بـ "يخرج"؛ أي: فإن رجلاً يخرجُ منكم، و"من يأجوج ومأجوج" (١) معطوف على "منكم"، و"ألفاً" معطوف على "رجلاً".
فإن قلت: إنما يُقَدَّرُ متعلقُ الظرف (٢) والجار والمجرور المخبَرِ بهما مثلًا كوناً مطلقاً؛ كالحصول، والوجود (٣)؛ كما قدره النحاة، فكيف قدرته كوناً خاصاً؟ وهل هذا إِلَّا عدولٌ عن طريقتهم، فما السبب فيه؟
قلت: تمثيلُ النحاة بالكون والحصول إنما كان؛ لأن غرضَهم لم يتعلَّقْ بعامل بعينِهِ، وإنما تعلَّق بالعامل من حيث هو عاملٌ، وإلا، فلو كان المقام يقتضي تقديرَ خاصٍّ، لقدرناه.
ألَّا ترى أنه لو قيل: زيدٌ على الفرس؛ لقدرت: راكبٌ، وهو أحسنُ من تقدير: حاصل، ولا يَتردد في جواز مثله مَنْ له ممارسةٌ بفن العربية.
ويروى: برفع "رجل"، و"ألف"، فهنا نلتجئ إلى أن نقدر اسم "إن" محذوفاً؛ أي: فإنّه، والضمير للشأن، والجملة الاسمية بعده خبر "إن".
ويروى: برفع "ألف"، ونصب "رجل"، وهي رواية الأصيلي، ووجهُها أن يكون "ألف" مرفوعاً على اسم "إن" باعتبار المحل، وهو هنا جائز بالإجماع؛ لأنه بعد مضي الخبر، ويحتمل أن يكون مبتدأ، وخبره الجار والمجرور المتقدِّمُ عليه، والجملة معطوفة على الجملة المتقدمة المصدَّرَة بأن، وبهذا يُعلم أن قول الزركشي: رفعُه على خبر مبتدأ [محذوف، أو
стр. 4202
على مبتدأ] (١) مؤخَّر مقدر؛ أي: المخرَجُ ألفٌ، أو ألفٌ (٢) منهم يخرج، ليس على ما ينبغي، فتأملْه.
(أو كالرقمة (٣)): أي: الخَطِّ.
* * *
باب: القِصَاصِ يَوْمَ القِيامَةِ
٢٨٣١ - (٦٥٣٣) - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ ﵁: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ بِالدِّمَاءِ".
(أولُ ما يُقضى بين النَّاس في الدماء (٤)): هذا تعظيمٌ لأمر الدماء، فإن البداءة تكون بالأهمِّ فالأهم، وهي حقيقةٌ بذلك؛ فإن الذنوبَ تعظُم بحسب عِظَمِ المفسدةِ الواقعةِ بها، أو بحسب فواتِ المصلحة المتعلقةِ بعدمِها وهدمُ البنيةِ الإنسانية من أعظم المفاسد.
قال بعض المحققين: ولا ينبغي أن يكون بعدَ الكفر بالله تعالى أعظمُ منه.
стр. 4203
ثم يحتمل من حيث اللفظ أن تكون الأولوية مخصوصةً بما يقع فيه الحكمُ بين النَّاس.
ويحتمل أن تكون عامة في أولية ما يُقضى (١) فيه مطلقاً.
ومما يقوي الأولَ ما جاء في الحديث: "إِنَّ أَوَّلَ ما يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ صَلاتُهُ" (٢)(٣).
* * *
٢٨٣٢ - (٦٥٣٤) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ لأَخِيهِ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ، أُخِذ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ".
(مَنْ كانت عندَه مَظْلَمَةٌ): بفتح الميم واللام.
* * *
باب: "مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ عُذِّبَ "
٢٨٣٣ - (٦٥٣٦) - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ، عُذِّبَ". قالَتْ: قُلْتُ: أَلَيْسَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ
وبحاء (١) مهملة -: مدينة من الشام (٢) أيضاً، قيل: هي فلسطين، وقيل: هي مدينة تلقاء السراة، وهذا مخالف لرواية (٣): "كَمَا بَيْنَ المَدِينَةِ وَصَنْعَاءَ"، وَ"كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَصَنْعَاءَ".
ووجهُ الجمع: أن هذه الأقوالَ صدرت على وجه الإغياء في بُعْدِ (٤) أقطارِ الحوض، وخاطب ﷺ أهلَ كلِّ جهةٍ بما يعرفون من المواضع، وهو تمثيلٌ وتقريبٌ [لكل أحدٍ ممن خاطبه بما يعرفه من تلك الجهات] (٥).
* * *
٢٨٤٨ - (٦٥٧٩) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهَا، فَلَا يَظْمَأُ أَبَداً".
(ماؤه أبيضُ من اللبن): هو حجةُ الكوفيين على إجازة التفضيل فيه، والبصريون يوجِبون عند قصدِ هذا المعنى أن يقال: أَشَدُّ بياضاً من اللبن، ويحملون ما وردَ مما يخالف ذلك على الشذوذ.
* * *
عُنُقَهُ، قَالَ: "دَعْهُ، إِنْ يَكُنْ هُوَ، فَلَا تُطِيقُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ، فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ".
(إنْ يَكُنْهُ): قال الزركشي: استدلَّ به ابنُ مالك على اتصال الضمير إذا وقعَ خبراً لـ "كان"، لكن (١) في رواية: "إنْ يَكُنْ هو"، فلا دليلَ فيه (٢).
قلت: هذا من أعجب ما يُسمع، كيف تكونُ الروايةُ الثانيةُ مقتضيةً لعدم الدليل في الرواية الأولى، والفرض أنَّ الضميرَ المنفصلَ المرفوع في الثانية تأكيدٌ للضمير المستكنِّ في يَكُنْ، وهو اسم كان، وخبرُها محذوف؛ أي: إن يكنْ هو الدَّجَّالَ، والضمير المتصل في الرواية الأخرى (٣) خبر كان، فبهذا وقع الاستدلالُ في محل النزاع، وهو هل الأَوْلَى في خبر كان إذا وقع ضميراً أن يكون متصلًا، أو منفصلًا؟ فهذا الحديثُ شاهدٌ لاختيار الاتصال، وأما "إنْ يكنْ هو" (٤)، فليست من محل النزاع في شيء، إذ ليس الضمير فيها خبرَ كان قطعاً.
* * *
стр. 4223
كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
стр. 4224
كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
قول الله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]
٢٨٥٦ - (٦٦٢٢) - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ! لَا تَسْأَلِ الإمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ، وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ".
كتاب: (الأيمان والنذور).
(فرأيتَ غيرهَا خيراً منها، فكَفِّرْ عن يمينك، وأْتِ (١) الذي هو خيرٌ): قد يتعلق من يرى وجوبَ (٢) التكفير بالحلف بهذا؛ لأن (٣) الأمر بالتكفير فيه مُسْتَعْقِبٌ لرؤيةِ (٤) الخيرِ في الحِنْثِ، وإذا استعقبه التكفير، تأخَّرَ الحِنْثُ
стр. 4225
ضرورةً، وهو ضعيف؛ لأن الواو لا تقتضي ترتيباً (١)، والجملتان المتعاطفتان بعدَها في حكم الجملة الواحدة، فلا فرق بينَ قولنا: فكفِّرْ وأْتِ (٢) الذي هو خير، وبين (٣) قولنا: فافعلْ هذين، ولو قال كذلك، لم يقتض ترتيباً ولا تقديماً، فكذا اللفظ الآخر (٤).
* * *
٢٨٥٧ - (٦٦٢٥) - فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَاللهِ! لأَنْ يَلَجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْهِ".
(لأن يلجَّ أحدُكم بيمينه (٥) في أهلِه آثمُ له عندَ الله من أن يعطيَ كفارتَه التي افترضَ (٦) الله عليه): اللام الداخلة على "أَنْ" لامُ الابتداء، ويَلَجَّ: بفتح المثناة التحتية وبفتح اللام والجيم المشددة.
قال ابن المنير: وهذا من جوامع الكلم وبديعِه، ووجهُه: أنهم إنّما تَحرَّجوا من الحنثِ والحلف بعدَ الوعدِ المؤكَّد (٧) باليمين، وكان القياس
стр. 4226
يقتضي أن يقال: لجاجُ أحدِهم آثمُ له من الحنث، ولكن النبي ﷺ عدلَ عن ذلك إلى ما هو لازمُ الحنثِ، وهو الكفارةُ؛ لأن المقابلةَ بينها (١) وبين اللجاجُ أفحمُ للخصم، وأدلَّ على سوء نظر المتنطِّع الذي اعتقد أنه تَحرَّجَ من الإثم، وإنما تحرج من الطاعة والصدقة والإحسان، وكلها تجتمع في الكفارة، ولهذا عَظَّمَ (٢) شأنَها بقوله: "التي فرضَ اللهُ عليه"، فلا يبقى بعد ذلك لغافلٍ تخيُّلٌ في تفضيل الطاعة المفروضة - وهي الكفارة على اللجاج (٣) - على ترك البرِّ المحلوفِ على تركه، وإذا صحَّ أن الكفارة خيرٌ له، ومن لوازمها الحنثُ، صحَّ أن الحنثَ خيرٌ له ومعنى: "لأن يَلَجَّ (٤) أحدُكم بيمينه في أهله": أن يصمم (٥) أحدُكم في قطيعة أهلِه ورحمِه بسبب يمينه الّتي حلفَها على تركِ بِرَّهم، آثمُ له عندَ الله (٦) من كذا.
* * *
٢٨٥٨ - (٦٦٢٦) - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ - يَعْنِي: ابْنَ إِبْرَاهِيمَ -: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنِ اسْتَلَجَّ فِي أَهْلِهِ بِيَمِينٍ، فَهْوَ أَعْظَمُ إِثْماً، لِيَبَرَّ" يَعْنِي: الْكَفَّارَةَ.
стр. 4227
[(ليس تُغني الكفارة): - بالمثناة الفوقية المضمومة -؛ من الإغناء.
قال القرطبي: وليس بشيء] (١)، ووجدناه (٢) في الأصل المعتمد عليه بالتاء المفتوحة والعين المهملة، وعليه علامة الأصيلي، ووجدناه بالياء المثناة من تحت والعين المهملة، وهو أقرب (٣).
* * *
باب: قَوْلِ النَّبِيِّ: "وايْمُ اللهِ "
٢٨٥٩ - (٦٦٢٧) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْثاً، وَأَمَرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بِنَ زَيْدٍ، فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمْرَتِهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "إِنْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمْرَتِهِ، فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمْرَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَايْمُ اللهِ! إِنْ كَانَ لَخَلِيقاً لِلإمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ".
(وايمُ الله! إن كانَ لخليقاً للإمارة): قال سيبويه (٤): اشتقاقُ ايم الله، وايمن الله من اليُمْنِ (٥) والبركة، وأَلِفُها عنده ألفُ وصل، وعند الفراء:
стр. 4228
ألفُها ألفُ قَطْع، وهي جمعُ يَمين (١).
قال ابن المنير: وإنما يتنزل (٢) مذهبُ الفقهاء في (٣) عدِّها مُكَفَّرةً (٤) على مذهب الفَرَّاء، لا (٥) على مذهب سيبويه؛ لأنه حملَها على البركة، وهي فعل، فلا ينعقد، ولا يُكَفَّر، وحلفُ الرسولِ بها ينافي كونَها يميناً بالفعل؛ لأنه نَهَى (٦) أن يحلف بغير الله، لكن يتوجه على مذهب الفراء: أنها لو كانت جمعَ يَمين؛ للزم الحالفَ بها ثلاثُ كفارات على مذهبِ من يرى أن مَنْ حلفَ بأيمانِ المسلمين يلزمُه ثلاثُ كفاراتٍ.
وأما (٧) مذهب مالك: فمن حلفَ أيماناً بالله، وعَدَّدَها، أو قال أيماناً ولم يعدِّدْها، لم يلزمه إِلَّا كفارةٌ واحدة، إِلَّا أن ينويَ كفاراتٍ، قال: ويمكن على مذهب سيبويه أن تنصرف البركةُ إلى الذات لا الفعل إذا حملناها على النداء (٨)، وللبركة عندهم معنيان:
أحدهما: الزيادة فهذه فعل.
والمعنى الآخر: البقاء، فهذا وصف ذاتي.
стр. 4229
باب: كَيْفَ كَانَتْ يَمِيْنُ النَّبِيِّ ؟
٢٨٦٠ - (٦٦٤٢) - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مُضِيفٌ ظَهْرَهُ إِلَى قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ يَمَانٍ، إِذْ قَالَ لأَصْحَابِهِ: "أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟)، قالُوا: بَلَى، قَالَ: "أَفَلَمْ تَرْضَوْا أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ "، قالُوا: بَلَى، قَالَ: "فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ".
(أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قالوا: بلى): فيه أن: "بلى" يُجاب بها الاستفهام (١) المجردُ، كما ورد في مسلم: "أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ في البِرِّ سَوَاءً؟ "، قال: بلى (٢).
وفيه أيضاً: "أَنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ؟ "، فقال له المجيبُ: بلى (٣).
ولكن هذا عندهم قليل، ولا (٤) يقاس عليه.
* * *
стр. 4230
باب: لَا تَحْلِفُوا بِآَبَائِكُمْ
٢٨٦١ - (٦٦٤٦) - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَهْوَ يَسِيرُ فِي رَكْبٍ، يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَقَالَ: "أَلَا إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ كَانَ حَالِفاً، فَلْيَحْلِفْ بِالله، أَوْ لِيَصْمُتْ".
(ألَّا إن الله ينهكم أن تحلفوا بآبائكم): فيه دليلٌ على المنع من الحلف بغير الله تعالى، واليمينُ منعقدةٌ عند الفقهاء باسم الذاتِ والصفاتِ العليَّة، وأما اليمينُ بغير ذلك، فهو ممنوع، واختلفوا في هذا المنع: هل هو على التحريم، أو الكراهة؟ والأقسام ثلاثة:
الأول: ما تُباح اليمينُ به، وهو ما ذكرنا من اسمِ الذاتِ والصفات.
والثاني: ما تحرمُ اليمينُ به بالاتفاق؛ كالأنصاب، والأزلام، واللَّاتِ، والعُزَّى.
قال أصحابنا المالكية: إن قصدَ تعظيمَها، فهو كفرٌ، وسيأتي في حديث يدلُّ إطلاقه على كفرِ مَنْ حلف ببعض ذلك، أو ما يشبهُه.
قال ابن دقيق العيد: ويمكن إجراؤه على ظاهره؛ لدلالة اليمينِ بالشيء على التعظيم له.
والثالث: ما يُختلف فيه بالتحريم والكراهة، وهو ما عدا ذلك (١).
* * *
стр. 4231
٢٨٦٢ - (٦٦٤٧) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ سَالِمٌ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ". قَالَ عُمَرُ: فَوَاللهِ! مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، ذَاكِراً وَلَا آثِراً.
(ما حلفت بها منذ سمعتُ النبي ﷺ ذاكراً ولا آثراً): هذا منه ﵁ مبالغةٌ في الاحتياط، وأن لا يُجرى على اللسان ما صورتُه (١) صورةُ الممتنع شرعاً.
* * *
باب: مَنْ حَلَفَ بِملَّةِ سِوَى الإِسْلَامِ
٢٨٦٣ - (٦٦٥٢) - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ مِلَّةِ الإِسْلَامِ، فَهْوَ كَمَا قَالَ، قَالَ: وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ، عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ رَمَى مُؤْمِناً بِكُفْرٍ، فَهْوَ كَقَتْلِهِ"
(ولعنه (٢) كقتله): قد تقدّم فيه عن الطبري ما علمته.
قال ابن دقيق العيد ﵀: فيه سؤال، وهو أن يقال: إما أن يكون كقتله في أحكام الدنيا، أو في (٣) أحكام الآخرة، لا سبيلَ إلى الأول؛ لأن قتلَه يوجب القصاصَ، ولعنه لا يوجبُ ذلك، وأما أحكام الآخرة، فإما أن
стр. 4232
يراد: التساوي في الإثم، أو في العقاب، وكلاهما مُشْكِل؛ لأن الإثم يتفاوتُ بتفاوتِ مفسدةِ الفعل، وليسَ إذهابُ الروح في المفسدةِ كمفسدةِ الأذى باللعنة (١)، وكذلك العقابُ يتفاوت بحسب تفاوتِ الجرائم، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، وذلك دليلٌ على التفاوت في العقاب والثواب بحسب التفاوت في المصالح والمفاسد؛ فإن الخيراتِ مصالحُ، والمفاسدَ شرورٌ.
قال القاضي عياض: قال الإمام - يعني: المازري -: الظاهرُ من الحديث تشبيهُه في الإثم، وهو تشبيهٌ واقع؛ لأن اللعنةَ قطعٌ عن الرحمة، والموتَ قطعٌ عن التصرف.
قال القاضي: وقيل: لعنُه يقتضي قصدَ إخراجه من المسلمين، ومنعَهم منافعَه، وتكثيرَ عددهم به، كما لو قتله، وقيل: لعنُه يقتضي قطعَ منافعه الأُخروية عنه (٢)، وبُعدَه بإجابة لعنِه، وهو كمن قُتل (٣) في الدنيا، وقُطعت عنه منافعُه (٤) فيها، وقيل: معناه: استواؤهما في التحريم (٥).
وأقول: هذا يحتاج إلى تخليص ونظر.
أما ما حكاه عن الإمام؛ من أن الظاهر من الحديث تشبيهه في الإثم،
стр. 4233
وكذلك ما حكاه من أن معناه: استواؤها في التحريم، فهذا يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يقع التشبيهُ والاستواءُ في أصل التحريم والإثم.
والثاني: أن يقع في مقدار الإثم.
فأمَّا الأوّل: فلا ينبغي أن يُحمل عليه؛ لأن كل معصية قلّت أو عَظُمت فهي مشابهةٌ ومساوية للقتل في أصل التحريم، ولا يبقى في الحديث كبيرُ فائدة، مع أن المفهوم منه (١) تعظيمُ أمرِ اللعنة بتشبيهها بالقتل.
وأما الثاني: فقد بَيَّنَّا ما فيه من الإشكال؛ وهو التفاوتُ في المفسدة بين إزهاق الروح، وبين (٢) الأذى باللعنة.
وأما ما حكاه عن الإمام، من أن اللعنةَ قطعُ الرحمة، والموتَ قطعُ التصرف، فالكلام عليه من وجهين:
أحدهما: أن تقول: اللعنةُ قد تُطلق على نفس الإبعاد الذي هو فعلُ الله، وعلى هذا يقع فيه التشبيه.
والثاني: أن تُطلق اللعنة على فعل اللاعنِ (٣)، وهو طلبُه لذلك الإبعاد، فقوله: لعنه الله - مثلًا - ليس يقطع عن الرحمة بنفسه ما لم تتصلْ به إجابة، فيكون حينئذ سبباً إلى قطع التصرف، ويكون نظيره التسبب إلى القتل، غير أنهما يفترقان في أن التسبب (٤) إلى القتل بمباشرة مقدمات
стр. 4234
تفضي إلى الموت بمطَّرِد العادة، فلو كانت مباشرةُ اللعنة مقتضيةً إلى الإبعاد الذي هو اللعن دائماً, لاستوى اللعنُ مع مباشرةِ مقدماتِ القتل، أو زاد عليه.
وبهذا يتبين لك الإيرادُ على ما حكاه القاضي: من أن لَعْنَهُ له يقتضي قصدَ إخراجه عن جماعة المسلمين كما لو قتلَه؛ فإن قصدَ إخراجه لا يستلزمُ إخراجَه، كما تستلزم مقدماتُ القتل، وكذلك أيضاً ما حكاه من أن لعنه يقتضي قطعَ منافعه الأُخروية عنه، إنما يحصلُ ذلك بإجابة الدعوة، وقد لا تُجاب في كثير من الأوقات، فلا يحصلُ انقطاعُه عن منافعه كما يحصل بقتلِه، ولا استواء القصد إلى القطع بطلب الإجابة مع مباشرة مقدمات القتل المفضيةِ إليه في مطَّرِدِ العادة.
والذي يمكن أن يقرر به ظاهرُ الحديث في استوائهما في الإثم.
ثم (١) إنا نقول: لا نسلم أن مفسدة اللعنة مجرد (٢) أذاه، بل فيها مع ذلك تعريضُه لإجابة الدعوة فيه بموافقة ساعة (٣) لا يُسأل اللهُ فيها شيئاً إِلَّا أعطاه، كما دلَّ عليه الحديث من قوله ﵇: "لا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ (٤) لا تُوَافِقُوا سَاعَةً"، الحديث (٥).
وإذا عَرَّضَه باللعنة لذلك، ووقعتِ الإجابة، وإبعادُه من رحمة الله، كان ذلك أعظمَ من قتله؛ لأن القتلَ تفويتُ الحياةِ الفانيةِ قطعاً، والإبعادُ من
стр. 4235
رحمة الله أعظمُ ضرراً بما لا يحصى، وقد يكون أعظمُ الضررين - على سبيل الاحتمال - مساوياً (١) أو مقارباً (٢) لأخفِّهما - على سبيل التحقيق -، ومقاديرُ المصالح والمفاسد وأعدادُهما (٣) أمر (٤) لا سبيلَ للبشر إلى الاطلاع على حقائقه (٥).
* * *
باب: الْحَلِفِ بِعِزَّةِ اللهِ وَصِفَاتِهِ وَكَلِمَاتِهِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ".
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "يَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، يَقُولُ: يَا رَبِّ! اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، لَا، وَعِزتِكَ! لَا أَسْألكَ غَيْرَهَا".
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "قَالَ اللهُ: لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ".
وَقَالَ أَيُّوبُ: "وَعِزَّتِكَ! لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ".
(أعوذُ بعزتك): طابقت الترجمةُ هذا، مع أنه دعاء، وليس بحلف؛ من جهة أنه لا يُستعاذ إلا بالقديم، فأثبت (٦) بهذا أن العزة (٧) من الصفات
стр. 4236
القديمة، فتنعقد اليمين بها.
* * *
باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] وقول الله: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]
٢٨٦٤ - (٦٦٧٧) - فَدَخَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالُوا: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ، كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمًّ لِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "بَيِّنَتُكَ، أَوْ يَمِينُهُ"، قلْتُ: إِذاً يَحْلِفُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمِ، لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ".
(بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُه): بالنصب والرفع، وقد مر.
وفيه شيء يتعلق بمسألة اختلف فيها الفقهاء، وهي ما إذا ادَّعى على غريمه شيئاً، فأنكره، وأحلفه، ثم أراد إقامةَ البينة بعدَ الإحلاف، فله ذلك عند الشافعية.
وعند المالكية: ليس له ذلك، إِلَّا أن يأتي بعذر يتوجَّه، وربما تمسكوا بهذا، وفي حديث آخر: "لَيْسَ لَكَ (١) إِلَّا ذَلِكَ"، ووجهُ التمسُّك أن "أو"
стр. 4237
لأحد (١) الشيئين (٢)، فلو أجزنا إقامةَ البينة بعد التحليف؛ لكان له الأمرانِ معاً؛ أعني: اليمينَ، وإقامةَ البينة، مع أن (٣) الحديث يقتضي أن ليس له إلا أحدُهما (٤).
* * *
باب: الْيَمِينِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَفِي الْمَعْصِيَةِ، وَاليمين فِي الْغَضَبِ
(باب: اليمينِ فيما لا يملك): ذكر (٥) فيه حديث أبي موسى في قضية (٦) حُمْلانِ الأشعريينَ (٧) بعدَ الحَلِف.
قال ابن المنير: وهو مطابق للترجمة.
قال ابن بطال: لأنه حلفَ حينَ لم يكنْ يملكُ (٨) ظَهْراً يحملُهم عليه، فلما طرأَ الملكُ، حملَهم (٩).
стр. 4238
وفهم عن البخاري: أنه نحا ناحيةَ (١) تعليقِ الطلاق قبل مِلْك العصمة، أو الحريةِ قبلَ ملكِ الرقبة.
والظاهرُ من قصد البخاري غيرُ هذا، وهو أن النبي ﷺ حلف أن لا يحملَهم، فلما حملهم، وراجعوه في يمينه، قال: "مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ، وَلَكِنَّ اللهَ حَمَلَكُمْ" (٢)، فبين أن يمينه إنما انعقدت فيما يملِكُه، فلو حملَهم على ما يملكُه، لكفَّرَ، ولكنه (٣) حملَهم على مال الله، هذا مع قصده ﵇ من الأول أنه (٤) لا يحملهم على ما لا (٥) يملِكُه بقرضٍ (٦) يتكلَّفُه، ونحوِ ذلك، بهذا لا يكون ﵇ قد حَنِثَ في يمينه (٧).
وأما قولُه ﵇ عَقيبَ ذلك: "لا أَحْلِفُ يَمِيناً، فَأَرَى غَيْرَها خَيْراً مِنْهَا"، فتأسيسُ قاعدةٍ مبتدأٌ، كأنه يقول: ولو كنتُ [حلفت] حلفاً (٨) يقتضي الحالُ الحنثَ فيها، لأَحْنَثْتُ نفسي، وكَفَّرْت عن يميني، وأما حلفُ الإنسان فيما لا يملكه؛ كقوله: واللهِ! لا وهبتك هذا الطعامَ، وهو (٩) لغيره، فملَكَه، فوهَبَه له، فإنه يحنَثُ، ولا يجري فيه الخلافُ الذي جرى (١٠) في
стр. 4239
تعليق الطلاق على المِلْك، وإن كان ظاهرُ ترجمة البخاري: أَنَّ من حلفَ على ما لا يملك مطلقاً، نوى، أو لم ينو ملْكَه (١)، لم يلزمْه اليمين.
وعلى هذا حُمل قولُه ﵇[لأبي موسى.
وقد بينا أنه لا بدَّ من تقدير كونِه ﵇] (٢) - نوى أَوَّلًا أن لا يتكلفَ حملَهم من عندِ غيره، فلما زالت الكلفةُ، وجاء اللهُ بالخير، تَخَلَّصَتِ اليمينُ.
ولم يذكر البخاري في الباب ما يناسب ترجمةَ اليمين على المعصية، إلا أن يريد: أن قوله: "فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْراً" يقتضي (٣) أن (٤) الحِنْثَ يوقَع بفعلِ ما هو الأولى، فإيقاعهُ بترك المعصية أحقُّ، ولهذا يقتضى بحنث من حلفَ على معصية من قبل أن يفعلها.
وانظر هل يُقضى على كل (٥) من حلفَ بمعصية (٦) بحنثه (٧) ناجزاً، أو هذا في العاصي الذي يُقضى عليه بالحيلولة بينه وبينها؛ كشربِ الخمر، وتركِ الصلاة الواجبة؟ فانظر لو حلف لا يحجُّنَّ أبداً، ولم يكن حَجَّ، وهو مستطيعٌ، هل يُقضى بحنثه، وإن كنا لا نحكم عليه بالحج، ولا نرسم عليه
стр. 4240
به، أو نقول له كما قال مالك في الممتنع: أبعدَكَ الله؟ وكذلك لو لزمته كفارةٌ، أو مَشْيٌ إلى مكةَ، أو غيره من النذور، فحلف بالطلاق لا يفعلُه؟ الظاهرُ أنه لا يُقضى عليه بالطلاق، ولكن نأمره خاصة.
* * *
باب: إِذَا قَالَ: وَاللهِ! لَا أَتَكَلَّمُ الْيَوْمَ، فَصَلَّى، أَوْ قَرَأَ، أَوْ سَبَّحَ، أَوْ كَبَّرَ، أَوْ حَمِدَ، أَوْ هَلَّلَ، فَهْوَ عَلَى نِيَّتِهِ
(باب: إذا قال: والله! لا أتكلم اليوم، فصلى، أو قرأ، أو سَبَّح، أو كَبَّرَ، أو حَمِدَ، أو هَلَّلَ، فهو على نيته): مثل هذا ننزله على العرف، وأن التسبيح - مثلًا - وإن كان كلاماً، فلا يحنث به؛ لأنه ليس ممّا يُنوى عادة باليمين.
أو يريد: أنه لا يحنث بذلك، إلا أن ينويَ إدخالَه في اليمين فهو على نيته، وكلا الوجهين صواب.
* * *
باب: إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ نَبِيذاً، فَشَرِبَ طِلَاءً، أَوْ سَكَراً، أَوْ عَصِيراً، لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ بِأَنْبِذَةٍ عِنْدَهُ
(فشربَ الطَّلَاءِ): - بالكسر والمد -: الشرابُ المطبوخُ من العنب، وهو الرُّبُّ.