حَتَّى فَرِقْتُ مِنَ الاِخْتِلَافِ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَدَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، فَبَسَطَ يَدَهُ، فَبَايَعْتُهُ، وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ، ثُمَّ بَايَعَتْهُ الأَنْصَارُ. وَنَزَوْنَا عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، فَقُلْتُ: قَتَلَ اللهُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، قَالَ عُمَرُ: وَإِنَّا - وَاللهِ - مَا وَجَدْنَا فِيمَا حَضَرْنَا مِنْ أَمْرٍ أَقْوَى مِنْ مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ، خَشِينَا إِنْ فَارَقْنَا الْقَوْمَ وَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ: أَنْ يُبَايِعُوا رَجُلًا مِنْهُمْ بَعْدَنَا، فَإِمَّا بَايَعْنَاهُمْ عَلَى مَا لَا نَرْضَى، وَإِمَّا نُخَالِفُهُمْ فَيَكُونُ فَسَادٌ، فَمَنْ بَايَعَ رَجُلًا عَلَى غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يُتَابَعُ هُوَ وَلَا الَّذِي بَايَعَهُ، تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلَا.
(هل لك في فلانٍ يقولُ: لو قد مات عمر، لقد بايعتُ فلاناً): فيه إدخال "قد" على شرط "لو" وجوابها الماضيين المجردين عن الباقي، وقد مر مثلُه.
وفلانٌ المشارُ إليه بالبَيْعة هو طلحةُ بنُ عُبيد الله، وقع ذلك في "فوائد البغوي" عن عليِّ بنِ الجعد، قاله (١) ابن بشكوال (٢)، وهو في "مسند البزار" فيما رواه أسلم (٣) مولى عمر عن عمر (٤).
(قال عبد الرحمن: فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين! لا تفعلْ): فيه جوازُ الاعتراض على السلطان في الرأي إذا خُشِي من ذلك الفتنةُ، واختلافُ الكلمة.
(فإن الموسمَ يجمعُ رَعاعَ الناس): - بفتح الراء -: الشبابُ الأوغادُ، قاله في "الصحاح" (٥).
стр. 4275
(وغوغاءهم): - ممدود -: سِفْلَةُ النَّاس وأخلاطُهم.
(فإنهم الذين (١) يغلبون على قُربك): بقاف مضمومة وباء موحدة، كذا لجمهور الرواة.
وعند الأصيلي: على قَرْنك - بقاف مفتوحة ونون -، والأولُ هو الظاهر (٢).
(وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها): فيه دليل على أنه لا ينبغي أن توضع دقائقُ العلوم إِلَّا عندَ أهل الفَهْم لها (٣)، والمعرفة بمواضعها (٤) دون العوام (٥).
(فقدمنا المدينةَ في عَقِيب (٦) ذي الحجة): بفتح العين وكسر القاف، وبضم العين وسكون القاف، يقال: جاء في عَقِبَ الشهر: إذا جاء وقد بقيتْ منه بقيةٌ، وجاء عُقْبَه: إذا جاءَ بعدَ تمامِه (٧)، الضبطُ الأولُ للمعنى الأول، والثاني للثاني.
(فكان فيما أنزل الله آيةُ الرَّجْم) إلى آخر مقالته: في هذا المعنى ما يُشير إلى أنه مِمَّا نُسِخَتْ تلاوتُه، وبقي حكمُه.
(أو كان الحَبَلُ أو الاعترافُ): على هذه القصة جلبَ البخاريُّ هذا
стр. 4276
الحديث، وبَوَّبَ عليه بابَ: رجمِ الحبلى في الزِّنا إذا أَحْصَنت.
وأجمعَ العلماء على أنها لا تُرجَم حتّى تضعَ.
واختلفوا إذا وضعت، هل تحد حينئذ؟ فقيل: إن وُجد من ترضعه.
وقال الشّافعيّ ﵀: لا تُرجم حتّى تَفْطِمَه.
وقيل: إن رأى الإمامَ أن يَسترضعَ له، أو يُؤَخِّرها (١)، فَعَلَ.
واختُلف في المرأة توجَد حاملًا، ولا زوجَ لها، فقال مالك ﵀: تُحَدُّ إِلَّا أن تُقيم بينةً على الإكراه، أو تأتيَ مستغيثةً وهي تَدْمي.
وقال الكوفيون والشّافعيّ ﵏: لا تُحَدُّ إِلَّا ببينةٍ، أو اعترافٍ (٢).
وحجةُ المالكية قولُ عمر هذا بمحضر الصّحابة، ولم يخالف فيه أحدٌ منهم، فيكون إجماعاً سكوتياً، وهو حجة على الصحيح.
(إنّما كانت بيعةُ أبي بكر فَلْتَةً): أي: فجأةً.
(ولكن وَقَى الله شرَّها): يعني: أن مثلَ هذه البيعةِ جديرةٌ بأن تكون مُهَيَّجَةً للشر والفِتَن، فعصَمَ الله من ذلك، والفَلْتَةُ: كلُّ شيء فُعِل (٣) من غير رَوِيَّة.
(وليس فيكم مَنْ تُقطع الأعناقُ إليه مثلَ أبي بكرٍ): يريد: أن السابقَ منكم الّذي لا يُلْحَقُ شَأْوُهُ [في الفضل، لا يكون مِثْلًا لأبي بكر، فلا يطمعَنَّ أن يُبايَع] (٤) كما بويع أبو بكر، ولا يَطْمَعْ أن يُبايَعَ عن غير مشورة.
стр. 4277
[(فلا يُبايعَ): من البيعة.
ويروى: "تتابع": بمثناة فوقية وباء موحدة؛ من الاتِّباع] (١).
(تَغِرَّةَ أن يُقْتَلا): - بمثناة فوقية وغين معجمة -، مصدرُ غَرَّرْتُه: إذا ألقيته في الغَرَر، وهو (٢) من التَّغَرُّرِ؛ كالتَّقِلَّةِ: من التَّقليل (٣).
والذي يظهر لي في إعرابه، أن يكون "تغرةَ" إمّا حالًا على المبالغة، أو على حذف مضاف؛ أي: ذا تَغِرَّةٍ، أو بمعنى اسم الفاعل؛ أي: غارّاً، أو مصدراً بفعل محذوف، والجملة حال؛ أي: يَغُرَّهُ تَغِرَّةً، و"أن يقتلا" على حذف مضاف؛ أي: مخافةَ أن يُقتلا، وهذا مفعول لأجله؛ أي: فلا يُبايَعُ هو والذي بايعَهُ غارّاً له ببيعته، أو باتباعه مخافةَ أن يُقتلا جميعاً إذا انتظما في سلك الرعية، ولم يكن أحدُهما ذا أمرٍ مطاع.
(لَقِيَنَا منهم رجلانِ صالحان): الرجلانِ هما: معنُ بنُ عَدِيٍّ، وعُوَيْمُ بنُ ساعِدَةَ، كما ذكره البخاري في غزوة بدر عن ابن شهاب، عن عروة بن الزُّبير، [ونقله ابن بشكوال عن ابن شهاب، عن عروة بن الزُّبير] (٤)(٥)، وهو في "مسند البزار" عن الزهري فيما رواه ابن عباس عن عمر (٦).
وهذا على (٧) القول: بأن عويمَ بنَ ساعدةَ تُوفي في خلافة عمر، وبدا في
стр. 4278
"الاستيعاب" بأنه توفي في حياة النّبيّ ﷺ ، ثمّ قال: وقيل: توفي في خلافة عمر.
(تشهَّدَ خطيبهم): الظّاهر أنه ثابتُ بنُ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ.
(فقال قائلُ الأنصارِ (١)): هو الحُبابُ بنُ المنذِرِ، قاله ابن بشكوال عن الإمام مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب (٢)، وقد صرح به البخاري في غير هذا الموضع من حديث عائشة.
(أنا (٣) جُذَيْلُها المُحَكَّكُ): الجُذَيْل: بالذال المعجمة، تصغير الجِذْل، وهو الأصلُ، ويراد به هنا: الجِذْعُ الذي تُربط إليه الإبلُ الجَرْبى، وتنضمُّ إليه تَحْتَكُّ به، ولذلك وصفَه بالمحكَّك؛ أي: صار أملسَ لكثرةِ ذلك، وهو تصغيرُ تعظيم؛ أي: أنا ممن يُستشفى به، كما تَستشفي الإبلُ الجربى بهذا الاحتكاك (٤).
(وعُذَيْقُها (٥) المُرَجَّبُ): العُذَيق: تصغيرُ عِذْق - بكسر العين -: عُرْجونُ النخلة، وقيل: تصغير عَذْق - بفتحها -، وهي (٦) النخلةُ نفسُها.
والمرجَّب: اسمُ مفعول من قولك: رَجَّبْتُ النخلةَ ترجيباً، إذا دعمتها (٧) ببناءٍ أو غيره خشيةً عليها؛ لكرامتها وعزازتها؛ أن ينكسرَ شيءٌ من (٨) أغصانها،
стр. 4279
أو يسقط شيءٌ من حَمْلها.
(منا أميرٌ، ومنكم أميرٌ): قيل: إنما قال ذلك؛ لأن أكثر العرب لم تكن تعرف الإمارة، إنما كانت تعرف السيادة، لكل (١) قبيلة سيد، فلا تطيعُ إِلَّا سيدَ قومِها، فجرى منه هذا القولُ على العادة المألوفةِ لهم (٢)، فلما بلغه قولُ النبي ﷺ : "الخِلافَةُ في قُرَيْشٍ"، أمسكَ عن (٣) ذلك، وأذعنَ.
(حتى فَرِقْتُ): - بكسر الراء -: خِفْتُ (٤).
(ونزونا على سعد بنِ عُبادةَ): أي: وَثَبْنا عليه باعتبار المسابقةِ إلى مبايعةِ أبي بكرٍ.
* * *
باب: نَفْي أَهْلِ المَعَاصِي والْمُخَنَّثِينَ
٢٨٩٠ - (٦٨٣٤) - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالَ: "أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُم". وَأَخْرَجَ فُلَاناً، وَأَخْرَجَ فُلَاناً.
(لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال، والمترجِّلاتِ من النِّساء، وقال:
стр. 4280
أَخرجوهم من بيوتكم، وأخرجَ فلاناً وفلاناً): المخنثين: جمعُ مُخَنَّث، وتقدم أنه بكسر النون وفتحها، وهم المتشبهون بالنساء في التكسير والانعطاف وغيرهما ممّا يختصُّ بهنَّ، والمترجِّلاتُ: هُنَّ المتَشَبَّهات بالرجال في كلامهم، وهيئتهم، وما يختصُّ بهم.
ثمّ المخنَّثُ إن يؤتى رُجِم هو والفاعلُ به، سواء أَحْصَنا، أو لم يحصنا، هذا مذهب مالك.
وقال الشافعي ﵀ إن لم يُحصن، فعليه الجلدُ.
وقال أبو حنيفة ﵀: لا حدَّ فيه، وإنّما فيه التعزيرُ (١).
وأما قوله: وأخرجَ فلاناً، وأخرجَ فلاناً (٢) فقد تقدم أنه أُخرج هِيتٌ، وماتعٌ، وهِدْمٌ.
* * *
باب: أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وإحْصَانِهِمْ إِذَا زَنوَا وَرُفِعُوا إلى الإمَامِ
٢٨٩١ - (٦٨٤٠) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى عَنِ الرَّجْم، فَقَالَ: رَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقُلْتُ: أَقَبْلَ النُّورِ أَمْ بَعْدَهُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي.
تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَالْمُحَارِبِيُّ، وَعَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ.
عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ".
(لا يُحَدُّ فوقَ عشرة أسواطٍ إِلَّا في حَدٍّ من حدودِ الله): فيه إثباتُ التعزيرِ في المعاصي الّتي لا حدَّ فيها؛ لما يقتضيه من جواز العشرة فما دونها.
وقد اختلفوا في مقدار التعزير، فالمنقول عن مالك ﵁: أنه لا يَتَقَدَّرُ (١) بهذا القدر، ويجيز في العقوبات فوقَ هذا، وفوقَ الحدود على قدر الجريمة وصاحبها، وأن ذلك موكولٌ إلى اجتهاد الإمام.
وظاهرُ مذهب الشافعي ﵀: أنه لا يبلغ بالتعزير إلى الحدِّ.
وعلى هذا ففي المعتبر عنهم وجهان:
أحدهما: أدنى الحدود في حق المعزَّر، فلا يُزاد في حَدِّ الحرِّ على تسع وثلاثين ضربةً؛ ليكون دونَ حدِّ الشُّرب، ولا في تعزيرِ العبدِ على تسعةَ عشرَ سوطاً.
الثاني: أن يُعتبر أدنى الحدود على الإطلاق، فلا يُزاد في حدِّ الحرِّ على تسعةَ عشرَ سوطاً.
وعندهم وجهٌ ثالثٌ، وهو أن الاعتبار بحدِّ الأحرار، فيجوز أن يُزاد تعزيرُ العبد على عشرين سوطاً (٢).
و (٣) على الجملة: فهذا كلُّه خروجٌ عن ظاهر هذا الحديث، ولم أرَ لهم ولا لنا جواباً قوياً أذكُره.
* * *
стр. 4284
مصابيح الجامع
وهو شرح الجامع الصحيح للإمام البخاري المشتمل على بيان تراجمه وأبوابه وغريبه وإعرابه
تأليف
الإمام القاضي بدر الدين الدماميني أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن عمر القرشي المخزومي الإسكندراني المالكي
المولود في الإسكندرية سنة ٧٦٣ هـ والمتوفى في الهند سنة ٨٢٧ هـ - رحمه الله تعالى -
اعتنى به تحقيقا وضبطا وتخريجا
نور الدين طالب
بالتعاون مع لجنة مختصة من المحققين
[المجلد العاشر]
إصدارات
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
إدارة الشؤون الإسلامية - دولة قطر
стр. 4285
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4286
مَصَابِيحُ الجَامِعِ
[١٠]
стр. 4287
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
ردمك: ٠ - ١٢ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨ ISBN
قَامَت بعمليات التنضيد الضوئي والإخراج الفني والطباعة
دَار النَّوَادِر لصَاحِبهَا ومديرها نور الدّين طَالب
سوريا - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦
لبنان - بيروت - ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤
هَاتِف: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠١١
www.daralnawader.com
بإحدى ثلاثٍ: النفسُ بالنفس، والثيبُ الزاني، والمفارق لدينه (١) التاركُ للجماعة): أي: إِلَّا بإحدى ثلاثِ (٢) خصالٍ: قتلِ النفسِ، وزنا الثيبِ، ومفارقةِ المفارقِ لدينه، فحَذف المضافَ من كُلًّ، وأقامَ (٣) المضافَ إليه، وكلُّها بالجرِّ على أنه بدلٌ من ثلاثٍ، ولا شكَّ في أن من اتصف بواحدة من هذه الخصال الثلاثِ، فهو مُباحُ الدم بالنصَّ، و"يشهد أن لا إله إِلَّا الله، وأني رسول الله" في محل جر على أنها صفةٌ لمسلمٍ، من باب الصِّفَة الكاشفة المبينة (٤) لحقيقته، وكذلك "التارك للجماعة" مبينٌ لقوله: "المفارِقُ لدينه"، والمراد بالجماعة: جماعةُ المسلمين، وإنّما تركهم بالخروج عن الدين ومفارقته، وهو سببٌ لإباحة دمه بالإجماع؛ إن (٥) كان رجلًا.
وأما المرأة، فكذلك عند الجمهور.
وقال أبو حنيفة ﵀: لا تُقتل.
قال ابن دقيق العيد ﵀: وقد يؤخذ من قوله: "التارك للجماعة"، بمعنى (٦) المخالف لأهل الإجماع، فيكون متمسَّكاً لمن يقول: مخالفُ الإجماع كافرٌ، وقد نُسب ذلك إلى بعض النَّاس، وليس ذلك بالهَيَّنِ، وقد قدمنا الطريقَ في التكفير، فالمسائلُ الإجماعيةُ تارةً
стр. 4293
يصحبها التواترُ بالنقل عن صاحب الشرع؛ كوجوب الصلاة - مثلاً -، وتارةً لا يصحبها التواتر (١).
فالقسم الأول: يكفرُ جاحدُه؛ لمخالفته (٢) التواتر، لا لمخالفتِه الإجماعَ.
والقسم الثاني: لا يَكْفُر به. وقد وقع في هذا المكان مَنْ يدَّعي الحذق في المعقولات، ويميل إلى الفلسفة، فظنَّ أن المخالفَ في حدوثِ العالم من قَبيل مخالف الإجماع، وأخذ من قول مَنْ قال: إنه لا يكفُر مخالفُ الإجماع، أن لا يكفر هذا المخالف في هذه المسألة (٣).
قال ابنُ دقيق العيد: وهو كلامٌ ساقط بالمرة، إما عن عَمًى في البصيرة، أو تَعامٍ؛ لأن حدوثَ العالَمِ من قَبيل ما اجتمعَ فيه الإجماعُ والتواترُ بالنقل عن صاحب الشريعة ﷺ ، فيكفُرُ المخالفُ بسبب مخالفته النقلَ المتواترَ، لا بسبب مخالفةِ الإجماع.
قال: وقد استُدل بهذا الحديث على أن تاركَ الصلاة لا يُقتل بتركها؛ فإنَّ تركَ الصلاة ليس من هذه الأسباب؛ أعني: زنا المحصن، وقتلَ النفس، والردَّةَ، وقد حَصَرَ النبي ﷺ إباحةَ الدم في هذه الثلاثة بالنفي العام والاستثناء.
وبذلك استدلَّ شيخُ والدي الإمامُ الحافظ أبو الحسن عليُّ بنُ المفضلِ المقدسيُّ لنفسِه في أبياته التي نظمَها في حكم تارك الصلاة. أنشدنا الفقيهُ المفتي أبو موسى هارونُ بنُ عبدِ الله المَهْرانيُّ قديماً، قال: أنشدنا الحافظُ
لا إِلَه إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وُيؤْتُوا الزَّكَاةَ" (١).
ووجهُ الدليل منه: أنه وقفَ العصمةَ على مجموعِ الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزَّكاة، والمرتَّبُ على أشياءَ لا يحصُل إِلَّا بحصولِ مجموعِها، وينتفي بانتفاءِ بعضها.
وهذا إن قُصد به الاستدلالُ بالمنطوق، وهو قوله ﵇: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى (٢) ... إلى آخره"؛ فإنه يقتضي بمنطوقه الأمرَ بالقتال إلى هذه الغاية، فقد وَهَلَ وسَها؛ فإنه لم يُفَرِّقْ (٣) بينَ المقاتلةِ على الشيء، والقتلِ عليه؛ فإن المقاتلةَ مفاعَلَةٌ تقتضي الحصولَ من الجانبين، ولا يلزمُ من إباحة المقاتَلَة على الصلاة، إباحةُ القتل عليها من الممتنع عن فعلِها إذا لم يُقاتِلْ.
ولا إشكال في أن قوماً لو تركوا الصلاة، ونصبوا القتالَ عليها، أنهم يقاتَلون، إنما النظرُ والخلاف فيما إذا تركها إنسانٌ (٤) من غير نَصْبِ قتال، هل يُقتل، أم لا؟ فتأملِ الفرقَ بينَ المقاتلةِ على الصلاة، والقتلِ عليها، وأنه لا يلزمُ من إباحة المقاتلة على الصلاة، إباحةُ القتل عليها؛ وإن كان أخذ هذا من لفظ آخرِ الحديث، وهو ترتيبُ العصمةِ على ذلك؛ فإنه بمفهومه يدلُّ على أما لا تترتب على فعل بعضِه، هانَ الخطبُ؛ لأنها دلالةُ مفهوم، والخلافُ فيها معروف، وبعضُ مَنْ نازعه في هذه المسألة لا يقول بدلالة
стр. 4296
المفهوم، ولو قال بها، فقد ترجَّحَ عليها دلالةُ المنطوق في هذا الحديث (١).
قلت: أظنه عنى ببعض المتأخرين الذي أدركَ هو زمنه: قاضيَ القضاة الشيخَ ناصر الدين بن المنير، فقد قدمنا عنه البحثَ في هذه المسألةُ بما ذكره الشيخ، أو قريبٍ منه، على أن ما اعترض به ابنُ دقيق العيد لا يخلو من نظر إذا تأملت.
* * *
باب: مَنْ قُتِلَ له قَتِيلٌ فهو بخير النَّظَرَيْنِ
٢٩٠١ - (٦٨٨٠) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَن خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا.
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا حَرْبٌ، عَنْ يَحْيَى: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ، قَتَلَتْ خُزَاعَةُ رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ، بِقَتِيلٍ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، أَلَا وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِن نَهَارٍ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يَلْتَقِطُ سَاقِطَتَهَا إِلَّا مُنْشِدٌ. وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا يُؤدَى، وَإِمَّا يُقَادُ". فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاهٍ، فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اكْتبوا لأَبِي شَاهٍ". ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنْ
стр. 4297
قُرَيْشٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِلَّا الإِذْخِرَ؛ فَإِنَّمَا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِلَّا الإذْخِرَ".
وَتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ شَيْبَانَ فِي الْفِيلِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ: "الْقَتْلَ".
وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: "إِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ".
(إن الله حبسَ عن مكةَ الفيلَ): - بالفاء والمثناة التحتية - هذه الرِّواية الصحيحة عندهم على ما صرح به غيرُ واحد.
ويروى: "القَتْلَ": بقاف ومثناة فوقية، وقد ذكرها البخاري في هذا الحديث، وحَبْسُه: حبسُ أهلِه الذين جاؤوا للقتال في الحرم.
(وسَلَّطَ عليها رسولَه والمؤمنين (١)): يستدل به من رأى أن فتحَ مكّة كان عَنْوَةً؛ فإن التسليط الذي وقعَ للرسول ﷺ مقابِلٌ للحبس الذي وقعَ للفيل، وهو الحبسُ عن القتال.
(ومن قُتل له قتيلٌ، فهو بخير النظرين، إما يُودَى، وإما يُقاد (٢)): اختلف الفقهاء في موجب قتل العمد على قولين (٣):
أحدهما: أن الموجبَ هو القصاصُ عيناً.
الثاني: أن الواجبَ (٤) هو أحدُ الأمرين: إمّا القصاص، أو الدية.
стр. 4298
وكلا القولين في مذهبنا.
ومن فوائد هذا الخلاف: أن من قال: الموجبُ هو القصاص عَيْناً، قال: ليس (١) للولي حقُّ أخذِ الديةِ من القاتل بغير رضاه، ويستدل بهذا الحديث على أن الواجبَ أحدُ الأمرين، وهو ظاهر الدلالة في ذلك، ومن خالف، قال: معناه وتأويله: إن شاء أخذ الدية برضا القاتل، إِلَّا أنه لم يذكر الرضا؛ لثبوته عادةً.
(اكتبوا لأبي شاهٍ): قال ابن دقيق العيد: كان قد وقع اختلافٌ (٢) في الصدر الأول في كتابة غير القرآن، ووردَ فيه نهيٌ، ثمّ استقرَّ الأمرُ بين النَّاس على الكتابة؛ لتقييد العلمِ بها، وهذا الحديث يدلُّ على ذلك؛ لأن النبي ﷺ قد أَذِنَ في الكتابة لأبي شاهٍ، والذي أراد أبو شاهٍ كتابتَه هو خطبةُ النبي ﷺ (٣).
والكلامُ في ضبط هذا الاسم قد تقدم.
(وقال بعضهم عن أبي نعيم: القَتْلَ): بقاف ومثناة فوقية.
قال الزركشي: وهذا الذي أبهمه هو الإمامُ محمدُ بنُ يحيى الأصيليُّ (٤) النيسابوريُّ (٥).
* * *
وَقَدْ قَالَ هَمَّامٌ: بِحَجَرَيْنِ.
(فاعترفَ، فأمرَ به رسولُ الله ﷺ ، فَرُضَّ رأسُه): ظاهرُه أن الأمرَ بقتله مرتَّبٌ على اعترافه من غيرِ اشتراطِ عددٍ (١)، إذ لو كان ذلك شرطاً، لَبَيَّنَهُ، ففيه حجةٌ على الكوفيين في قولهم: لا بدَّ أن يُقِرَّ مرتين (٢).
* * *
باب: مَنْ أَخَذَ حَقَّهُ أَو اقْتَصَّ دُوْد السُّلْطَانِ
٢٩٠٤ - (٦٨٨٨) - وَبإِسْنَادِهِ: "لَوِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِكَ أَحَدٌ، وَلَمْ تَأْذَنْ لَهُ، خَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ".
(فخَذَفْتَه): بخاء معجمة، كذا لأكثرهم. وعند أبي ذر بالمهملة (٣).
(ففقأْتَ عينَه، ما كان عليك من جُنَاحٍ): ظاهر هذا حجةٌ للشافعي.
وذكر بعضهم أنه نقل في "النوادر" عن مالكٍ مثلُ ذلك، والمعروفُ عنه أنه عليه القَوَدُ، وهو مذهب أبي (٤) حنيفة.
وأما أخذُ القَوَد دونَ السلطان، فالفقهاءُ على (٥) أنه لا يَفعل إِلَّا بإذنه؛ لأن في استقلالِ الخصمِ بالاستيفاءِ (٦) وحدَه فساداً في الأرض، فتأَوَّلَ بعضُهم
стр. 4301
هذا الحديث على أنه خرجَ على جِهة الرَّدْعِ والزجرِ عن الاطِّلاع على عوراتِ النَّاس (١)، وإنما الخلافُ في السيد هَلْ يَحُدُّ عبدَه (٢)؟
* * *
باب: إِذَا قَتَلَ نَفْسَهُ خَطَأً، فَلَا دِيَةَ لَهُ
(باب: إذا قتلَ نفسَه خطأً، فلا ديةَ له): اعترضه الإسماعيلي: بأن هذا الباب أسندَه عن المكي، ليس فيه: أن عامراً ارتدَّ عليه سيفُه فقتلَه، والبابُ مترجم لمن قتلَ نفسَه.
وأجيب: بأن البخاري قد رواه في الدعوات في باب: مَنْ خص بالدعاء من ورثته (٣)، بلفظ: "فَلَمَّا تَصافَّ القومُ، قاتَلوهُم، فأُصيب عامرٌ بقائمِ سيفِه، فماتَ" (٤) الحديث، وذلك أن سيفه كان قصيراً، فرجع إلى ركبته، فماتَ منها (٥).
* * *
فتأوله بعضُهم على أن الذي أسلمَ، ولم يزلْ مرتكبَ المعاصي، يعاقبُه اللهُ بما فعلَه (١) في الإسلام، ويُبَكِّتُه بما فعلَه في الجاهلية، فيقال له: كنتَ تفعلُ في الجاهلية كذا، ولم يمنعْكَ الإسلامُ من ذلك الفعل، وأَمَّا أن يُعاقبَ بما كان يفعله في الكفر، فلا.
وقال بعضُهم: يعني بالإساءة: الردَّةَ.
وقال القرطبي: يعني بالإحسان: إخلاصَ الإسلام حينَ دخولِه فيه، والدَّوامَ على ذلك إلى حين وفاته، وإن لم يخلِصْ بباطنه في إسلامه، كان منافقاً، ولا ينهدمُ عنه ما عملَ به في الجاهلية من الكبائر بالنِّفاق، بل بالإسلامِ الخالصِ، فيضاف نفاقُه الناجزُ إلى كفره المتقدِّم، فيكون مع المنافقين في الدَّرْكِ الأسفل من النَّار (٢).
* * *
باب: إِذَا عَرَّضَ الذِّمِّيُّ وَغَيْرُهُ بِسَبِّ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ يُصَرِّحْ، نَحْوَ قَوْلهِ: السَّامُ عَلَيْكَ
(باب: إذا عَرَّضَ الذميُّ بسبِّ النبي ﷺ نحو قوله: السَّامُ عليكم): اعتُرض بأن هذا ليس تعريضاً بالسَّب.
وأجاب القاضي: بأنَّ الأذى والسَّبَّ في حقه ﷺ واحد، نعم ليس في الحديث التعريضُ؛ لأن ذلك اليهوديَّ كان من أهل الذِّمَّة والعهد، أو الحرب (٣)،