وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ، فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ". قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكينَ، وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَناً، وَشَطَرٌ مِنْهُمْ قَبِيحاً، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحاً، وَآخَرَ سَيِّئاً، تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ".
(كريه المَرْآة): - بفتح الميم على زنة مَفْعَلَة -؛ من رَأَى (١) يَرَى.
(يَحُشُّها): - بحاء مضمومة وشين معجمة -؛ أي: يُوقِدُها.
(على روضة مُعْتَمَّة): - بعين مهملة ساكنة ثم مثناة فوقية مفتوحة ثم ميم مشددة -، يقال: اعْتَمَّ النباتُ: إذا اكْتَمَلَ، ونخلةٌ عَميمةٌ؛ أي: طَويلةٌ، وكذلك الجاريةُ.
وقال الداودي: أي: غَطَّاها الخِصْبُ والكلأ كالعِمامَةِ على الرأس.
قال ابن التين (٢): وضبطناه بكسر التاء وتخفيف الميم، وما يظهر له وجه (٣).
قلت: يلوحُ لي فيه وجهٌ مقبول، وذلك أن خضرةَ الزرع إذا اشتدَّت، وُصفت بما يقتضي السوادَ؛ كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٤، ٥].
وقد ذهب الزجاج: إلى أن ﴿أَحْوَى﴾ حال من ﴿الْمَرْعَى﴾، أُخِّر عن الجملة المعطوفة، وأن المراد وصفه بالسواد؛ لأجل خضرته، فكذلك تقول: وصفت
стр. 4350
الروضة لشدة خضرتها بالسواد، فقيل: مُعْتِمَة، من قولك: أَعْتَمَ الليلُ: إذا أَظْلَمَ (١)، فتأمله.
وأورده ابن بطال: "مِغَنَّة": فقط - بغين معجمة ونون -، ثم قال: قال ابن دريد: وادٍ أَغَنُّ، ومِغَنٌّ: إذا كَثُرَ شجرُه (٢).
[(من أكثرِ وِلْدانٍ رأيتُهم قَطُّ): فيه استعمال "قَطُّ" غيرَ مسبوق بنفي، وقد سبقَ نظيرُه] (٣).
* * *
(عن عبد الرحمنِ بنِ أبي بكرةَ، وعن رجلٍ آخرَ هو أفضلُ في نفسي من عبدِ الرحمن): هو حُميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ الحِمْيَرِيُّ.
قال الزركشي: سماه أبو عامر (١): عن قُرَّةَ، عن (٢) ابنِ سيرينَ، رواه مسلم (٣).
قلت: تقدم من طريق حُميدٍ هذا في كتاب: الحج (٤).
(فلما كان يومَ حُرِّقَ ابنُ الحضرمي حين حَرَّقَه جاريةُ): قال ابن الملقن: وُجد بخط الحافظ الدمياطي: الوجهُ: أُحْرِقَ، وأَحْرَقَهُ (٥).
وجاريةُ: بالجيم.
* * *
٢٩٤٥ - (٧٠٧٨) / م - قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَحَدَّثَتْنِي أُمِّي، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ دَخَلُوا عَلَيَّ مَا بَهَشْتُ بِقَصَبَةٍ.
(ما بَهَشْتُ بقَصَبَة): - بفتح الباء الموحدة والهاء وبالشين المعجمة من "بهشت" -؛ أي: ما مددْتُ يدي إليها، ولا تناولتُها لأدافَع بها.
وقيل: معناه: ما قاتلت.
وقيل: ما تحركت.
باب: التَّعَرُّبِ فِي الْفِتْنَةِ
(باب: التعرب في الفتنة): التعرُّب - بالعين المهملة والراء -: هو أن يعودَ إلى البادية، ويسكنَ مع الأعراب بعد أن كان مُهاجراً، وكان من يرجعُ بعدَ الهجرة إلى موضعه من غير عذر، يعدُّونه مرتدّاً.
ويروى بالعين المهملة والزاي؛ أي: يَعْزُبُ عن الجماعات والجهات بسكن البادية.
ويروى بالغين المعجمة والراء (١).
* * *
باب: التَّعَوُّذِ مِنَ الفِتَنِ
٢٩٤٧ - (٧٠٩٠) - وَقَالَ عَبَّاسٌ النَّرْسِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ أَنَساً حَدَّثَهُمْ، أَنَّ نبَيَّ اللَّهِ ﷺ بِهَذَا، وَقَالَ: كُلُّ رَجُلٍ لَافّاً رَأْسَهُ في ثَوْبِهِ يَبْكِي. وَقَالَ: عَائِذاً بِاللَّهِ مِن سُوءِ الْفِتَنِ، أَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الفِتَنِ.
(عائذاً بالله) بالنصب على الحال، أو المصدر (٢).
ويروى بالرفع، وهو ظاهر؛ أي: أنا عائذٌ بالله (٣).
* * *
стр. 4361
باب: الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ: كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَتَمَثَّلُوا بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ عِنْدَ الْفِتَنِ، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
الْحَرْبُ أَوَّلُ مَا تَكُونُ فَتِيَّةً ... تَسْعَى بِزيْنَتِهَا لِكُلِّ جَهُولِ
حَتَّى إِذَا اشْتَعَلَتْ وَشَبَّ ضِرَامُهَا ... وَلَّتْ عَجُوزًا غَيْرَ ذَاتِ حَلِيلِ
شَمْطَاءَ يُنْكَرُ لَوْنُهَا وَتَغَيَّرَتْ ... مَكْرُوهَةً لِلشَّمِّ وَالتَّقْبِيلِ
(الحربُ أولُ ما تكون فُتية): يروى (١) بضم الفاء على التصغير؛ أي: شابة.
ويروى بفتح الفاء وكسر المثناة الفوقية.
ويجوز فيه أربعة أوجه:
الأول: رفعُ "أول"، ونصب "فتية"، مثل: زيدٌ أخطبُ ما يكونُ يومَ الجمعة، فـ "الحربُ" مبتدأ أول.
وقوله: "أولُ ما تكونُ": مبتدأ ثانٍ، و"فتيةً": حالٌ سادةٌ مسدَّ خبرِ (٢) المبتدأ الثاني، والجملة المركبة من المبتدأ الثاني وخبره: خبر عن المبتدأ الأول، والمعنى: الحربُ أولُ (٣) أكوانها إذاً، أو إذا (٤) كانت فتية.
الثاني: نصبُ "أولَ"، ورفعُ "فتيةٌ"، عكس الأول، وجهُه ظاهر، وهو:
стр. 4362
أن تكون "الحربُ" مبتدأ، و"فتيةٌ" خبره (١)، و"أولَ ما تكون": ظرف عاملُه الخبر.
الثالث: رفعُهما جميعاً على أن "الحربُ": مبتدأ، و"أولُ": بدل منه، و"فتيةٌ": خبر، أو "أولُ": مبتدأ ثانٍ، و"فتيةٌ": خبره، وأنث الخبر مع أن المبتدأ الذي هو "أولُ" مذكر؛ لأنَّه مضاف إلى الأكوان المراد بها الحالات.
الرابع: نصبُهما جميعاً على أن "أولَ": ظرفٌ، وهو (٢) خبر المبتدأ الذي هو "الحربُ"، و"فتيةً": منصوب على الحال من الضمير المستكن في الظرف المستقر؛ أي: الحربُ موجودةٌ في أول أكوانها على هذه الحالة (٣).
(تسعى بزينتها لكلِّ جهول): كذا وقع في البخاري. ورواه سيبويه: "بِبِزَّتِهَا" (٤).
(حتى إذا اشتعلتْ): الظاهر فيه أنَّ: "إذا" شرطية، وجوابها محذوف، وجُوِّزَ فيها أن تكون لمجرد الظرفية.
(وشُبَّ ضِرامُها): - بضم الشين المعجمة -، يقال: شببتُ (٥) النارَ: إذا أوقدتها.
(ولَّت عجوزاً غيرَ ذاتِ حليل): يروى بالخاء المعجمة والحاء المهملة.
стр. 4363
(شمطاءَ): بالنصب على أنها نعتٌ لعجوز، و (١) الشَّمَطُ: اختلاطُ سوادِ شعرِ الرأس ببياضه.
وقال الداودي: يعني: كثرة الشيب (٢).
(يُنكر لونُها): أي (٣): تبدلت بحسنها قبحاً.
(مكروهةً للشمِّ والتقبيل): أي: لأنها في هذه الحالة مَظِنَّةٌ للبخر، أو تغير (٤) الرائحة الطيبة.
وهذه الأبيات لعمرو (٥) بن معد يكرب.
* * *
باب
٢٩٤٨ - (٧٠٩٩) - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ أيَّامَ الْجَمَلِ، لَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ فَارِساً مَلَّكُوا ابْنَةَ كِسْرَى، قَالَ: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً".
(لن يفلحَ قومٌ وَلَّوا أمرَهم امرأةً): فيه دليل على منعِ تولية المرأة للقضاء (٦).
(أعورُ عينِ اليمنى): إما من إضافة الموصوف إلى الصفة، على رأي الكوفيين، أو مؤولٌ (١) على الحذف؛ أي: أعورُ عينِ الجبهةِ اليمنى.
* * *
٢٩٥٧ - (٧١٣١) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا بُعِثَ نبَيٌّ إِلَّا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الْكَذَّابَ، أَلَا إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبكُّمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ: كَافِرٌ".
فِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(وإن بين عينيه مكتوب: كافرٌ): اسمُ "إن" على هذه الرواية محذوف، وهو ضميرُ نصب، إما ضمير الشأن، أو عائدٌ (٢) على الدجال، و"بين عينيه مكتوب": جملة هي الخبر (٣)، وكافرٌ: خبر مبتدأ محذوف؛ أي: بين عينيه شيء مكتوبٌ، وذلك الشيء هو كلمةُ كافر.
ويروى: "مكتوباً": بالنصب، فالظاهر جعلُه اسمَ "إن"، و"كافر" على ما سبق، ولا يحتاج مع هذا إلى أن ترتكب حذفَ اسم "إن" مع كونه ضميراً (٤)، فإنه قليلٌ، أو ضعيف (٥).
* * *
стр. 4370
باب: لا يَدْخُلُ الدَّجَّالُ المَدِينَةَ
٢٩٥٨ - (٧١٣٢) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْماً حَدِيثاً طَوِيلًا عَنِ الدَّجَّالِ، فكَانَ فِيمَا يُحَدِّثُنَا بِهِ: أَنَّهُ قَالَ: "يَأْتِي الدَّجَّالُ، - وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ - فَيَنْزِلُ بَعْضَ السِّبَاخِ الَّتِي تَلِي الْمَدِينَةَ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ، وَهْوَ خَيْرُ النَّاسِ، أَوْ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، فَيقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَهُ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثمَّ أَحْيَيْتُهُ، هَلْ تَشُكُّونَ في الأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، فَيقْتُلُهُ، ثُمَّ يُحْيِيهِ، فَيَقُولُ: وَاللهِ! مَا كُنْتُ فِيكَ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الْيَوْمَ، فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ".
(وهو محرَّمٌ عليه أن يدخل نِقابَ المدينة): نِقاب: جمع نَقْب - بسكون القاف -، مثل: حَبْل وحِبال، وكَلْب وكِلاب.
قال الخطابي: وقد يُسأل عن هذا، فيقال: كيف يجوز أن يُجري الله آياتِه على أيدي أعدائه؟ وإحياءُ الموتى آيةٌ عظيمة، فكيف مَكَّنَ منه الدجَّالَ، وهو كذابٌ مُفْتَرٍ على الله تعالى؟!!
والجواب: أنه جائز على جهةِ المِحْنَةِ لعباده، إذا كان معه ما يدلُّ على أنه مُبْطِلٌ غيرُ مُحِقٍّ في دعواه، وهو أنه أعورُ، مكتوبٌ على جبهته: كافرٌ، يراه كل مسلم، فدعواه داحضةٌ (١).
стр. 4371
قلت: السؤال ساقط (١)، وجوابه كذلك.
أما السؤال؛ فلأن الدجال لم يدَّعِ النبوةَ، ولا حامَ حولَ (٢) حِماها، حتى تكونَ تلك الآيةُ دليلًا على صدقه، وإنما ادَّعى الأُلوهية، وإثباتُها لمن هو متسم، بسماتِ (٣) الحَدَث، وهو من جملةِ المخلوقين، لا يمكن، ولو أقامَ ما لا يُحْصَر من الآيات؛ إذْ حدوثُه قاطعٌ ببطلانِ أُلوهيته، فما تُغنيه الآياتُ والخوارقُ.
وأما الجواب: فلأنه جعلَ المبطلَ لدعواه كونَه أعورَ مكتوباً بين عينيه: كافر، ونحن نقول ببطلان دعواه مطلقاً، سواءٌ كان هذا معه، أو لم يكن؛ لما قررناه.
* * *
باب: يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ
(باب: يأجوجَ ومأجوجَ): ذكر فيه حديث (٤): "ويلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ"، وإسناده من أَطولِ إسنادٍ في "الصحيح"، وفيه روايةُ أربعةٍ من الصحابة، بعضهم عن بعض (٥).
* * *
стр. 4372
كتاب الأحكام
стр. 4373
كتاب الأحكام
باب: قَوْلهِ تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]
٢٩٥٩ - (٧١٣٧) - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَطَاعَنِي، فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي، فَقَدْ عَصى اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي، فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي، فَقَدْ عَصَانِي".
(كتاب: الأحكام).
(ومن أطاع أميري (١)، فقد أطاعني): قيل: كانت قريش، ومن يليها من العرب لا يعرفون الإمارة، فكانوا يمتنعون على الأمراء، فقال ﵇ هذا القول، يحثُّهم على طاعتهم، والانقيادِ لهم فيما يأمرون به من المعروف، وأن لا يخرجوا عليهم خشيةً من افتراق الكلمة (٢).
أَفَنَدْخُلُهَا؟! فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ خَمَدَتِ النَّارُ، وَسَكَنَ غَضَبُهُ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "لَوْ دَخَلُوهَا، مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَداً، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ".
(عن عليٍّ، قال: بعث النبي ﷺ سريةً، وأَمَّرَ عليهم رجلًا من الأنصار): قال الزركشي: هذا غلطٌ من الراوي عن عليًّ أو مَنْ دونَه؛ لأنه عبدُ الله بنُ حُذافة (١).
[قلت: وجهُ الغلط: أن عبدَ الله بنَ حذافة] (٢) سهميٌّ، فكيف يكون من الأنصار؟ [ويمكن دفع هذا الغلط: بأنَّه من الأنصار] (٣) بالمحالَفَة، نصَّ عليه في "الإفهام".
(وأوقدتم ناراً، ثمَّ دخلتم فيها): قيل: إنما أمرهم بدخول النار ليختبرَ حالَهم في الطاعة، أو فعلَ ذلك إشارةً إلى أن مخالفتي توجبُ دخولَ النار، وإذا شقَّ عليكم دخولُ هذه النار، فكيف تصبرون على النار الكبرى، ولو رأى منهم الجِدَّ في وُلوجِها، منعهم؟! (٤)
(لو دخلوها، ما خرجوا منها أبداً): أي: لأنهم قد علموا أن الطاعة لا تكون في معصية.
فإن قلت: لكن يشكل التأبيدُ.
стр. 4376
قلت: يُحمل (١) على طول الإقامة، لا على البقاء الممتدَّ دائماً من غير انقطاع؛ جمعاً بين الأدلة.
* * *
باب: ما يُكْرَه من الحِرْصِ عَلَى الإمَارَةِ
٢٩٦٢ - (٧١٤٨) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ، وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ".
(فنِعْمَ المرضعةُ، وبئستِ الفاطمةُ): شُبِّهَ على سبيلِ الاستعارة، ما يحصُل من نفعِ الولايةِ الدارِّ، حالةَ ملابَسَتِها بالرَّضاع، وشُبَّه بالفطام انقطاعُ ذلك عنها، عندَ الانفصال عنها، إما بموتٍ، أو غيره، فالاستعارة في المرضعة والفاطمة تَبَعِيَّةٌ.
فإن قلتَ: هل من لطيفةٍ تُتَلَمَّحُ في تركِ التاء من فعل المدح، وإثباتها مع فعل الذم؟
قلت: إرضاعُها هو أحبُّ حالَتَيْها إلى النفس، وفِطامُها أَشَقُّ الحالتين على النفس، والتأنيثُ أخفضُ حالتي الفعل، وتركُه أشرفُ حالتيه، إذ هي حالة التذكير، وهو أشرفُ من التأنيث، فآثر استعمالَ أشرفِ حالتي الفعل مع الحالة المحبوبة، التي هي أشرفُ حالتي الولاية، واستعملَ الحالة الأخرى، وهي التأنيثُ، مع الحالة الشاقَّة على النفس، وهي حالةُ الفطام
فَقَالُوا: أَوْصِنَا. فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنَ الإنْسَانِ بَطْنُهُ، فَمَنِ استَطَاعَ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِلَّا طَيِّباً، فَلْيَفْعَلْ، وَمَنِ استَطَاعَ أَنْ لَا يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ بِمِلْءِ كَفِّهِ مِنْ دَمٍ أَهْرَاقَهُ، فَلْيَفْعَلْ.
قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: مَنْ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، جُنْدَبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ جُنْدَبٌ.
(إن أولَ ما يُنتن): بضم أوله. قال السفاقسي: كذا رويناه (١).
وفي "الصحاح": نَتَنَ الشيءُ، وأَنْتَنَ؛ بمعنى (٢)، فهو مُنْتِنٌ، ومِنْتِنٌ: - كُسرت الميم إتباعاً لكسرة التاء -، والنَّتْنُ: الرائحة الكريهة (٣).
(ومن استطاع أن لا يُحال (٤) بينه وبين الجنة): ببناء "يُحال" للمفعول (٥).
(بملء كفه): هكذا بالباء الجارة، وهي للسببية، والمعنى معها ظاهر.
ويروى: "ملء كف" - بدون حرف جر -، وبرفع "مَلْءُ" على أنه فاعل بفعل محذوف دلَّ عليه المتقدم؛ أي: يحولُ بينه وبين الجنة مَلْءُ كفه، وهو مثلُ قوله:
لِيُبْكَ يَزِيدٌ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ
стр. 4379
على رواية من رَوى: لِيُبْكَ: مبنياً (١) للمفعول (٢).
(من دمٍ أَهراقه): بهمزة قطع مفتوحة. وفي رواية أبي ذر: "هَرَاقَهُ"، بترك الهمزة (٣).
* * *
باب: القَضَاءِ والفُتْيا في الطَّريقِ
٢٩٦٥ - (٧١٥٣) - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِم بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، حَدَّثَنَا أَنسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: بَيْنَمَا أَناَ وَالنَّبِيُّ ﷺ خارِجَانِ مِنَ الْمَسْجدِ، فَلَقِيَنَا رَجُلٌ عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ ". فَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ وَلَا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ: "أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ".
(عندَ سُدَّةِ المسجدِ): هي الظُّلَّةُ تُجعل على الباب، لتقيَه من المطر، وقيل: هي البابُ نفسُه، وقيل: الساحةُ بينَ يديه (٤).
(فكانَّ الرجلَ استكانَ): اختُلف فيه: فقال بعضهم: إنه افْتَعَلَ من السُّكون، فتكون ألفُه خارجة عن القياس.
стр. 4380
وقيل: إنه استَفْعَل من الكَوْن؛ أي: انتقلَ من كَوْنٍ إلى كونٍ، كما قالوا: استحالَ: إذا انتقل من حالٍ إلى حالٍ، وقوةُ المعنى تؤيدُ الأول؛ إذ الاستكانَةُ: هي الخضوعُ والانقيادُ، وهو يناسب السكونَ، والخروجُ من (١) القياس يُضعفه، والقياسُ يؤيدُ الثانيَ، وقوةُ المعنى تُضعفه، إذ ليس بينهما - أعني: المشتقَّ والمشتقَّ منه - مناسبة ظاهرة، فيحتاج في إثباتها إلى تكلُّف.
وقيل: هو مشتق من الكَيْنِ، وهو لحمُ باطنِ الفرج، إذ هو في أذلِّ المواضع، أي: صارَ مثلَه في الذلِّ.
وقيل: جاء كانَ، يكينُ؛ بمعنى: خضعَ وذَلَّ.
والوجهُ بناءً على هذا هو الثاني، إذ لا يلزم الخروجُ عن القياس، ولا عدمُ المناسبة، ولو كانت هذه اللغة مشهورة، لكان أحسن الوجوه.
* * *
باب: ما ذُكِرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يَكُنْ لَه بَوَّابٌ
٢٩٦٦ - (٧١٥٤) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا ثَابِث الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، يَقُولُ لاِمْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ: تَعْرِفِينَ فُلَانَةَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِهَا وَهْيَ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: "اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي"، فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ خِلْوٌ مِنْ مُصِيبَتِي. قَالَ: فَجَاوَزَهَا وَمَضَى، فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ، فَقَالَ: مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: مَا عَرَفْتُهُ، قَالَ: إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَجَاءَتْ إِلَى بَابِهِ، فَلَمْ تَجِدْ عَلَيْهِ