ارْحَمْنِي وَمُحَمَّداً، وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَداً. فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ، قَالَ لِلأَعرَابِيَّ: "لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعاً". يُرِيدُ: رَحمَةَ اللَّهِ.
(فلما سلم، قال للأعرابي: قال: لقد حَجَّرْتَ واسعاً): حَجَّرْت: بالراء.
قال السفاقسي: كذا قرأناه (١)، وعند أبي ذر بالزاي.
وهذا الأعرابي هو الذي بال في طائفة المسجد، وقد تقدم أنه ذو الخُوَيْصرة اليَماني.
* * *
باب: إِثْمِ مَن لا يَأمَنُ جارُهُ بَوَائِقَهُ
٢٦٩٤ - (٦٠١٦) - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيًّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ". قيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الَّذِي لَا يَأمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ".
(الذي لا يأمن جارُه بَوائقه): جمع بائِقَة، وهي الغائِلَة؛ أي: لا يأمنُ غائلَتَه وشَرَّهُ.
* * *
باب: مَنْ كَان يُؤْمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فلا يُؤْذِ جَارَهُ
٢٦٩٥ - (٦٠١٨) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ
стр. 4066
كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْراً، أَوْ لِيَصْمُتْ".
(ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر): أي: إيماناً كاملاً.
(فليكرم ضيفَه): قال الداودي: يعني (١): يزيدُ في إكرامه على ما كان يفعل في عياله (٢).
* * *
٢٦٩٦ - (٦٠١٩) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ، قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ، وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ، حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: "مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائزَتَهُ". قالَ: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "يَوْم وَلَيْلَةٌ، وَالضَّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أيَامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ، فَهْوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْراً، أَوْ لِيَصْمُتْ".
(وما جائزتُه يا رسول الله؟! قال: يومٌ وليلةٌ، والضيافةُ ثلاثةُ أيام): قال الهروي: معناه أنه يُقْرى ثلاثةَ أيامٍ، ثم يُعْطَى ما يجوز به مسافةَ يومٍ وليلة.
قال: وأكثرُه: قَدْر ما يجوزُ (٣) به المسافرُ من مَنْهَلٍ إلى منهلٍ.
стр. 4067
و (١) قال الخطابي: معناه: أنه يتكلَّفُ إذا نزل به الضيفُ يوماً وليلة، فيُتْحِفه، ويزيد في البر على ما يُحضره في سائر الأيام، ويُقدم له في اليومين الآخِرَيْن (٢) ما حَضَرَ، فإذا مضت الثلاث، فقد قضى حقَّه، وإن زادَ، فهو صدقة (٣).
وقال الإمام مالك ﵁: يُحسن ضيافته، ويُتحفه ويُكرمه يوماً وليلة، وثلاثة أيام ضيافة، وما بعدها صدقة.
قال سحنون: وإنما الضيافةُ على أهل القُرى دون الحَضَر.
وقال الشافعي ﵁: مطلقاً، وهو من مكارم الأخلاق (٤).
* * *
باب: كُلُّ مَعْروفٍ صَدَقَةٌ
٢٦٩٧ - (٦٠٢٢) - حَدَّثَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيَّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ". قالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: "فَيَعْمَلُ بِيَدَيْهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ، وَيَتَصَدَّقُ". قالُوا: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: "فَيُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ" قالُوا: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: "فَيَأْمُرُ
باب: الرَّفْقِ في الأَمرِ كُلَّهِ
٢٦٩٩ - (٦٠٢٤) - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُروَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَن عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَفَهِمْتُهَا، فَقُلْتُ: وَعَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَهلاً يَا عَائِشَةُ! إِنَّ الله يُحِبُّ الرَّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلَّهِ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ".
(فقالوا: السامُ عليكم): قال الخطابي: السَّامُ في لسانهم: الموتُ، فكأنهم دَعَوا به عليهم (١).
قال: وكان قتادة يرويه: السَّآمُ عليكم - بالمد -؛ من السآمة والملل (٢)؛ أي: تسأمون دينكم (٣).
(قد قلت: عليكم (٤)): قال ابن حبيب: ولم يقل: وعليكم؛ لأن ذلك يقتضي مشاركَتَه إياهم في المدعُوِّ به.
وقال ابن الجلَاّب، والقاضي عبد الوهاب: يقول في الردِّ عليهم:
стр. 4070
وعليكم، وكأَن وجهَه أن الواو ليست هنا متعينةً للعطفِ (١).
* * *
باب: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ فَاحِشاً ولا مُتَفَحِّشاً
٢٧٠٠ - (٦٠٢٩) - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، سَمِعْتُ مَسْرُوقاً، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمرٍو. حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ بنِ سَلَمَةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمرٍو حِينَ قَدِمَ مَعَ مُعَاوِيَةَ إِلَى الْكُوفَةِ، فَذَكَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ فَاحِشاً، وَلَا مُتَفَحِّشاً، وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَخْيَرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ خُلُقاً".
(لم يكن فاحشاً، ولا متفَحِّشاً): قال الداودي: الفاحِش: الذي من أخلاقه القولُ الفحش، وهو ما لا ينبغي من الكلام، والمتفحَّشُ: الذي يستعمل الفُحْشَ، فيُضحك الناسَ (٢).
(إن من أخيركم): - بإثبات الهمزة - في "خير" التي هي أفعلُ تفضيل، وذلك هو الأصل، إلا أنهم تركوه غالباً فيها، وفي "شَرّ".
وعند الأصيلي: "خيركم"؛ بحذف الهمزة على الاستعمال الغالب (٣).
* * *
стр. 4071
٢٧٠١ - (٦٠٣٠) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ يَهُودَ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: عَلَيْكُمْ، وَلَعَنَكُمُ اللَّهُ، وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْكُمْ. قَالَ: "مَهْلاً يَا عَائِشَةُ! عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِياكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ". قالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: "أَوَلَم تَسْمَعِي مَا قُلْتُ؟ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ".
(وإيَّاكِ والعُنْفَ): - بضم العين -: ضِدُّ الرَّفْق، وحُكي في عينها التثليث، ولكن الضم أكثر.
(أولم تسمعين (١) ما قلتُ لهم؟): كذا في بعض النسخ بإثبات النون، على لغة من لم يجزم بها.
وفي غيرها: "ألم تسمعي" على ما هو (٢) المشهور.
(فيُستجاب لي فيهم، ولا يُستجاب لهم فيَّ): قال الزركشي: أي (٣): أنا أدعو عليهم بالحق (٤)، وهم يدعون عَلَيَّ ظلماً (٥).
* * *
стр. 4072
٢٧٠٢ - (٦٠٣١) - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو يَحْيَى - هُوَ فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ -، عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ سَبَّاباً، وَلَا فَحَّاشاً، وَلَا لَعَّاناً، كَانَ يَقُولُ لأَحَدِنَا عِنْدَ الْمَعْتَبَةِ: "مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ؟ ".
(عند المَعْتِبَة (١)): قال القاضي: بفتح الميم والباء (٢).
وحكى الجوهري في الباء: الفتحَ والكسر (٣).
والمعتبة: المَوْجِدَة؛ من: وَجَدَ عليه (٤).
(تَرِبَ جبينهُ): قال الخطابي: فهذا يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يَخِرَّ لوجهِه، فيصيبَ الترابُ جبينُه.
والآخر: أن يكون دعاءً له بالطاعة؛ ليصلِّي، فيتربَ جبينُه.
قال: والأول أشبه؛ لأن الجبينَ نفسَه لا يصلَّى عليه (٥).
قلت: وإن كان كذلك، فالجبهة لا بدَّ من الصلاة عليها، والجبينان يكتنفانها، فهما مَظِنَّةٌ لأن يعلقَ بهما (٦) التراب من مباشرةِ الجبهةِ للأرض.
стр. 4073
٢٧٠٣ - (٦٠٣٢) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِم، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ عُروَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَجُلاً اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا رَآهُ، قَالَ: "بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ، وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ". فَلَمَّا جَلَسَ، تَطَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ فِي وَجْهِهِ، وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ، قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ، قُلْتَ لَهُ: كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ، وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا عَائِشَةُ! مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشاً؟ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ".
(عن عائشة: أن رجلاً استأذنَ على النبيِّ ﷺ ، فلما رآه، قال: بئسَ أخو العشيرة، وبئسَ ابنُ العشيرة): ذكر عبدُ الغني في "مبهماته" في تفسير هذا المبهم قولَين، فقال: قيل (١): هو مَخْرَمَةُ بنُ نَوْفَلٍ والدُ المِسْوَرِ، وقيل: هو عُيَيْنَةُ بنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ، ثم ذكر الحجَّة على ذلك في رواية مَخرمةَ: "بِئْسَ أخو العشيرةِ"، وذكر في رواية (٢) عُيينة بنِ حِصْن: "بِئْسَ ابنُ العشيرةِ"، وهذه الروايةُ جامعة للفظين (٣).
(فلما جلس، تَطَلَّقَ النبيُّ ﷺ في وجهه): أي: انشرحَ، وهَشَّ له، يقال منه: رجل طَلْقُ الوجه، وطَليقُه، قيل: وإنما لم يواجِهْه بذلك؛
стр. 4074
لتقتديَ أُمته به (١) في اتقاءِ شرِّ مَنْ هو بهذه الصفة (٢)
* * *
باب: حُسْنِ الخُلُقِ والسَّخَاءِ، وما يُكْرَهُ مِنَ البُخْلِ
٢٧٠٤ - (٦٠٣٣) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - هُوَ ابْنُ زَيْدٍ -، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ، وَهْوَ يَقُولُ: "لَنْ تُرَاعُوا، لَنْ تُرَاعُوا"، وَهْوَ عَلَى فَرَسٍ لأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ، فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ، فَقَالَ: "لَقد وَجدتُهُ بَحْراً. أَوْ: إِنَّهُ لَبَحْرٌ".
(لم (٣)(٤) تُراعوا): قال الزركشي: لم بمعنى "لا"، ومعناه: لا تفزعوا (٥).
قلت: لا أعلمُ أحداً من النحاة قال: بأنَّ "لم" تردُ بمعنى "لا" الناهية، فحرِّرْه (٦).
стр. 4075
٢٧٠٥ - (٦٠٣٤) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِراً ﵁ يَقُولُ: مَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قَطُّ، فَقالَ: لَا.
(ما سئل عن شيء قَطُّ، فقال: لا): حكى الزركشي عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام: أنه قال: معناه: أنه لم يقل: لا؛ منعاً للعطاء، وإنما يقول: لا؛ اعتذاراً من الفقر؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢]، [وفرق بين قوله: لا أعطيكم، وقوله: لا أجدُ ما أعطيكم] (١)، وكذلك فرقٌ بين قوله: لا أحملُكم، وقوله: لا أجدُ ما أحملُكم عليه (٢).
قلت: قد صح عنه ﵊ أنه قال للنفر (٣)
(ومن لعن مؤمناً، فهو كقتله): أي: في التحريم، قاله بعضُهم.
وقال الداودي: يحتمل أن يستويَ إثْمُهُما، وكذا قوله: "مَنْ قَذَفَ مُؤْمِناً فَهُوَ كَقَتْلِهِ".
وقال الطبري: وجهُ التشبيه بينَ اللعن والقتل: هو الإبعادُ، واللعنُ في اللغة: هو الإبعادُ من رحمة الله، والقتلُ إبعادٌ من الحياة التي بها يكون إعانة بعض المسلمين لبعض، وكذلك من رمى مؤمناً بكفر، فهو كقتلِه، ولما أجمع المسلمون أن لا يُقتلَ في رميه له بالكفر، عُلم أن التشبيه إنما وقع في معنى يجمَعُهما، وهو ما قلناه: إن اللعنَ: الإبعادُ من الرحمة، كما أن القتل: إبعادٌ من الحياة (١).
* * *
باب: الْغِيبَةِ
(باب: الغيبة): لم يذكر في حديث هذا الباب سوى النميمة، فكأنه يشير إلى أنها (٢) وردت في السَّنة، لكن على غير شرطه، وقد رواها ابنُ ماجه في "سننه" (٣).
* * *
стр. 4079
باب: مَا يَجُوزُ مِنِ اغْتِيَابِ أَهْلِ الْفَسَادِ وَالرِّيَبِ
(باب: ما يجوز من اغتياب أهل الفساد): قال الزركشي: قد ينازَعُ في تسمية هذا غِيبَةً، بل هو نصيحةٌ؛ كي يحذر منه السامعُ، ولو واجهه به؛ لكان حسناً، إلا أن حسنَ الخلق منعَه من مواجهته به؛ لحصول الغرضِ بلا مواجهة (١)(٢).
٢٧١٠ - (٦٠٥٤) - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، سَمِعْتُ ابْنَ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ، قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ رَجُل عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "ائْذَنُوا لَهُ، بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ، أَوِ ابْنُ الْعَشِيرَةِ". فَلَمَّا دَخَلَ، أَلَانَ لَهُ الْكَلَامَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قُلْتَ الَّذِي قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْكَلَامَ؟ قَالَ: "أَيْ عَائِشَةُ! إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ، أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ، اتِّقَاءَ فُحْشِهِ".
(أو ودَعه الناس): - بفتح الدال المهملة مخففة - بمعنى: تركه، والشكُّ هنا وقع في تَرَكَ، و (٣) وَدَعَ، وهما لفظان مترادفان، ولم يتعرض الزركشي هنا بأنه لا معنى للشك في ذلك؛ كما وقع له في (٤) موضع ما تقدَّم، ونبهنا عليه.
قال الجوهري: وقولهم: دَعْ ذا؛ أي: اتركْه، وأصلُه: وَدَعَ يَدَعُ،
стр. 4080
وقد أُمِيتَ ماضيه، لا يقال: [وَدَعَهُ، وإنما يقال: تَرَكَه، ولا وَادَعَ، ولكن تَارَكَ، وربما جاء في ضرورة الشعر] (١): وَدَعَه، على أصله (٢).
قلت: الحديثُ يردُّ عليه، وقد قُرئ خارج السبع: ﴿مَا وَدَعَكَ﴾، بالتخفيف.
* * *
باب: ما يُكْرَهُ من النَّمِيمَةِ
٢٧١١ - (٦٠٥٦) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ همَّامٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رَجُلاً يَرفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ".
(لا يدخلُ الجنةَ قَتَّاتٌ): قال ابن الأعرابي: القَتَّاتُ: الذي يسمعُ الحديثَ وينقلُه، وفسره في الحديث بالنمَّام (٣)، كذا في "المشارق" (٤).
وقال السفاقسي: القتَّاتُ (٥) والنمَّامُ واحدٌ (٦).
стр. 4081
وقال الزركشي: القتَّاتُ (١): من يسمعُ الحديثَ، فيَنِمُّ، ولا يَشعر صاحبُه بفعلِه، والنمَّامُ من يجلس معه، ثم ينمُّ حديثَه، والله أعلم من أين أخذَه (٢)(٣).
* * *
باب: ما يُكْرَهُ مِنَ التَّمادُحِ
٢٧١٢ - (٦٠٦٠) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُردَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ، وَيُطْرِيهِ فِي الْمِدْحَةِ، فَقَالَ: "أَهْلَكْتُمْ، أَوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ".
(ويُطريه في المِدْحَة): أي: يُفْرِطُ فيها، ويُجاوزُ الحدَّ.
* * *
باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية [النحل: ٩٠]
٢٧١٣ - (٦٠٦٣) - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: مَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ
فلو كان من شأنه الحسدُ، ثم غفلَ عنه، ولم يحسدْ (١)، لم يُبالَ بِهِ، نعم، إذا توجَّه إلى الحسدِ بنفسه الشريرة، ووقع منها (٢) الحسدُ خِيفَ شَرُّه، واستُعيذ منه.
* * *
٢٧١٤ - (٦٠٦٤) - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبَّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالظَنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا - عِبَادَ اللَّهِ - إِخْوَاناً".
(فإن الظنَّ أكذبُ الحديث): أي: لا تُحَقِّقوا الظنَّ، وتحكُموا بما يقعُ منه كما يُحْكَمُ بنفسِ العلم، وذلكَ أن أوائلَ الظنون خواطِرُ لا يُملك دفعُها، والأمرُ والنهيُ يَرِدان بتكليف الشيءِ المقدورِ عليه دونَ غيره (٣).
(ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَجَسَّسُوا): الأول بالحاء المهملة، والثاني بالجيم.
قال السفاقسي: قال الحربي: معناهما واحد، وهو التطلُّبُ لمعرفةِ الأخبار.
وقيل: التحسس: في الخير (٤)، والتجسس: في الشر.
стр. 4084
وقال ابن الأنباري: إنما نُسِقَ أحدُهما على الآخر؛ لاختلاف اللفظين؛ كقولهم: بُعْداً وسُحْقاً.
قلت: هذا هو قولُ الحربيِّ المتقدم.
وقيل: التحسسُ: البحثُ عن عورات الناس، والتجسس: الاستماعُ لحديث القوم.
وقال أبو عُمر: التحسس - بالحاء -: أن تطلبه بنفسك، وبالجيم: أن تكون رسولاً لغيرك (١).
(ولا تَدابروا): أي: لا تَهَاجَروا، فَيُولي كلُّ واحد منكم دُبُرَهُ لصاحبه.
(وكونوا - عبادَ الله - إخواناً): "عبادَ الله" إما منادى، فإخواناً خبر (٢) كان، وإما خبرٌ أولُ لـ "كان"، و"إخواناً" خبرٌ (٣) ثانٍ لها.
* * *
باب: سَتْرِ المُؤْمِنِ عَلَى نَفْسِهِ
٢٧١٥ - (٦٠٦٩) - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلاً، ثُمَّ
стр. 4085
يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ! عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ".
(كلُّ أمتي معافًى إلا المجاهرونَ (١)): أي: المعلنون بالمعاصي، المستهزئون بإظهارها، قال السفاقسي: وصوابُه عند البصريين: "المجاهرين" (٢).
قلت: خرجه ابن مالك على أنه مبتدأ محذوفُ الخبر؛ أي: لكن المجاهرونُ بالمعاصي لا يُعافَوْن، قال: وبمثلِ هذا تأولَ الفراءُ قراءةَ بعضهم: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩] أي: إلا قليلٌ منهم لم يشربوا.
قال ابن مالك: ولا يعرف أكثرُ البصريين المتأخرين في هذا النوع إلا النصبَ، وقد أغفلوا ورودَه مرفوعاً بالابتداء ثابتَ الخبر؛ نحو: "فأحرموا كلُّهم إلا أبو قتادة لم يُحْرِمْ" (٣)، ومحذوفَه (٤) كما تقدم (٥).
وأقول: فتحُ هذا الباب [الذي فتحه ابنُ مالك يؤدي إلى جواز الرفع في كل مستثنى من كلامٍ تامٍّ موجبٍ؛ مثل] (٦): قام القومُ إلا
стр. 4086
زيدٌ (١)؛ إذ يكون الواقعُ بعدَ إلَّا مرفوعاً (٢) بالابتداء، والخبرُ محذوفٌ، وهو مقدَّر بنفي الحكم السابق، وينقلبُ كلُّ استثناءٍ متصلٍ منقطعاً بهذا الاعتبار، ومثلُه غيرُ مستقيم على ما لا يخفى.
قال الزركشي: واعلمْ أنه ترجمَ على هذا الحديث بستر المؤمن على نفسِه، وذكر معه حديث النَّجْوَى، وليس فيه: إنك سترتَ على نفسِك، وإنما فيه: "إِنِّي (٣) سَتَرْتُ عَلَيْكَ في الدُّنْيَا (٤) "؛ لأن سترَ العبدِ على نفسِه هو سترُ (٥) الله عليه؛ إذ هو خالق عبيد [هـ]، وأفعالهم (٦).
* * *
باب: الهِجْرَةِ وقولِ النَبِيِّ ﷺ : "لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثلاثٍ "
٢٧١٦ - (٦٠٧٦) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونوُا - عِبَادَ اللَّهِ - إِخْوَاناً، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ".
стр. 4087
(لا يحلُّ لرجل (١) أن يهجر أخاه فوقَ ثلاثِ ليالٍ): فيه دلالة على تحريم عداوةِ المسلم، والإعراضِ عنه وهجرانِه فوقَ ثلاث، وهذا فيمن لم يَجْنِ على الدينِ جنايةً، فأما من جنى عليه، وعصى، فقد جاءت الرخصةُ في عقوبته بالهجران.
قال الطبري: ومن كلم هؤلاء العصاةَ على علمٍ منه بحالهم بغيرِ تأويل، فإن كان (٢) بتقريع، أو عِظَةٍ، فلا إثمَ عليه (٣)؛ وإن كان بغير ذلك، خَشيتُ عليه الإثم، إلا أن يكلمَ من لا يجدُ من كلامه بُدّاً، وقيل: كلامهم مكروه (٤).
قلت: انظر كلام الطبري، فهو مما يُستأنس به للجواب الذي كنا أَجبنا به (٥) عن إشكال السفاقسي في قوله في حديث كعبِ بنِ مالك: "فقال لي بعضُ أهلي" (٦)(٧)، بعد نهي النبي ﷺ عن كلامه، فراجعه.
* * *
стр. 4088
٢٧١٧ - (٦٠٧٧) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ، فَيُعْرِضُ هذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ".
(وخيرهما (١) الذي يبدأ بالسلام): حاول بعضُ الناس أن يجعل هذا دليلاً على فرعٍ ذكروا أنه مستثنًى من القاعدة المشهورة، وهي: أن الفرضَ أفضلُ من النفل، وهذا الفرعُ المستثنى (٢) هو الابتداءُ (٣) بالسلام، فإنه سنَّةٌ، والردُّ واجبٌ.
قال بعض الناس: والابتداءُ أفضلُ؛ لقوله ﵇: "وَخَيْرُهُمَا (٤) الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ".
واعلمْ أنه ليس في الحديث أن الابتداء خيرٌ من الجواب، وإنما فيه أن المبتدِئ خيرٌ من المجيب، وهذا لأن المبتدئ فَعَلَ حسنةً، وتسبَّبَ إلى فعلِ حسنةٍ، وهي الجوابُ، مع ما دلَّ عليه الابتداءُ من حسنِ طَوِيَّةِ المبتدئ، وترك ما يكرهه الشارع من الهجر والجفاء، فإن الحديث وردَ في المسلمَيْنِ: "يلتقيانِ، فيُعرض (٥) هذا، ويُعرض هذا (٦) " (٧)، وكان
عَنْهُ -: أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَوْصِنِي، قَالَ: "لَا تَغْضَبْ". فَرَدَّدَ مِرَاراً، قَالَ: "لَا تَغْضَبْ".
(أن رجلاً قال للنبي ﷺ : أوصني، قال: لا تغضبْ): في "الإفهام" قال ابن بشكوال في ذكر ما في "مسند مالك" لأبي الحسن بن المظفر، عن حميد، عن أبي هريرة: أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! عَلَّمني كلماتٍ تُغني، فقال له النبيُّ ﷺ : "لا تَغْضَبْ". قيل: إنه جاريةُ (١) ابنُ قدامةَ، كذا في "مسند ابن (٢) أبي شيبة"، و"المؤتلف والمختلف" للدارقطني، ويحتمل أن يكون أبا الدرداء؛ كما في "فوائد أبي الفضل بن خيرون"، ويحتمل أن يكون عبدَ الله بنَ عمر وغيرَه من الصحابة؛ لما في "فوائد ابن صخر" بسنده عن ابن عمر، قال: قلت: يا رسولَ الله! قل لي قولاً، وأَقْلِلْه؛ لعلِّي أعقلُه، فقال رسولُ الله ﷺ : "لا تَغْضَبْ، لا تَغْضَبْ".
قال ابن صخر: وهذا روي عن غير واحد من الصحابة ﵃ مسنَداً، وهو من حديث ابن عمر صحيحٌ، وإسنادُه صالح.
وفي "الفوائد" أيضاً: عن عُروةَ بنِ الزُّبير، عن سفيانَ بنِ عبدِ الله الثقفيِّ، قال: قلتُ للنبي ﷺ مثلَ حديثِ ابنِ عمر، فعاودتُه مراراً أسأله، كلَّ ذلك يقول: "لا تَغْضَبْ" (٣).
стр. 4098
باب: الحَيَاءِ
٢٧٣٠ - (٦١١٧) - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي السَّوَّارِ الْعَدَوِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ عِمرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْحَيَاءُ لَا يَأتِي إِلَاّ بِخَيْرٍ". فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعبٍ: مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ: إِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ وَقَاراً، وَإِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ سَكِينَةً. فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صَحِيفَتِكَ؟!
(عن أبي السَّوَّار): بسين مهملة وواو مفتوحة مع التشديد (١).
* * *
باب: "إذا لم تَسْتَحْي فَاصْنَعْ ما شِئْتَ "
٢٧٣١ - (٦١٢٠) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، حَدَّثَنَا أبَو مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحْي، فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ".
(إنَّ مما أدركَ الناسُ من كلام النبوة الأُولى): أي: إن الحياء لم يزلْ أمرُه فاشياً (٢)، واستعمالُه واجباً منذُ زمان النبوة الأولى، وإنه ما من نبي إلا وقد عَظَّمَ من شأنِ الحياء، وأمرَ باستعماله، وأنه لم يُنسخ فيما نُسخ من شرائعهم (٣).
стр. 4099
وذُكر في معناه أوجهٌ:
منها (١): إذا لم يكن معكَ حياءٌ يمنعُك من القبيح، فاصنعْ ما شئتَ مما تأمرُك به النفسُ من الهوى.
ومنها: إذا أردتَ فعلاً، ولم يكن مما يُسْتَحْيا من فعله شرعاً، فافعلْ ما شئت.
ومنها: أن معناه: الوعيد؛ مثل: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] (٢).
قلت: والثالثُ هو الأول، فتأملْه.
* * *
باب: قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ : "يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا "
٢٧٣٢ - (٦١٢٧) - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: كُنَّا عَلَى شَاطِئِ نَهْرٍ بِالأَهْوَازِ، قَدْ نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ، فَجَاءَ أبو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ عَلَى فَرَسٍ، فَصَلَّى وَخَلَّى فَرَسَهُ، فَانْطَلَقَتِ الْفَرَسُ، فَتَرَكَ صَلَاتَهُ، وَتَبِعَهَا حَتَّى أَدْرَكَهَا، فَأَخَذَهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَضَى صَلَاتَهُ، وَفِينَا رَجُلٌ لَهُ رَأْيٌ، فَأَقْبَلَ يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى هذَا الشَّيْخِ، تَرَكَ صَلَاتَهُ مِنْ أَجْلِ فَرَسٍ، فَأَقْبَلَ فَقَالَ: مَا عَنَّفَنِي أَحَدٌ مُنْذُ فَارَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: إِنَّ مَنْزِلِي مُتَرَاخٍ، فَلَوْ صَلَّيْتُ وَتَرَكْتُ، لَمْ آتِ أَهْلِي إِلَى اللَّيْلِ. وَذَكَرَ أَنَّهُ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَرَأَى مِنْ تَيْسِيرِهِ.
(نَضَبَ عنه الماءُ): أي: ذهبَ ونَفِدَ.
стр. 4100
(وفينا رجلٌ له رأيٌ): أي: من الخوارج، يَرى ما لا يَرى المسلمون من الدين.
* * *
باب: الانبِسَاطِ إِلَى النَّاسِ
٢٧٣٣ - (٦١٣٠) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أبَيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ، يتقَمَّعْنَ مِنْهُ، فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ، فَيَلْعَبْنَ مَعِي.
(يَنْقَمِعْنَ): يروى (١) من الانْفِعال، والتفَعُّل؛ أي: يَغِبْنَ، ويدخُلْن (٢) في بيت، أو من وراء ستر، وأصلُه من القِمْع الذي على رأس التمرة؛ أي: يدخلْن في البيت كما تدخلُ التمرةُ (٣) في قِمْعِها (٤).
(فيسرِّبُهن إلي): أي: يَبعثهنَّ (٥) إليَّ ويُرْسِلُهنَّ.
* * *
باب: لَا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ
٢٧٣٤ - (٦١٣٣) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ