم بين اليهودية والقتل، فاختاروا القتل، فشقَّ لهم الأُخدودَ، وألهبَ فيه النيران (١).
стр. 3732
سُورَةُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾
باب
٢٤٠٠ - (٤٩٤١) - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلَا يُقْرِئَانِنَا الْقُرْآنَ، ثُمَّ جَاءَ عَمَّارٌ، وَبِلَالٌ، وَسَعْدٌ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِهِ، حَتَّى رَأَيْتُ الْوَلَائِدَ وَالصِّبْيَانَ يَقُولُونَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ قَدْ جَاءَ، فَمَا جَاءَ حَتَّى قَرَأْتُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، فِي سُوَرٍ مِثْلِهَا.
(حتى رأيتُ الولائدَ والصبيان يقولون: هذا رسول الله ﷺ ): قال الزركشي عن أبي ذر الحافظ: ليس هذا هو موضع الصلاة على النبي ﷺ ؛ إذ كان ابتداء الصلاة عليه في السنة الخامسة من الهجرة، انتهى.
ومن أجل هذا سقطت في بعض النسخ، وقد أنكر ذلك عليه؛ فإنه قد ورد في حديث الإسراء ذكرُ الصلاةِ على النبي ﷺ ، والإسراء كان بمكة، فلا وجه لإنكار الصلاة عليه في هذا الموضع. انتهى كلام الزركشي (١).
قلت: وفي كلام أبي ذر إشعارٌ بأن الصلاة على النبي ﷺ التي تقع بإثر قول الصحابي: قال رسول الله، أو سمعت رسول الله، ونحو ذلك (٢)، هي من كلام ذلك الصحابي، وأنها ثابتةٌ في الرواية عنه، ففي ذلك ردٌّ لقول
стр. 3733
القاضي أبي بكر بن (١) العربي في "الأحوذي": لو أن الناس اليوم يتبعونه، ويقتدون به، ولا يصلون عليه عند ذكره، ولا في كل رسالة إلا حالةَ الصلاة، لكانوا على سيرة السلف؛ إذ مقتضاه: أن سيرة السلف كانت الاتباع والاقتداء، وتركَ (٢) الصلاة على النبي ﷺ إلا في حال الصلاة. وأنى له الجزمُ بذلك؟ بل (٣) الظن بهم ﵃ أنهم (٤) كانوا يصلون عليه في غير الصلاة -أيضًا-، وُيكثرون من ذلك؛ لأنها عبادة شريفة، مرغَّب فيها، موعودٌ عليها بالثواب الجزيل، وهم أحرصُ الناس على الازدياد من الخير، والاستكثار منه، والسنة مشحونة بذلك.
(قالت امرأة: يا رسول الله! ما أُرى صاحبَك إلا قد أبطأَكَ): هذه القائلة هي خديجة ﵂، وقيل: عائشة، ذكرهما ابن بشكوال (١)، ونسب الأول إلى ما ذكره إسماعيل وأبو داود في "أعلام النبوة" له، ونسب الثاني إلى ما ذكره سُنَيْد (٢) بنُ داودَ في "تفسيره". كذا في "الإفهام".
وأُرى: بضم الهمزة. وعند أبي ذر بفتحها (٣).
سورَة ﴿وَالتِّينِ﴾
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ التِّينُ وَالزَّيْتُونُ الَّذِي يَأْكُلُ النَّاسُ. يُقَالُ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾ [التين: ٧]: فَمَا الَّذِي يُكَذِّبُكَ بِأَنَّ النَّاسَ يُدَانوُنَ بِأَعْمَالِهِمْ؟ كَأَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ يَقْدِرُ عَلَى تَكْذِيبِكَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ؟
(فما الذي يكذبك بأن (١) الناس يُدانون بأعمالهم؟ كأنه قال: ومن يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب؟): قال السفاقسي: كأنه جعل "ما" لمن يعقل، وهو بعيد، ولا بُعْدَ في ذلك، فقد تقع "ما" مرادًا بها: مَنْ يعقل في مواضع؛ منها: المبهَمُ أَمْرُه، كما قال تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥] (٢).
سُورَةُ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾
وُيذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿الْوَسْوَاسِ﴾ [الناس: ٤]: إِذَا وُلِدَ، خَنَسَهُ الشَّيْطَانُ، فَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ ، ذَهَبَ، وَإِذَا لَمْ يُذْكَرِ اللَّهُ، ثَبَتَ عَلَى قَلْبِهِ.
(إذا وُلِدَ، خَنَسَه الشيطان): قال السفاقسي: وانظر معنى قوله: خَنَسَهُ (١) الشيطان، والذي في اللغة: خَنَسَ: إذا رجعَ وانقبضَ.
وقال القاضي: كذا الرواية في جميع النسخ، وهو تفسير وتصحيف، فإما أن يكون صوابه: "فَخَنَسَهُ الشيطان" كما جاء في غير هذا ال باب في لفظ مسلم.
لكن اللفظ الذي جاء به بعد من غير هذا الحديث وهو ما روي عن ابن عباس: "يولَدُ الإنسانُ والشيطانُ جاثمٌ على قلبه، فإذا ذَكَرَ اللهَ، خَنَسَ، وإذا غَفَلَ، وَسْوَسَ"، فكأنَّ (٢) البخاريَّ إنما أراد ذِكْرَ هذا الحديث، أو الإشارةَ إلى الحديثين، والله أعلم (٣).
* * *
باب
٢٤٠٧ - (٤٩٧٧) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبي لُبَابَةَ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ. وَحَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ زِرٍّ، قَالَ:
стр. 3748
سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ: قُلْتُ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ! إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ أُبَيٌّ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لِي: "قِيلَ لِي، فَقُلْتُ". قَالَ: فَنَحْنُ نَقُولُ كمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
(إن أخاك ابنَ مسعود يقولُ كذا وكذا): يريد: أنه لم يُدخل المعوذَتَين في مُصحفه؛ لكثرة ما كان النبي ﷺ يتعوذ بهما، فظن أنهما من الوحي، وليسا من القرآن، كذا قيل، وقد أجمع الصحابة عليهما، وأثبتوهما في المصحف، وإنما كني عنه بكذا (١)؛ استعظامًا منه لهذا القول أن يتلفظ به.
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: لم ينكر ابنُ مسعود كونَهما من القرآن، وإنما أنكر إثباتَهما في المصحف؛ لأنه كانت (٢) السنَّة عنده أن لا يُثبت إلا ما أمرَ النبىُّ ﷺ بإثباته وكَتْبِه، ولم يبلغه أمرُه به، وهذا تأويلٌ منه، وليس جحدًا لكونهما قرآنًا (٣).
стр. 3749
كِتابُ فَضَائِلِ القُرآنِ
стр. 3750
كِتابُ فَضَائِل القُرآنِ
باب: كيفَ نُزوْلُ الوحْيِ، وأَوَّلُ مَا نَزَلَ
٢٤٠٨ - (٤٩٧٨ و ٤٩٧٩) - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيىَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃، قَالَا: لَبِثَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا.
(كتاب: فضائل القرآن).
(أخبرتني عائشة، وابن عباس، قالا: لبث النبي ﷺ بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن، وبالمدينة عشرًا): هذا هو قول أنس، والمشهور عن ابن عباس: أنه مكث بمكة ثلاثَ عشرةَ سنة، وقد قدمنا القولين، ووجهَ الجمع بينهما، وسيأتي فيه كلام.
* * *
٢٤٠٩ - (٤٩٨١) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أبيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نبَيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ