← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

قلت: يُحمل (١) على طول الإقامة، لا على البقاء الممتدَّ دائماً من غير انقطاع؛ جمعاً بين الأدلة. * * * باب: ما يُكْرَه من الحِرْصِ عَلَى الإمَارَةِ ٢٩٦٢ - (٧١٤٨) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ، وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ". (فنِعْمَ المرضعةُ، وبئستِ الفاطمةُ): شُبِّهَ على سبيلِ الاستعارة، ما يحصُل من نفعِ الولايةِ الدارِّ، حالةَ ملابَسَتِها بالرَّضاع، وشُبَّه بالفطام انقطاعُ ذلك عنها، عندَ الانفصال عنها، إما بموتٍ، أو غيره، فالاستعارة في المرضعة والفاطمة تَبَعِيَّةٌ. فإن قلتَ: هل من لطيفةٍ تُتَلَمَّحُ في تركِ التاء من فعل المدح، وإثباتها مع فعل الذم؟ قلت: إرضاعُها هو أحبُّ حالَتَيْها إلى النفس، وفِطامُها أَشَقُّ الحالتين على النفس، والتأنيثُ أخفضُ حالتي الفعل، وتركُه أشرفُ حالتيه، إذ هي حالة التذكير، وهو أشرفُ من التأنيث، فآثر استعمالَ أشرفِ حالتي الفعل مع الحالة المحبوبة، التي هي أشرفُ حالتي الولاية، واستعملَ الحالة الأخرى، وهي التأنيثُ، مع الحالة الشاقَّة على النفس، وهي حالةُ الفطام

стр. 4377

عن الولاية؛ لمكان (١) المناسبة في المحلَّين، فهذا أمر قد يُتخيل في هذا المقام، فتأملْه. * * * باب: مَنِ اسْتَرْعَى رَعِيَّةً فَلَمْ يَنْصَحْ ٢٩٦٣ - (٧١٥٠) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ عَادَ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ في مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثاً سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً، فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ، إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ". (فلم يَحُطْها بنصيحة): أي: لم يَكْلأَها ولم يَرْعَها. * * * باب: مَنْ شَاقَّ شَقَّ اللهُ عَلَيْهِ ٢٩٦٤ - (٧١٥٢) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنِ طَرِيفٍ أَبِي تَمِيمَةَ، قَالَ: شَهِدْتُ صَفْوَانَ وَجُنْدَباً وَأَصْحَابَهُ وَهْوَ يُوصِيهِمْ، فَقَالُوا: هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئاً؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "مَنْ سَمَّعَ، سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ: وَمَنْ يُشَاقِقْ يَشْقُقِ اللَّهُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

стр. 4378

فَقَالُوا: أَوْصِنَا. فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنَ الإنْسَانِ بَطْنُهُ، فَمَنِ استَطَاعَ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِلَّا طَيِّباً، فَلْيَفْعَلْ، وَمَنِ استَطَاعَ أَنْ لَا يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ بِمِلْءِ كَفِّهِ مِنْ دَمٍ أَهْرَاقَهُ، فَلْيَفْعَلْ. قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: مَنْ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، جُنْدَبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ جُنْدَبٌ. (إن أولَ ما يُنتن): بضم أوله. قال السفاقسي: كذا رويناه (١). وفي "الصحاح": نَتَنَ الشيءُ، وأَنْتَنَ؛ بمعنى (٢)، فهو مُنْتِنٌ، ومِنْتِنٌ: - كُسرت الميم إتباعاً لكسرة التاء -، والنَّتْنُ: الرائحة الكريهة (٣). (ومن استطاع أن لا يُحال (٤) بينه وبين الجنة): ببناء "يُحال" للمفعول (٥). (بملء كفه): هكذا بالباء الجارة، وهي للسببية، والمعنى معها ظاهر. ويروى: "ملء كف" - بدون حرف جر -، وبرفع "مَلْءُ" على أنه فاعل بفعل محذوف دلَّ عليه المتقدم؛ أي: يحولُ بينه وبين الجنة مَلْءُ كفه، وهو مثلُ قوله: لِيُبْكَ يَزِيدٌ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ

стр. 4379

على رواية من رَوى: لِيُبْكَ: مبنياً (١) للمفعول (٢). (من دمٍ أَهراقه): بهمزة قطع مفتوحة. وفي رواية أبي ذر: "هَرَاقَهُ"، بترك الهمزة (٣). * * * باب: القَضَاءِ والفُتْيا في الطَّريقِ ٢٩٦٥ - (٧١٥٣) - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِم بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، حَدَّثَنَا أَنسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: بَيْنَمَا أَناَ وَالنَّبِيُّ ﷺ خارِجَانِ مِنَ الْمَسْجدِ، فَلَقِيَنَا رَجُلٌ عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ ". فَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ وَلَا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ: "أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ". (عندَ سُدَّةِ المسجدِ): هي الظُّلَّةُ تُجعل على الباب، لتقيَه من المطر، وقيل: هي البابُ نفسُه، وقيل: الساحةُ بينَ يديه (٤). (فكانَّ الرجلَ استكانَ): اختُلف فيه: فقال بعضهم: إنه افْتَعَلَ من السُّكون، فتكون ألفُه خارجة عن القياس.

стр. 4380

وقيل: إنه استَفْعَل من الكَوْن؛ أي: انتقلَ من كَوْنٍ إلى كونٍ، كما قالوا: استحالَ: إذا انتقل من حالٍ إلى حالٍ، وقوةُ المعنى تؤيدُ الأول؛ إذ الاستكانَةُ: هي الخضوعُ والانقيادُ، وهو يناسب السكونَ، والخروجُ من (١) القياس يُضعفه، والقياسُ يؤيدُ الثانيَ، وقوةُ المعنى تُضعفه، إذ ليس بينهما - أعني: المشتقَّ والمشتقَّ منه - مناسبة ظاهرة، فيحتاج في إثباتها إلى تكلُّف. وقيل: هو مشتق من الكَيْنِ، وهو لحمُ باطنِ الفرج، إذ هو في أذلِّ المواضع، أي: صارَ مثلَه في الذلِّ. وقيل: جاء كانَ، يكينُ؛ بمعنى: خضعَ وذَلَّ. والوجهُ بناءً على هذا هو الثاني، إذ لا يلزم الخروجُ عن القياس، ولا عدمُ المناسبة، ولو كانت هذه اللغة مشهورة، لكان أحسن الوجوه. * * * باب: ما ذُكِرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يَكُنْ لَه بَوَّابٌ ٢٩٦٦ - (٧١٥٤) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا ثَابِث الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، يَقُولُ لاِمْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ: تَعْرِفِينَ فُلَانَةَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِهَا وَهْيَ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: "اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي"، فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ خِلْوٌ مِنْ مُصِيبَتِي. قَالَ: فَجَاوَزَهَا وَمَضَى، فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ، فَقَالَ: مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: مَا عَرَفْتُهُ، قَالَ: إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَجَاءَتْ إِلَى بَابِهِ، فَلَمْ تَجِدْ عَلَيْهِ

стр. 4381

بَوَّاباً، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَاللَّهِ! مَا عَرَفْتُكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ". (فإنك خِلْوٌ): - بكسر الخاء المعجمة -؛ أي: خالٍ. (عندَ أولِ صدمةٍ): أي: عند قوةِ المصيبة وشِدَّتها (١). * * * باب: الحَاكِمِ يَحْكُمُ بالقَتْلِ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيه دُونَ الإِمَامِ الَّذِي فَوْقَه ٢٩٦٧ - (٧١٥٥) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الذُّهْلِيُّ، حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ: كَانَ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيَّ ﷺ ، بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الشُّرَطِ مِنَ الأَمِيرِ. (بمنزلة صاحب الشُّرَط): - بضم الشين المعجمة وفتح الراء -: جمع شُرْطَة: - بضم الشين وسكون الراء -، وهو الذي يتصرَّفُ من الجند فيما يأمرُ به السلطان. وفي "الصحاح": أشرطَ فلانٌ بنفسِه لأمر كذا؛ أي: أَعْلَمَها له. قال الأصمعي: ومنه سُمِّي الشُّرَط؛ لأنهم جعلوا لأنفسهم علامةً يُعرفون بها، الواحدُ: شُرْطَةٌ، وشُرْطِيٌّ. وقال أبو عُبيد: سُمُّوا شُرَطاً؛ لأنهم أُعِدُّوا (٢).

стр. 4382

باب: الشَّهَادَةِ عَلَى الخَطِّ الْمَخْتُومِ، وَمَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا يَضِيقُ عَلَيْهِمْ، وَكتَابِ الْحَاكِمِ إِلَى عَامِلهِ، وَالْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: كِتَابُ الْحَاكِم جَائِزٌ إِلَّا في الْحُدُودِ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً، فَهْوَ جَائِزٌ؛ لأَنَّ هَذَا مَالٌ بِزَعْمِهِ، وَإِنَّمَا صَارَ مَالًا بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ الْقَتْلُ، فَالْخَطَأُ وَالْعَمْدُ وَاحِدٌ. وَقَدْ كتَبَ عُمَرُ إِلَى عَامِلِهِ في الحُدُودِ. وَكتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ في سِنٍّ كُسِرَتْ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: كتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي جَائِزٌ إِذَا عَرَفَ الْكِتَابَ وَالْخَاتَمَ. وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يُجِيزُ الْكِتَابَ الْمَخْتُومَ بِمَا فِيهِ مِنَ الْقَاضِي. وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ. وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الثَّقَفِي: شَهِدْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ يَعْلَى قَاضِيَ الْبَصْرَةِ، وَإيَاسَ بْنَ مُعَاوِيةَ، وَالْحَسَنَ، وَثُمَامَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، وَبِلَالَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيَّ، وَعَامِرَ بْنَ عَبَدَةَ، وَعَبَّادَ ابْنَ مَنْصُورٍ، يُجِيزُونَ كُتُبَ الْقُضَاةِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنَ الشُّهُودِ، فَإِنْ قَالَ الَّذِي جِيءَ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ: إِنَّهُ زُورٌ، قِيلَ لَهُ: اذْهَبْ فَالْتَمِسِ الْمَخْرَجَ مِنْ ذَلِكَ. (وعامر بن عبدة): - بفتح الباء -، وقيل: - بسكونها -، حكاه ابن ماكولا (١). * * *

стр. 4383

باب: مَتَى يَسْتَوْجِبُ الرَّجُلُ الْقَضَاءَ ؟ وَقَالَ الْحَسَنُ: أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْحُكَّامِ أَنْ لَا يَتَّبِعُوا الْهَوَى، وَلَا يَخْشَوُا النَّاسَ، ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، ثمَّ قَرَأَ: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]. وَقَرَأَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. وَقَرَأَ: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩]. فَحَمِدَ سُلَيْمَانَ وَلَم يَلُمْ داوُدَ، وَلَوْلَا مَا ذَكَرَ اللهُ مِنْ أَمْرِ هَذَيْنِ، لَرَأَيْتُ أَنَّ الْقُضَاةَ هَلَكُوا، فَإِنَّهُ أَثْنَى عَلَى هَذَا بِعِلْمِهِ، وَعَذَرَ هَذَا بِاجْتِهَادِهِ. وَقَالَ مُزَاحِمُ بْنُ زُفَرَ: قَالَ لَنَا عُمَرُ بنُ عَبدِ الْعَزِيزِ: خَمْسٌ إِذَا أَخْطَأَ الْقَاضِي مِنهُنَّ خَصْلَةً، كانَتْ فِيهِ وَصْمَةٌ: أَنْ يَكُونَ فَهِماً، حَلِيماً، عَفِيفاً، صَلِيباً، عَالِماً سَؤُولًا عَنِ الْعِلْمِ. (كانت فيه وَصْمَةٌ): بفتح الواو وإسكان الصاد المهملة، على وزن تَمْرَة؛ أي: عيب، ويروى: "خُطَّةٌ" (١).

стр. 4384

(فَهِماً): صيغة مبالغة على زنة حَذِر. (صَليباً): أي: شديداً. * * * باب: رِزْقِ الحُكَّامِ والعاملين عَلَيْها ٢٩٦٨ - (٧١٦٣) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ، ابْنُ أُخْتِ نَمِرٍ، أَنَّ حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى أَخْبَرَهُ، أَن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ السَّعْدِيِّ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ في خِلَافَتِهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَلَمْ أُحَدَّثْ أَنَّكَ تَلِي مِنْ أَعْمَالِ النَّاسِ أَعْمَالًا، فَإِذَا أُعْطِيتَ الْعُمَالَةَ كَرِهْتَهَا؟ فَقُلْتُ: بَلَى، فَقَالَ عُمَرُ: مَا تُرِيدُ إِلَى ذَلِكَ؟ قُلْتُ: إِنَّ لِي أَفْرَاساً وَأَعْبُداً، وَأَنَا بِخَيْرٍ، وَأَرِيدُ أَنْ تَكُونَ عُمَالَتِي صَدَقَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ. قَالَ عُمَرُ: لَا تَفْعَلْ؛ فَإِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الَّذِي أَرَدْتَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا، فَقُلْتُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "خُذْهُ، فَتَمَوَّلْهُ، وَتَصَدَّقْ بِهِ، فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ، فَخُذْهُ، وَإِلَّا، فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ". (وأنتَ غيرُ مُشْرِفٍ): يقال: أَشْرَفْتُ الشيءَ (١): إذا عَلَوْتُه، يريد: ما جاءكَ منه وأنتَ غيرُ متطَلِّعٍ إليه، ولا طامِعٍ فيه (٢).

стр. 4385

باب: الشَّهادَةِ تَكُونُ عِنْدَ الحاكِمِ في وِلَايَتِهِ القَضَاءَ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ لِلْخَصْمِ ٢٩٦٩ - (٧١٧٠) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عُمَرَ ابْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ - مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ -، أنَّ أَبَا قتادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يوْمَ حُنَيْنٍ: "مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى قَتِيلٍ قَتَلَهُ، فَلَهُ سَلَبُهُ"، فَقُمْتُ لأَلْتَمِسَ بَيِّنَةً عَلَى قَتِيلٍ، فَلَمْ أَرَ أَحَداً يَشْهَدُ لِي، فَجَلَسْتُ، ثُمَّ بَدَا لِي، فَذَكَرْتُ أَمْرَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: سِلَاحُ هَذَا الْقَتِيلِ الَّذِي يَذْكُرُ عِنْدِي، قَالَ: فَأَرْضِهِ مِنْهُ، فَقَالَ أبُو بَكْرٍ: كلَّا، لَا يُعْطِهِ أُصَيْبِغَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَيَدَعَ أَسَداً مِنْ أُسْدِ اللَّهِ، يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، قَالَ: فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَدَّاهُ إِلَيَّ، فَاشْتَرَيْتُ مِنْهُ خِرَافاً، فَكَانَ أَوَّلَ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ. قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ اللَّيْثِ: فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأدَّاهُ إِلَيَّ. وَقَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ: الْحَاكِمُ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ، شَهِدَ بِذَلِكَ فِي وِلَايَتِهِ، أَوْ قَبْلَهَا، وَلَوْ أقرَّ خَصْمٌ عِنْدَهُ لآخَرَ بِحَقٍّ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ حَتَّى يَدْعُوَ بِشَاهِدَيْنِ، فَيُحْضِرَهُمَا إِقْرَارَهُ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ: مَا سَمِعَ أَوْ رَآهُ في مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، قَضَى بِهِ، وَمَا كانَ في غَيْرِهِ، لَمْ يَقْضِ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ. وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلْ يَقْضِي بِهِ؛ لأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ، وَإِنَّمَا يُرَادُ مِنَ الشَّهَادَةِ: مَعْرِفَةُ الْحَقِّ، فَعِلْمُهُ أكثَرُ مِنَ الشَّهَادَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَقْضِي بِعِلْمِهِ في الأَمْوَالِ، وَلَا يَقْضِي في غَيْرِهَا. وَقَالَ الْقَاسِمُ: لَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يُمْضِيَ قَضَاءً بِعِلْمِهِ دُونَ عِلْمِ

стр. 4386

غَيْرِهِ، مَعَ أَنَّ عِلْمَهُ أَكْثَرُ مِنْ شَهَادَةِ غَيْرِهِ، وَلَكِنَّ فِيهِ تَعَرُّضاً لِتُهَمَةِ نَفْسِهِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِيقَاعاً لَهُمْ في الظُّنُونِ، وَقَدْ كَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ الظَّنَّ، فَقَالَ: "إِنَّمَا هَذِهِ صَفِيَّةُ". (فاشتريتُ منه خِرافًا): - بكسر الخاء -: مصدرٌ، سمي به الحائطُ، كما قالوا: رجلٌ عَدْلٌ. (وقال القاسم): هو عبدُ الرحمن بنُ عبد الله بن مسعود، قاله أبو ذر الحافظ (١). * * * باب: هَدَايا العُمَّالِ ٢٩٧٠ - (٧١٧٤) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ، أَخْبَرَنَا أبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ بَنِي أَسْدٍ، يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الأُتَبِيَّةِ، عَلَى صَدَقَةٍ، فَلَمَّا قَدِمَ، قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ علَى الْمِنْبَرِ - قَالَ سُفْيَانُ أَيْضاً: فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ -، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ، فَيَأْتِي يَقُولُ: هَذَا لَكَ، وَهَذَا لِي؟! فَهَلَّا جَلَسَ في بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَا يَأْتِي بِشَيْءٍ إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ: إِن كانَ بَعِيراً لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ"، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ: "أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ " ثَلَاثاً.

стр. 4387

قَالَ سُفْيَانُ: قَصَّهُ عَلَيْنَا الزُّهْرِيُّ، وَزَادَ هِشَامٌ: عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ، قَالَ: سَمِعَ أُذُنَايَ، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنِي، وَسَلُوا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَإِنَّهُ سَمِعَهُ مَعِي. وَلَمْ يَقُلِ الزُّهْرِيُّ: سَمِعَ أُذُنِي. ﴿خُوَارٌ﴾: [الأعراف: ١٤٨] و [طه: ٨٨]: صَوْتٌ، وَالْجُؤَارُ من ﴿تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]: كَصَوْتِ الْبَقَرَةِ. (اسْتعمل النبيُّ ﷺ رجلًا من بني أَسْدٍ): بسكون السين، وأصلُه: أَزْد، فأُبدلت الزاي سيناً، وصَحَّفَ من قرأه بفتح السين (١) (٢). * * * باب: اسْتِقْضَاءِ المَوَالِيَ واستِعْمالِهِمْ ٢٩٧١ - (٧١٧٥) - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، أَنَّ ناَفِعاً أَخْبَرَهُ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ، قَالَ: كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ يَؤُمُّ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ وَأَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ في مَسْجِدِ قُبَاءٍ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَأَبُو سَلَمَةَ، وَزَيْدٌ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ. (في مسجد قُباءٍ فيهم أبو بكرٍ وعمرُ): رأيتُ بخطِّ بعضِ الفضلاء على حاشية نسخة من البخاري: وقعَ ذكرُ أبي بكر ﵁؛ يعني: في حديث إِمامةِ سالمٍ مولى أبي حذيفةَ للمهاجرين الأَوَّلين، وأصحابِ النبي ﷺ ، وفي كونِ أبي بكر معهم نظرٌ، فليحرَّرْ.

стр. 4388

باب: القَضَاءِ على الغَائِبِ ٢٩٧٢ - (٧١٨٠) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ هِنْدَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، فَأَحْتَاجُ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ؟ قَالَ: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ". (إن أبا سفيانَ رجلٌ شَحيحٌ، فأحتاجُ أن آخذَ من ماله، قال: خذي ما يَكفيكِ وولدَكِ بالمعروف): ساقه البخاري في باب القضاء على الغائب، وفي الاستدلال (١) به على ذلك نظر، والظاهر أنه فُتيا لا قضاء، وقد تقدم. قال السفاقسي: وفيه: خروجُ المرأة في حوائجِها. وفيه: أن صوتها ليس بعورة (٢). قلت: في دلالته على ذلك نظر؛ لأنه محل ضرورة، وليس الكلام فيه. وقد قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب: الأقضية من "القبس": وقد اتفقت الأمة على أنها لا تؤذِّنُ؛ لأن صوتَها عورة، فإذا لم يجزْ سماعُ صوتها وهي في المأذنة (٣) ولا تُرى، فأَوْلى وأَحْرى أن لا يجوزَ مجالستُها ومحادثتُها ابتداءً من قِبَلِ نفسِها، فكيف إذا نصبها الإمام لذلك؟ (٤).

стр. 4389

يشير إلى الاحتجاج (١) على من أجازَ نصبَها لولاية القضاء فيما يجوز فيه شهادتها. * * * باب: مَنْ لَمْ يَكْتَرِثْ بِطَعْنِ مَنْ لا يَعْلَمُ في الأُمَرَاءِ ٢٩٧٣ - (٧١٨٧) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثاً، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَطُعِنَ فِي إِمَارَتِهِ، وَقَالَ: "إنْ تَطْعَنُوا في إِمَارَتِهِ، فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ في إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ، وَايْمُ اللَّهِ! إِنْ كَانَ لَخَلِيقاً لِلإمرَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ". (إن تطعُنوا في إمارته): قال الزركشي: رجَّحَ بعضُهم هنا ضمَّ العين. قيل: إنما طعنوا فيه؛ لأنه ابن مولى (٢). * * * ٢٩٧٤ - (٧١٨٨) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الْخَصِمُ".

стр. 4390

(الأَلَدُّ الخَصِم): - بكسر الصاد -؛ أي: الشديدُ الخصومة (١)، واللَّدَدُ: الخصومةُ الشديدة. * * * باب: تَرْجَمَةِ الحُكَّامِ، وهل يَجُوزُ تُرْجُمانٌ واحدٌ ؟ ٢٩٧٥ - (٧١٩٥) - وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابتٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أن يَتَعَلَّمَ كتَابَ الْيَهُودِ حَتَّى كتَبْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ كُتُبَهُ، وَأَقْرَأْتُهُ كُتُبَهُمْ إِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ. وَقَالَ عُمَرُ - وَعِنْدَهُ عَلِيٌّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَعُثْمَانُ -: مَاذَا تَقُولُ هَذِهِ؟ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَاطِبٍ: فَقُلْتُ: تُخْبِرُكَ بِصَاحِبِهِمَا الَّذِي صَنَعَ بِهِمَا. وَقَالَ أَبُو جَمْرَةَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا بُدَّ لِلْحَاكِم مِنْ مُتَرْجِمَيْنِ. (وقال أبو جمرة: كنتُ أترجمُ): أبو جمرة: - بجيم وراء -، وقد تقدَّم مراتٍ. (وقال بعضُ الناس: لا بدَّ للحاكم من مترجمينِ): وهذا مذهب الشافعي ﵁، فالظاهر أنه (٢) المرادُ ببعضِ الناس، وفيه ردٌّ لقول كثيرين: إن البخاري إذا قال: وقال بعض الناس، فإنما يريدُ

стр. 4391

أبا حنيفةَ ﵁ (١). * * * ٢٩٧٦ - (٧١٩٦) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ في رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا، فَإِنْ كَذَبَنِي، فَكَذِّبُوهُ، - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ: إِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقّاً، فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ. (ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائلٌ هذا): انظر ما وجهُ إيرادِ ترجمانِ هرقلَ في باب ترجمة الحكام، وهل يجوزُ ترجمانٌ واحد؟ فإن هرقلَ كافرٌ لا يُحتج بشيء من أقواله ولا أفعاله، ولا يُلتفت إلى شيء منها. * * *

стр. 4392

باب: مُحَاسَبَةِ الإِمَامِ عُمَّالَهُ ٢٩٧٧ - (٧١٩٧) - حَدَّثَنَا مُحَمَّد، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعْمَلَ ابْنَ الأُتَبِيَّةِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ، فَلَمَّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَحَاسَبَهُ، قَالَ: هَذَا الَّذِي لَكُمْ، وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَهَلَّا جَلَسْتَ في بَيْتِ أَبِيكَ وَبَيْتِ أُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً". ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ رِجَالًا مِنْكُمْ عَلَى أُمُورٍ مِمَّا وَلَّانِي اللَّهُ، فَيَأْتِي أَحَدُكُمْ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، فَهَلَّا جَلَسَ في بَيْتِ أَبِيهِ وَبَيْتِ أُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ إِنْ كَانَ صَادِقاً، فَوَاللَّهِ! لَا يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مِنْهَا شَيْئاً - قَالَ هِشَامٌ: بِغَيْرِ حَقِّهِ - إِلَّا جَاءَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَلَا فَلأَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ اللَّهَ رَجُلٌ بِبَعِيرٍ لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بِبقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةٍ تَيْعَرُ". ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ: "أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ". (ألا فلأعرفَنَّ ما جاء اللهَ رجلٌ ببعير): يحتمل أن تكون "ما": موصولة بمعنى: "مَنْ" أُطلقت هنا على صفةِ مَنْ يعقل، وهو الجائي، ورجلٌ: فاعل مقدر؛ أي: جاءه رجلٌ بكذا، أو كذا. أو يحتمل (١) أن تكون مصدرية؛ أي: فلأعرفنَّ مجيء رجلٍ إلى الله بكذا أو كذا. * * *

стр. 4393

باب: بِطَانَةِ الإِمَامِ وأَهْلِ مَشُورَتِهِ ٢٩٧٨ - (٧١٩٨) - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ، وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تأمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ، وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى". وَقَالَ سُلَيْمَانُ، عَنْ يَحْيىَ؛ أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ: بِهَذَا. وَعَنِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ، وَمُوسَى، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِثْلَهُ. وَقَالَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: قَوْلَهُ. وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حُسَيْنٍ، وَسَعِيدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: قَوْلَهُ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبي جَعْفَرٍ: حَدَّثَنِي صَفْوَانُ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ . (بطانةٌ تأمرُه بالخير، وتحضُّه عليه، وبطانةٌ تأمره بالشرِّ، وتحضُّه عليه): يحتمل وجهين: أحدهما: أن يريد بالبطانتين: الوزيرين. الثاني: أن يريد بهما: المَلَكَ والشيطان، فالمَلَكُ: بطانةُ الخير، والشيطانُ: بطانةُ الشر.

стр. 4394

(فالمعصومُ من عصمَ اللهُ): أي: من لم يبادر بما يُلقى إليه في ذلك حتى يعرضَه على كتاب [الله]، وسنةِ نبيه، فما وافقَهما، أو وافقَ أحدَهما، عملَ به بطريقة المعتبر، وما خالفهما جميعاً، تركه. * * * باب: كَيْفَ يُبَايِعُ الإِمَامُ النَّاسَ ؟ ٢٩٧٩ - (٧١٩٩) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ في الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ. (بايَعْنا رسولَ الله ﷺ على السَّمعِ والطاعةِ): أصلُ البيعِ: المعاوضَةُ، فسمِّيَتْ معاقدةُ النبي ﷺ مبايعة؛ لما ضمن لهم فيها من الثواب إذا وَفَوْا بها. قال المهلب: اختلفت ألفاظُ بيعةِ النبي ﷺ ، فروي: "بايعناهُ على السمعِ والطاعةِ"، وروي: "على الجهادِ"، وروي: "على الموتِ"، وقد بين ابنُ عمرَ وعبدُ الرحمن بن عوف في بيعتهما ما يجمعُ معاني (١) البيعة كلَّها، وهو قولهما: على السمعِ والطاعةِ، وعلى سُنَّةِ اللهِ وسُنَّةِ رسوله (٢). * * *

стр. 4395

٢٩٨٠ - (٧٢٠٧) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أخبَرَهُ، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ الرَّهْطَ الَّذِينَ وَلَّاهُمْ عُمَرُ اجْتَمَعُوا فتشَاوَرُوا، قَالَ لَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَسْتُ بِالَّذِي أُنَافِسُكُمْ عَلَى هَذَا الأَمْرِ، وَلَكِنَّكُمْ إِنْ شِئْتُم، اخْتَرْتُ لَكُمْ مِنْكُمْ، فَجَعَلُوا ذَلِكَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَلَمَّا وَلَّوْا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَمْرَهُمْ، فَمَالَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَتَّى مَا أَرَى أَحَداً مِنَ النَّاسِ يَتْبَعُ أُولَئِكَ الرَّهْطَ، وَلَا يَطَأُ عَقِبَهُ، وَمَالَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُشَاوِرُونَهُ تِلْكَ اللَّيَالِيَ، حَتَّى إِذَا كانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَصْبَحْنَا مِنْهَا، فَبَايَعْنَا عُثْمَانَ، قَالَ الْمِسْوَرُ: طَرَقَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَعْدَ هَجْع مِنَ اللَّيْلِ، فَضَرَبَ الْبَابَ حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ، فَقَالَ: أَرَاكَ ناَئِماً، فَوَاللهِ! مَا اكتَحَلْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ بِكَبِيرِ نَوْمٍ، انْطَلِقْ فَادْعُ الزُّبَيْرَ وَسَعْداً، فَدَعَوْتُهُمَا لَهُ، فَشَاوَرَهُمَا، ثُمَّ دَعَانِي، فَقَالَ: ادْعُ لِي عَلِيّاً، فَدَعَوْتُهُ، فَنَاجَاهُ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ، ثُمَّ قَامَ عَلِيٌّ مِنْ عِنْدِهِ وَهْوَ عَلَى طَمَعٍ، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَخْشَى مِنْ عَلِيٍّ شَيْئاً، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي عُثْمَانَ، فَدَعَوْتُهُ، فَنَاجَاهُ حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْمُؤَذِّنُ بِالصُّبْحِ، فَلَمَّا صَلَّى لِلنَّاسِ الصُّبْحَ، وَاجْتَمَعَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَنْ كَانَ حَاضِراً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَأَرْسَلَ إِلَى أُمَرَاءِ الأَجْنَادِ، وَكانُوا وَافَوْا تِلْكَ الْحَجَّةَ مَعَ عُمَرَ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا، تَشَهَّدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ: يَا عَلِيُّ! إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ في أَمْرِ النَّاس، فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ، فَلَا تَجْعَلَنَّ عَلَى نفسِكَ سَبِيلًا. فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ، فَبَايَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ: الْمُهَاجِرُونَ، وَالأَنْصَارُ، وَأُمَرَاءُ الأَجْنَادِ، وَالْمُسْلِمُونَ.

стр. 4396

(بعد هَجْعٍ من الليل): أي: بعدَ طائفةٍ منه، هذا الذي يُفهم من كلام القاضي (١)، واقتصر عليه الزركشي (٢). وقال الحافظ مغلطاي: يريد بالهجوع: النومَ، وبالليلِ (٣) خاصَّة، ذكره أبو عبيدة. قلت: هذا يستدعي أن يكون قولُه: من الليل: صفةً كاشفةً؛ بخلاف الأول؛ فإنها فيه مخصِّصَةٌ، وهو أولى. (حتى ابهارَّ الليلُ): أي: انتصفَ، وبُهْرَةُ الليل: وَسَطُه (٤). * * * باب: الاسْتِخْلافِ ٢٩٨١ - (٧٢١٨) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قِيلَ لِعُمَرَ: أَلَا تَسْتَخْلِفُ؟ قَالَ: إِنْ أَسْتَخْلِفْ، فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي: أَبُو بَكْرٍ، وَإِنْ أَتْرُكْ، فَقَدْ تَرَكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ، فَقَالَ: رَاغِبٌ رَاهِبٌ، وَدِدْتُ أَنِّي نَجَوْتُ مِنْهَا كَفَافاً، لَا لِي، وَلَا عَلَيَّ، لَا أَتَحَمَّلُهَا حَيّاً وَمَيِّتاً.

стр. 4397

(إن أَستخلِفْ، فقد استخلفَ [من هو خير مني]: أبو بكر، وإن أتركْ، فقد تركَ من هو خير مني: رسولُ الله): فأخذ عمر ﵁ وَسَطاً من الأمرين، فلم يتركِ التعيينَ بمرة، ولا فعلَه منصوباً فيه على الشخص المستخلَف، وجعلَ الأمر في ذلك شورى بينَ مَنْ قُطع لهم بالجنة، وأبقى النظرَ للمسلمين في تعيين من اتفق عليه رأيُ الجماعة، الذين جُعلت الشورى فيهم. (لا أتحمَّلُها حياً وميتاً): يعني: لا أُعين شخصاً مخصوصاً بعينه للخلافة، فأتحملُها على هذا التقدير في حال الحياة والممات. * * * ٢٩٨٢ - (٧٢١٩) - حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بْنُ مُوسَى، أخبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ خُطْبَةَ عُمَرَ الآخِرَةَ حِينَ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَذَلِكَ الْغَدُ مِنْ يَوْمٍ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَتَشَهَّدَ، وَأَبُو بَكْرٍ صَامِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ، قَالَ: كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَعِيشَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَدْبُرَنَا، - يُرِيدُ بِذَلِكَ: أَنْ يَكُونَ آخِرَهُمْ - فَإِنْ يَكُ مُحَمَّدٌ ﷺ قَدْ مَاتَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ نُوراً تَهْتَدُونَ بِهِ [بما] هَدَى اللَّهُ مُحَمَّداً ﷺ ، وإنَّ أَبَا بَكْرٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَانِي اثْنَيْنِ، فَإِنَّهُ أَوْلَى الْمُسْلِمِينَ بِأُمُورِكُمْ، فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ، وَكَانَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ قَدْ بَايَعُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَكَانَتْ بَيْعَةُ الْعَامَّةِ عَلَى الْمِنْبَرِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ، سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ لأَبي بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ: اصْعَدِ الْمِنْبَرَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَبَايَعَهُ النَّاسُ عَامَّةً.

стр. 4398

(حتى يَدْبُرَنا): - بفتح حرف المضارعة وضم الباء الموحدة -، وقد فَسَّره في المتن؛ بأنه يريد بذلك أن يكونَ آخرَهم. * * * ٢٩٨٣ - (٧٢٢١) - حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي قَيْسُ ابْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبي بَكْرٍ ﵁، قَالَ لِوَفْدِ بُزَاخَةَ: تَتْبَعُونَ أَذْنَابَ الإِبِلِ، حَتَّى يُرِيَ اللَّهُ خَلِيفَةَ نبيِّهِ ﷺ وَالْمُهَاجِرِينَ أَمْراً يَعْذِرُونَكُمْ بِهِ. (عن أبي بكر: قال لوفد بُزاخة): - بباء موحدة مضمومة فزاي فألف فخاء معجمة فهاء تأنيث -، وما ذكره في المتن طرفٌ من حديث أصلُه: أنهم ارتدوا، ثم تابوا، فأوفدوا رُسُلَهم إليه (١) يعتذرون، فأحبَّ أبو بكر أن لا يقضي فيهم إلا بعدَ المشاورة، فقال لهم (٢): ارجعوا، واتبعوا أذناب الإبل في الصحارى حتى يرى المهاجرون (٣)، وخليفةُ النبي ﷺ ما يُريهم اللهُ في مشاورتهم أمراً يَعْذِرونكم فيه. وقوله: "تتبعون أذنابَ الإبل": كأنه يشير إلى بقيتهم. وبُزاخَةُ: موضعٌ كانت به وقعة للمسلمين (٤) في خلافة الصدِّيق ﵁ (٥).

стр. 4399

باب: إِخْراجِ الخُصُومِ وأَهْلِ الرِّيَبِ مِنَ البُيُوتِ بَعْدَ المَعْرِفَةِ ٢٩٨٤ - (٧٢٢٤) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نفسِي بِيَدِهِ! لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ يُحْتَطَبُ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ، فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا، فَيؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه! لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُكُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقاً سَمِيناً، أَوْ مَرْمَاتَيْنِ حَسَنتَيْنِ، لَشَهِدَ الْعِشَاءَ". (ولقد هَمَمْتُ أن آمرَ بحطبٍ): أُخذ منه تقديمُ الوعدِ والتهديدِ على العقوبة، وسِرُّه أن المفسدةَ إذا ارتفعتْ بالأَهْوَنِ من الزواجر، اكتُفي به عن الأعلى. (ثم أخالفَ إلى رجالٍ فأُحَرِّقَ عليهم بيوتَهم): الأكثرون على أن الجماعةَ في غير الجمعة سنةٌ، وقيل: فرضُ كفاية، وقيل: فرضٌ على الأعيان. وإذا قلنا: بأنها فرضُ عين، فهل هي شرطٌ في صحة الصلاة، أو لا؟ قولان: فمن قال بأنها فرضٌ على الأعيان، قد يحتج بهذا الحديث؛ فإنه إن قيل: إنه فرض كفاية، فقد كان الفرض قائماً بفعل الرسول ﵇ ومن معه، وإن قيل: بأنها سنة، فلا يُقتل تارك السنن، فيتعين كونُها فرضَ عين.

стр. 4400

وأجيب (١): بأن هذا في المنافقين، بدليل بقيةِ الحديث: "والذي نفسي بيده! لو يعلم أحدُهم أنه يجدُ عَرْقاً سميناً (٢)، أو مَرْماتين حسنتينِ، لشهدَ العشاءَ"، وهذه ليست صفة المؤمنين، لا سيما أكابرهم، وهم الصحابة، وإذا كانت في المنافقين، فالتحريقُ للنفاق، لا لتركِ الجماعة. قال القاضي عياض: وقد قيل: إن هذا في المؤمنين، وأما المنافقون (٣)، فقد كان النبي ﷺ مُعْرِضاً عنهم، عالماً بطَوِيَّاتهم، كما أنه لم يتعرَّضْ لهم في التخلُّف، ولا عاتَبَهم عليه معاتبةَ كعبٍ وأصحابِه من المؤمنين (٤). واعترضه ابنُ دقيق العيد: بأن هذا إنما يلزمُ إذا كان تركُ معاقبةِ المؤمنين واجباً على النبي ﷺ ، فحينئذ يمتنعُ أن يعاقبهم بهذا التحريق، فيجب أن يكون الكلامُ في المؤمنين. وإما أن يقال: إن عقابَ المنافقين وتركَه كان مباحاً له ﵇، مُخَيَّراً فيه، فحينئذ لا يتعينُ حملُ هذا على المؤمنين؛ إذ يجوزُ أن يكون في المنافقين؛ لجوازِ معاقبته لهم، وليس في إعراضه ﵇ عنهم بمجرده ما يدلُّ على وجوبِ ذلك عليه، ولعل قولَه ﵇ عندما طُلب منه قتلُ بعضهم: "لا يُتَحَدَّثْ أَنَّ مُحَمَّداً يَقْتُلُ أَصْحَابَهَ" (٥) يُشعر بما

стр. 4401

ذكرناه من التخيير؛ لأنه لو كان يجبُ عليه تركُ قتلهم؛ لكان الجوابُ بذكر المانعِ الشرعي، وهو أنه لا يحلُّ قتلُهم. قال: ومما يشهد لمن قال: إن ذلكَ في المنافقين، سياقُ الحديث من أوله، في بعض الطرق، وهو قوله ﵇: "أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ صَلاة العِشَاءِ (١)، وَصَلاةُ الفَجْرِ" (٢). ووجهٌ آخرُ في تقريرِ كونِه في المنافقين أن يقول: هَمُّ رسولِ الله (٣) ﷺ بالتحريق يدلُّ على جوازه، وتركُه للتحريق (٤) يدلُّ على جوازِ هذا التركِ، فإذا اجتمع جوازُ التحريق، وجوازُ تركه (٥) في حق (٦) هؤلاءِ القومِ، دلَّ على كونهم منافقين، إذ هذا المجموعُ لا يكون في المؤمنين فيما هو حقٌّ من حقوق الله تعالى (٧). * * *

стр. 4402

كِتَابُ التَّمَنِّي

стр. 4403

كتاب التمني باب: تَمَنِّي الخَيْرِ وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ "لو كَانَ لِي أُحُدٌ ذَهَباً " ٢٩٨٥ - (٧٢٢٨) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَوْ كَانَ عِنْدِي أُحُدٌ ذَهَباً، لأَحْبَبْتُ أَنْ لَا يَأْتِيَ ثَلَاثٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ - لَيْسَ شَيْءٌ أُرْصِدُهُ في دَيْنٍ عَلَيَّ - أَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهُ". (كتاب: التمني) (لو كان عندي أُحُدٌ ذهباً، أحببتُ أن لا يأتي ثلاثٌ وعندي منه دينارٌ، ليس شيئاً أُرْصِدُهُ في دَينٍ عليَّ أجدُ مَنْ يقبلُه): قال الزركشي: كذا للأصيلي "شيئاً"، بالنصب، ولغيره بالرفع، وقد وقع في هذا المتن بالتقديم والتأخير، اختلَّ به الكلام، وأصلُه: وعندي (١) منهُ دينارٌ أجدُ مَنْ يقبلُه، وليس شيئاً أُرْصِدُهُ لدَينٍ، ففصل (٢) بين الموصوف، وهو

стр. 4404

"دينار"، وصفته، وهو قوله: "أجد" بالمستثنى (١). قلت: لا اختلال - إن شاء الله -، ولا تقديمَ ولا تأخيرَ، والكلامُ مستقيمٌ بحمد الله، وذلك بأن يُجعل قولُه: "ليس شيئاً أرصدُه لدينٍ عليَّ" صفةً لدينار، [والعائدُ اسمُ ليس، وهو الضميرُ المستكنُّ فيها. وقوله: "أجدُ من يقبله" حالٌ من دينار] (٢)، وإن كانَ نكرة، لكونه يخصص بالصفة. وحاصل المعنى: أنه لا يجبُ على تقريرِ ملكِه لأحدٍ ذهباً، أن يبقى عندَه (٣) بعدَ ثلاثِ (٤) ليالٍ من ذلك المال دينارٌ موصوفٌ بكونه ليس مُرْصداً لوفاء دَينٍ عليه، في حال أن له قابلًا لا يجدُه، وهذا معنى كما تراه لا اختلالَ فيه، وليس في الكلام على التقدير الذي قلناه تقديمٌ ولا تأخير، فتأملْه. * * * باب: مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّمَنِّي ٢٩٨٦ - (٧٢٣٥) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبي عُبَيْدٍ - اسْمُهُ سَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ، مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرَ -، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، إِمَّا مُحْسِناً، فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ، وَإِمَّا مُسِيئاً، فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ".

стр. 4405

(لا يتمنَّى أحدُكم الموتَ، إما محسناً، فلعله يزدادُ، وإما مسيئاً، فلعله يستعتبُ): قال الزركشي: انتصب على أنه خبر "كان" محذوفة، وأصله: إما أن يكون محسناً، وإما أن يكون مسيئاً، فحذف يكون مع اسمها مرتين، وأبقى الخبر، وأكثر ما يكون ذلك بعد "أن"، و"لو". قال: وفي: "فلعلَّه (١) يزدادُ ويستعتبُ" شاهدٌ على مجيء "لعل" للرجاء المجرَّدِ من التعليل، وأكثر مجيئها للرجاء إذا كان معه تعليل؛ كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩]، ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٦]، ومعنى يَستعتب: يطلب العُتْبى؛ أي: الرِّضا عنه (٢). قلت: اشتملَ كلامُه على أمرين ضعيفين قابلين للنزاع. أما الأول: فجزمه بأن كلًا من قوله: "محسناً ومسيئاً" خبرٌ لـ "يكون" محذوفةٍ، مع احتمال أن يكونا (٣) حالين من فاعل "يتَمَنَّ"، وهو "أحدُكم"، وعُطف أحدُ الحالين على الآخر، وأتي بعد كل حال بما يُنَبِّه على علَّةِ النهي عن تمني الموت، والأصل: لا يتمنَّ أحدُكم الموتَ، إما محسناً، وإما مسيئاً؛ أي: سواءٌ كان على حالة الإحسان، أو الإساءة، أما إن كان محسناً (٤)، فلا يتمنَّ (٥) الموت لعلَّه يزدادُ إحساناً على إحسانه، فيضاعَفُ أجرهُ وثوابُه.

стр. 4406

وأما إن كان مسيئاً، فلا يتمنَّ (١) أيضاً، إذ لعلَّه يندمُ على إساءته، ويطلبُ الرضا عنه، فيكونُ ذلك سبباً لمحو سيئاته التي اقترفها. وأما الثاني: فادعاؤه أن أكثر مجيء لعلَّ للترجِّي (٢) المصحوبِ بالتعليل، وهذا ممنوعٌ، وهذه كتب النحاة الأكابر طافحةٌ بالإعراض عن ذكر هذا القَيْد (٣). ولو سُلِّم، فليس في هذا الحديث شاهدٌ على مجيئها للترجِّي المجرد؛ لإمكانِ اعتبارِ التعليل معه، وقد فُهِمَت (٤) صحةُ اعتبارِه مما قررناهُ، فتأملْه. * * * باب: مَا يَجُوزُ مِنَ اللَّوْ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ [هود: ٨٠] . (باب: ما يجوز من اللَّو): قال القاضي: أدخل على (لو) الألف واللام التي للعهد، وذلك غير جائز عند أهل العربية؛ إذ "لو" حرف، وهما لا يدخلان على الحرف. ولا يخفى أن هذا الاعتراضَ غيرُ متأتٍّ، وذلك أن "لو" هنا مُسَمًّى بها، فهي اسمٌ زِيدَ فيه واوٌ أخرى، ثم أُدغمت الأولى في الثانية على القاعدة المقررة في بابها، فلا بِدْعَ إذن في دخول علامات الأسماء عليها،

стр. 4407

إذ لم تدخل وهي حرف، إنما دخلت وهي اسم. ثم قال القاضي: الذي يُفهم من ترجمة البخاري، وما ذكره في الباب من الأدلة: أنه يجوز استعمال "لو"، و"لولا" فيما يكون للاستقبال، لا فيما امتنع فعلُه لوجودِ غيره، وهو من باب "لو"؛ لأنه لم يدخل في الباب سوى ما هو للاستقبال، أو ما هو حقٌّ صحيح متيقَّنٌ، دون الماضي والمنقضي، أو ما فيه اعتراضٌ على الغيب بالقَدَرِ السابق (١). * * * ٢٩٨٧ - (٧٢٤١) - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ ثَابِثٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: وَاصَلَ النَّبِيُّ ﷺ آخِرَ الشَّهْرِ، وَوَاصَلَ أُنَاسٌ مِنَ النَّاسِ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "لَوْ مُدَّ بِيَ الشَّهْرُ، لَوَاصَلْتُ وِصَالًا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ، إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ". (لو مُدَّ بي الشهرُ): مُدَّ: بضم الميم وتشديد الدال، مبني للمفعول، وبي: جار ومجرور. ويروى: "مُدَّني": - بضم الميم والدال المشددة بعدها نون وقاية -، [والياء ضميرُ نصب، والشهرُ هنا: فاعلٌ، وفي الرواية] (٢) الأولى (٣): نائبٌ عنه.

стр. 4408

(وصالًا يدعُ المتعَمِّقون تَعَمُّقَهم): بضم العين من "يَدَعُ"، وفتحها من الكلمتين الآخرتين؛ من قولهم: تَعَمَّقَ في كلامه: تَنَطَّعَ (١). فإن قلت: الجملةُ الواقعةُ بعد النكرة هنا صفةٌ لها، ولا رابطَ، فكيف وجهُه؟ قلت: هو محذوفٌ للقرينة الحالية؛ أي: وصالاً يدعُ لأجله المتعمِّقون تعمُّقهم. * * *

стр. 4409

كتاب أخبار الآحاد

стр. 4410

كتاب أخبار الآحاد باب: ما جَاءَ في إِجَازَةِ خَبَرِ الوَاحِدِ الصَّدُوقِ في الأَذَانِ والصَّلاةِ والصَّومِ والفَرائِضِ وَالأحكَامِ ٢٩٨٨ - (٧٢٤٦) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، قَالَ: أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَفِيقاً، فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا، أَوْ قَدِ اشْتَقْنَا، سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، قَالَ: "ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ، وَمُرُوهُمْ"، وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا، أَوْ لَا أَحْفَظُهَا: "وَصَلُّوا كمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ". (رفيقاً): [بالفاء؛ من الرِّفْق، وبالقاف؛ من الرِّقَّةِ، وكلاهما مرويٌّ] (١). * * *

стр. 4411

٢٩٨٩ - (٧٢٤٧) - حَدَّثَنَا مُسَدَّد، عَنْ يَحْيىَ، عَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ؛ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ - أَوْ قَالَ: يُنَادِي - لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَيُنبِّهَ ناَئِمَكُمْ، وَلَيْسَ الْفَجْرُ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا - وَجَمَعَ يَحْيىَ كفَّيْهِ - حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا". وَمَدَّ يَحْيىَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ. (ليَرجِع قائمَكم): بفتح ياء (١) المضارعة التحتية وكسر الجيم، من رَجَعَ ثلاثياً قال [تعالى]: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٣]. قال الزركشي: وحكى فيه ثعلب: أَرْجَعت، رباعياً، فعلى هذا يُضَمُّ أولُه (٢). قلت: إن أراد: مطلقاً حتى يدخل فيه هذا الحديث، فيفتقر إلى ثبوت رواية فيه بالضم، وإلا، فليس في نُسخ البخاري إلا الفتحُ على ما أفهمَه كلامُ الشارحين، وإن أراد غير ذلك، فليس مما نحن بصدده. * * * ٢٩٩٠ - (٧٢٥١) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ في صَلَاةِ الصُّبْحِ، إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ.

стр. 4412

(فاستقبَلوها): بفتح الباء على الخبر، وبكسرها على الأمر. فإن قلت: إن كان مقصودُ البخاري أن يثبت قبولَ خبرِ الواحدِ بهذا الخبر الذي هو خبرُ الواحد، فإنَّ ذلك إثباتُ الشيء بنفسه. قلت: إنما مقصودُه التنبيهُ على مثالٍ (١) من أمثلةِ قبولهم خبرَ الواحد؛ [لينضم إليه أمثالٌ لا تُحصى، فثبت بذلك القطعُ بقبولهم لخبرِ الواحدِ] (٢). ثم مما يتعلق بالكلام على هذا الحديث، وهو استقبالُ أهلِ قُباءٍ إلى الكعبةِ عند مجيء الآتي لهم، وهم في صلاة الصبح؛ لأنه ﵇ أمرَ أن تُستقبل الكعبة: أن نسخ الكتاب والسنة المتواترة (٣) بخبر الواحد هل يجوز، أو لا؟ الأكثرون على المنع؛ لأن المقطوعَ لا يُزال بالمظنون (٤). ونُقل عن الظاهرية: جوازُ ذلك، واستُدل للجواز بهذا الحديث، ووجهُ الدليل: أنهم عملوا بخبر الواحد، ولم يُنكر عليهم النبيُّ ﷺ . قال ابن دقيق العيد: وفي هذا الاستدلال عندي مناقشة؛ فإن المسألة مفروضةٌ في نسخ الكتابِ والسنةِ المتواترةِ بخبر الواحد، ويمتنع في العادة في أهل قُباءٍ، مع قربهم من الرسول ﷺ ، وإتيانهم إليه، وتيسُّرِ مراجعتِهم له أن يكون مستندُهم في الصلاة إلى بيت المقدس خبراً عنه ﷺ مع طول المدة، وهي: ستةَ عشرَ شهراً، من غير مشاهدة لفعله، أو مشافهة من قوله (٥).

стр. 4413

قلت: ليس الكلامُ في صلاتهم إلى بيت المقدس مع طول المدة، وإنما هو في الصلاة التي استداروا في أثنائها إلى الكعبة بمجرد إخبارِ الصحابيِّ الواحدِ لهم بتحويل القبلة، ولم ينكر عليهم ذلك النبيُّ ﷺ ، وهذا هو الذي استدلُّوا به فيما يظهر، والشيخُ لم يدفعه، ثم أطال الكلام ﵀ في ذلك، بما هو مسطور في "شرح العمدة"، فليراجَعْ من هناك. * * * باب: ما كَانَ يَبْعَثُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الأُمَرَاءِ والرُّسُلِ واحداً بَعْدَ واحِدٍ ٢٩٩١ - (٧٢٦٤) - حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى، فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيم الْبَحْرَيْنِ، يَدْفَعُهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ كِسْرَى، مَزَّقَهُ، فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ". (وقال ابن عباس: بعث النبي ﷺ بكتابه إلى كسرى): قال الزركشي: كذا وقع في الأمهات، ولم يذكر فيه دحيةَ بعدَ قوله: بعث، وقد ذكره البخاري فيما رواه الكشميهني: وقال ابن عباس: بعثَ النبيُّ ﷺ دحيةَ إلى عظيم بصرى، وأن يدفعه إلى قيصر، وهو الصواب (١).

стр. 4414

٢٩٩٢ - (٧٢٦٥) - حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ: "أَذِّنْ في قَوْمِكَ، أَوْ فِي النَّاسِ - يَوْمَ عَاشُورَاءَ -: أَنَّ مَنْ أَكَلَ، فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ، فَلْيَصُمْ". (قال لرجل من أَسْلَمَ: أَذِّنْ في قومك، أو في الناس يومَ عاشوراء: أَنَّ من أكلَ، فليتمَّ بقيةَ يومه): في "الإفهام" اختلف في المنادي، فقيل: هو هندُ بنُ أسماء الأسلميُّ. وقيل: أسماءُ بنُ حارثةَ. وذكره في "أسد الغابة" في هندِ بنِ حارثةَ بنِ هندٍ، وقيل: هندُ بنُ حارثةَ [بنِ سعيدٍ من أسلمَ، وهو حجازي، قال أبو عمرو: وقال ابن منده، وأبو نعيم: هندُ بنُ أسماءَ بنِ حارثةَ] (١) بنِ هندٍ الأسلميُّ، قال أبو نعيم: وقيل: هندُ بنُ حارثة، ونسب الكلبيُّ أخاه أسماءَ بنَ حارثة، وذكر مثلَ قول أبي عمرٍو، فوافق أبا عمرٍو في أن هنداً أخو أسماءَ بنِ حارثة، وقال: هو الذي أَمَره رسولُ الله ﷺ أن يأمر قومه أن يصوموا يومَ عاشوراء، ونسب ابنُ ماكولا (٢) أخاه أسماءَ مثلَ قولِ أبي عمرو، كلهم قالوا: أسلميٌّ، وكانوا ثمانيةَ إخوةٍ أسلموا، وصحبوا النبيَّ ﷺ ، وهم: أسماء، وهندٌ، وخِراشٌ، وذؤيبٌ، وحمران، وفضالة، وسلمة، ومالك، ولزم هندٌ وأسماء رسولَ الله ﷺ ، فكانا يخدمانه، وكانا من أهل الصفَّة، قال أبو هريرة: ما كنتُ أرى هنداً وأسماء إلا خادِمَين لرسولِ الله ﷺ من طولِ لزومِهما بابَه.

стр. 4415

ثمَّ (١) أخرج من "مسند أحمد" عن هندِ بنِ أسماء، قال: بعثني رسولُ الله ﷺ إلى قومي من أسلمَ، فقال: "مُرْ قَوْمَكَ فَلْيَصُومُوا هَذَا اليَوْمَ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ وَجَدْتَهُ قَدْ أكَلَ في أَوَّلِ اليَوْمِ، فَلْيَصُمْ آخِرَهُ" (٢). قال: فقد نسبه أحمدُ بنُ حنبل في حديثه مثلَ ابنِ منده، وأبي نُعيم (٣). وقال في أسماءَ بنِ حارثةَ بنِ هندٍ: يقال: هو أسلميٌّ، ويكنى: أبا هندٍ، له صحبةٌ، وكان هو وأخوه هندٌ من أهل الصفَّة. قال أبو هريرة: ما كنتُ أرى هنداً (٤) وأسماء ابني حارثةَ إلا خادِمَيْنِ لرسول الله ﷺ من طول ملازمتهما بابهَ، وخدمِتهما له. وأسماءُ هو الذي بعثَه رسولُ الله ﷺ يومَ عاشوراءَ إلى قومه، فقال: "مُرْ قَوْمَكَ بِصِيَامِ عَاشُورَاءَ"، قال: أرأيتَ إن وجدتهُم قد طعموا؟ قال: "فَلْيُتِمُّوا" (٥)، انتهى. فجزم هنا بأن أسماء هو المبعوثُ، على خلاف ما تقدم، ويمكن الجمعُ بينهما، ويمكن أنهما بُعثا واحداً بَعد (٦) واحد، فنُسب ذلك إلى كلِّ واحد.
следующие страницы →