القديمة، فتنعقد اليمين بها.
* * *
باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] وقول الله: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]
٢٨٦٤ - (٦٦٧٧) - فَدَخَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالُوا: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ، كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمًّ لِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "بَيِّنَتُكَ، أَوْ يَمِينُهُ"، قلْتُ: إِذاً يَحْلِفُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمِ، لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ".
(بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُه): بالنصب والرفع، وقد مر.
وفيه شيء يتعلق بمسألة اختلف فيها الفقهاء، وهي ما إذا ادَّعى على غريمه شيئاً، فأنكره، وأحلفه، ثم أراد إقامةَ البينة بعدَ الإحلاف، فله ذلك عند الشافعية.
وعند المالكية: ليس له ذلك، إِلَّا أن يأتي بعذر يتوجَّه، وربما تمسكوا بهذا، وفي حديث آخر: "لَيْسَ لَكَ (١) إِلَّا ذَلِكَ"، ووجهُ التمسُّك أن "أو"
стр. 4237
لأحد (١) الشيئين (٢)، فلو أجزنا إقامةَ البينة بعد التحليف؛ لكان له الأمرانِ معاً؛ أعني: اليمينَ، وإقامةَ البينة، مع أن (٣) الحديث يقتضي أن ليس له إلا أحدُهما (٤).
* * *
باب: الْيَمِينِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَفِي الْمَعْصِيَةِ، وَاليمين فِي الْغَضَبِ
(باب: اليمينِ فيما لا يملك): ذكر (٥) فيه حديث أبي موسى في قضية (٦) حُمْلانِ الأشعريينَ (٧) بعدَ الحَلِف.
قال ابن المنير: وهو مطابق للترجمة.
قال ابن بطال: لأنه حلفَ حينَ لم يكنْ يملكُ (٨) ظَهْراً يحملُهم عليه، فلما طرأَ الملكُ، حملَهم (٩).
стр. 4238
وفهم عن البخاري: أنه نحا ناحيةَ (١) تعليقِ الطلاق قبل مِلْك العصمة، أو الحريةِ قبلَ ملكِ الرقبة.
والظاهرُ من قصد البخاري غيرُ هذا، وهو أن النبي ﷺ حلف أن لا يحملَهم، فلما حملهم، وراجعوه في يمينه، قال: "مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ، وَلَكِنَّ اللهَ حَمَلَكُمْ" (٢)، فبين أن يمينه إنما انعقدت فيما يملِكُه، فلو حملَهم على ما يملكُه، لكفَّرَ، ولكنه (٣) حملَهم على مال الله، هذا مع قصده ﵇ من الأول أنه (٤) لا يحملهم على ما لا (٥) يملِكُه بقرضٍ (٦) يتكلَّفُه، ونحوِ ذلك، بهذا لا يكون ﵇ قد حَنِثَ في يمينه (٧).
وأما قولُه ﵇ عَقيبَ ذلك: "لا أَحْلِفُ يَمِيناً، فَأَرَى غَيْرَها خَيْراً مِنْهَا"، فتأسيسُ قاعدةٍ مبتدأٌ، كأنه يقول: ولو كنتُ [حلفت] حلفاً (٨) يقتضي الحالُ الحنثَ فيها، لأَحْنَثْتُ نفسي، وكَفَّرْت عن يميني، وأما حلفُ الإنسان فيما لا يملكه؛ كقوله: واللهِ! لا وهبتك هذا الطعامَ، وهو (٩) لغيره، فملَكَه، فوهَبَه له، فإنه يحنَثُ، ولا يجري فيه الخلافُ الذي جرى (١٠) في
стр. 4239
تعليق الطلاق على المِلْك، وإن كان ظاهرُ ترجمة البخاري: أَنَّ من حلفَ على ما لا يملك مطلقاً، نوى، أو لم ينو ملْكَه (١)، لم يلزمْه اليمين.
وعلى هذا حُمل قولُه ﵇[لأبي موسى.
وقد بينا أنه لا بدَّ من تقدير كونِه ﵇] (٢) - نوى أَوَّلًا أن لا يتكلفَ حملَهم من عندِ غيره، فلما زالت الكلفةُ، وجاء اللهُ بالخير، تَخَلَّصَتِ اليمينُ.
ولم يذكر البخاري في الباب ما يناسب ترجمةَ اليمين على المعصية، إلا أن يريد: أن قوله: "فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْراً" يقتضي (٣) أن (٤) الحِنْثَ يوقَع بفعلِ ما هو الأولى، فإيقاعهُ بترك المعصية أحقُّ، ولهذا يقتضى بحنث من حلفَ على معصية من قبل أن يفعلها.
وانظر هل يُقضى على كل (٥) من حلفَ بمعصية (٦) بحنثه (٧) ناجزاً، أو هذا في العاصي الذي يُقضى عليه بالحيلولة بينه وبينها؛ كشربِ الخمر، وتركِ الصلاة الواجبة؟ فانظر لو حلف لا يحجُّنَّ أبداً، ولم يكن حَجَّ، وهو مستطيعٌ، هل يُقضى بحنثه، وإن كنا لا نحكم عليه بالحج، ولا نرسم عليه
стр. 4240
به، أو نقول له كما قال مالك في الممتنع: أبعدَكَ الله؟ وكذلك لو لزمته كفارةٌ، أو مَشْيٌ إلى مكةَ، أو غيره من النذور، فحلف بالطلاق لا يفعلُه؟ الظاهرُ أنه لا يُقضى عليه بالطلاق، ولكن نأمره خاصة.
* * *
باب: إِذَا قَالَ: وَاللهِ! لَا أَتَكَلَّمُ الْيَوْمَ، فَصَلَّى، أَوْ قَرَأَ، أَوْ سَبَّحَ، أَوْ كَبَّرَ، أَوْ حَمِدَ، أَوْ هَلَّلَ، فَهْوَ عَلَى نِيَّتِهِ
(باب: إذا قال: والله! لا أتكلم اليوم، فصلى، أو قرأ، أو سَبَّح، أو كَبَّرَ، أو حَمِدَ، أو هَلَّلَ، فهو على نيته): مثل هذا ننزله على العرف، وأن التسبيح - مثلًا - وإن كان كلاماً، فلا يحنث به؛ لأنه ليس ممّا يُنوى عادة باليمين.
أو يريد: أنه لا يحنث بذلك، إلا أن ينويَ إدخالَه في اليمين فهو على نيته، وكلا الوجهين صواب.
* * *
باب: إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ نَبِيذاً، فَشَرِبَ طِلَاءً، أَوْ سَكَراً، أَوْ عَصِيراً، لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ بِأَنْبِذَةٍ عِنْدَهُ
(فشربَ الطَّلَاءِ): - بالكسر والمد -: الشرابُ المطبوخُ من العنب، وهو الرُّبُّ.
كِتَابُ كَفَّارَاتِ الأَيْمَانِ
(كتاب: الكفارات (١)): ساق فيه حديثَ كعبِ بنِ عُجْرَةَ في فِدْيَة الأذى.
قال ابن المنير: يُحتمل أن يكون أدخلَ حديثَه في الباب موافقةً لمن قال: إن الطعامَ نصفُ صاعٍ في الكفارة كالفِدْيَة، فنبَّهَ على حملِ المُطْلَقِ على المقيَّدِ؛ لأن النبي ﷺ نصَّ في الفدية على أنها نصفُ صاع، ولم يثبت عنه نصٌّ في قَدْرِ طعامِ الكفارة، وهذا من إنصاف البخاري؛ لأنه كثيراً ما يخالف الكوفيين، إلا أن يظهرَ الحقُّ معهم.
باب: مَتَى تَجِبُ الكَفَّارَةُ على الغَنِيَّ والْفَقيرِ ؟
٢٨٦٩ - (٦٧٠٩) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ فِيهِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: هَلَكْتُ، قَالَ: "مَا شَأْنُكَ؟ "، قالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ: "تَسْتَطِيعُ تُعْتِقُ رَقَبَةً؟ "، قالَ:
стр. 4245
لَا، قَالَ: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ "، قالَ: لَا. قَالَ: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِيناً؟ "، قالَ: لَا، قَالَ: "اجْلِسْ"، فَجَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ - وَالْعَرَقُ: الْمِكْتَلُ الضَّخْمُ - قَالَ: "خُذْ هَذَا، فَتَصَدَّقْ بِهِ"، قالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، قَالَ: "أَطْعِمْهُ عِيَالَكَ".
(وقعتُ على امرأتي في رمضانَ، قال: هل تستطيع) إلى آخره (١): مقصودُه التنبيهُ على أن الكفارةَ إنما تجب بالحِنْث، كما أن كفارةَ الإفطار إنما كانت بعدَ اقتحام الذنب، وأدرجَ في ذلك إيجابها على الفقير؛ لأن النبي ﷺ عَلِمَ فقرَهُ، ومع ذلك أعطاه ما يُكَفَّرُ به، كما لو أعطى الفقيرَ ما يُوَفِّي به دَيْنَه.
قال ابن المنير: ولعله كما نبَّهَ على احتجاج الكوفيين بالفِدْية، نبَّهَ ها هنا على الحجَّة عليهم بطعامِ الكفارة، وأنه مُدٌّ لكلَّ مسكين.
* * *
باب: قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] وَأَيُّ الرِّقَابِ أَزْكَى ؟
(باب: قول الله : ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٢)، وأَيُّ الرقاب أزكى؟): لم يترجم على عتق الرقبة في الكفارة؛ لأنه لم يجد نصاً
стр. 4246
في اشتراط الإيمان في كفارة الأيمان، فأورد الترجمةَ محتملةً، وذكر أن الفضلَ والمزية لعتق المؤمنةِ، [فنبه على مجال النظر؛ إذ (١) يقول القائل: إذا (٢) تفاوتَ العتقُ، وكان أفضلُه عتقَ المؤمنة] (٣)، ووجبَ علينا عتقُ الرقبة في اليمين، كان الأخذُ بالأفضل أحوطَ للذمة، وإلا، كانَ المكفِّرُ بغير المؤمنة على شكٍّ في براءة الذمة، وهذا أوضحُ من الاستشهاد بحمل المُطْلَق على المقيَّد في كفارة القتل؛ لظهور الفرقِ بالتغليظ هنالك (٤).
* * *
باب: الاسْتِثْناءِ في الأَيْمَانِ
٢٨٧٠ - (٦٧١٨) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ غَيْلَانَ ابْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أِبي مُوسَى الأَشعَرِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي رَهْطٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ أَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: "وَاللهِ! لَا أَحْمِلُكُمْ، مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ". ثُمَّ لَبِثْنَا مَا شَاءَ اللهُ، فَأُتِيَ بِإِبِلٍ، فَأَمَرَ لَنَا بِثَلَاثَةِ ذَوْدٍ، فَلَمَّا انْطَلَقْنَا، قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: لَا يُبَارِكُ اللهُ لَنَا، أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ نستَحْمِلُهُ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، فَحَمَلَنَا، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ، بَلِ اللهُ حَمَلَكُمْ، إِنِّي وَاللهِ - إِنْ شَاءَ اللهُ - لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْراً
كِتَابُ الفَرَائِضِ
باب: مِيَراثِ الوَلَدِ مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ
٢٨٧١ - (٦٧٣٢) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ، فَهْوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ".
(كتاب: الفرائض).
(فما بقيَ، فلأَوْلى (١) رجلٍ ذَكَرٍ): قيل: الوصفُ بالذكورة (٢) إشعارٌ بأنها المعتبر في العُصوبة، لا الرجولية بمعنى البلوغ، على ما كان عليه أهلُ الجاهلية.
وعن بعض العلماء: أن "ذَكَرٍ" صفةُ أَوْلى، لا صفةُ "رجل"، والأَوْلى بمعنى: القَريبِ الأَقْرَبِ، فكأنه قال: هو لقريبِ (٣) الميتِ ذكرٍ من جهةِ رجلٍ وصُلْبٍ، لا من جهةِ رَحِم وبطن.
стр. 4250
فالأَوْلى من حيث المعنى: مضافٌ إلى الميت، ومن حيثُ اللفظ: مضافٌ إلى رجل، وقد أشير بذكرِ (١) الرجلِ (٢) إلى جهة الأَوْلَوية، كما يقال: هو أخوك، أخو الرخاء، لا أخو الشدَّة، والمقصود: نفيُ الميراثِ عن الأَوْلى الذي هو من جهة الأُم؛ كالخال، فأفادَ بوصف الأَوْلى بذكرٍ نفيَ الميراث عن النساء بالعُصوية؛ وإن كُن من الأَوْلَين للميت من جهة الصُّلب (٣).
* * *
باب: مِيَراثِ السَّائِبَةِ
٢٨٧٢ - (٦٧٥٣) - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ هُزَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: إِنَّ أَهْلَ الإِسْلَامِ لا يُسَيِّبُونَ، وَإِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُسَيِّبُونَ.
(إن أهل الإسلام لا يُسَيِّبون، وإن أهلَ الجاهلية كانوا يُسَيِّبون): يعني بالتسييب: أن يُعتق العبدَ على أنْ لا ميراثَ له منه، ولا وَلاءَ له (٤) عليه، ويَجعل ميراثَه حيثُ شاء، فأبطل الإسلامُ ذلك، وجعلَ الولاءَ لمن أَعْتَقَ (٥).
* * *
(من ادَّعى إلى غير أبيه، وهو يعلم أنه غيرُ أبيه، فالجنةُ عليه حرامٌ): استشكله الطبري بأن جماعةً من الأخيار قد فعلوه؛ كالمقدادِ بنِ الأسود، وإنما هو المقدادُ بنُ عَمْرٍو.
وأجاب: بأن الجاهلية كانوا لا يستنكرون أن يتبنى الرجل غيرَ ابنه الّذي خرجَ من صلبه، فيُنسب (١) إليه، ولم يزل ذلك في أول الإسلام، حتّى نزل: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، ونزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، فغلب على بعضهم النسبُ الذي كان يدعى به قبل الإسلام، فصار إنما يُذكر للتعريف بالأَشْهَر، من غير أن يكونَ من الدعوى [التي] تحول عن نسبه الحقيقي، فلا نقيصة عليه؛ إذ الوعيدُ المذكور إنما تعلَّق بمن انتسبَ إلى غير أبيه على علمٍ منه بأنه ليس أباه (٢).
* * *
٢٨٧٥ - (٦٧٦٨) - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عِرَاكٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبيهِ، فَهُوَ كُفْرٌ".
(فمن رغبَ عن أبيه، فقد كَفَرَ): ويروى: "فهو كفرٌ".
قيل: ليس الكفر الذي يستحق عليه (٣) الخلودَ في النار، وإنما (٤) هو
стр. 4253
كفرٌ لحقِّ أبيه؛ أي: سَتْرٌ لحقِّه، وتغطيةٌ عليه (١).
قلت: لكنه عبر (٢) بالكفر تغليظاً وتشنيعاً عليه؛ إعظاماً لهذا النوع من الحقوق (٣)، وإلا، فكلُّ حقٍّ شرعيٍّ إذا سُتر، فسترُه كفرٌ بهذا المعنى، ولم يعبر في كل ستر على حق بهذا اللفظ، وإنما عبر في الأماكن التي (٤) يُقصد فيها الذمُّ البالغ (٥)، وتعظيمُ الحقِّ المستور.
* * *
باب: إِذَا ادَّعَتِ المَرْأةُ ابْناً
٢٨٧٦ - (٦٧٦٩) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَان، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبُو الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "كَانَتِ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ لِصَاحِبَتِهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، وَقَالَتِ الأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ ﵇، فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵉، فَأَخْبَرَتَاهُ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللهُ هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى". قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللهِ! إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ قَطُّ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، وَمَا كُنَّا
стр. 4254
نقُولُ: إِلَّا الْمُدْيَةَ.
(قال أبو هريرة: والله! إنْ سمعتُ بالسكين قَطُّ إِلَّا يومَئِذٍ): أبو هريرة متأخرُ الإسلام، وسورةُ يوسفَ مكيةٌ، ولعله لم يكن يحفظُها، ولا سمعَها يومئذ، وفيها: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ [يوسف: ٣١]، والسكينُ معروف (١) عند أهل اللغة، يُذَكَّر ويؤنَّث، والغالبُ عليه التذكيرُ (٢).
* * *
ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ، قَالَ: "اضْرِبُوه". قالَ أَبَو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللهُ، قَالَ: "لَا تَقُولُوا هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ".
(عن أبي هريرة، قال (١): أُتي النبيُّ ﷺ برجلٍ قد شربَ): هذا يصحُّ تفسيرُه بالنعيمان، ويصحُّ أن يُفَسَّر بعبدِ اللهِ الملقبِ بحمارٍ، كما ذكره في الرواية عن عَمْرٍو.
[قال في "مختصر الاستيعاب" في ترجمة نعيمان بنِ عمرٍو] (٢): كان (٣) نُعَيْمانُ رجلًا صالحاً، على ما كان فيه من الدُّعابَةِ، وكان له ابنٌ قد انهمكَ في شرب الخمرِ، فجلدَهُ رسولُ الله ﷺ [فيها أربعَ مرات، وقال رسول الله ﷺ ] (٤) للذي لعنه: "لا تَلْعَنْهُ؛ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ" (٥)، وقد رُوي ذلك في النعيمانِ نفسهِ، وفيه قال بعض القوم: أخزاكَ الله.
* * *
стр. 4258
٢٨٧٩ - (٦٧٧٨) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ، سَمِعْتُ عُمَيْرَ بْنَ سَعِيدٍ النَّخَعِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: مَا كُنْتُ لأُقِيمَ حَدّاً عَلَى أَحَدٍ فَيَمُوتَ، فَأَجِدَ فِي نَفْسِي، إِلَّا صَاحِبَ الْخَمْرِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ، وَدَيْتُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَسُنَّهُ.
(ما كنتُ لأقيمَ حداً على أحدٍ، فيموتَ، فأجدَ): بنصب الأفعال كلها.
(إلا صاحبَ الخمر): بالنصب على الأفصح.
(فإنه لو مات، وَدَيْتُه): فإن قلت: لا شكَّ أن الاستثناء المتقدِّمَ متصلٌ، وحكمُه (١) نقيض الحكمِ الثابتِ للمستثنى منه؛ ضرورة أن الاستثناء من النفي إثباتٌ، وبالعكس، وحكمُ المستثنى منه عدمُ الوجدانِ في النفس، والثابتُ للمستثنى منه كونُه يُودَى، وليسَ نقيضاً للأول.
قلت: يلزم من القيام بديته ثبوتُ الوِجْدانِ في النفس من أمرِه، ولذلك يَديه على تقدير موته، فهو حينئذ جارٍ على القاعدةُ، والمعنى: فإنه لو مات، وحدثَ في نفسي منه، فوَدَيته، فحذفَ السبب، وأقامَ المسبَّبَ مقامَه.
* * *
٢٨٨٠ - (٦٧٧٩) - حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْجُعَيْدِ، عَنْ يَزِيدَ ابْنِ خُصَيْفَةَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: كُنَّا نُؤْتَى بِالشَّارِبِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَإِمْرَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَصَدْراً مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، فَنَقُومُ إِلَيْهِ بِأَيْدِينَا وَنِعَالِنَا وَأَرْدِيَتِنَا، حَتَّى كَانَ آخِرُ إمْرَةِ عُمَرَ، فَجَلَدَ أَرْبَعِينَ، حَتَّى إِذَا عَتَوْا
стр. 4259
وَفَسَقُوا، جَلَدَ ثَمَانِينَ.
(حتى إذا عَتَوا وفَسَقوا، جَلَدَ ثمانين): هذا مذهبُ مالكٍ، والجمهورِ، ودليلُهم إجماعُ الصحابة عليه (١).
* * *
باب: ما يُكْرَهُ مِنْ لَعْنِ شَارِبِ الخَمْرِ وإِنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنَ المِلَّةِ
٢٨٨١ - (٦٧٨٠) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ اسْمُهُ: عَبْدَ اللهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَاراً، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْماً، فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، ما أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ؟! فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ".
(أن رجلًا على عهد النبي ﷺ كان اسمه (٢): عبدَ الله، وكان يُلَقَّبُ حماراً): قال الزركشي: قيل: هذا وهم، وإنما اسمه النُّعيمان، وقد سبق في الباب (٣) قبلَه على الصواب (٤).
стр. 4260
قلت: وقع في "الإفهام" ما يدفع هذا التوهيم، ففيه في تفسير المبهم في قوله: فقال رجل من القوم: اللهمَّ العنه ما نَصُّه: هذا الرَّجل مسمًّى في رواية البيهقي، وهو عمرُ بنُ الخطاب راوي الحديث ﵁، أخرجه عن عبد الحميد بنِ جعفرٍ، عن أبيه، عن جده، في قصة خيبر، وقال: خرجَ في حصنِ الصَّعْبِ بنِ مُعاذٍ مالٌ وزِقاقُ خمر، فأهريقت، وعمدَ يومئذ رجلٌ من المسلمين، فشرب من ذلك الخمر، فرُفع ذلك إلى النبي ﷺ ، فكره حين رُفع إليه، فخفَقَه بنعله، وأمر من حَضَرَ، فخفقوه بنعالهم، وكان يقال له: عبد الله الحمار، وكان رجلاً لا يصبر عن الشراب، فضربه رسول الله ﷺ مراراً، فقال عمر: اللهمَّ العنه، ما أكثرَ ما يُضرب! فقال رسول (١) الله ﷺ : "لا تَفْعَلْ يا عُمَرُ (٢)؛ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ" (٣).
* * *
باب: قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] (٤)
(باب: قول الله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾): يتعلّق بهذه الآية بحثٌ أصولي رأيتُ أن أذكره هنا، وذلك أن خصوصَ السبب لا يُخَصِّصُ عمومَ اللفظ، ومن الناس من أطلقَ الكلامَ في هذه المسألة؛ كالبيضاوي،
стр. 4261
والحقُّ التفصيلُ، وهو أن الخطاب إمّا أن يكون جواباً لسؤال سائل، أو لا، فإن كان جواباً، فإما أن يَستقلَّ بنفسه، أو لا، فإن لم يستقل، فلا خلاف أنه على حسب السؤال، إن عامّاً، فعامٌّ، وإن خاصّاً، فخاصٌّ، وإن استقل (١)، فهو أقسام؛ لأنه إما أن يكون أخصَّ، أو مساوياً، أو أعمَّ، فالأخصُّ مثلُ قول القائل: من جامعَ في نهار رمضانَ، فعليه ما على المظاهر، في جوابِ مَنْ سأله عَمَّنْ أفطرَ في نهار رمضان.
قيل: وهذا جائز بشروط:
أحدُها: أن يكون فيما خرجَ من الجواب تنبيهٌ على ما لم يخرجْ منه.
الثاني: أن يكون السائل مجتهداً، وإلا لم يُفِدْ.
التنبيه الثالث: أن لا تفوت المصلحةُ باشتغال السائل بالاجتهاد.
وأما المساوي، فظاهر.
وأما الأعَمُّ، فهو منقسم إلى قسمين؛ لأنه إما أن يكون أعمَّ فيما سُئل عنه؛ كقوله ﵇ لما سئل عن ماء بئر بضاعة: "إِنَّ الماءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ" رواه أبو داود، والترمذي (٢).
وإما أن يكون عاماً في غير ما سُئل عنه؛ كقوله ﵊ حين سئل عن التوضؤ بماء البحر: "هُوَ (٣) الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُه" (٤)، وحكم هذا القسم: التعميمُ بالنسبة إلى ما سُئل عنه، وإلى غيره، من غير خلاف.
стр. 4262
وأما القسم الأول، فقد جعلوه من محل الخلاف.
قال الشيخ تقي الدين السبكي ﵀: الذي يتجه القطعُ بأن العبرةَ بعمومِ اللفظ؛ لأن عدولَ المجيب عن الخاص المسؤولِ عنه (١) إلى العام، دليلٌ على إرادة العموم.
وأما الخطاب الذي لا يَرِدُ جواباً لسؤال سائل، بل وردَ بسبب (٢) واقعةٍ وقعت، فإما أن يرد في اللفظ قرينةٌ تُشعر؛ كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨]، والسبب: رجلٌ سرقَ رداءَ صفوان، فالإتيانُ بالسارقة معه قرينةٌ تدلُّ على عدم الاقتصار على المعهود، وكذلك العدول عن الإفراد إلى الجمع (٣)؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، نزلت في عثمانَ بنِ طلحةَ، أخذَ مفتاحَ الكعبة، وتَغَيَّبَ به، وأبى أن يدفعَه إلى النبي ﷺ ، وقيل: إن علياً ﵁ أخذه منه، وأبى أن يدفعه إليه، فنزلت، فأعطاه النبيُّ ﷺ إياه، وقال: "خُذُوهَا يَا بَنِي طَلْحَةَ مُخَلَّدَةً فِيكُمْ، لا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إِلَّا ظَالِمٌ" (٤).
وإن لم يكن ثَمَّ قرينةٌ، فمقتضى كلامهم الحملُ على المعهود، إِلَّا أن يُفهم من نفسِ الشرعِ تأسيسُ قاعدة، فيكون دليلًا على العموم؛ وإن كان العمومُ لفظاً آخر، فحسنٌ أن يكون ذلك محلَّ الخلاف (٥).
стр. 4263
باب: كَرَاهِيَّةِ الشَّفَاعَةِ في الحَدِّ إِذَا رُفِعَ إلى السُّلْطَانِ
٢٨٨٢ - (٦٧٨٨) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ قُرَيْشاً أَهَمَّتْهُمُ الْمَرْأَةُ الْمَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ، حِبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟! ". ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ، قَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ قَبْلَكُمْ: أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ، تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ، أقامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللهِ! لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا".
(قال: أتشفعُ في حَدٍّ من حدود الله؟!): فيه دليل على امتناع الشفاعة في (١) الحدِّ بعدَ بلوغِه السلطانَ.
(إنما ضلَّ مَنْ كَان قبلَكم: أنهم كَانوا إذا سرقَ فيهم الشريف، تركوه): [فيه تعظيمُ أمرِ المحاباة للأشراف في حدود الله تعالى.
(لو سرقَتْ فاطمةُ بنتُ محمدٍ (٢)] (٣)، لقطعَ محمدٌ يدَها): قد يُستدل بهذا (٤) الحديث على أن ما خرج هذا المخرج من الكلام، الذي يقتضي تعليق القولِ بتقديرِ أمرٍ لا يمتنع، وقد شدد جماعة في مثل هذا، ومراتبُه في القبح مختلفةٌ.
стр. 4264
باب: قَوْلِ اللهِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وفي كم يقطع ؟
٢٨٨٣ - (٦٧٩٥) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنًّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ.
(قطعَ في مِجَنًّ): - بكسر الميم وفتح الجيم -: الترس، مِفْعَلٌ من (١) معنى (٢) الاجتنان، وهو الاستتارُ والاختفاء، كأن صاحبه يستترُ [به] عَمَّا يحاذره.
(ثمنُه ثلاثةُ دراهمَ): لا شك أن الثمنَ والقيمة مختلفان في الحقيقة، والمعتبرُ القيمةُ، كما وقع في الرواية التي بإثر هذه من طريق نافع، وما ثبت في هذا المحل وغيره من ذكر الثَّمَن، فلعله لتساويهما بعرف الناس في ذلك الوقت، أو في ظَنِّ الراوي، أو باعتبارِ الغَلَبَة، وإلا، فلو اختلفت القيمة والثمنُ الّذي اشتراه به مالكُه (٣)، لم يُعتبر إلا القيمةُ.
* * *
٢٨٨٤ - (٦٧٩٩) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ
стр. 4265
الْحَبْلَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ".
(لعنَ اللهُ السارقَ، يسرقُ البيضةَ، فتُقطع يدُه، ويسرقُ الحبلَ، فتُقطع يدُه): قال الأعمش: كانوا يرون أنه بَيْضُ الحديد، ومن (١) الحبل ما يُساوي دراهمَ، وهذا يوجد في المتن في بعض النسخ.
وأنكر بعضُهم هذا التأويل من حيث (٢) إنه لا يطابق الحديثَ؛ لأنه قصدَ (٣) ما لا قيمةَ له في الخساسة بِقطع يده، فمعناه: أنه يبدأُ بالقليل، فيتجَرَّأُ عليه، فيسرق ما لا قيمةَ له، فيُقطع، فزجره عن سرقة التافِه، حتى لا يهونَ عليه سرقةُ الكثير (٤).
* * *
باب: تَوْبَةِ السَّارِقِ
٢٨٨٥ - (٦٨٠٠) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ يَدَ امْرَأَةٍ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَتَابَتْ، وَحَسُنَتْ تَوبَتُهَا.
(قطعَ يدَ امرأة): هي المرأةُ المخزومية التي شَفَع فيها أسامةُ، واسمُها فاطمةُ.
النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ، قَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ، فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي أَصَبْتُ حَدّاً، فَأَقِمْ فِيَّ كتَابَ اللهِ، قَالَ: "أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا؟ "، قالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَإِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ"، أَوْ قَالَ: "حَدَّكَ".
(فقال: يا رسول الله! إنِّي أصبتُ حَدّاً، فأَقِمْهُ عَلَيَّ، ولم يسأله عنه): فيه دليلٌ على أنه إذا لم يصرّحْ بما يوجبُ الحدَّ، وكَنَّى: أنه لا يَستفسر، بل يُعرض عنه، ويَستر عليه، أو يقول له كما قال في الخبر الآخر: "لَعَلَّكَ لَمَسْتَ"؛ إذ الحدود تُدْرَأُ ما وُجد السبيلُ إلى ذلك، وهذا الرَّجل لم يُفصح بما يوجب الحدّ، ولعلّه أتى صغيرة، فظن أما توجبُ الحدَّ، فلم يَكْشِفْه النبيُّ ﷺ ، وتوسَّمَ من تَعَرُّضه لإقامة الحد توبَتَه، وفي قوله ﵇: "أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ؟ " معناه: ما يضاهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، واسمُ هذا الرَّجل: أبو اليَسَرِ، كَعْبُ بنُ عَمْرٍو، وقيل: نبَهانُ التمَّارُ، وقد تقدم.
* * *
باب: سُؤَالِ الإمَامِ المُقِرَّ: هَلْ أَحْصَنْتَ ؟
٢٨٨٨ - (٦٨٢٥) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ وَهْوَ فِي الْمَسْجدِ، فَنَادَاهُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي زَنَيْتُ، يُرِيدُ: نَفْسَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ، فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ! إنِّي زنيتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَجَاءَ لِشِقِّ وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي أَعْرَضَ عَنْهُ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ
стр. 4269
شَهَادَاتٍ، دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: "أَبِكَ جُنُونٌ؟ "، قالَ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: "أَحْصَنْتَ؟ "، قالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "اذْهَبُوا فَارْجُمُوهُ".
(فلما شهدَ على نفسه أربعَ شهادات): الرجلُ المُقِرُّ على نفسه بالزنا في هذا الحديث هو (١) ماعِزٌ، المصرَّحُ باسمه في الباب الذي قبلَه.
وقد ذهب الحنفية إلى أنَّ تكرارَ الإقرار بالزنا أربعاً شرطٌ لوجوب إقامةِ الحدِّ، ورأوا أن (٢) النبي ﷺ في هذا الحديث إنما أَخَّرَ إقامةَ الحدَّ إلى تمامِ الأربع؛ لأنه لم يجبْ قبلَ ذلك، وقالوا: لو وجبَ الإقرار مرة، لما أَخَّرَ الرسول ﷺ الواجبَ.
وفي قول الراوي: فلما شهدَ على نفسِه أربعَ شهادات، دعاهُ النبيُّ ﷺ إلى آخره؛ إشعار بأن الشهادة أربعاً هي العلةُ في الحكم.
ومذهب مالك، والشافعي، ومن تبعهما: أن الإقرار مرةً موجبٌ للحد؛ قياساً على سائر الحقوق، فكأنهم لم يروا أن تأخير الحدِّ إلى تمام الإقرار أربعاً كما (٣) ذكره الحنفية، وكأنه من باب الاستثبات والتحقيق لوجود (٤) السبب؛ لأن مبنى (٥) الحدِّ على الاحتياط في تركِه ودرئِه (٦) الشُّبُهات (٧).
стр. 4270
(قال (١): اذهبوا به، فارجموه (٢)): هذا اللفظ يُشعر بأن النبي ﷺ لم يَحْضُرْه، فيؤخذ منه عدمُ حضورِ الإمامِ للرجم.
قال ابن دقيق العيد: وإن كان الفقهاءُ قد استحبوا أن يبدأَ الإمامُ بالرجم، إذا ثبت الزنا بالإقرار، ويَبدأ الشهودُ به إذا ثبتَ بالبينة، كأن الإمام لما كان عليه التثبتُ والاحتياط، قيل له (٣): ابدأ؛ ليكون ذلك زجراً عن التساهل (٤) في الحكم في الحدود، وداعياً إلى غاية التثبُّت، وأما في الشهود، فظاهر؛ لأن قتله بقولهم (٥).
قلت: الظاهرُ أن مراده بالفقهاء الذين فصلوا هذا التفصيل؛ الشافعيةُ ومَنْ وافقَهم، لا المالكية؛ فإنه لم (٦) يؤثَرْ عنهم القولُ بما حكاه.
* * *
باب: رَجْمِ الحُبْلَى مِنَ الزِّنَا إذا أَحْصَنَتْ
٢٨٨٩ - (٦٨٣٠) - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ أُقْرِئُ رِجَالًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، مِنْهُمْ
حَتَّى فَرِقْتُ مِنَ الاِخْتِلَافِ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَدَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، فَبَسَطَ يَدَهُ، فَبَايَعْتُهُ، وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ، ثُمَّ بَايَعَتْهُ الأَنْصَارُ. وَنَزَوْنَا عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، فَقُلْتُ: قَتَلَ اللهُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، قَالَ عُمَرُ: وَإِنَّا - وَاللهِ - مَا وَجَدْنَا فِيمَا حَضَرْنَا مِنْ أَمْرٍ أَقْوَى مِنْ مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ، خَشِينَا إِنْ فَارَقْنَا الْقَوْمَ وَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ: أَنْ يُبَايِعُوا رَجُلًا مِنْهُمْ بَعْدَنَا، فَإِمَّا بَايَعْنَاهُمْ عَلَى مَا لَا نَرْضَى، وَإِمَّا نُخَالِفُهُمْ فَيَكُونُ فَسَادٌ، فَمَنْ بَايَعَ رَجُلًا عَلَى غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يُتَابَعُ هُوَ وَلَا الَّذِي بَايَعَهُ، تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلَا.
(هل لك في فلانٍ يقولُ: لو قد مات عمر، لقد بايعتُ فلاناً): فيه إدخال "قد" على شرط "لو" وجوابها الماضيين المجردين عن الباقي، وقد مر مثلُه.
وفلانٌ المشارُ إليه بالبَيْعة هو طلحةُ بنُ عُبيد الله، وقع ذلك في "فوائد البغوي" عن عليِّ بنِ الجعد، قاله (١) ابن بشكوال (٢)، وهو في "مسند البزار" فيما رواه أسلم (٣) مولى عمر عن عمر (٤).
(قال عبد الرحمن: فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين! لا تفعلْ): فيه جوازُ الاعتراض على السلطان في الرأي إذا خُشِي من ذلك الفتنةُ، واختلافُ الكلمة.
(فإن الموسمَ يجمعُ رَعاعَ الناس): - بفتح الراء -: الشبابُ الأوغادُ، قاله في "الصحاح" (٥).
стр. 4275
(وغوغاءهم): - ممدود -: سِفْلَةُ النَّاس وأخلاطُهم.
(فإنهم الذين (١) يغلبون على قُربك): بقاف مضمومة وباء موحدة، كذا لجمهور الرواة.
وعند الأصيلي: على قَرْنك - بقاف مفتوحة ونون -، والأولُ هو الظاهر (٢).
(وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها): فيه دليل على أنه لا ينبغي أن توضع دقائقُ العلوم إِلَّا عندَ أهل الفَهْم لها (٣)، والمعرفة بمواضعها (٤) دون العوام (٥).
(فقدمنا المدينةَ في عَقِيب (٦) ذي الحجة): بفتح العين وكسر القاف، وبضم العين وسكون القاف، يقال: جاء في عَقِبَ الشهر: إذا جاء وقد بقيتْ منه بقيةٌ، وجاء عُقْبَه: إذا جاءَ بعدَ تمامِه (٧)، الضبطُ الأولُ للمعنى الأول، والثاني للثاني.
(فكان فيما أنزل الله آيةُ الرَّجْم) إلى آخر مقالته: في هذا المعنى ما يُشير إلى أنه مِمَّا نُسِخَتْ تلاوتُه، وبقي حكمُه.
(أو كان الحَبَلُ أو الاعترافُ): على هذه القصة جلبَ البخاريُّ هذا