عَنْهُ -: أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَوْصِنِي، قَالَ: "لَا تَغْضَبْ". فَرَدَّدَ مِرَاراً، قَالَ: "لَا تَغْضَبْ".
(أن رجلاً قال للنبي ﷺ : أوصني، قال: لا تغضبْ): في "الإفهام" قال ابن بشكوال في ذكر ما في "مسند مالك" لأبي الحسن بن المظفر، عن حميد، عن أبي هريرة: أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! عَلَّمني كلماتٍ تُغني، فقال له النبيُّ ﷺ : "لا تَغْضَبْ". قيل: إنه جاريةُ (١) ابنُ قدامةَ، كذا في "مسند ابن (٢) أبي شيبة"، و"المؤتلف والمختلف" للدارقطني، ويحتمل أن يكون أبا الدرداء؛ كما في "فوائد أبي الفضل بن خيرون"، ويحتمل أن يكون عبدَ الله بنَ عمر وغيرَه من الصحابة؛ لما في "فوائد ابن صخر" بسنده عن ابن عمر، قال: قلت: يا رسولَ الله! قل لي قولاً، وأَقْلِلْه؛ لعلِّي أعقلُه، فقال رسولُ الله ﷺ : "لا تَغْضَبْ، لا تَغْضَبْ".
قال ابن صخر: وهذا روي عن غير واحد من الصحابة ﵃ مسنَداً، وهو من حديث ابن عمر صحيحٌ، وإسنادُه صالح.
وفي "الفوائد" أيضاً: عن عُروةَ بنِ الزُّبير، عن سفيانَ بنِ عبدِ الله الثقفيِّ، قال: قلتُ للنبي ﷺ مثلَ حديثِ ابنِ عمر، فعاودتُه مراراً أسأله، كلَّ ذلك يقول: "لا تَغْضَبْ" (٣).
стр. 4098
باب: الحَيَاءِ
٢٧٣٠ - (٦١١٧) - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي السَّوَّارِ الْعَدَوِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ عِمرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْحَيَاءُ لَا يَأتِي إِلَاّ بِخَيْرٍ". فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعبٍ: مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ: إِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ وَقَاراً، وَإِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ سَكِينَةً. فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صَحِيفَتِكَ؟!
(عن أبي السَّوَّار): بسين مهملة وواو مفتوحة مع التشديد (١).
* * *
باب: "إذا لم تَسْتَحْي فَاصْنَعْ ما شِئْتَ "
٢٧٣١ - (٦١٢٠) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، حَدَّثَنَا أبَو مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحْي، فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ".
(إنَّ مما أدركَ الناسُ من كلام النبوة الأُولى): أي: إن الحياء لم يزلْ أمرُه فاشياً (٢)، واستعمالُه واجباً منذُ زمان النبوة الأولى، وإنه ما من نبي إلا وقد عَظَّمَ من شأنِ الحياء، وأمرَ باستعماله، وأنه لم يُنسخ فيما نُسخ من شرائعهم (٣).
стр. 4099
وذُكر في معناه أوجهٌ:
منها (١): إذا لم يكن معكَ حياءٌ يمنعُك من القبيح، فاصنعْ ما شئتَ مما تأمرُك به النفسُ من الهوى.
ومنها: إذا أردتَ فعلاً، ولم يكن مما يُسْتَحْيا من فعله شرعاً، فافعلْ ما شئت.
ومنها: أن معناه: الوعيد؛ مثل: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] (٢).
قلت: والثالثُ هو الأول، فتأملْه.
* * *
باب: قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ : "يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا "
٢٧٣٢ - (٦١٢٧) - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: كُنَّا عَلَى شَاطِئِ نَهْرٍ بِالأَهْوَازِ، قَدْ نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ، فَجَاءَ أبو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ عَلَى فَرَسٍ، فَصَلَّى وَخَلَّى فَرَسَهُ، فَانْطَلَقَتِ الْفَرَسُ، فَتَرَكَ صَلَاتَهُ، وَتَبِعَهَا حَتَّى أَدْرَكَهَا، فَأَخَذَهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَضَى صَلَاتَهُ، وَفِينَا رَجُلٌ لَهُ رَأْيٌ، فَأَقْبَلَ يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى هذَا الشَّيْخِ، تَرَكَ صَلَاتَهُ مِنْ أَجْلِ فَرَسٍ، فَأَقْبَلَ فَقَالَ: مَا عَنَّفَنِي أَحَدٌ مُنْذُ فَارَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: إِنَّ مَنْزِلِي مُتَرَاخٍ، فَلَوْ صَلَّيْتُ وَتَرَكْتُ، لَمْ آتِ أَهْلِي إِلَى اللَّيْلِ. وَذَكَرَ أَنَّهُ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَرَأَى مِنْ تَيْسِيرِهِ.
(نَضَبَ عنه الماءُ): أي: ذهبَ ونَفِدَ.
стр. 4100
(وفينا رجلٌ له رأيٌ): أي: من الخوارج، يَرى ما لا يَرى المسلمون من الدين.
* * *
باب: الانبِسَاطِ إِلَى النَّاسِ
٢٧٣٣ - (٦١٣٠) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أبَيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ، يتقَمَّعْنَ مِنْهُ، فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ، فَيَلْعَبْنَ مَعِي.
(يَنْقَمِعْنَ): يروى (١) من الانْفِعال، والتفَعُّل؛ أي: يَغِبْنَ، ويدخُلْن (٢) في بيت، أو من وراء ستر، وأصلُه من القِمْع الذي على رأس التمرة؛ أي: يدخلْن في البيت كما تدخلُ التمرةُ (٣) في قِمْعِها (٤).
(فيسرِّبُهن إلي): أي: يَبعثهنَّ (٥) إليَّ ويُرْسِلُهنَّ.
* * *
باب: لَا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ
٢٧٣٤ - (٦١٣٣) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ
стр. 4101
الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ قَالَ: "لَا يُلدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ".
(لا يُلدغ المؤمنُ من جحر واحدٍ مرتين): قال السفاقسي: قيل: لفظُه لفظُ الخبر، ومعناه الأمر، يقول: ليكنِ المؤمنُ حازماً حَذِراً لا يُؤتى من ناحيةِ الغَفْلة، فيخدَعَ مرةً بعدَ أخرى، وقد يكون ذلك في أمر الدين، كما يكون في أمر الدنيا، وهو أولاهما (١) بالحذر.
وروي بلفظ: النهي بكسر الغين، فيتحقق فيه معنى النهي على هذه الرواية، وكذلك قرأناه.
قال: وهذا مَثَلٌ قديم تُمُثِّلَ به من قبلِ النبي ﷺ ، وهو ﵊ كثيراً ما يتمثَّلُ بالأمثال القديمة، وأصلُ ذلك: أَنَّ رجلاً أدخلَ يدَه في جُحر الصيدِ أو غيرِه، فلدغَتْه حَيَّةٌ (٢) في يده، فضربته العربُ مثلاً، فقالوا: لا يُدخل الرجلُ يدَه في جُحر فيلدَغ منه مرةً ثانية (٣).
قلت: إذا كان المثلُ العربيُّ على الصورة التي حكاها، فالنبيُّ ﷺ لم يورده كذلك حتى يقال: إنه تَمَثَّلَ به، نعم أوردَ كلاماً بمعناه، وانظرْ فرقَ ما بينَ كلامِه ﵊، وبينَ لفظِ المثلِ المذكورِ، فَطلاوة البلاغة على لفظه ﵇، وحلاوة العبارة فيه بادية، يدركُها ذو الذوقِ السليم.
* * *
стр. 4102
باب: إِكرامِ الضَّيْفِ وخِدْمَتِهِ إيَّاهُ بِنَفْسِهِ
٢٧٣٥ - (٦١٣٥) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحِ الْكَعبِيِّ، أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أيَّامٍ، فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهْوَ صدَقَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَه".
(فليكرمْ ضيفَه جائزتُه يومٌ وليلةٌ): جائزتَه: يروى بالرفع والنصب؛ فوجهُ الرفع ظاهر، وهو أن يكون مبتدأ، وخبره يومٌ وليلةٌ؛ أي: تكلُّفُ يومٍ وليلةٍ، أو إتحافُ يومٍ وليلةٍ، هذا إن قلنا: بأن اليومَ والليلةَ من جملة أيام الضيافة الثلاثة، وإن قلنا: بأنهما خارجان عنها (١) - كما تقدم -، فيقدر: زيادةُ يومٍ وليلة.
وأما نصبُ جائزتَه، فعلى بدل الاشتمال؛ أي: فليكرمْ جائزةَ ضيفِه (٢).
قلت: ويشبه اختلافُهم في أن يومَ الجائزة وليلتَها داخلان في أيام الضيافة الثلاثة، أو خارجان عنها، ما وقع لهم من التردد في قوله ﷺ : "مَنْ شَهِدَ الجنَازَةَ حتى يُصَلَّى عَلَيْها، فَلَهُ قِيرَاطٌ، [وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ، فَلَهُ قِيرَاطَانِ" الحديث (٣)، وفي لفظةٍ: "مَنْ صَلَى عَلَى جَنَازَةٍ، فَلَهُ قِيرَاطٌ] (٤)،
стр. 4103
وَمَنْ اتَّبَعَها حَتَّى تُوضَعَ في القَبْرِ، فَلَهُ قِيرَاطَانِ" الحديث (١).
فلو اتبعَها حتى توضَع في القبر، ولكن لم يصلَّ عليها؛ احتملَ أن لا يحصلَ له شيء من القيراطين؛ إذ (٢) يحتمل (٣) أن يكون القيراطُ الثاني المزيدُ مرتَّباً على وجودِ الصلاةِ قبلَه.
ويُحتمل أن يحصل له القيراطُ المزيدُ.
وأما احتمالُ القيراطين يحصلان (٤) بالاتباع حتى يوضعَ في القبر، وإن لم يصلِّ (٥)، فهو هنا بعيدٌ.
وأما احتمالُ أن من صلى واتبعَ حتى تُدفن يحصل له ثلاثةُ قراريطَ، فمرتَّبٌ على هذا الاحتمال.
قال القاضي تاجُ الدين السبكيُّ، وقد سأل الشيخُ أبو الحسن بنُ القزويني [أبا نصرِ بنَ الصباغ عن هذا، فقال: لا يحصل لمن صلَّى واتبع إلا قيراطان؟ فقال له ابن القزويني] (٦): جيد بالغ، وطولب ابنُ الصباغ بالدليل، فاستدلَّ بقوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي
كَاللَّيْلَةِ، وَيْلَكُمْ! مَا أَنْتُمْ؟ لِمَ لَا تَقْبَلُونَ عَنَّا قِرَاكُمْ؟ هَاتِ طَعَامَكَ، فَجَاءَهُ، فَوَضَعَ يَدَهُ، فَقَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، الأُولَى لِلشَّيْطَانِ، فأَكَلَ، وَأَكَلُوا.
(إن كنتَ تَسْمَعُ صوتي لَمَّا جئتَ): - بتشديد الميم - من "لَمَّا" (١)، وهي بمعنى "إلا" عند سيبويه؛ كقوله:
قَالَتْ لَهُ بِاللهِ يَا ذَا البُرْدَيْنْ ... لَمَّا غَنِثْتَ (٢) نَفَساً أَوِ اثْنَيْنْ (٣)
(الأولى للشيطان): يعني: الحالةَ الأولى، وهي حالةُ غضبِه وحلفِه أن (٤) لا يطعمَ ذلك الطعامَ في تلك الليلة.
وقيل: أرادَ اللقمةَ الأولى التي أحنثَ نفسَه بها (٥)، وأكلَ (٦).
قلت: لا شكَّ أن إحناثَه نفسَه وأكلَه مع الضيف خيرٌ من (٧) المحافظة على بِرَّهِ المفضي إلى ضيقِ (٨) صدرِ الضيفِ، وحصولِ الوحشةِ له والقلق، فكيف يكونُ ما هو خيرٌ منسوباً (٩) إلى الشيطان؟! فالظاهرُ هو القولُ الأول.
стр. 4106
باب: مَا يَجُوزُ مِنَ الشَّعْرِ وَالرَّجَزِ وَالْحُدَاءِ، وَمَا يُكْرَهُ مِنْهُ
وَقَوْلِهِ: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٧].
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي كُلِّ لَغْوٍ يَخُوضُونَ.
(باب: ما يجوز من الشعر والرَّجَز): عطفُ الرجزِ على الشعر، إما لأنه بُني على أنه غيرُ شعر كما هو أحدُ الرأيين، أو لأنه من باب عطفِ الخاصِّ على العام على الرأي الآخر، وهو الصحيح.
٢٧٣٧ - (٦١٤٥) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ مِنَ الشَّعْرِ حِكْمَةً".
(إن من الشعر حكمةً): أي: كلاماً نافعاً يمنعُ من (١) الجهل والسَّفَه.
قال الشافعي - وما أحسنَ ما قالَ -: الشعرُ كلامٌ، قبيحُه كقبيحِ الكلام، وحَسَنُه كحَسَنِهِ، وهو في الحقيقة مأخوذٌ من الحديث.
* * *
стр. 4107
٢٧٣٨ - (٦١٤٩) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعضِ نِسَائِهِ، وَمَعَهُنَّ أُمُّ سُلَيْمٍ، فَقَالَ: "وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ! رُوَيْدَكَ سَوْقاً بِالْقَوَارِيرِ". قالَ أبو قِلَابَةَ: فَتكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَلِمَةٍ، لَوْ تَكَلَّمَ بَعْضُكُم، لَعِبْتُمُوهَا عَلَيْهِ، قَوْلُهُ: "سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ".
(يا أَنْجَشَة): هو (١) غلامٌ أسودُ، كانَ حادِياً (٢) حسنَ الصوت.
(رُوَيْدَكَ): قال ابن مالك: هو اسمُ فعلٍ بمعنى: أَرْوِدْ (٣)؛ أي: أَمْهِلْ، والكافُ المتصلة به حرفُ خطاب، و (٤) فتحةُ دالِه بنائيةٌ، ولك أن تجعلَ رويداً مصدراً مضافاً إلى الكاف ناصباً "سَوْقَكَ"، وفتحةُ داله على هذا إعرابيةٌ (٥)، واختار أبو البقاء الوجهَ الأول (٦).
(سَوْقَكَ بالقواريرِ): ويروى: "سَوْقاً بِالقَواريرِ"؛ يعني: بالنساء، شَبَّههن بالقوارير من الزجاج؛ لضعفِ بنيتهن؛ أي: لا تُحَسِّنْ صوتَك، فربما يقعُ في قلوبهن، فكَفَّهُ عن ذلك.
وقيل: أراد: أن الإبلَ إذا سمعت (٧) الحُداءَ، أسرعَتْ في المشي،
стр. 4108
واشتَدَّتْ، فأزعجتِ الراكبَ، وأتعبتْه، فنهى عن ذلك؛ لأن النساء يضعُفْنَ عن شدة الحركة (١).
قلت: حملُ الحديثِ على هذا أقربُ إلى ظاهر لفظِه من الحمل على الأول.
* * *
باب: ما يُكْرَه أنْ يَكُونَ الغالِبُ على الإِنْسانِ الشَّعْرَ حتى يَصُدَّهُ عَنْ ذِكرِ اللهِ والعلمِ والقرآنِ
٢٧٣٩ - (٦١٥٥) - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :"لأَنْ يَمتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحاً يَرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يمتَلِئَ شِعْراً".
(لأَنْ يمتلئ جوفُ رجلٍ قَيحاً يَرِيهِ، خيرٌ له من أن يمتلئَ شِعْراً): القَيْحُ - بفتح القاف -: المِدَّةُ لا يخالِطُها دَمٌ (٢). ومعنى يَرِيه: يأكله، كذا في "الصحاح" (٣).
وقيل: معناه: يصيب رئته، ورُدَّ بأن الرئية مهموزُ العين، فينبغي أن (٤) يكون مضارعُ رَآهُ بمعنى: أصاب رئته: يَرى (٥) على زِنة يفعَل - بفتح
стр. 4109
العين -؛ كمضارع رأى البصرية والعِلْمية.
ولصاحب هذا القول أن يمنع اطرادَ مجيء فعلِ الحلقيِّ العينِ المفتوحِها على يفعَل - بفتح العين -؛ بدليل: دَخَل يدخُل، ونحت ينحِتُ، فلم لا يكون رأى الذي (١) بمعنى إصابةِ الرئة قد جاء مضارعُه على زنة يَفْعِل - بكسر العين -، فتقول: رآه يَرِيه: إذا أصابَ رئته، والأصلُ: يَرْئيه، فنُقلت حركةُ الهمزة إلى الراء؛ كما فُعل بيَرْئي من الرؤية، وحينئذ فلا ينهض كونُ الريئة - مهموز العين - مانعاً من أن يكون يَريه مضارعاً لرآه: إذا أصاب رئته، ومما يؤنسك بذلك أنهم قالوا في باب المبالغة: إنه يُبنى على فَعَلْتُه أَفْعُلُه - بالضم -، إلا (٢) باب وَعَدتُ، وبِعْتُ، ورَمَيْتُ؛ فإنه أَفْعِلُه - بالكسر -، فحكموا على الناقص اليائي بمجيء مضارعه في هذا الباب على يَفْعِلُ، بكسر العين.
وصرحوا بأنه لا فرق فيه بين كونِ العينِ حرفَ حلقٍ، أو غيرَه، فدخل فيه رأى وأمثالُه، فنقول على هذا: راءيتهِ فرأيتُه أَرِيه؛ أي: فغلَبْتُه (٣) في الرؤية أغلِبُه، فإذا ثبت لنا مجيء مضارع رأى في هذا الباب على يفعِل (٤) - بالكسر -، لم يُستبعد مجيئه كذلك فيما نحن فيه، اللهم إلا أن يثبت بالنقل من جهة إمامٍ معتبرٍ (٥) من أئمة اللغة: أن رأى بمعنى: أصاب الرئة، إنما يقال في مضارعه: يَرَى - بفتح العين -، فسمعاً وطاعة.
стр. 4110
وقال أبو الفرج في حديث سعدٍ: "حَتَّى يَرِيه": وهنا بإسقاط "حتى"، فترى جماعة من المبتدئين ينصبون "يريه" هنا جرياً على العادة في قراءة الحديث الذي فيه "حتى"، وليس هو هنا (١) منصوباً؛ لعدم ما ينصبه.
قال الزركشي: رواه الأصيلي بالنصب، على إبدال الفعل من الفعل، وإجراء إعراب "يمتلئ" على "يريه"، وهو من الوَرْي على زنة الرَّمْيِ (٢): داءٌ يدخل الجوف، وحمل بعضُهم الشعرَ هنا على ما هُجِيَ به النبيُّ ﷺ ، وردَّه الداودي وغيره بأن شطرَ بيتٍ من ذلك كفرٌ، فلا يبقى لذكر الامتلاء معنى (٣).
* * *
باب: ما جَاءَ في قَوْلِ الرَّجُلِ: "وَيْلَك "
٢٧٤٠ - (٦١٦٤) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أبو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَجُلاً أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! هلَكْتُ، قَالَ: "وَيْحَكَ! "، قالَ: وَقَعْتُ عَلَى أَهْلِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ: "أَعْتِقْ رَقَبَةً"، قالَ: مَا أَجِدُهَا، قَالَ: "فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْن"، قالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: "فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِيناً"، قالَ مَا أَجِدُ، فَأُتِيَ بِعَرَقٍ، فَقَالَ: "خُذْهُ فَتَصَدَّقْ بِهِ"، فَقَالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! أَعَلَى غَيْرِ أَهْلِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! مَا بَيْنَ طُنُبَيِ الْمَدِينَةِ أَحْوَجُ مِنِّي، فَضَحِكَ
стр. 4111
النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، قَالَ: "خُذْهُ".
(ما بين طُنُبي المدينة): بطاء مهملة ونون مضمومتين وباء موحدة، تثنية طُنْب؛ واحدُ أطنابِ الخيمة، فاستعاره للطرف وللناحية؛ أي: ما بين طرفي المدينة أحوجُ مني.
* * *
٢٧٤١ - (٦١٦٧) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا همَّامٌ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! مَتَى السَّاعَةُ قَائِمَةٌ؟ قَالَ: "وَيْلَكَ! وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ "، قالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا إِلَاّ أَنَّي أُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ، قَالَ: "إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ"، فَقُلْنَا: وَنَحْنُ كَذَلِكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". فَفَرِحْنَا يَوْمَئِذٍ فَرَحاً شَدِيداً، فَمَرَّ غُلَامٌ لِلْمُغِيرَةِ، وَكَانَ مِنْ أَقْرانِي، فَقَالَ: "إِنْ أُخِّرَ هذَا، فَلَنْ يُدرِكَهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ".
(متى الساعة قائمةٌ؟): برفع "قائمة" على أنه خبر الساعة، فمتى ظرفٌ مُلْغًى متعلقٌ به، وبنصبه على الحال من الضمير المستكن في "متى"؛ إذ هو على هذا التقدير خبرٌ عن (١) الساعة، فهو ظرف مستقر.
وسؤال الرجل يحتمل أن يكون على وجه التعنُّتِ، وأن يكون على وجه الشفقة والخوف من القيامة، فامتحنه النبي ﷺ بقوله: "ما (٢) أَعْدَدْتَ لَها؟ "، فظهر من جوابه إيمانُه، فألحقه بالمؤمنين (٣).
стр. 4112
(إن أُخِّرَ هذا، فلن (١) يدركَهُ الهرمُ حتى تقومَ الساعة): قال الداودي: ليس هذا بمحفوظ، وإنما المحفوظ أنه قال للذين خاطبهم: "حَتَّى تَأْتِيَكُمْ سَاعَتُكُمْ (٢) "؛ أي: موتكم، وكانوا أعراباً، فلو قال لهم: ما أدري متى الساعة، خشي أن يرتابوا، فكلمهم بالمعاريض التي فيها مَنْدوحَةٌ عن الكذب (٣).
قلت: وقوله: "حتى تقوم الساعة" لا يأبى أن يكون من المعاريض بالطريق التي سلكها (٤) هو؛ أي: حتى يقوم عليكم الموت؛ يعني: موتَهم، فلا معنى لإنكار لفظٍ ثابتٍ بطريقٍ صحيح بمجرد هذا الذي قاله.
* * *
باب: قَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ: اِخْسَأ
٢٧٤٢ - (٦١٧٣) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ انْطَلَقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَهْطٍ مِنْ أَصحَابِهِ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ، حَتَّى وَجَدَهُ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فِي أُطُمِ بني مَغَالَةَ، وَقَد قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ يَوْمَئِذٍ الْحُلُمَ، فَلم يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: "أتَشْهَدُ أَنَّي رَسُولُ اللَّهِ؟ ". فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي".
(لا يقولن أحدكم: خَبُثت نفسي): بفتح الخاء المعجمة (١) وضم الباء الموحدة. ووقع في بعض الأصول بفتح الباء.
(ولكِن ليقلْ: لَقِسَتْ نفسي): بكسر القاف.
كره النبي ﵊ اللفظ الأول؛ لما فيه من بشاعة لفظ الخبث وقبحِه، فعدل إلى اللفظ السالم من (٢) هذه البشاعة، وهو لَقِسَتْ؛ إذ معناه: غثت.
وقال أبو عبيد: خَبُثَتْ ولَقِسَتْ واحدٌ، لكنه استقبحَ لفظَ خبثت؛ فإنه كان يعجبه (٣) الاسم الحسن، ويتفاءل به، ويكره الاسم القبيح، ويغيره (٤).
قلت: إن صحَّ هذا، قدح في قولهم: إنه يجوز في كل لفظين مترادفين أن يوضع أحدُهما مكان الآخر.
قيل: وهذا النهي إنما هو محمولٌ على الأدب، لا على الإيجاب، فقد قال ﵇ في الذي يعقد الشيطان على قافيةِ رأسه: "أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلانَ" (٥).
стр. 4115
باب: لا تَسُبُّوا الدَّهْرَ
٢٧٤٤ - (٦١٨٢) - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَليدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ، وَلَا تَقُولُوا: خَيْبَةَ الدَّهْرِ؛ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ".
(عَيَّاش بن الوليد): بمثناة تحتية وشين معجمة.
(لا تُسَمُّوا العنبَ الكرم (١)): وذلك لأنه يُتخذ منه الخمرُ، فكره تسميتُها تسمية أصلها بما هو مأخوذ من الكرم؛ لأن تسميته بذلك منافٍ لما هو الغرض من تأكيد تحريمها، ومحو ما يبعث (٢) على قُربها بوجهٍ ما.
* * *
باب: قول النبي ﷺ : "إنَّمَا الكَرْمُ قَلْبُ المُؤْمِنِ "
٢٧٤٥ - (٦١٨٣) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيَّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَيَقُولُونَ: الْكَرْمُ، إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ".
(إنما الكرمُ قلبُ المؤمن): لما فيه من نور الإيمان والتقوى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
* * *
الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ نَفَذَا، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيًّ". قالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا، قَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنَّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا".
(في العشر الغوابر): أي: البواقي، جمعُ غابِرَة.
* * *
باب: الحَمْدِ لِلْعَاطِسِ
٢٧٥٢ - (٦٢٢١) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ أَنسَ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: عَطَسَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا، وَلم يُشَمِّتِ الآخَرَ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: "هذَا حَمِدَ اللَّه، وَهذَا لَمْ يَحمَدِ اللهَ".
(فشَمَّتَ أحدَهما): بالشين المعجمة.
وللحَمُّوي بالمهملة في كل موضع (١).
وذكرتُ هنا أن شخصاً من طَلَبة المغرب عرضَ عليَّ مقاماتِ الحريري حفظاً من صدره، بعضُها مقطعاً، وبعضها غيرَ مقطع، فلما وصل في بعضها إلى قوله: فلما عطسَ أنفُ الصباح، وقع بخاطري معنى (٢)، فقلتُ في الحال:
قُلْتُ لَهُ وَالدُّجَى مُوَلًّ ... وَنَحْنُ في الأُنْسِ بِالتَّلَاقِي
стр. 4121
قَدْ عَطَسَ الصُّبْحُ يَا حَبِيبِي ... فَلَا تُشَمِّتْهُ بِالفِرَاقِ
* * *
باب: تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ إِذَا حَمِدَ اللهَ
(باب: تشميتِ العاطس إذا حَمِدَ الله): لم يَسُق في هذا الباب غيرَ حديث البراء.
٢٧٥٣ - (٦٢٢٢) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ سُويدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁، قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيض، وَاتِّبَاعِ الْجنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَرَدَّ السَّلَامِ، وَنصرِ الْمَظْلُومِ، وَإِبْرَارِ الْمُقْسِم، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ، أَوْ قَالَ: حَلْقَةِ الذَّهَبِ، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ، وَالدِّيبَاجِ، وَالسُّنْدُسِ، وَالْمَيَاثِرِ.
(أَمَرَنا بعيادةِ المريض، واتِّباعِ الجنازة، وتشميتِ العاطِس): [وليس في هذا تقييدُ التشميت بحمد العاطس] (١)، بل ظاهرُه العموم.
فقيل في الجواب: إنه اكتفى بحديثِ أنس المتقدمِ: فشمَّت (٢) أحدَهما، ولم يُشَمِّتِ الآخَرَ، فقيلَ له، فقالَ: "هذا حَمِدَ (٣) الله، وهذَا لم يَحْمَدْهُ".
стр. 4122
وقيل: هذا من الأبواب التي عاجلَتْه المنيةُ عن تهذيبها (١).
* * *
باب: مَا يُسْتَحَبُّ من العُطَاسِ، وما يُكْرَهُ مِنَ التَّثَاؤُبِ
٢٧٥٤ - (٦٢٢٣) - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيد الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أِبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ الله يُحِبّ الْعُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِم سَمِعَهُ أَنْ يُشَمَّتَهُ، وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ: فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِذَا قَالَ: هَا، ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ".
(إن الله يحب العُطاس، ويكره التثاؤب): المحبةُ والكراهةُ منصرفان إلى ما ينشأ عن سَبَبَي العُطاس والتثاؤب، وذلك أن العطاس يكون من خِفَّة البدن، وانفتاحِ السُّدود، وذلك مما يقتضي النشاطَ لفعل الخير، والتثاؤب يغلب عند الامتلاء، والإكثار من المأكل، والتخليطِ فيه، فيؤدي إلى الكسلِ، والتقاعدِ عن العبادة والأفعال المحمودة (٢).
(فحقٌّ على كل مسلم سمعَه أن يشمته): احتج به من ذهبَ إلى أن التشميت واجبٌ عيناً على كلَّ مَنْ سمعَ حمدَ العاطس.
قال الداودي: وهي روايةٌ عن مالك، وقال به أهلُ الظاهر، وروي عن مالك أيضاً: أنه فرضُ كفاية.
وفي "المعونة": ينبغي لمن سمعه أن يشمته، وهذا يدل على أنه ليس
стр. 4123
بواجب، فيحمل قوله: "حَقٌّ على كُلِّ (١) مسلمٍ" أن ذلك من حسنِ الأدب ومكارمِ الأخلاق (٢).
* * *
باب: زِنا الجَوَارِح دُونَ الفَرْجِ
٢٧٥٦ - (٦٢٤٣) - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: لَمْ أَرَ شَيْئاً أَشْبَة بِاللَّمَمِ مِنْ قَوْلِ أَبي هُرَيْرَةَ.
حَدَّثَنِي مَحمُودٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئاً أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيَّ ﷺ : "إِنَّ اللَّه كتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الرَّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِناَ اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ".
(ما رأيت شيئاً أشبهَ باللَّمَم من قول (١) أبي هريرة): يريد: قوله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]، وهو ما يلم به الإنسان من شهوات النفس.
(والفرجُ يصدِّقُ ذلك، أو يكذبه): احتج به أشهبُ على أنه إذا قال لرجل: زنتْ يدك، أو رجلُك: أنه لا حَدَّ عليه.
وقال ابن القاسم: يُحَدُّ.
وقال الشافعي ﵁: إذا قال: زَنَتْ يدُك، يُحَدُّ.
قال (٢) الخطابي: لأن الأفعال من فاعلها تُضاف إلى اليد؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]،
стр. 4127
ولم يُختلف أنه إذا (١) قال له: زنى فرجك: أنه يُحَدُّ (٢).
* * *
باب: التَّسْلِيم والاسْتِئْذانِ ثَلاثاً
٢٧٥٧ - (٦٢٤٥) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الأَنْصَارِ، إِذْ جَاءَ أَبُو مُوسَى كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ، فَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَرَ ثَلَاثاً، فَلَم يُؤْذَنْ لِي، فَرَجَعتُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ؟ قُلْتُ: اسْتَأذَنْتُ ثَلَاثاً، فَلَم يُؤْذَنْ لِي، فَرَجعتُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا اسْتَأذَنَ أَحَدكم ثَلَاثاً، فَلم يُؤْذَنْ لَهُ، فَلْيَرْجِعْ". فَقَالَ: وَاللَّهِ! لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ ببَيِّنَةٍ، أَمِنْكُمْ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كعبٍ: وَاللَّهِ! لَا يَقُومُ مَعَكَ إِلَاّ أَصْغَرُ الْقَوْمِ، فَكُنْتُ أصغَرَ الْقَوْمِ، فَقُمْتُ مَعَهُ، فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ذَلِكَ.
(فقال: واللهِ لتقيمَنَّ عليه بَيِّنَةً (٣)): فيه دليل على أن العلم الخاص قد يخفى على الأكابر، فيعلمُه مَنْ دونهم، ألا ترى أن عمر ﵁ خَفِيَ عليه علمُ الاستئذان ثلاثاً، وعَلِمَه أبو موسى، وأبو سعيد الخدري، وغيرهما؟
قال ابن دقيق العيد: وذلك يَصِدُ في وجه من يغلو (٤) من المقلدين إذا
стр. 4128
استُدِلَّ عليه بحديث، فيقول: لو كان صحيحاً، لعلمه فلانٌ (١) مثلاً، فإن ذلك إذا خفيَ عن أكابر (٢) الصحابة، وجازَ عليهم، فهو على غيرهم أَجْوَزُ.
وقولُ عمر ﵁: "لتقيمنَّ عليه بينةً" يتعلق به من يَرَى (٣) اعتبارَ العددِ في الرواية، وليس هو بمذهبٍ (٤) صحيح؛ فإنه قد ثبتَ قَبولُ خبرِ الواحد، وذلك قاطعٌ بعدمِ اعتبارِ العدد، وأما طلبُ العددِ في جزء، فلا يدل على اعتباره كليّاً؛ لجواز أن يُحال ذلك على مانعٍ خاصٍّ بتلك الصورة، أو قيامِ سبب يقتضي التثبيتَ، وزيادةَ الاستظهار، لا سيما إذا قامت قرينةٌ مثلُ عدمِ علمِ عمرَ ﵁ بهذا الحكم (٥).
* * *
باب: إذا دُعِيَ الرَّجُلُ فَجَاءَ، هلْ يَسْتَأْذِنُ ؟
٢٧٥٨ - (٦٢٤٦) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرًّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرًّ، أَخْبَرَنَا مُجَاهِدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَوَجَدَ لَبَناً فِي قَدَحٍ، فَقَالَ: "أَبَا هِرًّ! الْحَقْ أَهْلَ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ إِلَيَّ". قالَ: فَأَتَيْتُهُمْ، فَدَعَوْتُهُمْ، فأَقْبَلُوا، فَاسْتَأذَنُوا، فَأُذِنَ لَهُمْ، فَدَخَلُوا.
(الحَقْ أهلَ الصُّفَّة): بهمزة وصل وفتح الحاء.
стр. 4129
باب: إذا قَالَ: مَنْ ذَا؟ فَقَالَ: أَنَا
٢٧٥٩ - (٦٢٥٠) - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِراً ﵁ يَقُولُ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي، فَدَقَقْتُ الْبَابَ، فَقَالَ: "مَنْ ذَا؟ "، فَقُلْتُ: أَنَا، فَقَالَ: "أَنَا، أَنَا! "؛ كَأَنَّهُ كَرِهَهَا.
(فدققتُ الباب): من الدَّقَّ. ويروى: "فدفعتُ الباب"؛ من الدَّفْع.
(فقال: أنا، أنا؛ كأنه كرهها): قال الداودي: لأنه أجابه (١) بغير ما يُفيده عِلْمَ ما سألَ عنه؛ فإنه ﵇ أراد أن يعرف مَنْ هو ضاربُ الباب بعدَ أن عرف أن ثَمَّ ضارباً، فأخبره أنه ضاربٌ، فلم يَستفدْ منه المقصودَ.
قال: وكان هذا قبل نزول آية الاستئذان.
وقيل: إنما كرهه؛ لأنه استأذن بغير لفظ السلام، [وكان من حقه أن يقول: السلام عليكم] (٢).
* * *
باب: منَ رَدَّ فَقَالَ: عَلَيكَ السَّلامُ
٢٧٦٠ - (٦٢٥١) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِي
стр. 4130
نَاحِيةِ الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ". فَرَجَعَ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ، فَقَالَ: "وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، فَارجِع فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلَّ". فَقَالَ فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ فِي الَّتِي بَعْدَهَا: عَلَّمْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: "إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَلَاةِ، فَأَسْبغِ الْوُضُوءَ، ثُمَ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعاً، ثُمَّ ارفَع حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِماً، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً، ثُمَّ ارفع حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِساً، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً، ثُمَّ ارفَع حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِساً، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صلَاتِكَ كُلَّهَا". وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ فِي الأَخِيرِ: "حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِماً".
(ارجعْ فصلِّ فإنك لم تُصَلِّ): استدلَّ به كثيرون على وجوب الطُّمأنينة؛ لأنه لمَّا علَّمه صفةَ الصلاة، صَرَّحَ له بالطمأنينة، فدلَّ على اعتبارها، وأَمَرَهُ بها، فدلَّ على وجوبها.
قال ابن دقيق العيد: وأغربَ بعضُ المتأخرين (١) جِدّاً، فقال ما تقريره: بل الحديثُ دالٌّ على عدمِ وجوب الطمأنينة؛ من حيث إن الأعرابي صلَّى غيرَ مطمئن ثلاثَ مرات، والعبادةُ بدون شرطها فاسدةٌ حرامٌ، فلو كانت الطمأنينةُ واجبةً؛ لكان فعلُ الأعرابي فاسداً، ولو (٢) كان ذلك، لم يُقِرَّهُ النبيُّ ﷺ في حال فعله، وإذا تقرر بهذا التقرير عدمُ الوجوب، حُمل الأمرُ في الطمأنينة على الندب، ويُحمل قولُه ﵊: "فإنك لم تصلِّ" على نفي الصلاةِ الكاملة.
стр. 4131
قال ابن دقيق العيد: ويمكن أن يقال: إن فعل الأعرابي بمجرده لا يوصف بالحرمة عليه؛ لأن شرطَه علمُه بالحكم، فلا يكون التقرير عليه تقريراً على محرَّم، إلا أنه لا يكفي ذلك في الجواب، فإنه فعل فاسد، والدليلُ يدل على عدم فساده، وإلا، لما كان التقرير في موضع ما يدل على الصحة.
وقد يقال: إن التقرير ليس بدليل على الجواز مطلقاً، بل لا بدَّ من انتفاء الموانع، وزيادة قَبولِ المتعلِّم لما يُلقى إليه بعدَ تكرار فعلهِ، واستجماعِ نفسه، وتوجه سؤاله مصلحةٌ مانعةٌ من وجوب المبادرة إلى التعليم، لا سيما مع عدم (١) خوف الفوات، إما بناءً على ظاهر الحال، أو بوحي خاص (٢).
* * *
باب: المُصَافَحَةِ
٢٧٦١ - (٦٢٦٤) - حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَقِيلٍ زُهْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ، سَمِعَ جَدَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هِشَامٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهْوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
(أبو عَقيل): بفتح العين.
(زُهرة): بضم الزاي.
* * *