قال الزركشي حاكياً عن غيره: وهو الصواب، كما جاء في الأحاديث: "حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ" (١).
قلت: بل كُلٌّ صوابٌ؛ فإن "حَيَّ" (٢) بمعنى أَقْبِلْ، فإن كان (٣) المخاطبُ المأمورُ بالإقبال هو الذي يُريد الطَّهور (٤)، كان سقوط (٥) "أهل" صواباً؛ أي: أقبلْ أيها المريدُ للتطَهُّر (٦) على الماءِ الطَّهور، وإن جعلنا المخاطبَ هو الماءَ (٧) الذي أرادَ النبي ﷺ انبعاثه وتفجُّره (٨) من بين أصابعه، نَزَّلَهُ منزلةَ المخاطَب تجوزاً، فإثباتُ "أهل" صوابٌ؛ أي: أقبلْ أيها الماءُ الطَّهور على أهل الوضوء (٩)، ووجَّه القاضي هذه الرواية بأن يكون "أهل" منصوباً على النداء، كما تقول: حَيَّ على الوضوء (١٠).
قلت (١١): لكن يلزم عليه حذفُ المجرور، وبقاءُ الحرف الجارِّ غيرَ داخلٍ في اللفظ على معموله، وهو باطلٌ، ولا أعلم أحداً أجازه.
стр. 3960
(فجعلتُ لا آلو ما جعلتُ (١) في بطني منه): وذلك أَنَّ شربَ البركةِ يُغْتَفَرُ فيه الإكثارُ، لا كالشربِ المعتاد الذي وردَ أن يُجعل له الثُّلُثُ، فلأجل ذلك أَكْثَرَ (٢)، وإن كان فوقَ الرَّيَّ.
* * *
стр. 3961
كتاب المرضى
стр. 3962
كتاب المرضى
باب: مَا جَاءَ في كَفَّارَةِ المَرْضَى
٢٥٩٠ - (٥٦٤١ و ٥٦٤٢) - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمًّ وَلَا حُزْنٍ، وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَاّ كَفَّرَ اللَّهُ بِها مِنْ خَطَايَاهُ".
(كتاب: المرضى).
(من نصبٍ ولا وَصَبٍ ولا هَمٍّ): النَّصَبُ: الإعياءُ، والوَصَبُ: المرض والألمُ، والهمُّ: مرضٌ يَخُصُّ الباطنَ.
(حتى الشَّوْكَةَ): جوز فيه أبو البقاء أوجهَ الإعراب: فالجرُّ على أن "حتى" جارَّةٌ بمعنى "إلى"، والنَّصْبُ بفعلٍ محذوف؛ أي: حتى يجدَ الشوكةَ، والرفعُ إما بالعطف على محلِّ "مِنْ نَصَبٍ" أو على أنه مبتدأ محذوفُ الخبر (١)(٢).
(يُشاكُها): أي: يُصاب بها.
стр. 3963
قال السفاقسي: حقيقةُ هذا اللفظ أن يُدْخِلَها غيرُه في جسده، يقال: شُكْتُه أَشُوكُهُ.
قال الأصمعي: ويقال: شَاكَتْني تَشُوكُني: إذا دخلَتْ هي، فلو كان المرادُ هذا، لقيل: تشوكُه، ولكنْ جعلها هي مفعولَةً (١)، [وجعلَه (٢) هو مفعولاً به] (٣) أيضاً (٤).
قلت: ولا (٥) بِدَعَ في ذلك، ولا إشكالَ بوجه من الوجوه.
* * *
٢٥٩١ - (٥٦٤٥) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أِبي صَعْصَعَةَ: أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ ابْنَ يَسَارٍ أَبا الْحُبَابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً، يُصِبْ مِنْهُ".
(من يُرِدِ اللهُ به خيراً، يُصِبْ منه): أي: يَبْتليه بالمصائب؛ ليثيبَهُ عليها، قاله صاحب "الغريبين".
وقال أبو الفرج: عامَّةُ المحدِّثين يقرؤونه بكسر الصاد، يجعلون الفعلَ لله، وسمعتُ ابن الخشاب يفتح الصاد، وهو أحسنُ وأليقُ (٦).
كتاب الطب
باب: الشِّفَاءُ في ثَلاثَةٍ
٢٥٩٨ - (٥٦٨١) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيم، أَخْبَرَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ أَبُو الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ، عَنْ سَالِمِ الأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي شرطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ".
(الشفاء في ثلاثة: في شَرْطَةِ مِحْجَم): - بكسر الميم -؛ أي: استفراغِ الدمِ، وإنما خَصَّ الحجامة بالذِّكْر؛ لأن غالبَ إخراجِهم الدمَ بها، وفي معناها إخراجُ الدمِ بالفَصْدِ.
(أو شربة عسل): قيل: ليس المرادُ: الشربَ على الخصوص، بل استعمالَه في الجملة فيما يصلُح استعمالُه فيه؛ فإنه يدخل في المعجونات المسهلة؛ ليحفظ على تلك الأدوية (١) قواها (٢)، فَتُسهل الأخلاط التي في البدن.
(أو كَيَّةٍ بنار): ويروى: "أَوْ كَيَّةِ نارٍ" بالإضافة، وإنما يكون الكيُّ في
стр. 3970
الداء العُضال، والخِلْطِ الذي لا يُقدر على حسمِ مادَّتِه إلَّا بِهِ (١).
فإن قلت: المبدَلُ منه هو "ثلاثة" من قوله: "الشفاءُ في ثلاثة"، والبدلُ أحدُ ثلاثة؛ لوجود العطف بـ "أو"، فما وَجْهُه؟!
قلت: هو على حذف مضاف؛ أي: الشفاء في أحدِ ثلاثةٍ، فليس البدلُ منه والبدلُ مختلفين بالتعدُّد (٢) والوَحْدة، بل هما متفقان بهذا التقدير؛ كما قالوه في قول الشاعر:
وَقَالُوا لَنَا ثِنْتَانِ لَا بُدَّ مِنْهُمَا ... صُدُورُ رِمَاح أُشْرِعَتْ أَوْ سَلاسِلُ
أي: لنا أحدُ خَصْلتين ثنتين.
* * *
باب: الدَّوَاءِ بِالعَسَلِ، وقَولِ اللهِ تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]
٢٥٩٩ - (٥٦٨٤) - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكَّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: أَخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ، فَقَالَ: "اسْقِهِ عَسَلاً". ثُمَّ أَتَى الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: "اسْقِهِ عَسَلاً". ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: فَعَلْتُ؟ فَقَالَ: "صَدَقَ اللَّهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ، اسْقِهِ عَسَلاً"، فَسَقَاهُ، فَبَرَأَ.
(صدقَ اللهُ وكذبَ بطنُ أخيك): قال ابن التين (٣): يجوزُ أن يكون
стр. 3971
شكوى أخيه من بَرْدٍ، أو فَضْلِ بَلْغَمٍ، فينفعُه العسل.
وقيل: لبركةِ (١) أمرِه ﵇، فيكون خاصاً بذلك الرجل (٢).
قال بعضهم: وفيه أن الكذبَ قد يُطلق على عدمِ المطابقةِ في غيرِ الخبر.
قلت: هو على سبيل الاستعارة التَّبَعِيَّةِ.
* * *
باب: الحَبَّةِ السَّودَاءِ
٢٦٠٠ - (٥٦٨٧) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أِبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: خَرَجْنَا، وَمَعَنَا غالِبُ بْنُ أَبْجَرَ، فَمَرِضَ فِي الطَّرِيقِ، فَقَدِمنَا الْمَدِينَةَ وَهْوَ مَرِيضٌ، فَعَادَهُ ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ، فَقَالَ لَنَا: عَلَيْكُم بِهَذِهِ الْحُبَيْبَةِ السَّوْدَاءِ، فَخُذُوا مِنْهَا خَمْساً أَوْ سَبْعاً، فَاسْحَقُوهَا، ثُمَّ اقْطُرُوها فِي أَنْفِهِ بِقَطَراتِ زَيْتٍ، فِي هَذَا الْجَانِبِ، وَفِي هذَا الْجَانِبِ؛ فَإنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْنِي: أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ هَذِهِ الْحَبَّةَ السَّوْدَاءَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ، إِلَاّ مِنَ السَّامِ". قَلْتُ: وَمَا السَّامُ؟ قَالَ: الْمَوْتُ.
(غالبُ بنُ أَبْجَرَ): بموحَّدة وجيم، غير منصرف.
(الحبة السوداء شفاءٌ من كل داء، إلا من السام): قيل: هذا من العامِّ المرادِ به الخاصُّ، والمراد: كُلُّ داءٍ يحدثُ من الرطوبة والبرودة والبلغم؛ لأنها (٣)
المعجمة، وقال: كذا لهم، وعند المروزي: "النغيض"، بالنون (١).
[قال الزركشي: ورواه القابسي: النغيض بالنون] (٢)، ولا وجه له (٣).
قلت: إن كان بالنون مع [الضاد المعجمة، فمسلم أنه لا وجه، وأما إن كان بالنون مع] (٤) الصاد المهملة، فوجهُه ظاهر؛ إذ هو من قولهم: نَغَّصَ اللهُ عَيْشَه: إذا كَدَّرَهُ، والمعنى: أنه يُكَدَّرُ على المريض عِيشَتَه باعتبار ما يجده في نفسه من الكراهة له، وتجشُّمِ المشقةِ في استعماله إياه، مع نفعِه إياه، ولم أر أحداً من الشارحين تعرض إلى ضبط الصاد مع رواية النون، هل هي بالإهمال أو بالإعجام؟ فينبغي تحريره.
* * *
باب: السَّعُوطِ بِالْقُسْطِ الْهِنْدِيَّ الْبَحْرِيِّ
وَهُوَ الْكُسْتُ، مِثْلُ الْكَافُورِ وَالْقَافُورِ، مِثْلُ ﴿كُشِطَتْ﴾ [التكوير: ١١]: نُزِعَتْ، وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: قُشِطَتْ.
(السَّعوط بالقُسْطِ الهنديَّ): السَّعُوط - بفتح السين -: ما يُجعل من الدواء في الأنف، والقُسْطُ الهنديُّ: عقارٌ معروف، ويروى: "كُسْط" - بالكاف بدل القاف - وعلى كل منهما، فيروى بالمثناة الفوقية بدل الطاء المهملة (٥).
стр. 3974
٢٦٠٣ - (٥٦٩٢) - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ، قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ؛ فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ: يُسْتَعَطُ بِهِ مِنَ الْعُذْرَةِ، وَيُلَدُّ بِهِ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ".
(من العُذْرة): - بضم العين المهملة وإسكان الذال المعجمة -: وجعُ الحلق.
(ويُلَدُّ به من ذاتِ الجَنْب): اللَّدُودُ - بفتح اللام -: ما يُسقاه المريض من الأدوية في أحد شِقَّي الفم، ولديدُ الفم: جانباه.
وحكى الخطابي: أن ذات الجنب إذا حدثت من البلغم (١)، نفعَ منها (٢) القسطُ البحري.
وقد ذكر في الحديث: أن فيه سبعةَ أشفية، ذَكَر منها اثنين، وطوى الذكر عن خمسة (٣).
* * *
باب: الحِجَامَةِ مِنَ الدَّاءِ
٢٦٠٤ - (٥٦٩٦) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ،
أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ". فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا؟ قَالَ: "سَبَقَكَ عُكَّاشَةُ".
(لا يَسْتَرقون): قيل: فيه دليلٌ على كراهية التداوي.
وقيل: ليس فيه دليل على منع الرقية، ووجهُه أن يكون تركَها توكُّلاً على الله، ورضي ببلائه وقضائه، وهذه (١) أرفعُ الدرجات.
وذهب إلى هذا أبو الدرداء وغيرُه من الصحابة، ورُوي ذلك عن الصدَّيق ﵁، ويحتمل أن يكون كره من الرُّقية ما كان على مذهب التمائم التي كانوا يعلِّقونها، والعوذ التي كانوا في الجاهلية يتعاطونها، يزعمون أنها تُذهب الآفات عنهم، وكانوا (٢) يرون معظمَ ذلك في الجن، وهذا محظور (٣) يحرُمُ التصديقُ به (٤).
* * *
باب: الإِثْمِدِ والكُحْلِ مِنَ الرَّمَدِ
٢٦٠٨ - (٥٧٠٦) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ ناَفِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ، محَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أَنَّ
стр. 3978
امْرَأَةً تُوُفِّيَ زَوْجُهَا، فَاشْتَكَتْ عَيْنَهَا، فَذَكَرُوهَا لِلنَّبِيَّ ﷺ ، وَذَكَرُوا لَهُ الْكُحْلَ، وَأَنَّهُ يُخَافُ عَلَى عَيْنِهَا، فَقَالَ: "لَقَدْ كَانَتْ إِحدَاكُنَّ تَمكُثُ فِي بَيْتِها، فِي شَرِّ أَحلَاسِهَا، أَوْ: فِي أَحْلَاسِهَا فِي شَرِّ بَيْتِهَا، فَإِذَا مَرَّ كَلْبٌ، رَمَتْ بَعْرَةً، فَلَا، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً".
(في شَرِّ أَحْلاسِها): قال الداودي: هي ثيابُها التي تَلْبَسُها (١).
(فلا، أربعةَ أشهرٍ وعَشْراً): قال الزركشي: "لا" نفي للكلام السابق، ويجب الوقفُ عليه؛ لأنه نهى عن الرخصة التي سألت (٢).
قلت: أولُ كلامه يقتضي أنها [نافية، وآخره يقتضي أنها] (٣) ناهية، وقد يجاب عنه.
وقوله بوجوب الوقف على "لا" ممنوع، وتعليلُه ذلكَ بأنه (٤) نهى عن الرخصة التي سألت (٥) غيرُ مناسب، وأربعةَ أشهرٍ منصوب بفعل مقدر: تمكث، أو نحوه.
* * *
стр. 3979
باب: الجُذَامِ
٢٦٠٩ - (٥٧٠٧) - وَقَالَ عَفَّانُ: حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ مِينَاءَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا عدوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ".
(لا عَدْوَى): هذا وإن كان عاماً، فهو مخصوصٌ ببعض الأدواء دونَ بعض، فلا يعارض قوله: "وَفِرَّ من المجذوم".
وقيل: بل هو باقٍ على عمومه، والمراد: نفيُ اعتقاد ما كانت الجاهلية تعتقده في بعض الأدواء أنها تُعدي بطَبْعِها، وهو خبرٌ أُريد به النهيُ.
(ولا طِيَرة): - بكسر الطاء المهملة وفتح المثناة التحتية -: مشتقة من الطير إذ (١) كان أكثرُ تَطَيُّرِ الجاهليةِ ناشئاً (٢) عنها.
(ولا هامَةَ): بتخفيف الميم على الصحيح.
وحكى أبو زيد تشديدَها.
كانوا في الجاهلية يقولون: إن عظام الموتى تفسير هامَةً فتطيرُ (٣).
(ولا صَفَرَ): قيل: حَيَّة (٤) تكونُ في البطن تُصيب الماشيةَ والناسَ.
وقيل: تأخيرُهم تحريمَ المحرَّمِ إلى صَفَرٍ، فأبطلَ الإسلامُ ذلك كلَّه (٥).
عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلَا تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ". قَالَ: فَحَمِدَ اللهَ عُمَرُ، ثُمَّ انْصَرَفَ.
(حتى إذا كان بسَرْغ): - بفتح السين المهملة وإسكان الراء بعدها غين معجمة -، وحكى القاضي: أيضاً فتح الراء: قريةٌ (١) بوادي تبوك قريباً من الشام، يجوز صرفُه، وعدمُ صرفه (٢).
(فأخبروه أن الوباء): مهموز مع المد وعدمه، لغتان فيه، قيل: والقصرُ أشهر (٣)(٤).
(من (٥) مَشِيخة قريش): - بفتح الميم وكسر الشين المعجمة -: جمعُ شيخ.
(لو غيرُك قالها): قال الزركشي: هذا خلافُ الجادَّة؛ فإن "لو" خاصة بالفعل، وقد يليها اسم مرفوع معمولٌ لمحذوفٍ يفسره ما بعده؛ كقولهم: لو ذَاتُ سِوارٍ لَطَمَتْني، ومنه هذا (٦).
قلت: قوله: إن "لو" خاصة بالفعل لا ينتج له مدَّعاه من كون هذا التركيب على خلاف الجادة؛ فإنا إذا قدرنا ما بعد "لو" معمولاً لفعل (٧)
стр. 3984
محذوف، كانت "لو" باقية (١) على اختصاصها بالفعل.
فإن قلت: عنى: خاصة (٢) بدخولها على الفعل الملفوظ به، لا المقدر.
قلت: يرد عليه حينئذ نحوُ قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٠] إلى غير ذلك (٣).
وجواب "لو" في هذا الحديث محذوف؛ أي: لو قالها غيرُك، لم أتعجَّبْ منه، وإنما أتعجَّبُ من قولِكَ معَ فضلِكَ (٤).
(له عُدْوتان): - بعين مهملة تضم وتكسر وقال مهملة ساكنة -؛ أي: شاطئان وحَافَتان.
(إحداهما خصبة): قال السفاقسي: ضبط في بعض النسخ بفتح الخاء وكسر الصاد، وفي بعضها بسكون الصاد (٥).
وفي "الصحاح": الخِصْب - بالكسر -؛ يعني: كسر الخاء: نقيضُ الجَدْب، قال: بَلَدٌ خِصْبٌ، وأرضٌ جَدْبَة (٦)، بفتح الجيم وسكون الدال.
(إذا سمعتم به بأرض، فلا تَقْدَموا عليه): يريد: ليكونَ ذلك أسكنَ لأنفسكم، وأقطعَ لوساوسِ الشيطان.
стр. 3985
(فلا تخرجوا فراراً منه): لئلا يكونَ (١) معارضةً للقدر.
وفيه: قبولُ خبرِ الواحد؛ لأن الصحابة كانوا مختلفين في الرأي قبلَ أن يُعلمهم ابنُ عوفٍ بالحديث.
* * *
٢٦١٣ - (٥٧٣١) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ، عَنْ أَبِي هرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ الْمَسِيحُ، وَلَا الطَّاعُونُ".
(لا يدخل المدينةَ المسيحُ ولا الطاعونُ): قال في "المعونة": هذا بين أن المدينةَ أفضلُ البقاعِ.
وضبط المسيح: بكسر الميم وتشديد السين، وضبط أيضاً بفتح الميم وكسر السين مخففة، والطاعونُ: الموتُ الشاملُ، وقد ورد: "الطَّاعُونُ لا يَدْخُلُ مَكَّةَ" أيضاً، وإسناده ضعيف (٢).
وفي "المعارف" لابن قتيبة: لم يقعْ في المدينة، ولا بمكةَ طاعونٌ قَطُّ (٣).
قال ابن الملقن: [أما المدينة، فنعم، وأما مكة] (٤)، فدخلها سنة
стр. 3986
تسع وأربعين وسبع مئة (١).
قلت: ظاهرُ كلامِه الاعتراضُ على ابن قتيبةَ، ولا اعتراضَ عليه بذلك أصلاً.
* * *
٢٦١٤ - (٥٧٣٢) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ، قَالَتْ: قَالَ لِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: يَحيىَ بمَا مَاتَ؟ قُلْتُ: مِنَ الطَّاعُونِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الطَّاعُونُ شَهادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ".
(حدثتني حفصةُ بنتُ سيرينَ: [قالت]: قال لي أنسُ بن مالِكٍ: يحيى (٢) بما مات): وفي نسخة: "بم (٣) ماتَ"، وهي اللغة الشائعة، والمرادُ به: يحيى بن أبي عمرة، كما رواه مسلم (٤)، وليسَ لحفصةَ عن أنسٍ في "الصحيحين" غيرُ هذا (٥).
* * *
باب: أَجْرِ الصَّابِرِ في الطَّاعُونِ
٢٦١٥ - (٥٧٣٤) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا داوُدُ بْنُ
وفي "الصحاح": والسُّفْعَةُ - بضم السين (١) - في الوجه: سوادٌ في خَدَّي المرأةِ الشاحبة (٢).
(فإن بها النَّظْرَةَ): يريد: العينَ.
وفي "الصحاح": النظرةُ: عينُ الجِنِّ (٣).
قال الخطابي: فقال (٤): عيونُ الجِنِّ أَنْفَذُ (٥) من أَسِنَّةِ الرِّماح (٦)، وروينا: أنه لما ماتَ سعدٌ، سمعنا قائلاً من الجِنِّ يقول:
قَتَلْنا سَيِّدَ الخَزْرَ ... جِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ
وَرَمَيْنَاهُ (٧) بِسَهْمَيْـ ...... ـنِ فَلَمْ نُخْطِ فُؤَادَهْ
قال: فتأوله بعضُهم: أصبناه بعينين (٨).
* * *
باب: العَينُ حَقٌّ
٢٦٢٠ - (٥٧٤٠) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ
стр. 3991
مَعْمَرٍ، عَنْ همَّامٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "الْعَيْنُ حَقٌّ". وَنَهَى عَنِ الْوَشْمِ".
(العين حَقٌّ): أي: الإصابةُ بها حَقٌّ، ولها (١) تأثيرٌ في النفوس.
* * *
باب: رُقْيةِ النَّبيِّ ﷺ -
٢٦٢١ - (٥٧٤٣) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيًّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ مُسْلِمِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ، يَمْسَحُ بِيَدهِ الْيُمْنَى، وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ! أَذْهِبِ الْبَأسَ، اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَاّ شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَماً".
(لا شفاءَ إلا شفاؤُكَ): الكلام في إعرابه كالكلام في قولنا: "لا إلهَ إلا الله"، ولا يخفى أنه بحسب صدر الكلام نفيٌ لكلَّ إلهٍ سواه، وبحسبِ الاستثناء إثباتٌ له، ولإلوهِيَّته؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، لا سيما إذا كان بدلاً، فإنه يكون هو المقصودَ بالنسبة، ولهذا كان البدلُ الذي هو المختارُ في كلِّ كلامٍ تامًّ غيرِ موجبٍ بمنزلة الواجبِ في هذه الكلمة الشريفة، حتى لا يكاد يستعمل "لا إله إلا الله" - بالنصب -، ولا إله إلا إياه.
فإن قيل: كيف يصحُّ مع أن البدلَ هو المقصودُ، والنسبةُ إلى المبدَلِ منه سلبيةٌ؟
стр. 3992
فالجواب: أنه إنما وقعت النسبة إلى البدل بعدَ النقض بإلَاّ، فالبدلُ هو المقصود بالنفي المعتبر في المبدَل منه، لكنْ بعدَ نقضه، ونقضُ النفي إثباتٌ.
(شفاءً): بالنصب، على أنه مصدر اشْفِ، وبالرفع، على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: الشفاءُ المطلوبُ.
(لا يغادر): لا يتركُ.
(سقْماً): بضم السين وإسكان القاف، وبفتحهما (١) معاً، لغتان.
* * *
٢٦٢٢ - (٥٧٤٥) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ رَبَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَمرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ لِلْمَرِيض: "بِاسْم اللَّهِ، تُرْبَةُ أرضِنَا، بِرِيقَةِ بَعضِنَا، يُشْفَى سَقِيمُنَا، بإِذْنِ رَبَّنَا".
(تربةُ أرضنا): يريد: العمومَ؛ أي: كلَّ أرض.
وقيل: يريد: المدينةَ خاصَّةَ؛ لبركتها.
(وريقة (٢) بعضِنا): قيل: الرِّيقَةُ أَقَلُّ من الريق، ومعناه: أنه يأخذُ من ريقِ نفسِه على إصبعه السبابة، ثم يضعها على التراب، فيتعلق بها شيء،
стр. 3993
فيمسح (١) به على موضع الجرح أو الألم، ويقول هذا الكلامَ في حالة المسح (٢).
* * *
باب: النَّفْثِ في الرُّقْيَةِ
٢٦٢٣ - (٥٧٤٧) - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قتُادَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ شَيْئاً يَكْرَهُهُ، فَلْيَنْفِثْ حِينَ يَسْتَيْقِظُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَيَتَعَوذْ مِنْ شَرِّها؛ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ". وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وإنْ كُنْتُ لأَرَى الرُّؤْيَا أَثْقَلَ عَلَيَّ مِنَ الْجَبَلِ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ، فَمَا أُبَالِيهَا.
(الرؤيا من الله): يريد: الرؤيا الصالحةَ التي لا تخليطَ فيها من الشيطان، وليس بها أمورٌ فاحشة.
(والحُلْم من الشيطان): - بضم الحاء المهملة وسكون اللام وضمها -: ما يراه النائم من الأمور الفاحشة، وما يحصُل له من فزع، وهذا من الشيطان يهول ويخلط ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٠].
* * *