مَعْمَرٍ، عَنْ همَّامٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "الْعَيْنُ حَقٌّ". وَنَهَى عَنِ الْوَشْمِ".
(العين حَقٌّ): أي: الإصابةُ بها حَقٌّ، ولها (١) تأثيرٌ في النفوس.
* * *
باب: رُقْيةِ النَّبيِّ ﷺ -
٢٦٢١ - (٥٧٤٣) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيًّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ مُسْلِمِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ، يَمْسَحُ بِيَدهِ الْيُمْنَى، وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ! أَذْهِبِ الْبَأسَ، اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَاّ شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَماً".
(لا شفاءَ إلا شفاؤُكَ): الكلام في إعرابه كالكلام في قولنا: "لا إلهَ إلا الله"، ولا يخفى أنه بحسب صدر الكلام نفيٌ لكلَّ إلهٍ سواه، وبحسبِ الاستثناء إثباتٌ له، ولإلوهِيَّته؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، لا سيما إذا كان بدلاً، فإنه يكون هو المقصودَ بالنسبة، ولهذا كان البدلُ الذي هو المختارُ في كلِّ كلامٍ تامًّ غيرِ موجبٍ بمنزلة الواجبِ في هذه الكلمة الشريفة، حتى لا يكاد يستعمل "لا إله إلا الله" - بالنصب -، ولا إله إلا إياه.
فإن قيل: كيف يصحُّ مع أن البدلَ هو المقصودُ، والنسبةُ إلى المبدَلِ منه سلبيةٌ؟
стр. 3992
فالجواب: أنه إنما وقعت النسبة إلى البدل بعدَ النقض بإلَاّ، فالبدلُ هو المقصود بالنفي المعتبر في المبدَل منه، لكنْ بعدَ نقضه، ونقضُ النفي إثباتٌ.
(شفاءً): بالنصب، على أنه مصدر اشْفِ، وبالرفع، على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: الشفاءُ المطلوبُ.
(لا يغادر): لا يتركُ.
(سقْماً): بضم السين وإسكان القاف، وبفتحهما (١) معاً، لغتان.
* * *
٢٦٢٢ - (٥٧٤٥) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ رَبَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَمرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ لِلْمَرِيض: "بِاسْم اللَّهِ، تُرْبَةُ أرضِنَا، بِرِيقَةِ بَعضِنَا، يُشْفَى سَقِيمُنَا، بإِذْنِ رَبَّنَا".
(تربةُ أرضنا): يريد: العمومَ؛ أي: كلَّ أرض.
وقيل: يريد: المدينةَ خاصَّةَ؛ لبركتها.
(وريقة (٢) بعضِنا): قيل: الرِّيقَةُ أَقَلُّ من الريق، ومعناه: أنه يأخذُ من ريقِ نفسِه على إصبعه السبابة، ثم يضعها على التراب، فيتعلق بها شيء،
стр. 3993
فيمسح (١) به على موضع الجرح أو الألم، ويقول هذا الكلامَ في حالة المسح (٢).
* * *
باب: النَّفْثِ في الرُّقْيَةِ
٢٦٢٣ - (٥٧٤٧) - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قتُادَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ شَيْئاً يَكْرَهُهُ، فَلْيَنْفِثْ حِينَ يَسْتَيْقِظُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَيَتَعَوذْ مِنْ شَرِّها؛ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ". وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وإنْ كُنْتُ لأَرَى الرُّؤْيَا أَثْقَلَ عَلَيَّ مِنَ الْجَبَلِ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ، فَمَا أُبَالِيهَا.
(الرؤيا من الله): يريد: الرؤيا الصالحةَ التي لا تخليطَ فيها من الشيطان، وليس بها أمورٌ فاحشة.
(والحُلْم من الشيطان): - بضم الحاء المهملة وسكون اللام وضمها -: ما يراه النائم من الأمور الفاحشة، وما يحصُل له من فزع، وهذا من الشيطان يهول ويخلط ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٠].
* * *
قلت: الجواب بأنها ساعة إجابة] (١) إنما يحسُن في الحديث الذي فيه: "فَادْعُ الله أَنْ يَجْعَلَني مِنْهُمْ" (٢)، وأما هنا، فلا يحسُنُ ذلك؛ إذ الذي في حديث هذا الباب: "فقامَ عكاشةُ بنُ مِحْصَنٍ، فقال: أَمِنْهُمْ أنا يا رسولَ الله؟ فقال: نعم" فليس هنا إلا استفهامٌ (٣)، وجوابٌ عنه، وليس هنا ذكرٌ للدعاء (٤) البتَّةَ.
* * *
باب: الكَهَانَةِ
٢٦٢٥ - (٥٧٥٨) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أِبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي امرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ اقْتَتَلَتَا، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَأَصَابَ بَطْنَها وَهْيَ حَامِلٌ، فَقَتَلَتْ وَلَدَها الَّذِي فِي بَطْنِها، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَضَى: أَنَّ دِيَةَ مَا فِي بَطْنِها غُرَّةٌ، عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ"، فَقَالَ وَلِيُّ الْمَرْأَةِ الَّتِي غَرِمَتْ: كَيْفَ أَغْرَمُ - يَا رَسُولَ اللَّهِ - مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ، وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلّ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّمَا هذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ".
(قضى في امرأتين من هُذَيل اقتتلَتا): الضاربةُ أُمُّ عفيفٍ بنتُ مسروحٍ،
стр. 3996
والمضروبةُ مُلَيْكَةُ بنتُ عُوَيْمِرٍ، ويقال: عُوَيْمٍ.
(غُرَّةٌ عبدٌ أو أَمَةٌ): بتنوين "غرة" (١)، وما بعده بدلٌ منه، كذا رواه الجمهور. وروي بالإضافة (٢).
(فقال وليُّ المرأةِ): قيل هو العلاءُ بنُ مسروح.
وفي بعض الروايات: فقال (٣) حَمَلُ (٤) بْنُ مالكِ بنِ النابغةِ الهذليُّ (٥)، هو زوج المرأتين.
ووقع في البيهقي: فقال: أبوها (٦)، وحينئذٍ فيكون القائلُ هو مسروحٌ.
(مَنْ لا شربَ و [لا] أكل): حكى الزركشي عن ابن جني: أن "لا" هنا بمعنى: "لم"؛ أي: لم يشربْ، ولم يأكلْ (٧).
قلت: لا داعي إلى هذا؛ فإن "لا" نافية، والمنفيُّ ماضٍ، فلم يتسلَّط النفيُ إلا على المضيِّ، ولا يُتخيل هنا غيرُ ذلك حتى يقال: إن "لا" بمعنى: "لم".
(فمثلُ ذلك يُطَلُّ): - بمثناة تحتية -؛ أي: يُهْدَرُ، ولا يؤخذ فيه شيءٌ.
стр. 3997
ويُروى بباء موحدة (١).
(إنما هذا من إخوان الكهان): فيه إشارة إلى ذَمِّ السجع، [وهو محمولٌ على السَّجع] (٢) المتكلَّفِ لإبطالِ حقٍّ، أو لتحقيقِ (٣) باطلٍ، أو لمجرَّدِ التكلُّف (٤)؛ بدليل أنه قد ورد السجعُ في كلام النبي ﷺ ، وفي كلام غيرِه من السلف، ويدل على ذلك أنه شَبَّهَهُ بسجع الكهان؛ لأنهم كانوا يُرَوِّجون أقاويلَهم الباطلة بأسجاعٍ تروقُ الأسماعَ، فيستميلون (٥) بها القلوبَ، فأما إذا كان وضعُ السجع في مواضعه من الكلام، فلا ذمَّ فيه.
* * *
٢٦٢٦ - (٥٧٦٢) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيَّ، عَنْ يَحيَى بْنِ عرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ناَسٌ عَنِ الْكُهَّانِ، فَقَالَ: "لَيْسَ بِشَيْءٍ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه! إنّهمْ يُحَدِّثُونَا أَحْيَاناً بِشيْءٍ، فَيَكُونُ حَقّاً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ، يَخْطَفُهَا مِنَ الْجِنَّيِّ، فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيَّهِ، فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا مِئَةَ كَذْبَةٍ".
(يخطَفها): بفتح الطاء لا بكسرها على المشهور.
يُقَالُ: الْمُشَاطَةُ: مَا يَخْرُجُ مِنَ الشَّعَرِ إِذَا مُشِطَ، وَالْمُشَاقَةُ: مِنْ مُشَاقَةِ الْكَتَّانِ.
(أتاني رجلان، فقعد أحدُهما عند رأسي، والآخرُ عند رِجْلَيَّ (١)): هما مَلَكان، كذا وقع في رواية الطبراني من طريق مرجي بنِ رجاءٍ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشة، بلفظ: "أَمَا عَلِمْتِ أَنَّ الله اسْتَجَابَ لِي؟! أَتَانِي مَلَكَانِ" (٢).
(فأتاها رسولُ الله ﷺ في ناسٍ من أصحابه): ذُكر من الشاهِدِينَ لذلك: عليٌّ، وعَمَّارٌ ﵄.
أخرج ابنُ سعدٍ في "الطبقات" عن الضحاك، عن ابن عباس، قصةَ السحرِ، وفيها: "فَهَبَطَ عليهِ مَلَكَانِ وَهُوُ بَيْنَ النَّائِمِ وَاليَقْظَانِ"، وفيه: "فبعثَ (٣) نبيُّ اللهِ إِلى عَلِيًّ، وَعَمَّارٍ، فَامَرهما أَنْ يأتيا الرَّكِيَّ"، الحديث (٤).
وذُكر - أيضاً - من الشاهدينَ لذلك (٥): جُبَيْرُ بنُ إياسٍ الزُّرَقِيُّ.
أخرجَ ابنُ سعد في "الطبقات" أيضاً عن عمرَ بنِ الحكم: أنه لما رجعَ النبيُّ ﷺ من الحديبيةِ في ذي الحجة، ودخل المحرَّمُ، جاءتْ رؤساءُ اليهودِ إلى لَبيدِ بنِ الأَعْصَمِ، وقَصَّ القصة، ثم قال: فدعا جبيرَ بنَ إياس الزرقيَّ، وقد شهدَ بدراً، فدلَّه على موضِعِه في بئرِ ذروانَ تحتَ راعوفَةِ البئرِ،
стр. 4001
فخرج جبيرٌ حتى استخرجَه.
وذكر ابنُ سعد أنه يقال: إن الذي استخرجَ السحرَ بأمر النبي ﷺ قيسُ ابنُ مِحْصَنٍ، وذكر في رواية عن عبدِ الرحمنِ بنِ كعبِ بنِ مالك: أنه إنما سحره أخواتُ لَبيدٍ، وكُنَّ أَسْحَرَ من لَبيدٍ، وكان لبيد هو الذي ذهبَ به، فأدخلَه (١) تحتَ راعوفَةِ البئر، فقال الحارثُ بنُ قيسٍ: يا رسول الله! ألا نُهَوِّرُ البئرَ؟ فأعرضَ عنه، فهَوَّرَها (٢) الحارثُ بنُ قيسٍ وأصحابه (٣)(٤).
فقد استفدنا منها تسميةَ خمسةٍ ممن حضر هذه الواقعة، فمن المهاجرين: عليٌّ، وعمارٌ، ومن الأنصار: جُبيرُ بنُ إياسٍ الزرقيُّ، وقيسُ ابن مِحْصَنٍ الزرقيُّ، والحارثُ بنُ قيسٍ الزرقيُّ، وكان ذلك؛ لأن لبيدَ بنَ الأعصم حليفٌ لبني زُرَيقٍ.
(في جُفِّ طلعةٍ ذكرٍ): الجُفُّ - بجيم وفاء -: هو وعاء طَلْع النخل، وهو العشاء الذي عليه، يُطلق على وعاء الذكر والأنثى، فلهذا قيده في الحديث بقوله: "طلعةِ [ذَكَرٍ"، وهو بإضافة طلعةِ] (٥) إلى ذكرٍ.
(في بئر ذَرْوانَ): كذا وقعَ هنا، وفيما قبلَه قريباً، وسيق في بعض الطرق: "ذي أَرْوانَ" (٦).
стр. 4002
قال النووي: وكلاهما صحيح، والثاني أجودُ وأصحُّ، وادعى ابنُ قتيبة أنه الصواب (١).
* * *
باب: الشِّركِ والسِّحرِ مِنَ المُوبِقَاتِ
٢٦٢٨ - (٥٧٦٤) - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زيدٍ، عَنْ أَبي الْغَيْثِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اجْتَنِبُوا الْمُوبِقَاتِ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ".
(اجتنبوا الموبقاتِ: الشركُ بالله والسحرُ): برفع الشرك والسحر على معنى: منها الشركُ والسحرُ، والنصب على البدل.
فإن قلت: المُبْدَل منه جمع، فكيف يُبدَلُ منه اثنان؟
قلت: على تقدير: وأخواتهما (٢).
وقد ثبت في حديث آخر: أن الموبقات سبعٌ، وبَيَّنَها (٣).
قيل: واقتصر منها هنا (٤) على اثنتين (٥) تأكيداً لأمرهما (٦).
(تحتَ رَعُوفَةٍ): كذا في بعض روايات البخاري بغير ألف، وأكثر الروايات فيه: "راعوفة" بإثبات الألف، وهي صخرة تُترك في أصل (١) البئر عند حَفره ناتئةً؛ ليجلس عليها مُستقيه، أو الحائج متى احتاجَ.
وقيل: حجرٌ على رأس البئر يَستقي عليه المستقي.
وقيل: حجر بارز من طَيَّها يقفُ عليه المستقي والناظرُ فيها.
وقيل: بل هو حجر ناتئ في بعض البئر لا يمكن قطعُه؛ لصلابته، فترك، حكى القاضي ذلكَ كلَّه (٢).
* * *
باب: لَا هَامَةَ
٢٦٣٠ - (٥٧٧١) - وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ: سَمعَ أَبَا هُرَيْرَةَ بَعدُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ". وَأَنْكَرَ أبَو هُرَيْرَةَ حَدِيثَ الأَوَّلِ، قُلْنَا: "أَلَمْ تُحَدِّثْ أَنَّهُ: "لَا عَدْوَى"؟ فَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَمَا رَأَيْتُهُ نَسِيَ حَدِيثاً غَيْرَهُ.
(قلنا: ألم تحدَّثْ أنه لا عَدْوى؟ فرطَن بالحبشية): رَطَنَ على وزن ضَرَبَ: تكلَّمَ بالعجمية.
(فما رأيتُه نسيَ حديثاً غيرَه): لعل هذا من الأحاديث التي سمعها قبل بسطِ ردائه ثم ضَمِّه إليه عندَ فراغ النبي ﷺ من مقالته في الحديث المشهور.
стр. 4005
باب: لَا عَدْوَى
٢٦٣١ - (٥٧٧٢) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَحَمْزَةُ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْفَرَسِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالدَّارِ".
(إنما الشؤم في ثلاثة: في (١) الفَرَسِ، والدارِ، والمرأةِ): في "الإفهام": هذه الثلاثةُ مبهمةٌ بمقتضى رواية بَيَّنَتْ ذلك ذكرَها الحافظُ السِّلَفيُّ في "المختار من الطيوريات" في الانتقاء من الجزء العشرين في حديث مسلسل بالسؤال بإسناده إلى القاسم بن إبراهيم، قال: حدثنا (٢) يوسف بنُ القطان، قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا (٣) الزهري: قال: أنبأنا سالمٌ، عن أبيه: أن النبي ﷺ قال: "الشُّؤْمُ في ثَلاثَةٍ: في الفَرَسِ، وَالمرْأَةِ، وَالدَّارِ".
فقال يوسف القطان: سألتُ سفيانَ بنَ عُيينة عن معنى (٤) هذا الحديث، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "البَركَةُ في ثَلاثَةٍ: في الفَرَسِ وَالمَرْأَةِ، وَالدَّارِ".
[فقال سفيان: سألتُ الزهريَّ عن معنى هذا الحديث، وقد صحَّ عن
стр. 4006
النبيَّ (١) ﷺ أنه قال: "البركةُ في ثلاثٍ: في الفرسِ، والمرأةِ، والدارِ (٢) "] (٣).
فقال الزهريُّ: سألتُ سالمَ بنَ عبدِ الله بنِ عمرَ عن معنى هذا الحديث، [وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: "البركةُ في ثلاثٍ: في الفَرَسِ، والمرأةِ، والدارِ".
فقال سالمٌ: سألت أبي عن معنى هذا الحديث] (٤)، وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: "البركةُ في ثلاثٍ: في (٥) الدارِ، والدابةِ، والمرأةِ" (٦).
فقال أبي (٧): سألتُ رسولَ الله ﷺ عن معنى هذا الحديث، وقد سمعناك تقول: "البركةُ في ثلاثٍ: في الفرسِ والمرأةِ والدارِ". فقال النبي ﷺ : "إذا كانَ الفَرَسُ ضَرُوباً (٨)، فَهْوَ مَشْؤُومٌ، وَإِذا كَانَتِ المَرْأَةُ قَدْ عَرَفَتْ زَوْجاً قَبْلَ زَوْجِها، فَحَنَّتْ إِلَى الزَّوْجِ الأَوَّلِ، فَهِيَ (٩) مَشْؤُومَةٌ، [وَإِذَا كَانتِ الدَّارُ بَعِيدَةً عَنِ المَسْجِدِ لا يُسْمَعُ فِيها الأَذَانُ وَالإِقامَةُ، فَهِيَ مَشْؤُومَةٌ] (١٠)،
"مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الإِزَارِ فَفِي النَّارِ".
(ما أسفلَ من الكعبين من (١) الإزار في (٢) النار): "ما" موصولة في محل رفع على أنها مبتدأ، و"في النار" الخبر، و"أسفلَ" خبرُ مبتدأ محذوف، وهو العائدُ على الموصول؛ أي: ما هو أسفلَ، وحُذف العائد؛ لطولِ الصلة، و"من" الأولى لابتداء الغاية، والثانية لبيان الجنس.
* * *
باب: مَنْ جَرَّ ثَوبَهُ مِنَ الخُيَلَاءِ
٢٦٣٥ (٥٧٨٩) - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ، أَوْ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : "بَيْنَمَا رَجُلٌ يمْشِي فِي حُلَّةٍ، تُعحِبُهُ نَفْسُهُ، مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ، إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ، فَهْوَ يَتَجَلَّلُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".
(إذْ خسفَ الله به، فهو يتجَلْجَلُ): - بجيمين -؛ أي: يتحرَّكُ به.
ويروى بالخاء المعجمة، واستبعده القاضي، إلا أن يكون من قولهم: خَلْخَلْتُ العَظْمَ: إذا أخذتُ ما عليه من اللحم.
قال: ورويناه (٣) في غير "الصحيحين" بحاءين مهملتين (٤).
стр. 4013
وذكر السهيلي في "مبهمات القرآن" في سورة الصافات في قوله تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا﴾ [الصافات: ٩٧]: أن قائل هذه المقالة فيما ذكره الطبري اسمه الهيزَنُ (١)، رجلٌ من أعراب فارس، وهم الترك، وهو الذي جاء في الحديث: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ لَهُ يَتَبَخْتَرُ فِيهَا، فَخُسِفَ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ في الأَرْضِ إِلَى يَوْمِ القِيامَةِ" (٢).
وفي "صحاح الجوهري": أنه قارونُ (٣).
* * *
باب: الإزَارِ الْمُهَدَّبِ
وَيُذْكَرُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَحَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ: أَنَّهُمْ لَبِسُوا ثِيَاباً مُهدَّبَةً.
(باب: الإزارِ المهدَّبِ): - بالدال المهملة -، وكذا هي في قوله: لَبِسُوا ثِياباً مُهدَّبَةً؛ أي: لها هُدَّابٌ.
قال الزركشي: وهو جمعُ هُدْبٍ، وهو طُرَّةُ الثوبِ (٤).
وينبغي تحريره، فالظاهر أن الهدَّابَ كالهُدْبِ، وليس جمعاً.
стр. 4014
(وحمزةَ بنَ أبي أُسَيْدٍ): بضم الهمزة على التصغير.
* * *
باب: الْقَبَاءِ وَفَرُّوجِ حَرِيرٍ
وَهْوَ الْقَبَاءُ، ويقَالُ: هُوَ الَّذِي لَهُ شَقٌّ مِنْ خَلْفِهِ.
(فَرّوج حرير): - بفتح الفاء وتشديد الراء -، ويقال بضم الفاء وتخفيف الراء، وهو القَباء المفرَّجُ من خَلْفِه (١).
* * *
باب: البَرَانِسِ
٢٦٣٦ - (٥٨٠٢) - وَقَالَ لِي مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا مُعتَمِرٌ، سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى أَنَسٍ بُرْنُساً أَصْفَرَ مِنْ خَزًّ.
(بُرْنُساً أصفرَ من خَزًّ): - بخاء معجمة وزاي -: ثياب تُنسج من صوفٍ وإِبْرِيسَمٍ، وقد لبسَه الصحابةُ والتابعون، وجاء النهيُ عنه من جهة التشبُّه بزِيَّ العجم.
قال الزركشي: فإن أُريد به المعروفُ اليومَ، فهو حرامٌ؛ لأن جميعَه معمولٌ من الإِبريسَم، وعليه يُحمل الحديث السابق: "قَوْمٌ يَسْتَحِلُّونَ الخَزَّ"، [إن ثبتت به (٢) الرواية، هكذا قال ابن الأثير (٣).
стр. 4015
وقال (١) المُطَرَّزِيُّ: الخَزُّ] (٢): اسمُ دابَّة، ثم (٣) سُمِّي الثوبُ المتخذُ من وَبَرِها خَزًّا (٤)(٥).
* * *
باب: التَّقَنُّعِ
(بابُ: التقنُّعِ): قال الإسماعيلي: هو مطابقٌ لقوله في الحديث: "جاءَ مُتَقَنِّعاً"، وأما ما صدر به من العصابة (٦)، فلا يدخل في التقنُّعِ؛ فإنه تغطيةُ الرأسِ، والعِصابة شَدُّ الخرقَةِ على ما أحاطَ بالرأس (٧) كلَّه (٨).
* * *
باب: البرُودِ والحِبَرةِ والشَّمْلَةِ
٢٦٣٧ - (٥٨٠٩) - حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنسَ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ،
تَزْعُمِينَ مَا تَزْعُمِينَ، فَوَاللَّهِ! لَهُمْ أَشْبَهُ بِهِ مِنَ الْغُرَابِ بِالْغُرَابِ".
(فإن كان ذلك، لم تحلِّينَ له): قال السفاقسي: كذلك وقع في سائر الأمهات، وصوابه: "لم تَحِلِّي (١) "؛ يعني: بدون نون (٢).
قلت: هو على إلغائها عن الجزم بها، وقد حكى ابنُ مالك: أن ذلك لغةٌ لبعض العرب.
* * *
باب: الثِّيابِ البِيضِ
٢٦٤٣ - (٥٨٢٦) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: رَأَيْتُ بِشِمَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَبِيَمِينِهِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا ثيابٌ بِيضٌ يَوْمَ أُحُدٍ، مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ.
(عن أبيه [عن] سعدِ بنِ فلانٍ (٣)): فلانٌ (٤) هذا كنايةٌ عن عمرٍو.
* * *
٢٦٤٤ - (٥٨٢٧) - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحيَى بْنِ يَعْمَرَ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ
стр. 4021
الدِّيلِيَّ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا ذَرٍّ ﵁ حَدَّثَهُ: قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ، وَهْوَ ناَئِمٌ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: "مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ، إِلَاّ دَخَلَ الْجَنَّةَ". قَلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: "وَإِنْ زَنىَ وَإِنْ سَرَقَ". قَلْتُ: وَإِنْ زَنىَ وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: "وَإِنْ زَنى وإَنْ سَرَقَ". قَلْتُ: وإَنْ زَنىَ وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: "وإَنْ زَنىَ وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْم أَنْفِ أَبي ذَرًّ".
وَكَانَ أَبُو ذَرًّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا، قَالَ: وَاِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرًّ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هذَا عِنْدَ الْمَوْتِ، أَوْ قَبْلَهُ إِذَا تَابَ وَنَدِمَ، وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، غُفِرَ لَهُ.
(أن أبا الأسود الدِّيليَّ): بكسر الدال وإسكان المثناة التحتية، وبدالٍ مضمومة وهمزة مفتوحة.
(قال أبو عبد الله: هذا عند الموت، أو قبلَه إذا تاب، وقال: لا إله إلا الله، غُفِر له): أبو عبد الله هذا: هو البخاري.
قال الداودي: وما قاله خلافُ ظاهرِ الحديث.
وقال غيره: تفسيرُ البخاري مفتقرٌ إلى تفسيرٍ آخر، وذلك أن التوبة [والندمَ إنما ينفعان في الذنوب التي بينَ العبد وربه، بخلافِ مطالبِ العباد، لا تُسقطها التوبةُ] (١).
والحديث فيه:
(وإنْ زنى، وإنْ سرقَ): قال السفاقسي: فإن قيل: ظاهرُ قولِ البخاريَّ
стр. 4022
يوهمُ إنفاذَ الوعيد، قيل: إنما أرادَ ما أرادَه وهبُ بنُ منبِّه في "مفتاح الجنة" في كتاب: الجنائز، يريد: أن تحقيقَ ضمان النبي ﷺ لمن ماتَ لا يشرك بالله، ولمن قال: لا إله إلا الله، ثم مات عليها، إذا لقي الله (١) تائباً، أو عاملاً بما أُمر به، فهذا من أولِ داخلي الجنة، وإن كان غيرَ تائب، أو قِبَلَهُ تبعاتٌ للعباد، فلا بدَّ له من الجنة بعد إنفاذِ الوعيدِ (٢).
قلت: أو لا ينفذُ عليه وعيدٌ البَتَّةَ؛ فضلاً من الله، وحقوقُ العباد، وإن لم تسقطْ، فليس بمتحتم أن يَرضى عنها العبدُ نفسه ولا بدَّ، بل يجوز أن يُرضيَ اللهُ الخصومَ عنها، ويُدخل عَبْدَهُ المؤمنَ بمجرد فضله، لا مانعَ لما أعطى.
على أن في دلالة كلام البخاري (٣) على الجواب الذي ساقَه السفاقسيُّ نظراً.
* * *
باب: لُبْسِ الحَريرِ للرِّجَالِ، وقَدْرِ مَا يجوزُ مِنْهُ
٢٦٤٥ - (٥٨٢٩) - حَدَّثَنَا أَحمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ وَنحنُ بأَذْرِبيجَانَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إلَّا هكَذَا، وَصَفَّ لنا النَّبِيُّ ﷺ إِصْبَعَيْهِ، وَرَفعَ زُهَيْرٌ الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةَ.
стр. 4023
(بأَذربيجان): قال القاضي: بفتح الهمزة مقصورة.
وضبطه الأصيلي، والمهلب بمد الهمزة.
وضبطناه عن الأسدي (١) بكسر الباء، وهو قول غيره.
وضبطناه عن أبي عبد الله بن سليمان بفتحها (٢).
وحكى السفاقسي فيه ضبطه بكسر الهمزة أيضاً (٣).
* * *
٢٦٤٦ - (٥٨٣١) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنِ ابْنِ أَبي لَيْلَى، قَالَ: كَانَ حُذَيْفَةُ بِالْمَدَايِنِ، فَاسْتَسْقَى، فَأتَاهُ دِهْقَانٌ بِمَاءٍ فِي إِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَرَمَاهُ بِهِ، وَقَالَ: إِنَّي لَمْ أَرْمِهِ إِلَاّ أَنَّي نَهَيْتُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَالْحَرِيرُ وَالدِّيبَاجُ، هِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ".
(هي لهم في الدنيا): قال الإسماعيلي: ليسَ إباحةً، وإنما المعنى: أنهم يختصُّون بها في الدنيا (٤).
* * *
٢٦٤٧ - (٥٨٣٥) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحيىَ بْنِ أَبي كَثِيرٍ، عَنْ عمرَانَ بْنِ حِطَّانَ،
باب: افْتِرَاشِ الْحَرِيرِ
وَقَالَ عَبِيدَةُ: هُوَ كلُبْسِهِ.
(وقال عَبيدة (١)): بفتح العين.
٢٦٤٩ - (٥٨٣٧) - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي نجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبي لَيْلَى، عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁، قَالَ: نَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نشرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدَّيبَاجِ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ.
(وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلسَ عليه): فيه حجةٌ ظاهرة للجمهور على منع افتراشِ الحرير، وأما لبسُه، فمذهبُ الجمهور في تحريمه معروفٌ.
وحكى الحافظ مغلطاي عن الزاهدي من الحنفية: أنه لا يجوز استعمالُ اللِّحافِ من الإبريسَمِ؛ لأنه نوعُ (٢) لُبْسٍ، [ولا يُكره الاستنادُ إلى الوسادة من الديباج، ولا بأسَ بِمُلاءة حريرٍ توضع في مهدِ الصَّبِيِّ؛ لأنه ليس] (٣) لُبْساً، وكذا الكِلَّة (٤) من (٥) الحرير للرجال؛ لأنها كالبيت، ولبسُ الحريرِ
стр. 4026
فوق الدَّثار لا يُكره عند أبي حنيفة ﵀؛ لأنه أعتبر المعنى (١)؛ يعني: اللبسَ.
قال: وهذا تنصيصٌ على أن أبا حنيفة لا يكره لبسَ الحرير إذا لم يتصل بجلده، حتى إذا لبسه فوق قميص من غزلٍ ونحوِه (٢)، لا يُكره عندَه، فكيف إذا لبسَه فوقَ قَباءٍ أو شيءٍ آخرَ محشوًّ، أو كانت جبة حرير وبطانتُها ليستْ حريراً، وقد لبسها (٣) فوق قميص غزلي.
قال الزاهدي: وهذا رخصةٌ عظيمة في موضع عَمَّتْ فيه البلوى، ولكن تطلبتُ هذا القولَ في كثير من الكتب عن أبي حنيفة، فلم أجد سوى هذا، ومن الناس من يقول: إنما يُكره إذا كان الحريرُ يمسُّ الجلدَ، وما لا، فلا.
وعن ابن عباس: أنه كان عليه جبةٌ من حرير، فقيل له في ذلك: فقال: ما ترى إلى ما يلي الجسد، وكان تحته ثوب من قطن.
إلا أن الصحيح ما ذكرناه: أن الكلَّ حرام (٤).
* * *
باب: لُبْسِ الْقَسِّيِّ
وَقَالَ عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي بُردَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيًّ: مَا الْقَسِّيَّةُ؟ قَالَ: ثِيَابٌ