(من توضأ مثلَ هذا الوضوء): وفي طريق: "نَحوَ وُضُوئي"، وهو الواقع في "عمدة الأحكام"، وهذا يدل على أن لفظة "مثلَ"، و"نحوَ" بمعنى واحد، وأظن أن الشيخ تاجَ الدين الفاكهانيَّ وقعَ له في "شرح العمدة": أن بين الكلمتين فرقاً، وأن "نحواً" لا يقتضي من المماثلة ما يقتضيه "مِثْلُ"، فلذلك أُوثر لفظ "نحو" على "مثل" في الحديث المذكور؛ يعني: حديث "العمدة" (١). وثبوتُ لفظِ المثلِ في هذه الطريق قادحٌ فيما قاله، فتأملْه.
* * *
باب: ذَهَابِ الصَّالِحِينَ
٢٧٩٤ - (٦٤٣٤) - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أبو عَوَانَةَ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبي حَازِمٍ، عَنْ مِرْدَاسٍ الأَسْلَمِيِّ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ، الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، وَيَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ، أَوِ التَّمْرِ، لَا يُبَالِيهِمُ اللَّهُ بَالَةً".
قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُقَالُ: حُفَالَةٌ، وَحُثَالَةٌ.
(وتبقى حُفالَةٌ): أي: رُذَالَةُ، وهي (٢) بضم الحاء وبالفاء، ويقال أيضاً: "حُثالَة" - بمثلثة -؛ كأن الفاء والثاء تعاقبا؛ مثل: ثوم، وفوم، وجَدَث وجَدَف (٣).
стр. 4169
(لا يباليهم الله بالَةً): أي: لا يرفع (١) لهم قدراً، ولا يُقيم لهم وزناً، وبالةً: مصدرُ بالَيْتُ، وأصلُه: بالِيَة كعافية، فحذفت لامه، قيل: لكراهة ياءٍ قبلَها كسرةٌ فيما كَثُرَ استعماله، وذلك لكثرة استعمال (٢) هذه اللفظة في كل ما لا يحتفل به (٣).
قلت: لا يحسْنُ التعليلُ بمجرد هذا، ولو أُضيف إليه ما قاله بعضُ المتأخرين من أن المعنى على حذف لام الكلمة فيه شذوذٌ، فأَعله في المصادر، فحولوه بالحذف المذكور عن بنية الشذوذ؛ لكان حسناً.
* * *
باب: ما يُتَّقَى من فِتْنَةِ المَالِ، وقَوْلهِ : ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]
٢٧٩٥ - (٦٤٣٥) - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا أَبو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَعِسَ عَبْدُ الدَّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ، وَالْقَطِيفَةِ، وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ".
(تعَس عبدُ الدينار): - بفتح عين تَعَسَ وكسرها؛ أي: هلَكَ، وقيل: عَثَرَ، وقيل: سَقَطَ على وجهه خاصةً، وقيل: لزمه الشرُّ، وقيل: بَعُدَ، كذا
стр. 4170
في "المشارق" (١).
(إن أُعطي رضي، وإن لم يُعطَ لم يرض): الظاهر أن هذا تفسير لمعنى عبوديته للدينار والدرهم، فلا محل له من الإعراب.
* * *
٢٧٩٦ - (٦٤٣٧) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَوْ أَنَّ لاِبْنِ آدَمَ مِثْلَ وَادٍ مَالاً، لأَحَبَّ أَنَّ لَهُ إِلَيْهِ مِثْلَهُ، وَلَا يَمْلأُ عَيْنَ ابْنِ آدَمَ إِلَاّ التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ".
(لو أن لابن آدمَ وادياً (٢) مِلْءَ (٣)): بكسر الميم.
قال في "الصحاح": هو اسمُ ما يأخذه الإناءُ إذا امتلأ (٤).
ويروى: "مثل": بميم ومثلثة (٥).
* * *
٢٧٩٧ - (٦٤٣٨) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ ابْنِ الْغَسِيلِ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى
فَشَرِبْتُ، فَقَالَ: "اشْرَبْ"، فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: "اشْرَبْ" حَتَّى قُلْتُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكاً، قَالَ: "فأَرِنِي"، فَأَعطَيْتُهُ الْقَدَحَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَسَمَّى، وَشَرِبَ الْفَضْلَةَ.
(باب: كيف كانَ عيشُ النبي ﷺ ؟).
(ثنا أبو نعيم بنحوٍ من نصفِ هذا الحديث): قال الزركشي: هذا الموضعُ من عُقد الكتاب؛ فإنه لم يذكر مَنْ حدّثه بالنصف الآخر، قال: ويمكن أن يقال: اعتمد على السند الآخر الذي تقدم له في كتاب: الاستئذان (١).
(آلله الذي لا إله إلا هو): لا شكَّ أنه (٢) حُذف حرفُ القسم من قوله: الله، فيجوز نصبه وخفضه، لكن قال السفاقسي: رويناه بالنصب (٣)(٤).
(وإن كنت لأَشُدَّ الحجرَ على بطني من الجوع): قال الخطابي: أشكلَ الأمرُ في شد الحجر على البطن من الجوع على قومٍ حتى توهموا أنه تصحيف، فزعموا أنما هو الحُجَزُ، جمع الحجزة، التي يشدُّ بها المرءُ (٥) وَسْطَهُ.
قال: ومن أقام بالحجاز، وعرفَ عادتهم، علم أن الحجرَ واحدةُ
стр. 4179
الحجارة (١)، وذلك أن المجاعة تُصيبهم (٢)، فإذا خوى البطن، يهرم (٣)، فلا يمكن معه الانتصابُ، فيؤخذ حينئذ صفائحُ دِقاقٌ (٤) في طول الكَفَّ، فتُرْبط على البطن، وتُشد بحُجْزَةٍ فوقها، فتعتدلُ قامةُ الإنسان بعضَ الاعتدال (٥).
(إلا لِيشبِعَني): من الشَّبَعِ. ويروى: "إلا ليَسْتَتْبِعني (٦) "؛ من الاستتباع، وهو طلب التَّبَعِيَّةِ.
[(أبا هرّ!): يروى بتشديد الراء وتخفيفها، وأصلُ تكنيته بذلك: أنه وجدَ هرة في الطريق، فاخذها، فأتى بها رسولَ الله ﷺ ، فقال: "أَنْتَ أَبو هِرٍّ"] (٧).
* * *
٢٨٠٦ - (٦٤٥٣) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعداً يَقُولُ: إِنِّي لأَوَّلُ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي
وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ، لَمْ يَيْئَسْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللهِ مِنَ الْعَذَابِ، لَمْ يَأْمَنْ مِنَ النَّارِ".
(خلقَ الله الرّحمةَ يومَ خلقها مئةَ رحمة): اعلمْ أنه يجوز عند المتكلمين في تأويل ما لا يسوغ نسبته إلى الله تعالى على حقيقته اللغوية وجهان:
أحدهما: الحملُ على الإرادة، فيكون من صفات الذات.
والآخر: الحملُ على فعل الإكرام، فيكون من صفات الأفعال؛ كالرحمة، فإنها في اللُّغة مشتقة من الرّحم، وحاصلها رقَّةٌ طبيعيةٌ وميلٌ جِبِلِّيٌّ، وهذا مستحيلٌ في حق الباري (١) ، فمنهم من يحملها على إرادةِ الخير، ومنهم من يحملها على فعل الخير.
ثمّ بعد ذلك يتعين أحدُ التأويلين في بعض السياقات لمانعٍ يمنع من الآخر، مثالُه ها هنا، فيتعين تأويلُ الرحمة بفعل الخير؛ لتكون صفةَ فعل، فتكونَ حادثةً عند الأشعريِّ، فيتسلَّطُ الخلق عليها، ولا يصحُّ هنا تأويلُها بالإرادة؛ لأنها إذ ذاك من صفات الذات، فتكون قديمة، فيمتنع تعلُّق الخلق بها، ويتعين تأويلُها بالإرادة في قوله تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣]؛ لأنك لو حملتها على الفعل؛ لكان العصمة بعينها، فيكون استثناء الشيء من نفسه، فكأنك قلت: لا عاصم إِلَّا العاصم (٢)، فتكون الرحمةُ الإرادةَ، والعصمةُ على بابها؛ لفعل المنع من المكروهات، كأنه قال: لا يمنع من المحذور إِلَّا من أراد السلامة، فتأمل.
باب: مَا يُكْرَهُ مِنْ قِيلَ وَقَالَ
(باب: ما يُكره من قيل وقال): قال الزركشي: تنوينُهما على أنهما اسمان، وبالفتح على أنهما فعلان (١).
قلت: بل (٢)، وعلى أنهما اسمان، والفتحُ للحكاية، بل لا (٣) يسوغ ادعاءُ فعليَّتَهما في هذا التركيب البَتَّةَ عندَ المحققين، وكيف وحرفُ الجر الّذي هو من خصائص الأسماء قد دخلَ عليهما؟ وإنّما يجوّز فِعْلِيَّتَهما في. مثل هذا ابنُ مالك، ولم يتابعه عليه أحدٌ من الحُذَّاق (٤).
* * *
باب: حِفْظِ اللِّسَانِ، وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ كَانَ يؤمنُ باللهِ واليوم الآخرِ فليقُلْ خيرًا أو لِيَصْمُتْ" وقَوْلهِ جَلّ ذِكْرُه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]
٢٨١٦ - (٦٤٧٦) - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ، قَالَ: سَمِعَ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي: النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "الضِّيَافةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، جَائِزَتُهُ؟. قِيلَ: مَا جَائِزَتُهُ؟ قَالَ: "يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَسْكُتْ".
стр. 4187
(الضيافةُ ثلاثةُ أيام جائزة، قال (١): ما جائزتُه؟ قال: يومٌ وليلَةٌ): يحتمل أن يكون ارتفاع "جائزتُه" [على أنه مبتدأ حُذف خبره؛ أي: منها جائزتُه] (٢)، ويكون هذا على رأي من يرى أن الجائزة داخلةٌ في الضيافة، لا خارجةٌ عنها.
* * *
٢٨١٧ - (٦٤٧٨) - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ - يَعْنِي: ابْنَ دِينَارٍ -، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُ اللهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ".
(وإن العبدَ ليتكلَّمُ بالكلمة (٣) من سَخَط الله، لا يُلقي لها بالًا): أي: يتكلم (٤) بها على غَفْلَةٍ من غير تثبُّتٍ ولا تأمُّلٍ، و"من سَخَطِ الله" حالٌ من الكلمة، أو صفةٌ لها؛ لأن اللام جنسية، فلك اعتبارُ المعنى، واعتبارُ اللفظ.
والجملة الفعلية: إمّا حالٌ من ضمير "العبد" المستكنِّ في التكلُّم، أو من "الكلمة (٥) "، أو صفةٌ لها بالاعتبارين المذكورين.
(يَهوي بها في نار جهنم): - بفتح ياء المضارعة التحتية "من يهوي"،
стр. 4188
وكسر الواو -.
قال (١) ابنُ عبدِ البر: هي الكلمةُ السوءُ عندَ السلطانِ الجائر.
وقال ابن عبد السّلام: هي الكلمة الّتي لا يُعرف حسنُها من قبحها، ويحرُم على الإنسان أن يتكلَّم بما لا يعرف حسنه من قبحه (٢).
* * *
باب: الخَوْفِ مِنَ اللهِ
٢٨١٨ - (٦٤٨٠) - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "كانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ، فَقَالَ لأَهْلِهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ، فَخُذُونِي، فَذَرُّونِي فِي الْبَحْرِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، فَفَعَلُوا بِهِ، فَجَمَعَهُ اللهُ، ثُمَّ قَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى الَّذِي صَنَعْتَ؟ قَالَ: مَا حَمَلَنِي إِلَّا مَخَافَتُكَ، فَغَفَرَ لَهُ".
(كان رجل (٣) ممّن كان قبلَكم يسيءُ الظنَّ بعملِه): جاء في وصف هذا أربعة أشياء:
أحدها: أنه كان نَبَّاشاً (٤)، وهذا في "البخاري".
والثاني: أنه من بني إسرائيل (٥)، وهذا في "البخاري" ما يرشد إليه؛ فإنه
стр. 4189
ذكر في باب: ما ذُكر عن بني إسرائيل، قال: وقال عقبة بن عمرو: وأنا سمعته يقول ذلك، وكان نباشاً.
والثالث: أنه آخرُ أهلِ النّار خروجاً، وآخرُ أهلِ الجنةِ دخولًا.
والرابع: أنه كان يقول: أَجِرْني من النّار، مقتصراً على ذلك.
والكلام على تفاصيل هذه الأشياء الأربعة طويل، وهو مستوفًى في "الإفهام".
* * *
٢٨١٩ - (٦٤٨١) - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا قتادَةُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ذَكَرَ رَجُلاً: "فِيمَنْ كَانَ سَلَفَ، أَوْ قَبْلَكُمْ، آتَاهُ اللهُ مَالًا وَوَلَداً - يَعْنِي: أَعْطَاهُ - قَالَ: فَلَمَّا حُضِرَ، قَالَ لِبَنِيهِ: أَيَّ أَبٍ كنْتُ؟ قَالُوا: خَيْرَ أَبٍ، قَالَ: فَإنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ عِنْدَ اللهِ خَيْرًا - فَسَّرَهَا قَتَادَةُ: لَمْ يَدَّخِرْ -، وَإِنْ يَقْدَمْ عَلَى اللهِ، يُعَذِّبْهُ، فَانْظُرُوا، فَإِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، حَتَّى إِذَا صِرْتُ فَحْمًا، فَاسْحَقُونِي، أَوْ قَالَ: فَاسْهَكُونِي، ثُمَّ إِذَا كَانَ رِيحٌ عَاصِفٌ، فَأَذْرُونِي فِيهَا، فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ - وَرَبِّي -، فَفَعَلُوا، فَقَالَ اللهُ: كُنْ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: أَيْ عَبْدِي! مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: مَخَافَتُكَ، أَوْ فَرَقٌ مِنْكَ، فَمَا تَلَاقَاهُ أَنْ ﵀".
(أيَّ أبٍ كنتُ؟): بنصب "أيَّ" على أنه خبر كان، تقدّم وجوباً؛ لأجل الاستفهام.
(قالوا: خيراً): بالنصب والتنوين.
стр. 4190
وفي نسخة بالنصب وترك التنوين، على أن المعنى: خيرَ أبٍ، فحُذف المضافُ إليه، وبقي المضافُ (١) على الصورة التي كان عليها مثل: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤]، ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٦٩] بالضم (٢) فيهما بغير تنوين؛ أي: سلامُ الله، فلا خوفُ شيءٍ عليهم.
قال الزركشي: ومنهم من قيده بالضم على حذف المضاف إليه (٣)؛ أي: خيرَ أب، على حدِّ قراءة: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧]، - بالجر (٤) -؛ أي: عَرَضَ الآخرةِ (٥).
قلت: الآية (٦) ليس من حذف المضاف إليه، بل من حذف المضاف، والتمثيل بها (٧) لما نحن فيه سهو.
(فما تلافاه أن رحمه): انظر إعرابه؛ فإنّه مشكل، ويظهر لي أنه يتخرج (٨) على رأي السهيلي في جواز حذف أداة الاستثناء؛ لقيام القرينة؛ أي: فما يتداركه إِلَّا بأن رحمه، فتأمله.
* * *
جيم الفعل وكسرها (١).
(فتراه مُنْتَبِراً): أي: مرتَفِعاً، يقال: نَبَرْتُ الشيءَ: رفعتُه، ومنه سُمِّي المنبرُ.
وقال أبو عبيد: منتبراً: مُنْتَفِطاً.
والمعنى: أن الأمانة لم يبقَ منها في قلوب الرجال إِلَّا مثلُ هذه (٢) الآثار التي ضَرب بها المثلَ (٣).
* * *
٢٨٢٤ - (٦٤٩٨) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبلِ الْمِئَةُ، لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً".
(كالإبل المئة): قال ابن مالك: فيه النعتُ بالعدد، وقد حكى سيبويهِ عن بعض العرب: أخذوا من بني فلان إبلًا مئةً (٤).
(لا تكادُ تجدُ فيها راحِلَةً): هي المختارةُ القويةُ على الحمل والأسفار، يريد: أن الخير في الناس الذي تَرضى حالَه وطريقتَه قليلٌ.
* * *
стр. 4195
باب: الرِّيَاءِ والسُّمْعَةِ
٢٨٢٥ - (٦٤٩٩) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ. وَحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَباً يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَداً يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ غَيْرَهُ، فَدَنَوتُ مِنْهُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ سَمَّعَ، سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي، يُرَائِي اللهُ بِهِ".
(من سمَّع، سَمَّعَ اللهُ به): هو على المجازاة من جنسِ العمل؛ أي (١): من شَهَرَ عملَه، سَمَّعَه الله ثوابَه، ولم يُعْطِه إياه.
وقيل: من أسمعَ الناسَ عملَه، سَمَّعَهم الله إياه، وكان ذلك حظَّه من الثواب.
وكذا القول في: "ومن يرائي، يرائي الله به"، فلا يظفر من ريائه إِلَّا بفضيحته، وإظهارِ ما كان يُبطنه من سوء الطويَّة، نعوذ بالله من ذلك.
* * *
باب: التَّوَاضُعِ
٢٨٢٦ - (٦٥٠٢) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيّاً، فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ
стр. 4196
مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي، لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ".
(كنت سمعَه الذي يسمعُ به) إلى آخره، قيل: أن لا تتحرك جارحةٌ من جوارحه إِلَّا في الله، وبالله، ولله، فجوارحُه كلُّها تعمل بالحق (١).
(وما تردَّدْتُ عن شيء أنا فاعلُه تَرَدُّدي عن نفس المؤمن): لا شكَّ أن التردُّد على (٢) ظاهره مُحالٌ على الله تعالى، وذكروا في تأويله من وجهين:
أحدهما: أن العبد قد (٣) يُشرف على الهلاك في (٤) حينٍ ما، فيدعو الله، فيشفيه، فيكون ذلك من فعله؛ كتردُّد من يريد (٥) فعلًا، ثم يتركه، ولا بد له منه إذا بلغ الكتابُ أجلَه.
الثاني: ما رَدَدْتُ رُسلي من شيء أنا فاعلُه تردُّدي إياهُم في نفس المؤمن، كما رُوي في قصة موسى ومَلَكِ الموت.
* * *
قَالُوا: وَمَا هَذَا؟ قَالَ: ثَوْرٌ وَنُونٌ، يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفاً.
(يتكفؤها (١) الجبارُ): أي: يُقَلَّبها ويُميلها من ها هنا إلى ها هنا (٢) بقدرته، وقيل: يضمُّها.
(نُزُلًا): - بضم النون والزاي -: مصدرٌ في موضع الحال.
(قال: إِدامهم): بكسر الهمزة.
(بالامٌ ونونٌ، قالوا: ما هذا؟ قال: ثورٌ ونونٌ): حكى السفاقسي عن الخطابي أنه قال: أما النونُ، فهو الحوت، وأما بالامٌ، فإنّه شيء مبهَم دلَّ الجوابُ من اليهودي على أنه اسمٌ للثور، وهو ما لم ينتظم، فيشبه أن يكون اليهودي (٣) أرادَ (٤) أن يعمِّي الاسمَ بتقطيع الهجاء (٥)، وقدَّمَ أحدَ الحرفين، فقال: بالام، وإنّما هو في حق الترتيب؛ لا با هجاء لأَى (٦) على وزن لَعَى؛ أي: ثور، فصحَّفَ فيه الرواية: "بالام"، فأشكلَ واستبهمَ.
قال: وهذا أقربُ ما يقع لي فيه، إِلَّا أن يكون ذلك بغير لسان العرب، فإن المخبِرَ يهوديٌّ، فلا يبعد أن يكون إنما عَبَّرَ عنه (٧) بلسانه (٨).
стр. 4199
باب: كَيْفَ الحَشْرُ ؟
٢٨٢٩ - (٦٥٢٢) - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ: رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ، وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ. وَيَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا".
(ويَحْشُر بقيتَهم النارُ، تَقيل معهم حيثما (١) قالوا): قال القاضي: هذا قبلَ قيام الساعة، وهو آخرُ أشراطها كما ذكره مسلم: "وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَن تُرَحِّلُ النَّاسَ" (٢).
وقيل: إنما ذلك في القيامة، وما ذكره القاضي أظهرُ؛ لما في نفس الحديث (٣) من ذكر القائلة والمبيت والصباح، وليس ذلك في الآخرة.
* * *
باب: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]
٢٨٣٠ - (٦٥٣٠) - حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أِبي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
стр. 4200
"يَقُولُ اللهُ: يَا آدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، قَالَ: يَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُل ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سَكْرَى وَمَا هُمْ بِسَكْرَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ". فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولُ اللهِ! أَيُّنَا ذلك الرَّجُلُ؟ قَالَ: "أَبْشِرُوا, فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمأْجُوجَ أَلْفٌ، وَمِنْكُمْ رَجُلٌ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي فِي يَدِهِ! إِنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قالَ: فَحَمِدْنَا اللهَ وَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي فِي يَدِهِ! إِنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونوُا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعَرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوِ الرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ".
(فإن منكم رجلًا، ومن يأجوجَ ومأجوجَ ألفاً): قال الزركشي: كذا لبعضهم بالنصب على أنه مفعول لـ "يخرج" المذكور في أول الحديث؛ أي: فإنه يخرج منكم كذا (١).
قلت: مراده أنه مفعول بفعل يدلُّ عليه "أَخْرِجْ" المذكورُ أولاً؛ إذ لا يُتصور أن يكون مفعولًا بنفس ذلك الفعل، ففي عبارته تساهلٌ ظاهر، ثم إعرابه على هذا الوجه يقتضي حذفَ الضمير المنصوب بـ "أن"، وهو عندهم قليل.
وابن الحاجب صرح بضعفه، مع أنه لا داعي إلى ارتكابه، وإنما الإعرابُ الظاهر فيه أن يكون رجلاً اسم إن، و"منكم" (٢) خبرها متعلق
стр. 4201
بـ "يخرج"؛ أي: فإن رجلاً يخرجُ منكم، و"من يأجوج ومأجوج" (١) معطوف على "منكم"، و"ألفاً" معطوف على "رجلاً".
فإن قلت: إنما يُقَدَّرُ متعلقُ الظرف (٢) والجار والمجرور المخبَرِ بهما مثلًا كوناً مطلقاً؛ كالحصول، والوجود (٣)؛ كما قدره النحاة، فكيف قدرته كوناً خاصاً؟ وهل هذا إِلَّا عدولٌ عن طريقتهم، فما السبب فيه؟
قلت: تمثيلُ النحاة بالكون والحصول إنما كان؛ لأن غرضَهم لم يتعلَّقْ بعامل بعينِهِ، وإنما تعلَّق بالعامل من حيث هو عاملٌ، وإلا، فلو كان المقام يقتضي تقديرَ خاصٍّ، لقدرناه.
ألَّا ترى أنه لو قيل: زيدٌ على الفرس؛ لقدرت: راكبٌ، وهو أحسنُ من تقدير: حاصل، ولا يَتردد في جواز مثله مَنْ له ممارسةٌ بفن العربية.
ويروى: برفع "رجل"، و"ألف"، فهنا نلتجئ إلى أن نقدر اسم "إن" محذوفاً؛ أي: فإنّه، والضمير للشأن، والجملة الاسمية بعده خبر "إن".
ويروى: برفع "ألف"، ونصب "رجل"، وهي رواية الأصيلي، ووجهُها أن يكون "ألف" مرفوعاً على اسم "إن" باعتبار المحل، وهو هنا جائز بالإجماع؛ لأنه بعد مضي الخبر، ويحتمل أن يكون مبتدأ، وخبره الجار والمجرور المتقدِّمُ عليه، والجملة معطوفة على الجملة المتقدمة المصدَّرَة بأن، وبهذا يُعلم أن قول الزركشي: رفعُه على خبر مبتدأ [محذوف، أو
стр. 4202
على مبتدأ] (١) مؤخَّر مقدر؛ أي: المخرَجُ ألفٌ، أو ألفٌ (٢) منهم يخرج، ليس على ما ينبغي، فتأملْه.
(أو كالرقمة (٣)): أي: الخَطِّ.
* * *
باب: القِصَاصِ يَوْمَ القِيامَةِ
٢٨٣١ - (٦٥٣٣) - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ ﵁: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ بِالدِّمَاءِ".
(أولُ ما يُقضى بين النَّاس في الدماء (٤)): هذا تعظيمٌ لأمر الدماء، فإن البداءة تكون بالأهمِّ فالأهم، وهي حقيقةٌ بذلك؛ فإن الذنوبَ تعظُم بحسب عِظَمِ المفسدةِ الواقعةِ بها، أو بحسب فواتِ المصلحة المتعلقةِ بعدمِها وهدمُ البنيةِ الإنسانية من أعظم المفاسد.
قال بعض المحققين: ولا ينبغي أن يكون بعدَ الكفر بالله تعالى أعظمُ منه.
стр. 4203
ثم يحتمل من حيث اللفظ أن تكون الأولوية مخصوصةً بما يقع فيه الحكمُ بين النَّاس.
ويحتمل أن تكون عامة في أولية ما يُقضى (١) فيه مطلقاً.
ومما يقوي الأولَ ما جاء في الحديث: "إِنَّ أَوَّلَ ما يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ صَلاتُهُ" (٢)(٣).
* * *
٢٨٣٢ - (٦٥٣٤) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ لأَخِيهِ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ، أُخِذ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ".
(مَنْ كانت عندَه مَظْلَمَةٌ): بفتح الميم واللام.
* * *
باب: "مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ عُذِّبَ "
٢٨٣٣ - (٦٥٣٦) - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ، عُذِّبَ". قالَتْ: قُلْتُ: أَلَيْسَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ