باب: نِكَاحِ الأَبْكَارِ
٢٤٣٩ - (٥٠٧٧) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ لَوْ نَزَلْتَ وَادِيًا، وَفِيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْهَا، وَوَجَدْتَ شَجَرًا لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهَا، فِي أَيِّهَا كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَكَ؟ قَالَ: "فِي الَّذِي لَمْ يُرْتَعْ مِنْهَا". تَعْنِي: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لم يتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا.
(تعني: أن رسول الله ﷺ لم يتزوج بِكْرًا غيرَها): قال ابن المنير: وقد ذكرنا في خصائص عائشة ﵂: أنها وُلدت مسلمةً بإسلام أبيها قبلَ ولادتها، وهذا لازم لأهل السير والتواريخ فيما ينقلونه، ولم أر أحدًا انتزعه قبل ذلك، والحمد لله.
* * *
باب: الثَّيِّبَات
وَقَالَتْ أُمُّ حَبِيبةَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ".
(باب: تزويج الثيبات).
(لا تعرضْنَ عليَّ بناتكُنَّ): خاطب ﵇ بذلك أزواجَه، ونهاهن أن يعرضْنَ عليه ربائِبَه؛ لحرمتهن، وهذا تحقيق أنه ﵇ تزوج الثيبَ ذاتَ البنت من غيره.
стр. 3782
باب: اتِّخَاذِ السَّرَارِي، ومَنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً ثُمَّ تَزوَّجَهَا
٢٤٤٠ - (٥٠٨٣) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ صَالِحُ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ عِنْدَهُ وَليدَةٌ، فَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، وَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ. وَأَيَّمَا رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَآمَنَ بِي، فَلَهُ أَجْرَانِ. وَأَيُّمَا مَمْلُوكٍ أَدَّى حَقَّ مَوَالِيهِ وَحَقَّ رَبَّهِ، فَلَهُ أَجْرَانِ".
(آمَنَ بنبيِّهِ): قال الداودي: يعني: كان على دين عيسى، قال: وأما اليهودُ وكثيرٌ من النصارى، فليسوا من ذلك؛ لأنه لا يجازى على الكفر بالخير (١).
قلت: هذا ظاهر مكشوف من الحديث؛ فإن اليهود الذين بَقُوا على يهوديتهم بعدَ إرسال عيسى ﵇ لا يصدُقُ عليهم "آمنوا بنبيهم"؛ ضرورة أن عيسى نبيهم، ولم يؤمنوا به، وكثير من النصارى الذين غَلَوْا في عيسى ﵇، ولم يعتقدوا أنه عبدُ الله ورسولُه، لا يصدُق عليهم أنهم آمنوا بنبيهم، فإذن هاتان الطائفتان خارجتان بمقتضى الحديث، فتأمله (٢).
يَحْجُبْهَا فَهْيَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَلَمَّا ارْتَحَلَ، وَطَّى لَهَا خَلْفَهُ، وَمَدَّ الْحِجَابَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ.
(يُبنَى عليه بصفيَّةَ): فيه ردٌّ على الجوهري حيث خَطَّأَ من قال: بَنَى الرجلُ بأهلِه (١).
* * *
باب: تَزْوِيِجِ الْمُعْسِرِ لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]
(﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: ظاهر هذا: وعدُ كلِّ فقيرٍ تزوَّجَ بالغِنَى، ووعدُ الله واجب، فإذا رأينا فقيرًا تزوج فلم يستغن، فليس ذلك لإخلاف (٢) الوعد، حاش لله، ولكن لإخلاله هو بالقصد؛ لأن الله تعالى إنما وعدَ على حسن القصد، وهو غَيْبٌ، فمن (٣) لم يستغنِ، فليرجع (٤) باللوم على نفسه، أو يكون المراد: أن النكاحَ غيرُ مانع من الغنى، إلا أنه موجب (٥) للغنى، فليتأمل.
(بشرِّ حِيبَة): بكسر الحاء المهملة عند المستملي، والحموي، ولغيرهما بالخاء المعجمة، قال القاضي: وهو الهم والحزن (١).
وقال أبو الفرج: من قاله بالمعجمة، فقد صحف.
وقال السفاقسي: الذي ضبطناه بالخاء المعجمة [المفتوحة، وكذا قال القرطبي في "مختصره": يروى بالخاء المعجمة] (٢)، قال: ووجدته في الأصل الصحيح: بكسر الحاء المهملة، وفُسر فيه بأنه سوءُ الحال، قال: وهو المعروف من كلام العرب (٣).
(غير أني سقيت في هذه): قيل: هي إشارة إلى نقرة إبهامه؛ كأنه يقلِّل ما نالَه (٤) من الماء.
* * *
باب: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]
٢٤٤٦ - (٥١٠٧) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ: أَن زينَبَ بْنَةَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! انْكِحْ أُخْتِي بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: "وَتُحِبِّينَ؟ "، قلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ بِمُخْلِيَة، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِي"، قلْتُ:
стр. 3790
يَا رَسُولَ اللهِ! فَوَاللَّهِ! إِنَّا لَنَتَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ بِنْتَ أَبي سَلَمَةَ، قَالَ: "بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟ "، فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "فَوَاللهِ! لَوْ لَمْ تَكُنْ فِي حَجْرِي، مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ".
(لو لم تكن في حَجْري، ما حلَّتْ لي، إنها لابنةُ أخي من الرضاعة): هذا مثل: "نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ، لَوْ لَمْ يَخَفِ اللهَ لَمْ يَعْصِهِ" (١)؛ فإن حلها للنبي ﷺ منتفٍ من جهتين؛ كونها ربيبته في حَجْره، وكونها ابنة أخيه من الرضاعة، كما أن معصية صهيب منتفيةٌ من جهتي المخافة (٢) والإجلال.
* * *
باب: الشِّغَارِ
٢٤٤٧ - (٥١١٢) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نهَى عَنِ الشِّغَارِ. وَالشِّغَارُ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ.
стр. 3791
(نهى عن الشِّغار): وهو عند مالك ﵀: صريحٌ، فيُفسخ قبلَ البناء، وبعدهُ (١) على الصحيح، [وهو الذي يتقابل فيه البُضعان بالإصداق، وغير صحيح (٢) وهو الذي يدخل تسمية الصداق فيهما، أو في أحدهما، فيُفْسخ ما لم يسمَّ قبلُ وبعدُ، وما سُمي، يُفسخ بعدُ، لا قبلُ.
وسأل ابن المنير فقال: الصحيح] (٣) عند مالك حيث يدخلان على النكاح بلا صداق أن لا يفسخ بعدُ، فكيف يُفسخ صريحُ الشغار، ولا ينتهي إلى أكثر من إسقاط الصداق؟
وأجاب: بأن إسقاط الصداق لا يُتشوق إليه، فلا يحتاج إلى التغليظ، والشغارُ كانت الجاهلية تتشوق إليه من جهة غَيرتها، فكأنه يرى أن لا يقع في عار حتى يُوقع (٤) الآخر في (٥) مثله، هذا غرضهم منه، فلما ظهر شوقُهم إليه (٦)، غُلِّظَ فيه، بخلاف الآخر.
وسمي الشغار بهذه الهيئة القبيحة، وهي: رفعُ الكلبِ رجلَه إذا بال أولًا، أو رفع المرأة رجليها عند الجماع؛ تقبيحًا له، و (٧) تغليظًا على فاعله.
стр. 3792
ثم سأل: كيف يكون (١) تسميته شغارًا تقبيحًا له، والعربُ الذين استحسنوه هم الذين سَمُّوه؟
وأجاب. بأن العرب كانت تسمي الشيء على (٢) ما هو عليه لا يؤثر تحسينًا ولا تقبيحًا، لكن الشرع لما جاء بالمحاسن، كَنَّى عما يُستقبح، حتى كنى عن نفس الوطء بالغِشْيان، والإِفْضاء، وتركَ أشياءَ على قُبحها؛ لأنه حَرَّمها، فلم يناسب تحريمُه لها تحسينَه لأسمائها، فمن هنا أبقى اسم الشغار؛ تقبيحًا لمعناه.
* * *
باب: عَرْضِ الإنْسَانِ ابْنَتَهُ أَو أُخْتَهُ عَلَى أَهْلِ الخَيْرِ
٢٤٤٨ - (٥١٢٢) - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ يُحَدِّثُ. أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، حِين تَأَّيَّمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنْ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ، وَكانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فتُوفِّيَ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. أتيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ، فَقَالَ: سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي، فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، ثُمَّ لَقِيَنِي فَقَالَ: قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أتزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا. قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ زَوَّجْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، فَصَمَتَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا، وَكُنْتُ أَوْجَدَ عَلَيْهِ مِنِّي علَى عُثْمَانَ، فَلَبِثْتُ
قال ابن المنير: وعندي فيه تأويلٌ حسن، وذلك أنه لما تحقق عجزه عند (١) الاستفسار، سأله: هل معه شيء من القرآن؛ لأن القرآن هو [الغِنَى الأكبر، وقد ورد: "مَنْ لَمْ يَغْنَ بِالقُرْآنِ، فَلَيْسَ مِنَّا" (٢).
وورد: "كَفَى بِالقُرْآنِ] (٣) غِنىً" (٤)، وتظاهرت الأحاديث على ذلك، فلما ثبت لهذا الرجل حظٌّ من القرآن، ثبت له حظٌّ من الغِنى (٥)، فزوَّجَه.
ووجهُ كونِ القرآنِ غِنىً: إما لأن الله وعدَ صاحبه الغِنى من فضله، وإما لأنه جدير بأن يحمل صاحبَه على (٦) القناعة، وهي كنزٌ لا يَنْفَد، ومن قنع استغنى، وليس في الحديث إسقاطُ الصَّداقِ، فلعله زوَّجه إياها بِصَداقٍ وُجدت مَظِنَّتُه (٧)، وإن لم توجد حقيقتُه، وإذا وُجدت مظنتُه، أوشك (٨) أن تحصلَ بفضل الله، وإنما استفسره (٩) عن جهده؛ نصحا للمرأة؛ لئلا يضيعها، فلما أخبره أنه يحفظ حظًا (١٠) من القرآن، علم أن الله لا يُضيعهما.
стр. 3801
ولو فرضنا امرأةً فوَّضَتْ أمرَها في التزويج (١) إلى رجل، فخطبها منه مَنْ لا مالَ له، ولكنه حاملٌ لكتاب الله تعالى، فزوجها منه ثقةً بوعد الله لحاملِ كتابه بالغِنى، واقتداءً بهذا الحديث؛ لكان جديرًا بالصواب، ويُجعل الصداقُ في ذمته، ويكونُ تفويضًا، ولا معنى للتفويض إلا ما وقع في الحديث.
* * *
باب: الأَنْمَاطِ ونَحْوِهَا للنِّسَاءِ
٢٤٥٧ - (٥١٦١) - حَدَّثَنَا قُتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفيَانُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَلِ اتَّخَذْتُمْ أَنْمَاطًا؟ "، قَلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَأَنَّى لَنَا أَنْمَاطٌ؟ قَالَ: "إِنَّهَا سَتكُونُ".
(هل اتخذتم أنماطًا؟): تقدم أنها ضربٌ من البُسط له خَمَلٌ رقيقٌ (٢).
* * *
باب: الهَدِيَّةِ للعَرُوسِ
٢٤٥٨ - (٥١٦٣) - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ -وَاسْمُهُ الْجَعْدُ- عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: مَرَّ بِنَا فِي مَسْجِدِ بَنِي رِفَاعَةَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا مَرَّ بِجَنَبَاتِ أُمِّ سُلَيْمٍ، دَخَلَ عَلَيْهَا، فَسَلَّمَ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ:
(فقام مُمْتنًا): -بميم مضمومة فميم ساكنة فمثناة فوقية فمثناة أخرى (١) مشددة-؛ أي: متطاولًا.
قال القاضي: كذا ضبطه المتقنون في كتاب: النكاح، وضبطه أبو ذر بفتح التاء وتشديد النون، وفسره: متفضِّلًا، وقال: وكذا الرواية هنا، واختلف في معناه، فقال مروان بن سراج: يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه من الامتنان؛ لأن مَنْ قام النبي ﷺ إليه وأكرمَه بذلك، فلا منةَ أعظمُ من هذه، ويؤيده رواية: "أَنْتُمْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ" (٢).
وثانيهما: أنه من المُنَّة، وهي القوة؛ أي: قام إليهم مسرعًا مشتدًّا في ذلك فَرَحًا بهم.
ورواه ابن السكن: يمشي؛ من المشي، قال القاضي: وهو تصحيف (٣).
* * *
باب: قِيَامِ المَرْأَةِ عَلَى الرِّجَالِ في العُرسِ وخِدْمَتِهِم بالنَّفْسِ
٢٤٦٤ - (٥١٨٢) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ، قَالَ: لَمَّا عَرَّسَ أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ،
قلت: وقد سبق ردُّه.
* * *
باب: حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ الأَهْلِ
(باب: حسن المعاشرة مع الأهل): ساق فيه حديثَ أم زرع.
قال ابن المنير: نبه بهذه الترجمة على أن إيراد هذه الحكاية من النبي ﷺ ليس خليًا عن فائدة شرعية، بل هو مشتملٌ عليها، وتلك الفائدة الإحسانُ في معاشرة الأهل كما ندب الله سبحانه (١).
قلت: هذا غلط؛ لأن هذه الحكاية (٢) لم تصدر من النبي ﷺ ، والصحيح: أن المرفوع من حديث أم زرع: قوله ﵇ لعائشة: "كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ"، وقد رفعه كلَّه للنبي ﷺ سعيدُ بنُ مسلمٍ المدنيُّ، وهو وهمٌ عند أئمة الحديث (٣)، ثم الكلام إنما هو على ما في البخاري، وليس فيه رفعُ الحكاية إليه ﵇، ما عدا اللفظَ الذي قدمناه، والحكاية إنما هي من عائشة غير مرفوعة، فكيف يستقيم ما قاله؟
٢٤٦٦ - (٥١٨٩) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَلَسَ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً،
منهما، ولا هل ثبتا معًا في الرواية (١)؟ فينبغي تحريره.
(على رأسِ جبلٍ): تصف بُعْدَ خيرِه وخُبْثَ ما عندَه، كالشيء المستقْبَح في قُلَّةِ جبلٍ صعبٍ (٢).
(لا سهل): فيه البناء على الفتح، والرفع والجر مع التنوين، وتوجيهُها ظاهر (٣)؛ أي: لا سهلَ فيه، فحذف الخبر، أو: لا هو (٤) سهلٌ، وعليها، فالوصف وقع بجملة، والجرُّ على النعتِ لجبلٍ بالمفرد، كذا في الزركشي (٥).
قلت: ويلزم عليه إلغاءُ "لا" مع عدم التكرير في توجيه (٦) الرفع، ودخولُ "لا" على الصفة المفردة مع انتفاء التكرير في توجيه الجر، وكلاهما باطل.
(فيُرْتَقَى): أي: يُصعد إليه؛ لصعوبة المسلك إليه.
(ولا سمين فينتقل): هذا حديثٌ عن الجمل أو لحمِه، تقول: لا يرضى أحدٌ أن ينقله لهزاله.
ويروى: "فينتقى"؛ أي: ليس له نِقْيٌ يُستخرج، والنِّقْيُ -بكسر النون
стр. 3812
وسكون القاف-: مُخُّ العظم.
قلت: وعلى هذه (١) الرواية يكون بين (٢) "يرتقى"، و"ينتقى (٣) " جناسٌ حسن.
قال الزركشي: وصفَتْه بالبخل، وسوء الخلق، والترفُّع بنفسه؛ تريد: أنه مع قلة خيره، متكبرٌ على عشيرته (٤).
قلت: لا دلالة في لفظها على أنه متكبر على العشيرة مترفعٌ على قومه، فتأمله (٥).
(قالت الثانية: زوجي لا أَبُثُّ خَبَرَه): أي: لا أُظهر حديثه.
وروي بالنون في أوله، وهما بمعنى، إلا أنه بالنون أكثرُ ما يُستعمل في الشر (٦).
(إني (٧) أخاف أن لا أَذَرَه): كأنها خافت إن شرعت في خيره وحديثه، أن لا تتركه حتى تستوعبَ عُيوبه، فسكتت من الأول؛ إبقاءً على ذكر عُيوبه مفصلة، وهذا يقتضي عودَ الضمير من قولها: "أَنْ لا أَذَرَه" على الخبر، وإليه ذهبَ ابنُ السِّكِّيت.
стр. 3813
وقيل: الهاء (١) عائدة على الزوج؛ كأنها خشيت فراقَه إن ذكرَتْه، و"لا" زائدة، و"أذره" بمعنى: أفارقَه وأدعَه (٢).
(قالت الثالثة: زوجي العَشَنّق): بفتح العين المهملة والشين المعجمة والنون المشددة وآخره قاف.
قال الأصمعي: هو الطويل، تقول: ليس عنده أكثرُ من طوله بلا نفعٍ، فإن ذكرتُ عيوبه، طلقني، وإن سكتُّ، تركني معلقةً، لا أَيِّمًا، ولا ذاتَ بَعْل (٣).
(قالت الرابعة: زوجي كليلِ تهامةَ، لا حَرٌّ ولا قُرٌ): بضم القاف.
(ولا مخافةَ ولا سآمةَ): أي: ولا مَلل.
ويروى: "ولا وَخامة"؛ أي: ولا وخامةَ في مرعاها، يقال: مرعًى وخيمٌ: إذا كانت الماشية لا تنجع عليه، ويجوز في لا حر، وما بعدها الفتحُ على البناء، والخبرُ محذوف، ويجوز أن يكون "لا" ملغاة للتكرير، فالرفعُ والخبرُ -أيضًا- محذوف.
وصفَتْه بحسن صحبتها، وجميلِ عشرتها، واعتدالِ حاله. وتهامَةُ من بلاد الحجاز مَكَّةُ وما والاها (٤)(٥).
стр. 3814
(قالت الخامسة: زوجي إن دخل فَهِد): -بفتح الفاء وكسر الهاء- فعل ماض؛ أي: فَعلَ فِعلَ الفهد، تعني: أنه إذا دخل بيته، نام وغفل عن معايب البيت الذي يلزمني إصلاحه، والفَهْدُ يوصف بكثرة النوم، فهي تصفه بالكرم، وحسن الخلق، فكأنه نائم عن ذلك، أو ساهٍ، وإنما هو متناومٌ ومتغافلٌ، وهذه الخصلة من مكارم الأخلاق (١).
(وإن خرجَ أَسِد): فعل ماض -بفتح الهمزة وكسر السين-؛ أي: فَعلَ فِعلَ الأسد، تمدحه بالشجاعة (٢).
(ولا يَسأل عما عَهِد): أي: عما له عهدٌ به في البيت من طعام وشراب، وصفَتْه بالكرم والسخاء، ولذلك لم يتطلع إلى ما فقده من بيته، ولا سألَ عنه.
(قالت السادسة: زوجي إنْ أكلَ لَفَّ): أي: أكثرَ من أكلِ ما يجده، مع التخليط من صنوفه حتى لا يُبقي منه شيئًا (٣).
(وإن شربَ اشْتَفَّ): أي: استقصى ما في الإناء [لا] يُسْئِرُ فيه سُؤْرًا، وهو مأخوذ من الشُّفافَة، وهي البقيةُ تبقى في الإناء، فإذا شربها (٤)، قيل: اشتفَّ، وهو وصفُ ذَمٍّ (٥).
стр. 3815
(ولا يولج الكَفَّ ليعلمَ البَثَّ): أي: لا يضع يدَه عليها ليعلمَ مَحَبَّتَها فيه، ووجدَها به، فشكتْ قلةَ رغبتِه في النساء، مع قلة خيره، وكثرة شرهِه (١) في الطعام والشراب، وهذا غايةُ الذم عند العرب: أن يستكثرَ من الطعام، ويتقلَّلَ من النساء، وإنما يتمدَّحون (٢) بضدِّ (٣) ذلك.
(قالت السابعة: زوجي غَياياء أو عَياياء): قالوا: هو بالعين المهملة قَطْعًا، ولا وجه للشك، والعَياياء -بالمد (٤) - من الإبل: هو الذي لا يضرب، ولا يلقح، وكذلك هو في الرجال.
(طَباقاء): -بالمد-: هو الأحمق، وقيل: هو الثقيلُ (٥) الصدر الذي يُطبق صدرُه على صدر المرأة عند المباضَعة، وهو غيرُ حسن، فيكون على هذا وصفته بعدم المعرفة بحسنِ الجماع؛ لأنه يُطبق صدرُه على صدرها، فيخفُّ عَجُزُه عنها، فلا تَستمتع به.
و (٦) قال امرؤ القيس لبعض النساء: مَالِي أُفرَّكُ مِنَ النِّسَاءِ؟
أي: يبغضنه مع محبته فيهن.
فقالت: فيكَ عيوبٌ أربعة: ثقيلُ الصدر، خفيفُ العَجُز، سريعُ الإراقة، بطيءُ الإفاقَة (٧).
стр. 3816
(كلُّ داءٍ له داء): أي: كلُّ (١) ما تَفَرَّقَ في الناس من الأدواءِ والمعايبِ اجتمعَ (٢) فيه.
(شَجَّكِ): أي: أصابكِ بشَجَّة، والكاف مكسورة؛ لأن المخاطَبَ (٣) مؤنث، وكذا ما بعده.
(أو فَلَّكِ): أي: أصابَتْ شيئًا من بَدَنِك، والشجُّ في الرأس خاصةً، والفَلُّ في سائر الجسد، تصفه بالتناهي في النقائص والعيوب، [وسوء العشرة مع الأهل.
(قالت الثامنة: زوجي المسُّ مَسُّ أَرنب): أي: ناعمُ الجسد] (٤)، ويُحتمل جعلُه من باب الكناية عن حسن (٥) الخلق، ولين الجانب.
(والريحُ ريحُ زَرْنَب). تعني أن جسده طيبُ الريح، أو أن ثناءه في الناس طيبٌ، وكل من الجملتين الاسميتين -أعني: قولها: المسُّ هو مَسُّ أرنب، والريحُ ريحُ زَرْنَب- (٦) مشتملة على ضمير محذوف يعود على المبتدأ، وهو "زوجي"؛ لأجل الربط؛ أي: منه؛ مثل قولهم: السمنُ مَنَوانِ بدرهمٍ.
(قالت التاسعة: زوجي رفيعُ العماد): قيل: هو حقيقةٌ في البيوت
стр. 3817
والقِباب (١) في أبنية الأشراف (٢) من أهل البدو، يُطيلون الأعمدة للطارق والسائل، وقيل: مجاز، تريد: الشرفَ وعُلُوَّ الذِّكْر (٣).
(طويلُ النِّجاد): كناية عن طول القامة.
(عظيمُ الرَّمادِ): كناية عن كونه مِضْيافًا، وهذه الكناية عندَهم من الكنايات البعيدة (٤)؛ لأن الانتقال (٥) فيها من الكناية إلى المطلوب بها بواسطة، فإنه ينتقل من كثرة الرماد، إلى كثرة إحراق الحطب تحت القدر، ومن كثرة الإحراق، إلى كثرة الطبائخ، ومنها إلى كثرة الأَكَلة، ومنها إلى كثرة الضيفان.
(قريبُ البيت من النَّاد): تريد: أن بيته قريبٌ من المكان الذي يجتمع فيه العرب للتشاور والحديث؛ تعني: أنه لا يبعُد عنهم؛ ليستخفيَ بين ظهراني الناس.
(قالت العاشرة: زوجي مالكٌ، وما مالك؟!): "ما" استفهامية للتعظيم.
(مالكٌ خيرٌ من ذلك): زيادةٌ في التعظيم، وترفيع المكانة (٦).
стр. 3818
(له إِبلٌ كثيراتُ المباركِ): أي (١): لاستعدادِه الضيفان لا يوجِّهها للمرعى، بل يتركهن باركة بفنائه.
(قليلاتُ المسارح): وهي المراعي البعيدة، جمع مَسْرَح.
(إذا سمعْنَ صوتَ المِزْهَر): -بكسر الميم-: عودُ الغناء، تعني: أنه كان يتلقى أضيافه بالغناء مبالغةً في الفرح بهم، أو يأتيهم بالشراب والغناء.
(أَيْقَنَّ أنهنَّ هَوالك): أي: لعقرهنَّ للضيفان.
(قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زَرع، وما (٢) أبو زرع؟!): الاستفهام للتعظيم والتهويل كما سبق.
(أَناسَ): -بالسين المهملة-؛ أي: حَرَّكَ.
(من حُلِيٍّ): بضم الحاء وكسر اللام.
(أُذُنيَ): تثنية أُذُن، والذال مضمومة وساكنة.
(وملأ من شَحْم عَضُدَيَّ): لم تردِ العضدينِ خاصة، وإنما أرادت سِمَنَ جسدِها كلِّه، لكن ذكرت العضدين لأجل السَّجع.
(بجَّحَني): -بجيم مفتوحة مشددة فحاء مهملة مفتوحة-؛ أي: فَرَّحَني، وقيل: عَظَّمَني.
(فَبَجَحَت إلَيَّ نفسي): -بفتحات-؛ أي: عَظُمَتْ نفسي عندي.
(وجدني في أهل غُنيمة): تصغير غَنَم، وأُنث على إرادة الجماعة؛ أي: إن أهلها كانوا ذوي غنم، ليسوا أصحابَ خيلٍ ولا إبل.
стр. 3819
(بشِقٍّ (١)): -بكسر الشين المعجمة-؛ أي: في (٢) مَشَقَّة؛ كقوله تعالى: ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧]، وقيل: شِقِّ جبلٍ؛ أي: غنمُهم قليلة، وروي بالفتح.
(فجعلني في أهل صَهيلٍ): هو صوتُ الخيل.
(وأَطيطٍ): هو صوتُ الإبل.
(ودائِسٍ): اسم فاعل من داس الطعامَ يدوسُه دياسة؛ لكي يخرج الحبَّ من السنبل.
(ومُنَقٍّ): اسمُ فاعل من نَقَّى الطعامَ تنقيةً -بتشديد القاف-؛ أي: إذا أزالَ ما يختلط به من قشرٍ ونحوِه، ويروى بكسر النون.
قال أبو عبيد (٣): لا (٤) أعرفه، وقيل: إن صحَّت الرواية به، فهو من النَّقيق، وهو أصوات المواشي والأنعام، تصفه بكثرةِ الأموال (٥).
(أقولُ فلا أُقَبَّح): أي: فلا يُقَبَّح عليَّ قولٌ، تشير إلى رفعة مكانتها عنده، ومحبته إياها.
(وأرقدُ فأَتَصَبَّح): [أي: أنامُ الصُّبْحَةَ، وهي نومُ أول النهار.
стр. 3820
(وأشربُ فأَتَقَنَّح)] (١): من التقَنُّح، وهو الشربُ فوقَ الرِّيِّ (٢)، وقد وقع للبخاري (٣) في آخر هذا الحديث: وقال بعضُهم: "فأتقَمَّح" -بالميم-، وهذا أصح.
قيل: والبخاري في هذا متابع لأبي عُبيد، فإنه قال: لا أعرف هذا، ولا أراه محفوظًا إلا بالميم، ومعناه: أَروى حتى أدعَ الشرابَ من شدة الرِّيِّ (٤).
(عُكومُها رَداح): العكوم: الأعدالُ والغَرائر، واحدها عِكْم -بكسر العين-؛ مثل: جِلْد وجُلود.
قال الزركشي: ورَداحٌ لا يجوز أن يكون خبرًا لعكومِها؛ لأنه مفرد، بل هي خبر (٥) لمبتدأ محذوف؛ أي: كلُّ عِكْمٍ منها رداحٌ (٦).
قلت: هذا كلام القاضي بعينه في "المشارق"، وظاهرُ كلامِ غيرِ واحدٍ: أن الرداحَ صفة للعين الثقيلة، فعليه يجوز (٧) أن يكون خبرًا للعكوم، وإن كانت جمعًا، قال: ويكون رداح مصدرًا؛ كالذهاب، والطلاق، فيكون خبرًا للعكوم، أو يكون على طريق النسبة (٨)؛ نحو: