كتاب الأضاحي
(كتاب: الأضاحِيَّ): - بتشديد المثناة التحتية -: جمعُ أُضْحِيَّة، بتشديدها أيضاً.
قال شيخنا أبو عبد الله بنُ عرفةَ مُعَرِّفاً لها (١) على مذهب الإمام مالك ﵁: هي ما تُقُرِّبَ بذَكاتِه من جَذَعِ ضأنٍ، وثَنِيِّ سائِرِ النَّعَمِ، سَلِيمَيْنِ (٢) من بَيَّنِ عَيْبٍ، مشروطاً بكونه في نهارِ عاشرِ (٣) ذي الحجَّةِ، أو تالِيَيْهِ بعدَ صلاةِ إمامِ عِيدِه له (٤)، وقدرِ زمنِ ذبحِهِ لغيرِه، ولو تَحَرَّياً لغيرِ حاضِرِهِ (٥).
باب: سُنَّةِ الأُضْحِيَّةِ
٢٥٥٩ - (٥٥٤٥) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا
стр. 3925
شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ الإِيَامِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ أَوَّلَ مَا نبدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هذَا نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرجِعَ فَنَنْحَرَ، مَنْ فَعَلَهُ، فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلُ، فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ". فَقَامَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ، وَقَد ذَبَحَ، فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي جَذَعَةً، فَقَالَ: "اذْبَحْهَا، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ".
قَالَ مُطَرِّفٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ".
(ولن تَجْزِيَ عن أحدٍ بعدَكَ (١)): - بفتح المثناة الفوقية غير مهموز -؛ أي: لن تَقْضِيَ وتَكْفِيَ.
قال الجوهري: وبنو تميم يقولون: أجزأَتْ عنكَ شاةٌ - بالهمز -، وجوزهما ابنُ الأثير في الحديث.
وقال الزمخشري في "الأساس": يقول بنو تميم: البدنةُ تُجزئ عن سبعة، وأهلُ الحجاز: تَجْزي - بفتح التاء (٢) مع عدم الهمز -، وحكى النووي أن هذا هو الراوية (٣).
* * *
باب: الأُضْحِيَّةِ لِلْمُسَافِرِ وَالنِّسَاءِ
(باب: الأضحيةِ للمسافرِ والنساء): ساق فيه حديث: "ضَحَّى
"أما آتي (١) أبا قَتادةَ" (٢).
قيل: وهو (٣) وَهْم، وقد ذكره البخاري في غزوة بدر على الصواب، فقال: عن القاسم بن محمد، عن ابن (٤) خباب - يعني: عبد الله -، فانطلق إلى أخيه لأمه وكان بدرياً قتادةَ بنِ النعمان (٥).
(قد حدث بعدَكَ أَمرٌ (٦)): يعني: إباحةَ لحوم الأضاحي بعدَ ثلاثة.
* * *
٢٥٦٦ - (٥٥٦٩) - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ، فَلَا يُصْبِحَنَّ بَغدَ ثَالِثَةٍ وَفِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ". فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نفعَلُ كَمَا فَعَلْنَا عَامَ الْمَاضِي؟ قَالَ: "كلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ، فَأَرَدتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا".
(فلما كان العامُ المقبلُ، قالوا: يا رسول الله (٧)! نفعل كما فعلنا عام
стр. 3931
الماضي؟): قد يقال: لما حَرُمَ عليهمُ الادخارُ فوقَ ثلاثة، وعملوا بمقتضى ذلك، كان الظاهرُ أنهم يستمرون عليه كلَّ عام، ولا يعاودون السؤال ثانياً.
قال ابن المنير: فهموا أن ذلكَ العامَ كان على سبب خاص، وهو الدَّافَّةُ، وإذا ورد العامُّ على سبب خاصٍّ، حاكَ في النفس من عمومه وخصوصه إشكالٌ، ولهذا اضطرب العلماء فيه، فلما كان مَظِنَّةَ الاختصاص، عاودوا السؤال، فبين لهم أنه خاصٌّ بذلك السبب، ويُشبه أن يَستدل بهذا من يقول: إن العامَّ يَضعُف عمومه بالسبب، فلا يبقى على أصالته، ولا ينتهي به إلى التخصيص.
ألا ترى أنهم لو (١) اعتقدوا بقاءَ العموم على أصالته، لما سألوا، ولو اعتقدوا الخصوصَ أيضاً، لما سألوا؟ فسؤالهم يدل على أنه ذو شائبين، وهذا اختيارُ الإمام الجويني، ويمكن أن يكون هذا حجة له (٢).
* * *
стр. 3932
كتاب الأشربة
стр. 3933
كتاب الأشربة
٢٥٦٧ - (٥٥٧٥) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا، حُرِمَهَا فِي الآخِرَةِ".
(كتاب: الأشربة).
(من شربَ الخمرَ [في الدنيا]، ثم لم يتبْ منها، حُرمها في الآخرة): قال القرطبي: ومع ذلك فلا يبالي بعدم شربها، ولا يَحسُدُ مَنْ شربها، ويكون حالُه كحال أهل المنازل في الخفض والرفع، فكما لا يشتهي منزلة مَنْ هو أرفَعُ (١) منه، كذلك لا يشتهي الخمرَ في الجنة، وليس ذلك بضارٍّ له.
ثم قال: وقيل: إنه يعذَّبُ في النار، فإذا خرج منها برحمة الله، أو بالشفاعة، ودخل الجنة، لم يُحْرَمْ شيئاً، وكذا القول في لبسِ الحرير، والشربِ في آنية الذهب والفضة (٢).
стр. 3934
قلت: هذا خلافُ الظاهر من قوله ﵊: "حُرِمَها في الآخِرَةِ".
وأيضاً: ففي "مسند أبي داود الطيالسي": قال الحافظ مغلطاي بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنْيا، لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ، وَإِنْ دَخَلَ الجَنَّةَ، لَبِسَهُ أَهْلُ الجَنَّةِ، وَلم يَلْبَسْهُ هُوَ" (١).
* * *
٢٥٦٨ - (٥٥٧٦) - حَدَّثَنَا أبَو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أتُيَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بإيلِيَاءَ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا، ثُمَّ أَخَذَ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: الْحمدُ لِلَّهِ الَّذِي هدَاكَ لِلْفِطْرَةِ، وَلَوْ أَخَذْتَ الْخَفرَ، غَوَتْ أُمَّتُكَ.
(ولو أخذتَ الخمرَ، غوتْ أُمتك): لا يُفهم من عدوله ﵇ عن إناء الخمر حينئذ أن الخمرَ كانت حُرَّمَتْ، فإن حديثَ الإسراء بمكة، وتحريمَ الخمر بالمدينة بعدَ سنين (٢)، وإنما تفرَّس فيها النبي ﷺ أنها ستُحَرَّم، فتركَها من الآن، وعدلَ عنها، ولو كانت محرمة حينئذ، لم
стр. 3935
يُتصور (١) أن يُخير (٢) بينَ مباحٍ وحرام.
لكن قد (٣) يقال: فإذا كانت مباحة، فهي حينئذ مساويةٌ للَّبَنِ (٤)؛ ضرورةَ أن المباحاتِ سواءٌ لا رجحانَ فيها؛ إذ الرجحانُ منافٍ للإباحة.
قال ابن المنير: لا إشكالَ في افتراق مباحين أحدُهما تستمرُّ إباحتُه، والآخرُ تنقطع.
قلت: فيه نظر؛ إذ هما في حال إباحتهما (٥) سواء، وبعد تحريم أحدهما افترقا، فافتراقُهما في حال انقطاع إباحة أحدهما لا يقتضي افتراقَهما حالَ ثبوتِ الإباحة وعدمِ انقطاعها (٦)، فتأمله.
* * *
٢٥٦٩ - (٥٥٧٧) - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَدِيثاً لَا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ غَيْرِي، قَالَ: "مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَقِلَّ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، وَيَكْثُرَ النَّسَاءُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً قَيِّمُهُنَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ".
باب: الخَمْرِ مِنَ العِنَبِ وغَيرِهِ
٢٥٧١ - (٥٥٧٩) - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، حَدَّثَنَا مالِكٌ - هُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ -، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: لَقَد حُرِّمَتِ الْخَمرُ وَمَا بِالْمَدِينَةِ مِنْها شَيْءٌ.
(لقد حُرِّمَتِ الخمرُ وما بالمدينة منها شيءٌ): يريد: خمرَ العنب، وكانت الأعناب بها قليلةً، فلا يُستدلُّ بهذا على أن الأنبذة ليستْ خمراً؛ لأن معنى كلامه: لقد حُرمت الخمرُ، وما بالمدينة من خمر العنب شيءٌ، لكن من خمرِ البُسْرِ ونحوِه، على أنه لم ينحصر تحريمُها في تسميتها خمراً؛ لأن مَعَنا دليلاً عاماً، وهو أن ما أسكرَ كثيرُه (١)، فقليلُه حرام.
* * *
باب: الخَمْرِ مِنَ العَسَلِ، وهوَ البِتْعُ
٢٥٧٢ - (٥٥٨٧) - وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَنسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَنْتَبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ، وَلَا فِي الْمُزَفَّتِ". وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُلْحِقُ مَعَهَا الْحَنْتَمَ وَالنَّقِيرَ.
(وكان أبو هريرةَ يُلحق معهما: الحَنْتَمَ والنَّقِيرَ): وقد فسرهما في كتاب: الإيمان.
قال الزركشي: والعجبُ من ذكرِ البخاري لهما هنا من كلام أبي هريرة، وقد رواه هناك مرفوعاً من حديث ابن عباس في حديث وفدِ
стр. 3938
عبدِ القَيْسِ (١)(٢).
قلت: ليس مرادُ البخاري أن أبا هريرة يُلحق معهما الحنتمَ والنقيرَ من قَبيلِ نفسِه على أنه رأيٌ رآه، وإنما مرادُه (٣): أنه يلحقهما في روايته عن النبي ﷺ (٤)، لكنه عَلَّقه بصيغة الجزم.
قال الحافظ مغلطاي: رواه ابن سعد (٥) عن محمد بن بشر، ومحمد ابن عبيد عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، بلفظ: نهى (٦) رسولُ الله ﷺ أن يُنْبَذَ في المُزَفَّتِ وَالدُّبَّاءِ وَالحَنْتَمِ والنَّقِيرِ (٧).
وإذا ثبت ذلك، استبنْتَ أن ذكرَ الحنتمِ والنقيرِ ليس من كلام أبي هريرة [نفسِه، وإنما هو من كلام النبي ﷺ من طريق أبي هريرة] (٨)، فهو مرفوع، وغايةُ الأمر أن البخاري ذكره معلَّقاً، وليس رفعهُ للحديث أولًا من طريق ابن عباس بالذي يوجب عجباً من ذكره ثانياً بصيغة التعليق عن أبي هريرة، فتأمله.
* * *
قال القاضي: ورواه بعضهم بتشديد الراء (١).
(والخمرَ): هذا موضع الترجمة، وهو مطابق لها، إلا قولَه فيها: "ويُسَمِّيهِ بغير اسمه"، وإن كان قد ورد مُبَيَّناً في غير هذا الطريق من رواية ابن أبي شيبة بسنده إلى أبي مالك الأشعري: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "يَشْرَبُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الخَمْرَ يُسَمُّونَها بِغَيْرِ اسْمِهَا (٢)، يُضْرَبُ عَلَى رُؤُوسِهِمْ بِالمَعَازِفِ وَالقَيْنَاتِ، يَخْسِفُ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ، وَيَجْعَلُ مِنْهُمُ القِرَدَةَ وَالخَنَازِيرَ" (٣).
لكنه لما (٤) لم يوافق شرطَ البخاري تلكَ الزيادةُ، ترجمَ عليها، وقنع في الاستدلال عليها بقوله: "مِنْ أُمَّتِي"، فإن كونهم من الأمة يبعُد معه أن يستحلُّوها بغير تأويلٍ ولا تحريف؛ فإن في ذلك (٥) مجاهرةً بالخروج عن الأمة؛ إذ تحريمُ الخمر معلومٌ ضرورةً.
فإن قلت: الخمرُ مؤنثة، فكيف أعادَ البخاريُّ عليها ضميرَ المذكر من قوله: "ويسميه بغير اسمه"؟
قلت: بتأويل كونها شراباً، والعجبُ كيف غفلَ الزركشيُّ عن هذا المحل، وتخريجه على رأيه في أن المؤنثَ غيرَ الحقيقي يجوز تذكيرُه
стр. 3941
وتأنيثُه مطلقاً على ما ذكره مراتٍ، وقد بَيَّنا ما فيه.
(والمعازفَ): هي الدُّفوف وغيرُها من آلات اللهو.
(إلى جنب عَلَم): - بفتح العين المهملة واللام -: يريد: الجبل.
(فَيُبَيَّتُهُمُ (١) اللهُ): من التَّبْييت (٢)، وهو الإهلاكُ ليلاً.
(ويضعُ العَلَمَ): قيل: أي: يطرح الجبلَ عليهم، فيهلِكُهم.
(ويمسخُ آخرينَ قردةً وخنازيرَ إلى يوم القيامة): قال السفاقسي: الذي يصحُّ في النظر أن هذا لا يكون إلا فيمن يعتقدُ الكفر، ويتسمَّى بالإسلام؛ لأن الله لا يخسف بمن يعودُ عليه برحمته (٣) في المعاد.
قال الخطابي: فيه بيانُ أن المسخ يكون في هذه الأمة، والخسف لسائر الأمم؛ خلافاً لمن زعم أن ذلك لا يكون (٤).
* * *
باب: الانْتِبَاذِ في الأَوعِيَةِ والتَّورِ
٢٥٧٤ - (٥٥٩١) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلاً يَقُولُ: أَتَى أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، فَدَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي عُرْسِهِ، فَكَانَتِ امرَأَتُهُ خَادِمَهُمْ، وَهْيَ
стр. 3942
الْعَرُوسُ، قَال: أَتَدْرُونَ مَا سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ أَنْقَعْتُ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ.
(أنقعت): أي: بَلَلْتُ، يقال فيه: نَقَعْتُ، وأَنْقَعْتُ.
(في تَوْر): - بمثناة فوقية -: إناءٌ يُشرب فيه.
وقال الزمخشري (١): إناء صغير (٢)، وهو مذكَّر عند أهل اللغة (٣).
* * *
باب: تَرِخيصِ النَّبيِّ ﷺ في الأَوعيَةِ والظُّروفِ بَعْدَ النَّهيِ
٢٥٧٥ - (٥٥٩٣) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُلَيْمَانَ ابْنِ أَبي مُسْلِم الأَحْوَلِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي عِيَاضٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: لَمَّا نهى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الأَسْقِيَةِ، قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَجِدُ سِقَاءً، فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي الْجَرِّ غَيْرِ الْمُزَفَّتِ.
(لما نهى النبي ﷺ عن الأسقية): أي: عن الظُّروف، ويدلُّ على ذلك ما في الحديث؛ إذ قيل: له (٤): ليس (٥) كلُّ الناس يجدُ سقاءً، فرخَّص
стр. 3943
لهم في الجرِّ غيرِ المزفَّتِ؛ أي: غيرِ المطليِّ بالزَّفْت.
وقال القاضي: ذكرُ الأسقيةِ وهمٌ في الرواية، إنما هو: الأَوْعِية؛ لأنَ الأسقيةَ يتخللها الهواء من مسامِّها، فلا يُسرع إليها الفساد (١).
قلت: غايته (٢) أنه عبر بالأسقية عن الأوعية؛ لقرينةٍ تُشعر بالمراد كما تقدم، فأين الوهم؟
* * *
باب: البَاذَقِ، ومَنْ نَهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ مِنَ الأَشْرِبَةِ
٢٥٧٦ - (٥٥٩٨) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْبَاذَقِ، فَقَالَ: سَبَقَ مُحَمَّدٌ ﷺ الْبَاذَقَ: "فَمَا أَسْكَرَ، فَهْوَ حَرَامٌ". قَالَ: الشَّرَابُ الْحَلَالُ الطَّيِّبُ، قَالَ: لَيْسَ بعدَ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ إلَّا الْحَرَامُ الْخَبِيثُ.
(عن الباذَق): - بفتح الذال المعجمة - مُعَرَّبُ بَاذَه، وهو اسمُ (٣) الخمرة بالفارسية، وقيل: كان أول من وصفه وسماه بنو أمية؛ لينقلوه عن اسم الخمر (٤).
(فقال: سبقَ محمدٌ الباذَقَ): يريد ابن عباس ﵁: أن
стр. 3944
محمداً ﷺ سبقَ بتحريمِ الخمرِ تسميتَهم إياها بالباذَقِ، فليس التحريمُ منوطاً بمجرَّد الاسم حتى يكونَ تغييرُه مُغَيِّراً للحكم، وإنما الاعتبارُ بالإسكار، فإن وُجِدَ، فالتحريمُ ثابتٌ، سواءٌ سُمِّي المسكرُ باسمه الذي كانَ، أو غُيِّرَ إلى اسمٍ آخرَ.
* * *
باب: مَنْ رَأَى أَنْ لَا يَخْلِطَ الْبُسْرَ وَالتَّمْرَ إِذَا كَانَ مُسْكِراً، وَأَنْ لَا يَجْعَلَ إِدَامَيْنِ فِي إِدَامٍ
(باب: من رأى أن لا يَخلط البُسْرَ والتمرَ إذا كان مُسْكِراً، وأن لا يَجعلَ إدامين في إدام): قال ابن المنير: وَهَّمَ المهلبُ البخاريَّ في قوله: إذا كان مسكراً (١)، وقال: إن النهي عن الخليطين عامٌّ، وإن لم يُسكر كثيرُهما؛ لسرعةِ سريانِ الإسكار إليهما من حيث لا يُشعر به.
ولا يلزم البخاريَّ ذلك، إما لأنه يرى جوازَ الخليطين (٢) قبلَ الإسكار، وإما لأنه ترجمَ على ما يطابقُ الحديثَ الأول؛ أعني: حديثَ أنسٍ، ولا شك أن الذي كان يسقيه حينئذٍ لمن سماه مسكراً، ولهذا دخل عندهم في عموم تحريم الخمر، وقال أنس: وإنا لنعدُّها يومئذ الخمرَ، فدل (٣) ذلك على أنه كان مسكراً.
стр. 3945
وأما قوله: وأن لا يجعل إدامين في إدام، فيطابق حديثَ جابر: "نهى النبي ﷺ عن الزبيبِ والتمرِ، والبُسْرِ والرُّطَب" (١).
وقولَ أبي قتادة: "نَهى (٢) أن يُجْمَعَ بينَ التمرِ والزَّهْوِ، والتَّمرِ والزَّبيبِ، ولْيُنْبَذْ (٣) كُلُّ واحدٍ منهما على حِدَةٍ" (٤).
قال ابن المنير: ويكون النهي معلَّلاً بعللٍ مستقلة: إما تحقيق [إسكار خمر (٥) الكثير، وإما توقع] (٦) الإسكار بالاختلاط شرعاً، وإما الإسراف، والتعليلُ بالإسرافِ مُبينٌ في حديث النهي عن قِرانِ التمر هذا؛ والتمرتان من نوع واحد، فكيف بالمتعدد؟
ووجه ثالث في الاحتجاج، وهو أن يريد: تقييدَ الخليطين المكروهين؛ بأن يكون كلُّ واحد منهما لو انفردَ، أمكنَ أن يُعدَّ من المسكر، وهذا تقييد صحيح، ولهذا لا يضر خلطُ الماء والعسل؛ لأن الماء بمجرده لا يُسكر أبداً، ولا يَضُرُّ خلطُ السكَّرِ والعسل؛ لأن السكَّر لا يُتخذ منه مُسكِرٌ (٧) أبداً، فمعنى قوله: إذا كان مُسْكِراً: إذا كان من جنس ما يُسْكِر.
стр. 3946
وأما جمعُ إدامَيْن في إدام، فقد تحرَّجَ منه عمرُ ﵁، رُوي: أنه كان كثيراً ما يسأل حذيفةَ: هل عَدَّهُ رسولُ الله ﷺ في المنافقين؟ فيقول: لا، فيقول: هل رأيتَ فِيَّ (١) شيئاً في خِلالِ النفاق؟ فيقول: لا، ثم سأله عن ذلك مرة، فقال: لا، إلا واحدة، فقال: وما هي؟ قال: رأيتُك (٢) جمعتَ بين إدامَيْنِ على مائدةٍ: ملحٍ، وزيتٍ، وكنا نعدُّ هذا نفاقاً، فقال عمر: لله عليَّ أن لا أجمعَ بينهما.
فكان لا يأكل إلا بزيتٍ خاصَّةً، أو بملح خاصةً، فهذا - والله أعلم - إنما هو لطلب المعالي من الزُّهد والتقلُّل، وإلا، فلا خلاف بين العلماء أن الجمعَ بينهما مباحٌ بشرطه.
* * *
باب: شُرْبِ اللَّبَنِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تعالَى: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]
(باب: شرب (٣) اللبن، وقول الله : (يَخرُجُ مِن بَينِ فَرثٍ وَدَمٍ)): ليس في التلاوة: يخرج، وإنما هيْ: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾ [النحل: ٦٦].
٢٥٧٧ - (٥٦٠٥) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ
стр. 3947
أَبِي صَالِحٍ وَأَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: جَاءَ أبو حُمَيْدٍ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ مِنَ النَّقِيعِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَاّ خَمَّرْتَهُ، وَلَوْ أَنْ تَعْرُضَ عَلَيْهِ عُوداً".
(جاء أبو حميد بقدح من لبن من النقيع): النقيع هنا بنون، وهو موضعٌ معروفٌ بقرب المدينة تُعمل فيه الآنية، كان يستنقع فيه الماء؛ أي: يجتمعُ.
ورواية الشيخ أبي الحسن فيه بالباء الموحدة، وهو بقيعُ الغرقد مقبرةُ المدينة، قال الزركشي: وهذا تصحيف (١).
قلت (٢): لا أدري وجهَ التصحيف ما هو؛ إذ المعنى صحيحٌ على كلتا الراويتين، فتأمل ذلك.
(ولو أن تَعْرُض عليه عوداً): بفتح المثناة الفوقية من "تَعْرُضَ"، وضم رائها، كذا رواية الجمهور.
ورواه أبو عبيد بكسرها، ومعناه نصبُ العودِ على الإناء عَرْضاً (٣).
* * *
٢٥٧٨ - (٥٦١٠) - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رُفِعْتُ إِلَى السَّدرَةِ، فَإِذَا
стр. 3948
أرْبَعَةُ أَنْهَارٍ: نَهَرَانِ ظَاهِرَانِ، وَنَهَرَانِ بَاطِنَانِ، فَأَمَّا الظَّاهِرَانِ: النِّيلُ وَالْفُراتُ، وَأَمَّا البَاطِنَانِ: فَنَهَرَانِ فِي الْجَنَّةِ، فَأُتِيتُ بِثَلَاثَةِ أَقْدَاحٍ: قَدَحٌ فِيهِ لَبَنٌ، وَقَدحٌ فِيهِ عَسَلٌ، وَقَدَحٌ فِيهِ خَمْرٌ، فَأَخَذْتُ الَّذِي فِيهِ اللَّبَنُ، فَشَرِبْتُ، فَقِيلَ لِي: أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ أَنْتَ وَأُمَّتُكَ".
(وأُتيت بثلاثة أقداح: قدحٌ فيه لبن، وقدح فيه عسل، وقدح فيه خمر، فأخذت الذي فيه اللبنُ): قال ابن المنير: الأشهرُ في الحديث أنه أُتي بإناءين: لبنٍ، وخمرٍ، وهذا أيضاً صحيح، ولكن لم يذكر السرَّ في عُدولِه عن العسل، وذكرَ السرَّ في (١) عُدولِه عن الخمر، فظاهرُ الحال أن السرَّ في (٢) ذلك تفضيلُ اللبن على العسل؛ لأنه الأيسرُ (٣) والأنفعُ، ومنه نَشَزَ العَظْمُ، ونَبَتَ اللحمُ، وهو بمجرده (٤) قوتٌ، وليس هو أيضاً من الطيبات التي تدخل في السَّرَفِ بوجهٍ، وهو أقربُ إلى الزُّهد، فكأنه ﵊ مع تركِه للخمر التي حُرِّمَتْ، تركَ العسلَ الذي هو حلالٌ؛ لأنه من اللذائذ التي يُخشى على صاحبها أن يندرجَ في قوله تعالى: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]، ولهذا رفع عمر ﵁ شربةَ عسلٍ إلى فيه، ثم رَدَّها، وتلا الآية، وأما اللبنُ، فلا شُبهة فيه، ولا مُنافاةَ بينه وبين الوَرَعِ بوجهٍ.
стр. 3949
وأما حُبُّه ﵊ للعسل، فعلى وجه الاقتصاد في تناوله، لا أنه يجعله دَيْدَناً، وتناوُلُه وقتاً ما يُخرج المتورِّعَ (١) من عُهدة التنطُّع، والنبيُّ ﷺ مُشَرَّعٌ، فلذلك يفعلُ ما يجوزُ للبيان.
* * *
باب: اسْتِعْذَابِ الْمَاءِ
(باب: استعذاب الماء): غرضُ الترجمة أن التماسَ (٢) الماءِ العذبِ الطيبِ ليس مُنافياً للزهد، ولا داخلاً في الترفُّه والترفِ (٣) المكروهِ، وما ذكره ابنُ بطال من قيامِ استحبابِ الطيباتِ من الطعام (٤) على استعذاب الماء (٥)، غيرُ مستقيم لمن أراد الورعَ (٦).
* * *
باب: شَوبِ اللَّبَنِ بالمَاءِ
٢٥٧٩ - (٥٦١٢) - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أَنَّهُ رَأَى
стр. 3950
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَرِبَ لَبَناً، وَأَتَى دَارَهُ، فَحَلَبْتُ شَاةً، فَشُبْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْبِئْرِ، فَتَنَاوَلَ الْقَدَحَ فَشَرِبَ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ، فَأَعْطَى الأَعْرَابِيَّ فَضْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: "الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ".
(فحلبتُ شاةً، فشُبْتُ لرسول الله ﷺ من البئر): هذا ليس من الخليطين في شيء، وهو ما يحقق قولُه في الخليطين: إذا كان مُسْكراً؛ أي: كلُّ واحدٍ منهما من جنس ما يُسْكر، والماءُ واللبنُ ليسا من ذلك بسبيل (١).
(ثم قال: الأيمنَ فالأيمنَ): بالنصب على الحال؛ أي: اشربوا مترتبين على هذا النمط، وبالرفع على أنه مبتدأ حُذف خبره؛ أي: أولى وأحقُّ بالشرب من غيره.
* * *
٢٥٨٠ - (٥٦١٣) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي شَنَّةٍ، وَإِلَاّ كَرَعْنَا". قَالَ: وَالرَّجُلُ يُحَوَّلُ الْمَاءَ فِي حَائِطِهِ، قَالَ: فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ! عِنْدِي مَاءٌ بَائِتٌ، فَانْطَلِقْ إِلَى الْعَرِيشِ، قَالَ: فَانْطَلَقَ بِهِمَا، فَسَكَبَ فِي قَدَحٍ، ثُمَّ حَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ داجِنٍ لَهُ، قَالَ: فَشَوِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ شَرِبَ الرَّجُلُ الَّذِي جَاءَ مَعَهُ.
стр. 3951
(في شَنّة): - بفتح الشين المعجمة وتشديد النون -؛ أي: قِرْبَةٍ خَلَقٍ.
(وإلا كرعنا): بفتح الراء، وقد تكسر؛ أي: شربنا من النهر [بأفواهنا، يقال: كَرَعَ: إذا شرب بفيهِ من النهر] (١) من غير أن يُدخل كفَّه، ولا يشربَ بإناء (٢).
* * *
باب: شَرَابِ الْحَلْوَاءِ وَالْعَسَلِ
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا يَحِلُّ شُرْبُ بَوْلِ النَّاسِ لِشِدَّةٍ تَنْزِلُ؛ لأَنَّهُ رِجْسٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٥].
وقال ابنُ مَسْعُودٍ في السُّكْرِ: إِنَّ اللهَ لَمَ يَجْعَلْ شِفَاءَكُم فيما حَرَّم عَلَيكُمْ.
(باب: شربِ الحلواء والعسل): ترجم على هذا، وأعقبه بضده من قول الزهري: لا يحل شربُ بولِ الناس، وقول ابن مسعود في السكر: لم يجعلِ اللهُ شفاءكم فيما حَرَّمَ عليكم، وبضدها تَتَبَيَّنُ الأشياءُ (٣)، ثم عادَ إلى ما يطابق الترجمة نصاً، ونبه بقوله: شُربِ الحلواءِ على أنها ليست الحلواءَ المعهودةَ التي يتعاطاها المترفِّهون، وإنما هو شيء (٤) حلوٌ يُشرب، إِمَّا
стр. 3952
عسلٌ بماء، أو غيرُ ذلك مما يشاكله (١).
قلت: تقدم للخطابي أن الحلواء لا تُطلق (٢) إلا على ما دخلَتْه الصنعة، فتذكره.
قال ابن التين (٣): والعربُ لا تعرف هذه (٤) الحلواءَ المعقودةَ التي هي الآن معهودةٌ، وإنما يُطلقونها على الشيء الحلو؛ كالعسل، والماءِ المنبوذِ فيه التمرُ وغيرُه.
واعترضه الحافظ مغلطاي: بأنه لا خلافَ في أن العرب يعرفون الفالوذَجَ، وهو لُبابُ (٥) البُرَّ بِسَمْنِ البَقَرِ يُعْقَدُ بالعسل، وهو الذي نسميه الآن بالصابونية (٦).
قال أميةُ بنُ أبي الصَّلْتِ في ابنِ جُدْعانَ:
لَهُ داعِ بِمَكَّةَ مُشْمَعِلٌّ ... وَآخَرُ فَوْقَ دَارَتِهِ (٧) يُنَادِي
إلى رُدُحِ (٨) مِنَ الشِّيزَى مِلَاءٍ (٩) .... لُبَابُ البُرَّ يُلْبَكُ بِالشِّهَادِ
стр. 3953
قلت: ليس فيما استشهد به ما يدل على ما ادعاه من عقد اللباب بالعسل؛ إذ اللَّبْكُ: الخَلْطُ، وهو أعمُّ من أن يكونَ بعقدٍ أو بغيرِه (١).
* * *
باب: الشُّرْبِ قَائِمَاً
٢٥٨١ - (٥٦١٥) - حَدَّثَنَا أبَو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْنِ مَيْسَرَةَ، عَنِ النَّزَّالِ، قَالَ: أَتَى عَلِيٌّ ﵁ عَلَى بَابِ الرَّحَبَةِ، فَشَرِبَ قَائِماً، فَقَالَ: إِنَّ نَاساً يَكْرَهُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَشْرَبَ وَهْوَ قَائِمٌ، وَإِنَّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ كَمَا رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ.
(على باب الرَّحْبة): قال الزركشي: جوز فيه (٢) السفاقسي إسكان الحاء وفتحها، على نقيض نقل الجوهري (٣).
قلت: الذي (٤) في السفاقسي نصه: قال في "الصحاح": الرَّحْبُ - بالفتح -: الواسع، تقول منه: بلدٌ رَحْبٌ، وأرضٌ رَحْبَةٌ، ثم قال بعد: والرَّحَبَةُ - بالتحريك -: رَحَبَةُ المسجدِ يقرأ بالتحريك (٥)، وهذا هو البين. انتهى.
وحاصله: أن الجوهري جعل الرَّحْبَةَ - بفتح الراء وسكون الحاء -:
стр. 3954
الأرض المتسعة، [وبفتحهما معاً: ساحةَ المسجد، فإن أُريد في الحديث الأرضُ المتسعة، سَكَّنْتَ] (١) الحاء، وإن أُريد أن تلكَ الأرضَ ساحة الكوفة، فتحتَ الحاء، فكيف يكونُ كلام السفاقسي نقيضاً لنقل الجوهري، وهو مفرَّعٌ عليه كما رأيت؟!
* * *
٢٥٨٢ - (٥٦١٦) - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ، سَمِعْتُ النَّزَّالَ بْنَ سَبْرَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ عَلِيًّ ﵁: أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ قَعَدَ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ فِي رَحَبَةِ الْكُوفَةِ، حَتَّى حَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، ثُمَّ أُتِيَ بِمَاءٍ، فَشَرِبَ وَغَسَلَ وَجْههُ وَيَدَيْهِ، وَذَكَرَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَامَ، فَشَرِبَ فَضْلَهُ وَهْوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ ناَساً يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قَائِماً، وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ.
(في حوائج الناس): جمع حاجة على ما ذكره ابنُ فارس والجوهري وغيرهما، وأنكره الداودي، وقال: إنما (٢) يُجمع على حاجات (٣).
* * *
باب: تَغْطِيَةِ الإِنَاءِ
٢٥٨٣ - (٥٦٢٣) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ
قال الزركشي حاكياً عن غيره: وهو الصواب، كما جاء في الأحاديث: "حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ" (١).
قلت: بل كُلٌّ صوابٌ؛ فإن "حَيَّ" (٢) بمعنى أَقْبِلْ، فإن كان (٣) المخاطبُ المأمورُ بالإقبال هو الذي يُريد الطَّهور (٤)، كان سقوط (٥) "أهل" صواباً؛ أي: أقبلْ أيها المريدُ للتطَهُّر (٦) على الماءِ الطَّهور، وإن جعلنا المخاطبَ هو الماءَ (٧) الذي أرادَ النبي ﷺ انبعاثه وتفجُّره (٨) من بين أصابعه، نَزَّلَهُ منزلةَ المخاطَب تجوزاً، فإثباتُ "أهل" صوابٌ؛ أي: أقبلْ أيها الماءُ الطَّهور على أهل الوضوء (٩)، ووجَّه القاضي هذه الرواية بأن يكون "أهل" منصوباً على النداء، كما تقول: حَيَّ على الوضوء (١٠).
قلت (١١): لكن يلزم عليه حذفُ المجرور، وبقاءُ الحرف الجارِّ غيرَ داخلٍ في اللفظ على معموله، وهو باطلٌ، ولا أعلم أحداً أجازه.
стр. 3960
(فجعلتُ لا آلو ما جعلتُ (١) في بطني منه): وذلك أَنَّ شربَ البركةِ يُغْتَفَرُ فيه الإكثارُ، لا كالشربِ المعتاد الذي وردَ أن يُجعل له الثُّلُثُ، فلأجل ذلك أَكْثَرَ (٢)، وإن كان فوقَ الرَّيَّ.
* * *