قال ابن دقيق العيد: ويمكن أن يقال: إن فعل الأعرابي بمجرده لا يوصف بالحرمة عليه؛ لأن شرطَه علمُه بالحكم، فلا يكون التقرير عليه تقريراً على محرَّم، إلا أنه لا يكفي ذلك في الجواب، فإنه فعل فاسد، والدليلُ يدل على عدم فساده، وإلا، لما كان التقرير في موضع ما يدل على الصحة.
وقد يقال: إن التقرير ليس بدليل على الجواز مطلقاً، بل لا بدَّ من انتفاء الموانع، وزيادة قَبولِ المتعلِّم لما يُلقى إليه بعدَ تكرار فعلهِ، واستجماعِ نفسه، وتوجه سؤاله مصلحةٌ مانعةٌ من وجوب المبادرة إلى التعليم، لا سيما مع عدم (١) خوف الفوات، إما بناءً على ظاهر الحال، أو بوحي خاص (٢).
* * *
باب: المُصَافَحَةِ
٢٧٦١ - (٦٢٦٤) - حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَقِيلٍ زُهْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ، سَمِعَ جَدَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هِشَامٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهْوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
(أبو عَقيل): بفتح العين.
(زُهرة): بضم الزاي.
* * *
باب: الاسْتِلْقَاءِ
٢٧٦٥ - (٦٢٨٧) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجدِ مُسْتَلْقِياً، وَاضِعاً إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى.
(مستلقياً في المسجد (١) واضعاً إحدى رجليه على الأخرى): فيه ردٌّ على من كرهَ ذلك من العلماء.
* * *
باب: إِذا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثَةٍ فلا بَأْسَ بالمُسَارَّةَ والمنَاجَاةِ
٢٧٦٦ - (٦٢٩٠) - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً، فَلَا يَتَنَاجَى رَجُلَانِ دُونَ الآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ؛ أَجْلَ أَنْ يُحْزِنَهُ".
(أجلَ أن يحزنه): أي: من أجل، فحذف [من]، وهو مما استعملته العرب:
أَجْلَ أَنَّ الله قد فَضَّلَكُمْ ... فَوْقَ مَنْ أَحْكَأَ (٢) صُلْباً بِإِزَارِ (٣)
стр. 4136
ومعنى أحكأ - بهمزة آخره -: شَدَّ. ويُحزنه - بضم أوله وفتحه -، يقال: أَحْزَنَ، وحَزَنَ، وقد قرئ بهما قوله تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣].
والعلة المذكورة ظاهرة، وذلك أن الواحد إذا بقي فرداً، وتناجى مَنْ عَداه دونَه، حَزِنَ لذلك، إما لِظَنِّه احتقارَهم إياه عن أن يُدخلوه في نجواهم، وإما لأنه قد يقعُ في نفسه أنَّ سِرَّهم في مَضَرَّته، وهذا المعنى مأمونٌ عند الاختلاط، وعدمِ إفرادِه من بين القوم بتركِ المناجاة.
* * *
باب: لا تُتْرَكُ النَّارُ في البَيْتِ عِنْدَ النَّوْمِ
٢٧٦٧ - (٦٢٩٥) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ كَثِيرٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَمَّرُوا الآنِيَةَ، وَأَجِيفُوا الأَبْوَابَ، وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ؛ فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا جَرَّتِ الْفَتِيلَةَ، فأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ".
(وأَجيفوا الأبوابَ): أي: أَغلقوها.
* * *
باب: الخِتَانِ بعدَ الكِبَرِ ونَتْفِ الإبْطِ
٢٧٦٨ - (٦٢٩٨) - حَدَّثَنَا أبَو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ: حَدَّثَنَا أبَو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اخْتَتَنَ إبْرَاهِيمُ بَغدَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ" - مُخَفَّفَةً -.
стр. 4137
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَقَالَ: بِالْقَدُّومِ.
(اختتن بالقدوم): تقدم أنه بالتخفيف، والتشديد، وأن التخفيف هو الصحيح، وأن المرادَ به في الحديث: الآلةُ (١).
* * *
стр. 4138
كتاب الدعوات
стр. 4139
كتاب الدعوات
باب: ولِكُلِّ نَبِيًّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ
٢٧٦٩ - (٦٣٠٤) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أِبي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لِكُلِّ نبَيًّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا، وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي فِي الآخِرَةِ".
(كتاب: الدعوات).
(وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعةً لأمتي): قال ابن الجوزي: هذا من حُسن نظرِه ﷺ ؛ حيث اختار أن (١) تكون دعوتُه (٢) فيما يبقى، ومن فضلِ كرمه أن جعلَها شفاعةَ لأمته، شفاعةَ للمذنِبين، فكأنه هيأ (٣) النجائبَ ليلحقهم بالسابقين (٤).
* * *
باب: التَّوْبَةِ
٢٧٧١ - (٦٣٠٨) - حَدَّثَنَا أَحمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أبو شِهابٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُويدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ، قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ، فَقَالَ بِهِ هكَذَا - قَالَ أَبُو شِهابٍ بِيَدِهِ فَوْقَ أَنْفِهِ - ثُمَّ قَالَ: "لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ نزَلَ مَنْزِلاً وَبِهِ مَهْلَكَةٌ، وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نومَةً، فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهبَتْ رَاحِلَتُهُ، حَتَّى اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: أَرجِعُ إِلَى مَكَانِي، فَرَجَعَ فَنَامَ نومَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ".
(حدثنا عبد الله حديثين: أحدُهما عن النبي ﷺ ، والآخَرُ عن نفسه): فيه إطلاقُ الحديث على الموقوف على (١) الصحابة، وهو استعمال مجازي، والأغلبُ اختصاصُه بما كان عن النبي ﷺ ، هذا بحسب عُرْف المحدثين، ولم يبين البخاري المرفوعَ من الموقوف، وقد رواه مسلم عن الحارث، فقال: عن ابن مسعود: سمعت رسول الله ﷺ " (٢): "لَلهُ أَشَدُّ فَرَحاً" (٣).
(لله أَفْرَحُ): حقيقةُ الفرحِ مستحيلةٌ في حق الله تعالى، وإنما هو بمعنى الرضا والقَبول؛ أي: للهُ أرضى وأقبلُ له من كذا (٤).
стр. 4142
(وبه مَهْلَكة): - بفتح الميم واللام -؛ أي: محلٌّ لهلاكِ (١) سالِكها بغيرِ زادٍ ولا راحلةٍ.
* * *
باب: الضَّجْعِ عَلَى الشِّقَّ الأَيْمَنِ
(باب: الضَّجْع): هو (٢) بفتح الضاد المعجمة وإسكان الجيم: وضعُ الجنبِ بالأرض (٣).
* * *
باب: وَضْعِ الْيَدِ اليُمْنَى تَحْتَ الْخَدِّ الأَيْمَنِ
(باب: وضعِ اليدِ تحت الخدِّ اليمنى (٤)): ليس في حديث الباب الذي أورده تعرضٌ لليمنى، لكن وقع التصريح بها على غير شرطه، فأشار إليها في الترجمة مُقَيِّداً بها الروايةَ المطلقةَ، كذا قيل (٥).
* * *
مسلم، وهما (١): "اللسان، والنفس".
وقال ابن الجوزي: إنه يعني بالتابوت (٢): الصندوقَ؛ [أي: هذه السبعُ مكتوبةٌ عنده في الصندوق] (٣)؛ أي: لم يحفظها في ذلك الوقت، وهي [عنده] مكتوبة، والأول أولى، وهذه الأنوارُ المعَيَّنَةُ هنا - والله أعلم -: الهدايةُ الشاملةُ لهذه الأركان، والاعتضادُ والسّدادُ (٤) والتوفيق (٥).
* * *
باب: ما يَقُولُ إِذَا أصْبَحَ
٢٧٧٣ - (٦٣٢٣) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ ربي، لَا إِلَه إِلَاّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعمَتِكَ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي؛ فَإنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنوُبَ إِلَاّ أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ. إِذَا قَالَ حِينَ يُمْسِي، فَمَاتَ، دَخَلَ الْجَنَّةَ، أَوْ: كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِذَا قَالَ حِينَ يُصْبِحُ، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ"، مِثْلَهُ.
(سيدُ الاستغفار): أي: أفضلُه وأعظمُه نفعاً.
стр. 4145
ولم أر أعجبَ من سؤال أورده (١) ابنُ الملقن، فقال: أين لفظُ الاستغفار، في هذا الدعاء، وقد سماه: سيدَ الاستغفار؟ مع أن هذا الدعاء نفسه: "فاغْفِرْ لي فإنَّه لا يغفرُ الذنوبَ إلا أنتَ"، وهذا (٢) الاستغفار شيء غير طلب المغفرة؟! وقوله: "فاغْفِرْ لي" طلبٌ لها صريحاً، فما هذا السؤال البارد؟ (٣)
* * *
باب: الدُّعَاءِ في الصَّلاةِ
٢٧٧٤ - (٦٣٢٦) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁: أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: "قُلِ: اللَّهُمَّ إِنَّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْماً كثِيراً، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ أَنْتَ، فَاغفر لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ".
(فاغفرْ لي مغفرةً من عندكَ): فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون إشارة إلى التوحيد المذكور في قوله: و (٤) لا يغفر الذنوبَ إلا أنت، فكأنه يقول: لا يفعلُ هذا إلا أنتَ، فافعله أنتَ.
стр. 4146
والثاني: وهو الأحسنُ: أن يكون إشارةً إلى طلب مغفرة متفضَّل بها من عند الله، لا يقتضيها سببٌ من العبد من عملٍ حسن، فهي رحمةٌ من عنده بهذا التفسير، ليس للعبد فيها سبب، وهذا تبرؤ من الأسباب والإدلالِ بالأعمال.
(إنك أنت الغفورُ الرحيمُ): صفتان ذُكرتا ختماً (١) للكلام على جهة المناسبة لما قبله، فالغفورُ مناسب لقوله: "فاغفرْ لي"، والرحيمُ مقابل لقوله: "ارْحَمْني"، وقد جُعل الأولُ هنا للأول، والثاني للثاني، وقد يقع على خلاف ذلك بأن يُراعى القربُ، فيُجعل الأولُ للأخير، وذلك على حسب اختلاف المقاصد، وطلبِ التفنن في الكلام (٢).
* * *
باب: قَوْلِ الله : ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] , ومَنْ خَصَّ أَخَاهُ بالدُّعَاءِ دُونَ نَفْسِهِ
٢٧٧٥ - (٦٣٣١) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ، قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَيَا عَامِرُ! لَوْ أَسْمَعتَنَا مِنْ هُنَيْهَاتِكَ، فَنَزَلَ يَحْدُو بِهم يُذَكَرُ: تَاللَّهِ لَوْلَا اللَهُ مَا اهْتَدَيْنَا. وَذَكَرَ شِعراً غَيْرَ هذَا، وَلَكِنِّي لَمْ أَحفَظْهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ هذَا السَّائِقُ؟ "، قالُوا: عَامِرُ بْنُ الأَكْوَعِ، قَالَ: "يَرْحَمُهُ اللَّهُ". وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يا رَسُولَ اللَهِ! لَوْلَا
(اللهم صلِّ على محمدٍ عبدِك ورسولِك كما صليتَ على إبراهيم): تقدم السؤالُ المشهورُ في الصلاة، وهو أن المشبَّه دونَ المشبَّهِ به (١)، فكيف يطلبُ صلاةً على النبي ﷺ تُشَبَّه بالصلاة على إبراهيم؟
[وتقدم كلامُ القرافي فيه، وأن الشيخَ عزَّ الدين بنَ عبدِ السلام أجاب: بأن المشبَّه الصلاةُ على النبي ﷺ وآله بالصلاةِ على إبراهيم] (٢) وآلِه؛ أي (٣): المجموعُ بالمجموع، ومعظمُ الأنبياء هم آلُ إبراهيم ... إلى آخر جوابه.
وهو غير متأتًّ في هذه الرواية؛ فإنها قد اقتصر فيها على إبراهيم فقط دون آله بالنسبة إلى الصلاة.
وقد أُجيب عن السؤال المذكور بأجوبة غير ما ذكره ابنُ عبد السلام والقرافي:
منها: أنه تشبيه لأصلِ الصلاة (٤) بأصلِ الصلاة (٥)، لا (٦) القَدْرِ بالقَدْرِ، وهذا كما اختاروا في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]: أن المراد: أصلُ الصيام، لا كميتُه ووقتُه، وهذا الجواب - كما تراه - غيرُ قوي (٧).
стр. 4153
ومنها: أن هذه الصلاة الأمرُ (١) بها للتكرار بالنسبة إلى كلِّ صلاةٍ في حقِّ كلِّ مصلًّ، فإذا اقتصر في حقِّ كلِّ مصلًّ حصولُ (٢) صلاةٍ مساوية للصلاة على إبراهيم ﵇، كان الحاصلُ للنبي ﷺ بالنسبة إلى مجموع الصلوات أضعافاً مضاعفة، لا ينتهي إليها العدُّ (٣) والإحصاء.
وأورد ابن دقيق العيد هنا سؤالاً، فقال: التشبيهُ حاصل بالنسبة إلى أصل هذه الصلاة، والفرد منها، فالإشكالُ (٤) واردٌ.
وأجاب: بأن الإشكال إنما يرد على تقدير أن الأمر ليس للتكرار، وهو هنا للتكرار بالاتفاق، فالمطلوبُ من المجموع مقدارُ ما لا يحصى من الصلوات بالنسبة إلى المقدار الحاصل لإبراهيم ﵇ (٥).
* * *
باب: هَلْ يُصلَّى على غَيْرِ النَبِيِّ ﷺ -؟
وقولِ الله : ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]
٢٧٨١ - (٦٣٦٠) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ: أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ:
الدُّنْيَا، كمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ".
(ما الفقرَ أخشى عليكم): قال الزركشي: بنصب "الفقر" مفعول "أخشى"؛ أي: ما أخشى عليكم الفقرَ، والرفعُ ضعيف؛ لأنه يحتاج إلى ضمير يعود عليه، وإنما يجيء ذلك في الشعر (١).
قلت: ضعف ذلك مذهب كوفي، قال في "التسهيل": ولا يختص بالشعر؛ خلافاً للكوفيين.
فإن قلت: تقديمُ المفعول هنا يؤذِنُ بأن الكلام في (٢) المفعول، لا في الفعل؛ كقولك (٣): ما زيداً ضرَبْتُ، فلا يصح أن يعقب المنفي (٤) بإثبات ضدَّه، فيقول: ولكن أكرمته؛ لأن المقام يأباه؛ إذ الكلامُ في المفعول، هل هو (٥) زيدٌ، أو عمرٌو - مثلاً -، لا في الفعل المنفي (٦)، هل هو إكرامٌ، أو إهانةٌ؟
والحديث قد وقع في الاستدراك بإثبات هذا الفعل المنفي، فقال: "ولكنْ أَخْشى عليكم أَنْ تُبسطَ عليكم الدنيا كما بُسطت على مَنْ كانَ قبلَكُم" إلى آخره، فكيف يتأتى هذا؟
стр. 4164
قلت: المنظورُ إليه في الاستدراك هو المنافسةُ (١) في الدنيا، فلم يقع الاستدراك إلا في المفعول؛ كقولك: ما زيداً ضربتُ، ولكن عمراً، ثم الفعلُ المثبَتُ ثانياً ليس ضداً للفعل المنفي أولاً بحسب الوضع (٢)، وإنما اختلفا بالتعلق، فذكرُه لا يَضُرُّ؛ لأنه في الحقيقة استدراكٌ بالنسبة إلى المفعول، لا إلى الفعل.
* * *
٢٧٩٠ - (٦٤٢٧) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ ابْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَكْثَرَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُم مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ". قيلَ: وَمَا بَرَكَاتُ الأَرْضِ؟ قَالَ: "زَهْرَةُ الدُّنْيَا". فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: هَلْ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَصَمَتَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَعَلَ يَمْسَحُ عَنْ جَبِينِهِ، فَقَالَ: "أَيْنَ السَّائِلُ؟ "، قالَ: أَنَا - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لَقَدْ حَمِدْنَاهُ حِينَ طَلَعَ ذَلِكَ - قَالَ: "لَا يَأْتِي الْخَيْرُ إِلَاّ بِالْخَيْرِ، إِنَّ هذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، إِنَّ كُلَّ مَا أَنْبَتَ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطاً أَوْ يُلِمُّ، إِلَاّ آكِلَةَ الْخَضِرَةِ، أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا، اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ، فَاجْتَرَّتْ وَثَلَطَتْ وَبَالَتْ، ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ. وَإِنَّ هذَا الْمَالَ حُلْوَةٌ، مَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ، وَوَضَعَهُ فِي حَقَّهِ، فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ، كَانَ الَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ".
стр. 4165
(إلا آكلة الخضر (١)): سبق الكلام عليه قريباً (٢) في كتاب: الزكاة.
لكن سُئلت قريباً من وصولي إلى هذا المحل عن معنى هذا الاستثناء بعدَ قوله: "إن ما يُنبت الربيعُ ما يقتل حبطاً، أو يُلِمُّ"؛ أي (٣): ما يقتلُ، أو يُقارب القتلَ، والظاهرُ أن الاستثناء منقطعٌ؛ أي: لكنَّ أكلةَ الخضرِ لا يقتلُها أَكلُ الخضر، ولا (٤) يُلَمُّ بقتلها (٥)، وإنما قلنا: إنه منقطع؛ لفوات شرط الاتصال؛ ضرورةَ كون الأول غيرَ شاملٍ له على تقدير عدمِ الثنيا، وذلك لأن "من" فيه تبعيضية، فكأنه يقول: إن شيئاً مما يَنبت يقتلُ حبطاً، أو يُلِمَّ، وهذا لا يشملُ (٦) مأكولَ آكلةِ الخضر ظاهراً؛ لأنه نكرة في سياق الإثبات، نعم في هذا اللفظ الثابت في الطريق المذكورة هنا، وهو قوله (٧): "إن (٨) كُلَّ ما أنبتَ الربيعُ يقتل حبطاً، أو يلم" يتأتى جعلُ الاستثناءِ متصلاً؛ لدخول المستثنى في عموم المستثنى منه، وليس المستثنى (٩) في الحقيقة (١٠)
стр. 4166
هو الآكلة نفسها، وإلا كان منقطعاً، وإنما المستثنى محذوف، تقديره: مأكولُ آكلةِ الخضر، فحُذف المضاف، وأُقيم المضافُ إليه مقامه، فتأملْه.
* * *
٢٧٩١ - (٦٤٢٨) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَمْرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بنَ حُصَيْنٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - قالَ عِمْرَانُ: فَمَا أَدْرِي: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بعدَ قَوْلهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً -، ثُمَّ يَكُونُ بَعدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونوُنَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ".
(سمعت أبا جمرة (١)): بجيم.
(زَهْدَمُ): بزاي، على زنة جَعْفَر.
(ابنُ مُضَرِّب): بتشديد الراء، على زنة اسم الفاعل.
(يَشهدون، ولا يُستشهدون): محمول عند الأكثرين على حقوق العباد المحضة.
(ويخونون، ولا يُؤتمنون): ولو ائتمنوا؛ لكانوا أشدَّ خيانة.
(وينذِرون): بكسر الذال المعجمة وضمها.
(ويظهر فيهم السِّمَن): - بكسر السين وفتح الميم -؛ أي: لإيثارِ
(من توضأ مثلَ هذا الوضوء): وفي طريق: "نَحوَ وُضُوئي"، وهو الواقع في "عمدة الأحكام"، وهذا يدل على أن لفظة "مثلَ"، و"نحوَ" بمعنى واحد، وأظن أن الشيخ تاجَ الدين الفاكهانيَّ وقعَ له في "شرح العمدة": أن بين الكلمتين فرقاً، وأن "نحواً" لا يقتضي من المماثلة ما يقتضيه "مِثْلُ"، فلذلك أُوثر لفظ "نحو" على "مثل" في الحديث المذكور؛ يعني: حديث "العمدة" (١). وثبوتُ لفظِ المثلِ في هذه الطريق قادحٌ فيما قاله، فتأملْه.
* * *
باب: ذَهَابِ الصَّالِحِينَ
٢٧٩٤ - (٦٤٣٤) - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أبو عَوَانَةَ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبي حَازِمٍ، عَنْ مِرْدَاسٍ الأَسْلَمِيِّ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ، الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، وَيَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ، أَوِ التَّمْرِ، لَا يُبَالِيهِمُ اللَّهُ بَالَةً".
قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُقَالُ: حُفَالَةٌ، وَحُثَالَةٌ.
(وتبقى حُفالَةٌ): أي: رُذَالَةُ، وهي (٢) بضم الحاء وبالفاء، ويقال أيضاً: "حُثالَة" - بمثلثة -؛ كأن الفاء والثاء تعاقبا؛ مثل: ثوم، وفوم، وجَدَث وجَدَف (٣).
стр. 4169
(لا يباليهم الله بالَةً): أي: لا يرفع (١) لهم قدراً، ولا يُقيم لهم وزناً، وبالةً: مصدرُ بالَيْتُ، وأصلُه: بالِيَة كعافية، فحذفت لامه، قيل: لكراهة ياءٍ قبلَها كسرةٌ فيما كَثُرَ استعماله، وذلك لكثرة استعمال (٢) هذه اللفظة في كل ما لا يحتفل به (٣).
قلت: لا يحسْنُ التعليلُ بمجرد هذا، ولو أُضيف إليه ما قاله بعضُ المتأخرين من أن المعنى على حذف لام الكلمة فيه شذوذٌ، فأَعله في المصادر، فحولوه بالحذف المذكور عن بنية الشذوذ؛ لكان حسناً.
* * *
باب: ما يُتَّقَى من فِتْنَةِ المَالِ، وقَوْلهِ : ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]
٢٧٩٥ - (٦٤٣٥) - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا أَبو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَعِسَ عَبْدُ الدَّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ، وَالْقَطِيفَةِ، وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ".
(تعَس عبدُ الدينار): - بفتح عين تَعَسَ وكسرها؛ أي: هلَكَ، وقيل: عَثَرَ، وقيل: سَقَطَ على وجهه خاصةً، وقيل: لزمه الشرُّ، وقيل: بَعُدَ، كذا
стр. 4170
في "المشارق" (١).
(إن أُعطي رضي، وإن لم يُعطَ لم يرض): الظاهر أن هذا تفسير لمعنى عبوديته للدينار والدرهم، فلا محل له من الإعراب.
* * *
٢٧٩٦ - (٦٤٣٧) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَوْ أَنَّ لاِبْنِ آدَمَ مِثْلَ وَادٍ مَالاً، لأَحَبَّ أَنَّ لَهُ إِلَيْهِ مِثْلَهُ، وَلَا يَمْلأُ عَيْنَ ابْنِ آدَمَ إِلَاّ التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ".
(لو أن لابن آدمَ وادياً (٢) مِلْءَ (٣)): بكسر الميم.
قال في "الصحاح": هو اسمُ ما يأخذه الإناءُ إذا امتلأ (٤).
ويروى: "مثل": بميم ومثلثة (٥).
* * *
٢٧٩٧ - (٦٤٣٨) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ ابْنِ الْغَسِيلِ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى