← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

٢٩٨٩ - (٧٢٤٧) - حَدَّثَنَا مُسَدَّد، عَنْ يَحْيىَ، عَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ؛ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ - أَوْ قَالَ: يُنَادِي - لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَيُنبِّهَ ناَئِمَكُمْ، وَلَيْسَ الْفَجْرُ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا - وَجَمَعَ يَحْيىَ كفَّيْهِ - حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا". وَمَدَّ يَحْيىَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ. (ليَرجِع قائمَكم): بفتح ياء (١) المضارعة التحتية وكسر الجيم، من رَجَعَ ثلاثياً قال [تعالى]: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٣]. قال الزركشي: وحكى فيه ثعلب: أَرْجَعت، رباعياً، فعلى هذا يُضَمُّ أولُه (٢). قلت: إن أراد: مطلقاً حتى يدخل فيه هذا الحديث، فيفتقر إلى ثبوت رواية فيه بالضم، وإلا، فليس في نُسخ البخاري إلا الفتحُ على ما أفهمَه كلامُ الشارحين، وإن أراد غير ذلك، فليس مما نحن بصدده. * * * ٢٩٩٠ - (٧٢٥١) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ في صَلَاةِ الصُّبْحِ، إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ.

стр. 4412

(فاستقبَلوها): بفتح الباء على الخبر، وبكسرها على الأمر. فإن قلت: إن كان مقصودُ البخاري أن يثبت قبولَ خبرِ الواحدِ بهذا الخبر الذي هو خبرُ الواحد، فإنَّ ذلك إثباتُ الشيء بنفسه. قلت: إنما مقصودُه التنبيهُ على مثالٍ (١) من أمثلةِ قبولهم خبرَ الواحد؛ [لينضم إليه أمثالٌ لا تُحصى، فثبت بذلك القطعُ بقبولهم لخبرِ الواحدِ] (٢). ثم مما يتعلق بالكلام على هذا الحديث، وهو استقبالُ أهلِ قُباءٍ إلى الكعبةِ عند مجيء الآتي لهم، وهم في صلاة الصبح؛ لأنه ﵇ أمرَ أن تُستقبل الكعبة: أن نسخ الكتاب والسنة المتواترة (٣) بخبر الواحد هل يجوز، أو لا؟ الأكثرون على المنع؛ لأن المقطوعَ لا يُزال بالمظنون (٤). ونُقل عن الظاهرية: جوازُ ذلك، واستُدل للجواز بهذا الحديث، ووجهُ الدليل: أنهم عملوا بخبر الواحد، ولم يُنكر عليهم النبيُّ ﷺ . قال ابن دقيق العيد: وفي هذا الاستدلال عندي مناقشة؛ فإن المسألة مفروضةٌ في نسخ الكتابِ والسنةِ المتواترةِ بخبر الواحد، ويمتنع في العادة في أهل قُباءٍ، مع قربهم من الرسول ﷺ ، وإتيانهم إليه، وتيسُّرِ مراجعتِهم له أن يكون مستندُهم في الصلاة إلى بيت المقدس خبراً عنه ﷺ مع طول المدة، وهي: ستةَ عشرَ شهراً، من غير مشاهدة لفعله، أو مشافهة من قوله (٥).

стр. 4413

قلت: ليس الكلامُ في صلاتهم إلى بيت المقدس مع طول المدة، وإنما هو في الصلاة التي استداروا في أثنائها إلى الكعبة بمجرد إخبارِ الصحابيِّ الواحدِ لهم بتحويل القبلة، ولم ينكر عليهم ذلك النبيُّ ﷺ ، وهذا هو الذي استدلُّوا به فيما يظهر، والشيخُ لم يدفعه، ثم أطال الكلام ﵀ في ذلك، بما هو مسطور في "شرح العمدة"، فليراجَعْ من هناك. * * * باب: ما كَانَ يَبْعَثُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الأُمَرَاءِ والرُّسُلِ واحداً بَعْدَ واحِدٍ ٢٩٩١ - (٧٢٦٤) - حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى، فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيم الْبَحْرَيْنِ، يَدْفَعُهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ كِسْرَى، مَزَّقَهُ، فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ". (وقال ابن عباس: بعث النبي ﷺ بكتابه إلى كسرى): قال الزركشي: كذا وقع في الأمهات، ولم يذكر فيه دحيةَ بعدَ قوله: بعث، وقد ذكره البخاري فيما رواه الكشميهني: وقال ابن عباس: بعثَ النبيُّ ﷺ دحيةَ إلى عظيم بصرى، وأن يدفعه إلى قيصر، وهو الصواب (١).

стр. 4414

٢٩٩٢ - (٧٢٦٥) - حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ: "أَذِّنْ في قَوْمِكَ، أَوْ فِي النَّاسِ - يَوْمَ عَاشُورَاءَ -: أَنَّ مَنْ أَكَلَ، فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ، فَلْيَصُمْ". (قال لرجل من أَسْلَمَ: أَذِّنْ في قومك، أو في الناس يومَ عاشوراء: أَنَّ من أكلَ، فليتمَّ بقيةَ يومه): في "الإفهام" اختلف في المنادي، فقيل: هو هندُ بنُ أسماء الأسلميُّ. وقيل: أسماءُ بنُ حارثةَ. وذكره في "أسد الغابة" في هندِ بنِ حارثةَ بنِ هندٍ، وقيل: هندُ بنُ حارثةَ [بنِ سعيدٍ من أسلمَ، وهو حجازي، قال أبو عمرو: وقال ابن منده، وأبو نعيم: هندُ بنُ أسماءَ بنِ حارثةَ] (١) بنِ هندٍ الأسلميُّ، قال أبو نعيم: وقيل: هندُ بنُ حارثة، ونسب الكلبيُّ أخاه أسماءَ بنَ حارثة، وذكر مثلَ قول أبي عمرٍو، فوافق أبا عمرٍو في أن هنداً أخو أسماءَ بنِ حارثة، وقال: هو الذي أَمَره رسولُ الله ﷺ أن يأمر قومه أن يصوموا يومَ عاشوراء، ونسب ابنُ ماكولا (٢) أخاه أسماءَ مثلَ قولِ أبي عمرو، كلهم قالوا: أسلميٌّ، وكانوا ثمانيةَ إخوةٍ أسلموا، وصحبوا النبيَّ ﷺ ، وهم: أسماء، وهندٌ، وخِراشٌ، وذؤيبٌ، وحمران، وفضالة، وسلمة، ومالك، ولزم هندٌ وأسماء رسولَ الله ﷺ ، فكانا يخدمانه، وكانا من أهل الصفَّة، قال أبو هريرة: ما كنتُ أرى هنداً وأسماء إلا خادِمَين لرسولِ الله ﷺ من طولِ لزومِهما بابَه.

стр. 4415

ثمَّ (١) أخرج من "مسند أحمد" عن هندِ بنِ أسماء، قال: بعثني رسولُ الله ﷺ إلى قومي من أسلمَ، فقال: "مُرْ قَوْمَكَ فَلْيَصُومُوا هَذَا اليَوْمَ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ وَجَدْتَهُ قَدْ أكَلَ في أَوَّلِ اليَوْمِ، فَلْيَصُمْ آخِرَهُ" (٢). قال: فقد نسبه أحمدُ بنُ حنبل في حديثه مثلَ ابنِ منده، وأبي نُعيم (٣). وقال في أسماءَ بنِ حارثةَ بنِ هندٍ: يقال: هو أسلميٌّ، ويكنى: أبا هندٍ، له صحبةٌ، وكان هو وأخوه هندٌ من أهل الصفَّة. قال أبو هريرة: ما كنتُ أرى هنداً (٤) وأسماء ابني حارثةَ إلا خادِمَيْنِ لرسول الله ﷺ من طول ملازمتهما بابهَ، وخدمِتهما له. وأسماءُ هو الذي بعثَه رسولُ الله ﷺ يومَ عاشوراءَ إلى قومه، فقال: "مُرْ قَوْمَكَ بِصِيَامِ عَاشُورَاءَ"، قال: أرأيتَ إن وجدتهُم قد طعموا؟ قال: "فَلْيُتِمُّوا" (٥)، انتهى. فجزم هنا بأن أسماء هو المبعوثُ، على خلاف ما تقدم، ويمكن الجمعُ بينهما، ويمكن أنهما بُعثا واحداً بَعد (٦) واحد، فنُسب ذلك إلى كلِّ واحد.

стр. 4416

٢٩٩٣ - (٧٢٦٧) [[حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ تَوْبَةَ العَنْبَرِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي الشَّعْبِيُّ أَرَأَيْتَ حَدِيثَ الحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ وَقَاعَدْتُ ابْنَ عُمَرَ قَرِيبًا، مِنْ سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةٍ وَنِصْفٍ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ هَذَا قَالَ: كَانَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِمْ سَعْدٌ، فَذَهَبُوا يَأْكُلُونَ مِنْ لَحْمٍ، فَنَادَتْهُمُ امْرَأَةٌ مِنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّهُ لَحْمُ ضَبٍّ، فَأَمْسَكُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُوا أَوِ اطْعَمُوا، فَإِنَّهُ حَلَالٌ - أَوْ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ شَكَّ فِيهِ - وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِي» (فَنَادَتْهُمُ امْرَأَةٌ مِنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّهُ لَحْمُ ضَبٍّ)]] (*) هذه المرأة هي: ميمونة ﵂، [كما صرَّح به مسلم (١)؛ فإنَّ التي جاءت بالضب، هي أختها أمُّ حُفَيْد، واسمها هُزيلة، ويقال: حُفَيدة] (٢)، كذا في البخاري، وتقدم ما يدلُّ على ذلك.

стр. 4417

كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة

стр. 4418

[[بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الكَلِمِ ٢٩٩٤ - (٧٢٧٣) - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي»، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَدْ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنْتُمْ تَلْغَثُونَهَا، أَوْ تَرْغَثُونَهَا، أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا «بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الكَلِمِ»]] (*) قال الهروي: يعني: القرآن، جمعَ الله في الألفاظ اليسيرة منه معانيَ كثيرةً. وقال الداودي: مما آتاه الله من جوامع الكلم: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، الآية، فدخل في هذا جميعُ الأمر والنهي، وقبولُ الفرائض ومراعاتها، وكانت الأنبياء لا تُطْنِبُ، إنما تقول جُملًا تُؤدي بها ما أُمرت به، وتبلِّغ ما أرادت، وتوضِّح ما يُحتاج إلى إيضاحه (١).

стр. 4419

(وأنتم تلغثونها): باللام والغين المعجمة. قال (١) ابن بطال: لم أجده فيما (٢) تصفَّحته من [كتب] اللغة (٣). قال الحافظ مغلطاي: وذكر ابنُ أبي شيبة أَنَّ اللَّغِيثَ - بالغين المعجمة وبعد الياء أختِ الواو ثاءٌ (٤) مثلثة -: الطعامُ المخلوطُ بالشعير، وفي الكتاب المعروف بـ "المنتهى" لأبي المعالي: لَغَثَ طعامَه، ولَعثَهُ: - بالغين والعين (٥) -: إذا أفرغَه. انتهى (٦). فمعناه: وأنتم تأكلونها؛ أي: الدنيا. (أو تَرْغَثونها): أي: تَرْضَعونها، من قولهم: رَغَثَ الجَدْيُ أُمَّه: إذا رَضَعَها. (أو كلمةً تُشبهها): قال الحافظ مغلطاي: زعمَ بعضُ مَنْ تكلم على هذا الحديث: أنه رواه: "تلعقونها"، فإن صح ما قاله، فمعناه ظاهر، وفي رواية تقدمت: "تَنْتَثِلُونَها (٧) ": - بمثناتين فوقيتين بينهما نون، وبعدها ثاء مثلثة -، وتقدم تفسيرُ معناها. * * *

стр. 4420

باب: الاِقْتِدَاءِ بِسُنَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ - ٢٩٩٥ - (٧٢٨١) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَادَةَ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سَلِيمُانُ بْنُ حَيَّانَ - وَأَثْنَى عَلَيْهِ -، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ، حَدَّثَنَا - أَوْ سَمِعْتُ - جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: جَاءَتْ مَلَائِكَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ ناَئِمٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ ناَئِمَةٌ، وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: إِنَّ لِصَاحِبِكُمْ هَذَا مَثَلًا، فَاضْرِبُوا لَهُ مَثَلًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ ناَئِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ ناَئِمَةٌ، وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: مَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَاراً، وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً وَبَعَثَ دَاعِياً، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ، دَخَلَ الدَّارَ، وَأكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ، لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، فَقَالُوا: أَوِّلُوهَا لَهُ يَفْقَهْهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ ناَئِمَةٌ، وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: فَالدَّارُ الْجَنَّةُ، وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ ﷺ ، فَمَنْ أَطَاعَ مُحَمَّداً ﷺ ، فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَى مُحَمَّداً ﷺ ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ. (ثنا محمدُ بنُ عَبادة): - بفتح العين وتخفيف الباء -، ومَنْ عَداه في "الصحيحين" بضمِّها. (وجعلَ فيها مأدبة): - بضم الدال المهملة وفتحها -: لغتان فصيحتان، حكاهما الجوهري (١) وغيره، والمشهور: الضمُّ، وهو الطعامُ يُصنع ويدعو إليه الناسَ.

стр. 4421

[[(وَمُحَمَّدٌ فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ)]] (*) - بإسكان الراء - من "فَرْق" (١) على أنه اسم، وتشديدها على أنه فعلٌ ماضِ، والمعنى: أنه من آمن به وأطاعه، فقد نجا، ومن كفر به، وعصاه، فقد هلك، فهو حينئذ فارقٌ بين الناجي والهالك من الناس، جعلنا الله من أمته المتمسكين بمحبته وطاعته، وحشرنا في زمرتهم بمنه وكرمه (٢). ٢٩٩٦ - (٧٢٨٢) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: «يَا مَعْشَرَ القُرَّاءِ اسْتَقِيمُوا فَقَدْ سَبَقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا، فَإِنْ أَخَذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا، لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا» (اسْتَقِيمُوا فَقَدْ سَبَقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا)]] (*) الذي حكاه ابن بطال، والسفاقسي، وغيرهما: فتح السين من سَبقتم، وحكى الزركشي الضمَّ أيضًا (٣). ٢٩٩٧ - (٧٢٨٣) [[حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا فَقَالَ: يَا قَوْمِ، إِنِّي رَأَيْتُ الجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ العُرْيَانُ، فَالنَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَدْلَجُوا، فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهَلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي فَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ بِمَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الحَقِّ»]]

стр. 4422

[[«إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ العُرْيَانُ»]] (*) قال ابن السَّكَن: هو رجلٌ من خَثْعَم، حملَ عليه يومَ ذي الخَلَصَة عوفُ بنُ عامر، فقطعَ يدَه ويدَ امرأته. وقال الخطابي: إن (١) النذيرَ إذا كان على مركبٍ عالٍ، فبصُرَ (٢) بالعدو، ونزعَ ثوبَه، وَلوَّحَ به، يُنذر (٣) به القومَ، فيبقى عُرياناً. [وقال أبو عبد الملك: هذا مثلٌ قديم، وذلك أنَّ رجلًا لقي جيشاً، فجرَّدوه، وبقي عُرياناً] (٤)، فجاء إلى المدينة، فسُئل عن الجيش، فقال: رأيته بعيني، وها أنا عريان بسبب لقائي لهم، وتجريدهم إيايَ، فأنا نذيرٌ لكم (٥). [[فَالنَّجَا]] (*) بالنصب، وقد سبق.

стр. 4423

٢٩٩٨ - (٧٢٨٦) - حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ، فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ، وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ - وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجْلِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ، كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّاناً - فَقَالَ عُيَيْنَةُ لاِبْنِ أَخِيهِ: يَا ابْنَ أَخِي! هَلْ لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأَمِيرِ فَتَسْتَأْذِنَ لِي عَلَيْهِ؟ قَالَ: سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاسْتَأْذَنَ لِعُيَيْنَةَ، فَلَمَّا دَخَلَ، قَالَ: يَا بْنَ الْخَطَّابِ! وَاللَّهِ! مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ، وَمَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ. فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ بِأَنْ يَقَعَ بِهِ، فَقَالَ الْحُرُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وَإِنَّ هَذَا مِنَ الْجَاهِلِينَ، فَوَاللَّهِ! مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ وَقَّافاً عِنْدَ كتَابِ اللَّهِ. (على ابن أخيه الحُرِّ بنِ قيس): بحاء مهملة مضمومة وراء مشددة، وفي الأنصار: الجَدُّ بنُ قيس - بالجيم والدال -: سيدُ بني سَلِمَةَ. (ما تعطينا الجَزْلَ): أي: العطاءَ الكثير. وعينية قائلُ هذا الكلام كان سيدَ قومه، وهو الأحمقُ المطاعُ، ولم يُعرف رئيسٌ شحيحٌ إلا أبو سفيان، ولا رئيسٌ صغيرٌ إلا أبو جميل (١). (فما جاوزها عمر، وكان وَقَّافاً عندَ كتاب الله): هذا هو معنى الترجمة التي أدخل فيها الحديث (٢)، وهو قوله: باب الاقتداء

стр. 4424

بسنن رسول الله ﷺ . * * * باب: مَا يُكْرَهُ مِن كثْرَةِ السُّؤَالِ وَتَكَلُّفِ مَا لَا يَعْنِيهِ ٢٩٩٩ - (٧٢٩٧) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى ابْنُ يُونُسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في حَرْثٍ بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ، لَا يُسْمِعْكُمْ مَا تَكْرَهُونَ. فَقَامُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِم! حَدِّثْنَا عَنِ الرُّوحِ. فَقَامَ سَاعَةً يَنْظُرُ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَتَأَخَّرْتُ عَنْهُ، حتَّى صَعِدَ الْوَحْيُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]. (ثم قال: يسئلونك عن الروح): قال بعضهم: التلاوة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾: بإثبات الواو؛ يعني: أن هذا مما وقع في البخاري من الآيات المتلوة على غير وجهها. قلت: ليس هذا من قبيل المغير، وذلك لأن الآية المقترنة بحرف عطف يجوز عند حكايتها أن يقرن بالعاطف، وأن يخلى (١) منه، نصَّ على جواز الأمرين الشيخُ بهاءُ (٢) الدين بنُ (٣) السبكي في "شرح مختصر ابن الحاجب".

стр. 4425

مثال الأول: ما أجد لي ولكم مثالًا إلا كما قال العبد الصالح: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨]، إلى غير ذلك، وهو كثير. ومثال الثاني: قولُه ﵇ حين سُئل عن الخمر: "ما أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ الآيةُ الجَامِعَةُ الفَاذَّةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] " (١)، وقد أشبعنا (٢) الكلام على (٣) ذلك في "حاشية المغني"، فليراجع منها. ٣٠٠٠ - (٧٣٠٢) [[حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: كَادَ الخَيِّرَانِ أَنْ يَهْلِكَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، لَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ، أَشَارَ أَحَدُهُمَا بِالأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ التَّمِيمِيِّ الحَنْظَلِيِّ أَخِي بَنِي مُجَاشِعٍ، وَأَشَارَ الآخَرُ بِغَيْرِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: إِنَّمَا أَرَدْتَ خِلَافِي، فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] إِلَى قَوْلِهِ ﴿عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: ٣]، قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَكَانَ عُمَرُ بَعْدُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ، إِذَا حَدَّثَ النَّبِيَّ ﷺ بِحَدِيثٍ حَدَّثَهُ كَأَخِي السِّرَارِ لَمْ يُسْمِعْهُ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ]] (*)

стр. 4426

[[(كَادَ الخَيِّرَانِ أَنْ يَهْلِكَا)]] (*) الخيران - بتشديد الياء -: تثنية خَيِّر: وهو الرجل الكثيرُ الخيرِ، ويَهْلِكا: بكسر اللام، وفيه دخول "أن" على خبر "كاد"، وهو قليل. أي: كصاحبِ السِّرار؛ أي: لا يرفعُ صوتَه إذا حدثه، بل يكلمه كلاماً مثلَ المسارَّةِ، وشِبْهَها (١) بخفضِ صوتِه. [[(كَأَخِي السِّرَارِ)]] (*) قال الزمخشري: ولو أريد بأخي السرار: المسارُّ، كان وجهاً، والكافُ على هذا في محل نصب على الحال؛ يعني: [لأن التقدير: حدّثه مثلَ الشخص المسارِّ، قال: وعلى الأوَّل: صفة لمصدر محذوف؛ يعني] (٢): لأن التقدير؛ حدثته حديثاً مثلَ المسارَّة. [[(لَمْ يُسْمِعْهُ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ)]] (*) قال الزمخشري: والضمير في "يسمعه" راجع للكاف إذا جُعلت صفةً للمصدر، و"لا (٣) يسمعه": منصوب المحل بمنزلة الكاف على الوصفية، وإذا جُعلت حالًا، كان الضمير لها أيضاً؛ إلا إن قُدر مضاف، كقولك: يَسمع صوته، فحذف الصوت، وأقيم الضمير مقامه، ولا يجوز أن يجعل "لا يسمعه" حالًا عن النبي ﷺ ؛ لأن المعنى يصير خَلْفاً (٤) ركيكاً، انتهى (٥).

стр. 4427

٣٠٠١ - (٧٣٠٥) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَني مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ النَّصْرِيُّ، وَكَانَ مُحَمَّدُ ابْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ذَكَرَ لِي ذِكْراً مِنْ ذَلِكَ. فَدَخَلْتُ عَلَى مَالِكٍ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: انْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى عُمَرَ أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَا، فَقَالَ: هَلْ لَكَ في عُثْمَانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالزُّبَيْرِ، وَسَعْدٍ يَسْتَأْذِنُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَدَخَلُوا، فَسَلَّمُوا وَجَلَسُوا، فَقَالَ: هَلْ لَكَ في عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ؟ فَأَذِنَ لَهُمَا، قَالَ الْعَبَّاسُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ الظَّالِمِ - اسْتَبَّا - فَقَالَ الرَّهْطُ - عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ -: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! اقْضِ بَيْنَهُمَا، وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ، فَقَالَ: اتَّئِدُوا، أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بإذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ! هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا نوُرَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ". يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَفْسَهُ؟ قَالَ الرَّهْطُ: قَدْ قَالَ ذَلِكَ، فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ! هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ، قَالَ عُمَرُ: فَإِنِّي مُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الأَمْرِ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ ﷺ في هَذَا الْمَالِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾ الآية [الحشر: ٦]، فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ - وَاللَّهِ - مَا احْتَازَهَا دُونَكُمْ، وَلَا اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ، وَقَدْ أَعْطَاكُمُوهَا، وَبثَّهَا فِيكُمْ، حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا الْمَالُ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ، فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ، فَعَمِلَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ حَياتَهُ، أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ! هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ: أَنْشُدُكُمَا اللَّهَ! هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ، ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ نبَيَّهُ ﷺ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَبَضَهَا أَبُو

стр. 4428

بَكْرٍ، فَعَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنْتُمَا حِينَئِذٍ - وَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ - تَزْعُمَانِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ فِيهَا كَذَا، وَاللَّهُ يَعْلَمُ: أَنَّهُ فِيهَا صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، ثمَّ تَوَفَّى اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: أَناَ وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبي بَكْرٍ، فَقَبَضْتُهَا سَنتَيْنِ، أَعْمَلُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ جِئْتُمَانِي وَكَلِمَتُكُمَا عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَمْرُكُمَا جَمِيعٌ، جِئْتَنِي تَسْأَلُنِي نصِيبَكَ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ، وَأَتَانِي هَذا يَسْأَلُنِي نَصِيبَ امْرَأَتِهِ مِنْ أبِيهَا، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتُمَا، دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ، تَعْمَلَانِ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَبِمَا عَمِلَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ، وَبِمَا عَمِلْتُ فِيهَا مُنْذُ وَلِيتُهَا، وَإِلَّا فَلَا تُكَلِّمَانِي فِيهَا، فَقُلْتُمَا: ادْفَعْهَا إِلَيْنَا بِذَلِكَ، فَدَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ. أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ! هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ؟ قَالَ الرَّهْطُ: نَعَمْ، فَأقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ! هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ، قَالَ: أَفَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَوَالَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ! لَا أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا، فَادْفَعَاهَا إِلَيَّ، فَأَنَا أَكْفِيكُمَاهَا. (قال العباس: يا أمير المؤمنين! اقض بيني وبين الظالم): يعني: ابنَ أخيه عليَّ بنَ أبي طالب ﵁، ولا يريد أنه ظالم للناس، وأن الظلم من شِيَمِه وأخلاقه - معاذ الله -، وإنما يريد: الظالمَ لي في هذا الأمر، على ما ظهرَ له. (استَبَّا): قال الداودي: يعني (١): أن كلَّ واحد منهما يدَّعي أنه هو

стр. 4429

المظلوم (١) في هذا الأمر، وليس المراد أن علياً يسبُّ العباسَ بغير ذلك؛ لأنه كأبيه، ولا أن العباس يسبُّ علياً بغير ذلك؛ لفضلِ عليٍّ وسابقته (٢)، ﵄ (٣). [[بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» ٣٠٠٢ - (٧٣١٩) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِي بِأَخْذِ القُرُونِ قَبْلَهَا، شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَفَارِسَ وَالرُّومِ؟ فَقَالَ: «وَمَنِ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ» (حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِي بِأَخْذِ القُرُونِ قَبْلَهَا)]] (*) أي: حتى تسلكَ سُبُلَها، وتقتفيَ آثارها، وتحذوَ حَذْوَها، والإِخَذ: بكسر الهمزة وفتح الخاء المعجمة وذاله معجمة أيضاً، جمع إِخْذَة، مثل: قِرْبَة وقِرَب. يقال: أَخَذَ بإِخْذِهِ؛ أي: بِمَأْخَذِهِ (٤) وطريقتِه.

стр. 4430

٣٠٠٣ - (٧٣٢٠) [[حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الصَّنْعَانِيُّ، مِنَ اليَمَنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اليَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ» «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»]] (*) قال السفاقسي: السَّنَن - بفتح السين والنون -: الطريقة، يقال: استقامَ فلانٌ على سَنَنٍ واحدٍ، قال: وقرأناه بضم السين، وهو جمع سُنَّة، وهي العبادة (١). [[قلت]] (*) في "الصحاح": سَنَنُ الطريقِ؛ يريدُ: بفتح السين والنون، وسُنَنُهُ؛ يريد: بضمها، وسُنَّتُه: يريد: بضم السين وفتح النون: ثلاثُ لغات بمعنى واحد (٢). ٣٠٠٣ - (٧٣٢٤) [[حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ]]

стр. 4431

أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَشَّقَانِ مِنْ كَتَّانٍ، فَتَمَخَّطَ، فَقَالَ: بَخْ بَخْ، أَبُو هُرَيْرَةَ يَتَمَخَّطُ في الْكَتَّانِ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لأَخِرُّ فِيمَا بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ مَغْشِيّاً عَلَيَّ، فَيَجيءُ الْجَائِي، فَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِي، وَيُرَى أنِّي مَجْنُونٌ، وَمَا بِي مِنْ جُنُونٍ، مَا بِي إِلَّا الْجُوعُ. (مُمَشَّقانِ): أي: مصنوعان بالمَشْق - بفتح الميم وكسرها -، وهو: المَغْرَةُ الحمراء، يُصبغ بها الأحمرُ من الأشياء (١). * * * ٣٠٠٥ - (٧٣٣٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حدثنا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ: أَنَّ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ حَدَّثَهُ: عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ يُوضَعُ لِي وَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَذَا الْمِرْكَنُ، فَنَشْرَعُ فِيهِ جَمِيعاً. (المِرْكَن): - بكسر الميم -: الإِجَّانَةُ التي يُغسل فيها الثيابُ. * * * باب: إِذَا اجْتَهَدَ العَالِمُ - أَوِ الحَاكِمُ - فَأَخْطَأَ خِلَافَ الرَّسُولِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ فَحُكْمُهُ مَرْدُودٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ " ٣٠٠٦ - (٧٣٥٠ و ٧٣٥١) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ

стр. 4432

ابْنِ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَجيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يُحَدِّثُ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَاهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيٍّ الأَنْصَارِيَّ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خَيْبَرَ، فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ "، قَالَ: لَا - وَاللَّهِ - يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَنَشتَرِي الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ مِنَ الْجَمْعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَفْعَلُوا، وَلَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ، أَوْ بِيعُوا هَذَا، وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا، وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ". (بعث أخا بني عدي الأنصاريَّ): هو سوادُ بنُ غزيةَ البكريُّ، حليفُ بني عديِّ بنِ النجَّارِ، استعملَه على خبير. * * * باب: الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ أَحْكَامَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ ظَاهِرَةً، وَمَا كَانَ يَغِيبُ بَعْضُهُمْ مِنْ مَشَاهِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأُمُورِ الإسْلَامِ (باب: الحجة على من قال: إن أحكام النبي ﷺ كانت ظاهرة ... إلى آخره): مقصوده (١) بهذه الترجمة: الردُّ على من زعم أن التواتر شرطُ (٢) قبولِ الخبر، وحَقَّقَ بما ذكره قبولَ خبرِ الآحاد، وأنه لا يُشترط عدمُ الواسطة

стр. 4433

في الحديث، وإن كانت (١) المشافهة ممكنة لمن روى بواسطة (٢). [[بَابُ مَنْ رَأَى تَرْكَ النَّكِيرِ (٣) مِنَ النَّبِيِّ ﷺ حُجَّةً، لَا مِنْ غَيْرِه]] (*) فيه أمران ينبغي التنبيه عليهما: [[الأول]] أن سكوته ﵇ على ما يقع بمرأًى منه ومسمع، من غير (٤) إنكارٍ منه، لا شكَّ في أنه حجة؛ لأنه لا يُقِرُّ على باطل، لكن هل هو مخصوصٌ بسكوتٍ يلزمُ منه مفسدةٌ لو لم يكن السكوتُ عليه حلالًا، أو هو عام في ذلك، وفيما لا يلزم من السكوت عليه وقوعُ مفسدة؟ فيه نظر للشيخ تقيِّ الدينِ بنِ دقيقِ العيد. [[ومثاله]] (*) طلاقُ الملاعِنِ زوجتَه ثلاثاً بعدَ فراغ اللعان، وسكت عليه النبيُّ ﵊، هل يكون سكوتُه دليلًا على جواز إرسال الثلاثِ حيث يعتبر، وذلك في المنكوحة، أو لا دليل فيه هنا؛ لأن المطلق أرسلَ الثلاثَ ظاناً بقاء النكاح، والنبي ﷺ يعلم أنها بانت منه باللعان، وأن

стр. 4434

هذا الكلام لغو؟ (١). [[الثاني]] (*) قوله: "لا من غيره" فيه نظر؛ فإنه إذا أفتى واحد في مسألة تكليفية، وعرفَ به أهلُ الإجماع، وسكتوا عليه، ولم ينكره أحد، ومضى قدرُ مهلةِ النظر في تلك الحادثة عادةً، وكان ذلك القول المسكوت (٢) عليه واقعاً في محل الاجتهاد، فالصحيح: أنه حجة. وهل هو إجماع، أو لا؟ فيه خلاف. قالوا: والخلافُ لفظي (٣). وعلى الجملة: قد تصورنا في بعض الصور أن ترك النكير (٤) من غير النبي ﷺ حجة. ٣٠٠٧ - (٧٣٥٥) [[حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَحْلِفُ بِاللَّهِ: أَنَّ ابْنَ الصَّائِدِ الدَّجَّالُ، قُلْتُ: تَحْلِفُ بِاللَّهِ؟ قَالَ: «إِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ ﷺ »]] (*)

стр. 4435

(سمعت عمر ﵁ يحلف على ذلك عند النبي ﷺ ، فلم يُنْكِر): يعني: أنه سمعه يحلف (١): أن ابن صياد الدجالُ. وقد نازع الشيخ تقيُّ الدين بنُ دقيق العيد، وقال: عندي أنه لا يدل على ما ذكره؛ لأن مأخذ المسألة - أعني: كون التقرير حجةً - هو العصمةُ من التقرير على باطل، وذلك يتوقف على تحقيق البطلان، ولا يُكتفى فيه بعدم (٢) تحقُّق الصحة (٣). وقد يقال: هذا محمولٌ على أنه لم ينكره إنكارَ مَنْ نفى كونَه الدجالَ، بدليل أنه أيضاً لم يسكتْ على ذلك، بل أشارَ إلى أنه متردد. ففي "الصحيحين" أنه قال لعمر: "إِنْ يَكُنْ هُوَ، فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ، فَلَا خَيْرَ لَكَ في قَتْلِهِ" (٤)، فردَّدَه في أمره، فلما حلف عمرُ على ذلك، صار حالفاً على غلبةِ ظَنِّه، والبيانُ قد تقدَّمَ من النبي ﷺ ، ثم هذا سكوتٌ عن حلفٍ على أمرٍ غيبٍ، لا على حكمٍ شرعي. ولعل مسألة السكوت والتقدير مختصة بالأحكام الشرعية، لا للأمور الغيبية التي قد يكون مطلب الجهل بها واقعاً، والله تعالى

стр. 4436

أعلم بالصواب (١). * * * باب: الأَحْكَامِ التي تُعْرَفُ بِالدَّلَائِلِ، وَكَيْفَ مَعْنَى الدِّلَالَةِ وَتَفْسِيرُهَا ٣٠٠٨ - (٧٣٥٧) - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ امْرَأَةً سَألتِ النَّبِيَّ ﷺ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - هُوَ ابْنُ عُقْبْةَ -، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ النُّمَيْرِيُّ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ شَيْبَةَ، حَدَّثَتْنِي أُمِّي، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْحَيْضِ، كَيْفَ تَغْتَسِلُ مِنْهُ؟ قَالَ: "تأخُذِينَ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً، فَتَوَضَّئِينَ بِهَا". قَالَتْ: كَيْفَ أتوَضَّأُ بِهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "تَوَضَّئِي". قَالَتْ: كَيْفَ أتوَضَّأُ بِهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "تَوَضَّئِينَ بِهَا". قَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَرَفْتُ الَّذِي يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَجَذَبْتُهَا إِلَيَّ، فَعَلَّمْتُهَا. (أن امرأة سألت رسولَ الله ﷺ عن الحيض): تقدم أنها أسماءُ بِنْتُ شَكَلٍ، كذا في مسلم (٢)، وقال الخطيب: أسماءُ بنتُ يزيدَ بنِ السَّكَن. * * *

стр. 4437

٣٠٠٩ - (٧٣٥٩) [[حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ»، وَإِنَّهُ أُتِيَ بِبَدْرٍ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: يَعْنِي طَبَقًا، فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَسَأَلَ عَنْهَا فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ البُقُولِ، فَقَالَ: «قَرِّبُوهَا»، فَقَرَّبُوهَا إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ كَانَ مَعَهُ، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا قَالَ: «كُلْ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي»، وَقَالَ ابْنُ عُفَيْرٍ، عَنْ ابْنِ وَهْبٍ: بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ، وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّيْثُ، وَأَبُو صَفْوَانَ، عَنْ يُونُسَ قِصَّةَ القِدْرِ فَلَا أَدْرِي هُوَ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ أَوْ فِي الحَدِيثِ (فِيهِ خَضِرَاتٌ)]]- بفتح الخاء وكسر الضاد، وكلتاهما معجمة -: جمع خَضِرة؛ أي: بُقولٌ خضرة (١). وضبطه الأصيلي بضم الخاء وفتح الضاد (٢). ٣٠١٠ - (٧٣٦١) [[وَقَالَ أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعَ مُعَاوِيَةَ، يُحَدِّثُ رَهْطًا مِنْ قُرَيْشٍ بِالْمَدِينَةِ، وَذَكَرَ كَعْبَ الأَحْبَارِ فَقَالَ: «إِنْ كَانَ مِنْ أَصْدَقِ هَؤُلَاءِ المُحَدِّثِينَ الَّذِينَ يُحَدِّثُونَ عَنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وَإِنْ كُنَّا مَعَ ذَلِكَ لَنَبْلُو عَلَيْهِ الكَذِبَ»]] (*)

стр. 4438

[[(وَإِنْ كُنَّا مَعَ ذَلِكَ لَنَبْلُو عَلَيْهِ الكَذِبَ)]] (*) الضميرُ المخفوض بـ "على" يعود على كعب الأحبار؛ يعني: لنُجيز عليه؛ يعني: أنه يخطئ فيما يقوله في بعض الأحيان، ولم يُرد أنه كان كذاباً، كذا ذكره ابن حِبَّان في كتاب "الثقات". وقيل (١): إن الهاء في "عليه" راجعة إلى "الكتاب"، من قوله: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن الكتاب، وذلك لأن كتبهم قد بُدِّلَت وحُرِّفت، وليس عائداً على كعب. قال القاضي: وعندي أنه يصح عودُه على كعب، أو على حديثه، وإن لم يقصد الكذب أو يتعمده كعبٌ، إذ لا يشترط في الكذب عند أهل السنة التعمُّدُ، بل هو إخبارٌ بالشيء على خلاف ما هو عليه، وليس في هذا تجريحٌ لكعبٍ بالكذب. وقال أبو الفرج بن الجوزي: يعني: أن الكذب فيما يخبر به عن أهل الكتاب، لا منه، فالأخبارُ التي يحكيها عن القوم يكون بعضُها كذباً، فأما كعبُ الأحبار، فهو من خِيار الأحبار (٢).

стр. 4439

باب: نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عنِ التَّحْرِيمِ، إِلَّا مَا تُعْرَفُ إِبَاحَتُهُ، وَكَذَلِكَ أَمْرُهُ نَحْوَ قَوْلهِ حِينَ أَحَلُّوا: "أَصِيبُوا مِنَ النِّسَاء". وَقَالَ جَابِرٌ: وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ. وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَازَةِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا. (باب: نهي النبي ﷺ على التحريم (١)، إلا أن تُعرف إباحتُه): صيغة (٢) النهي ترد لسبعة محامل: التحريم؛ مثل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣]. والتنزيه؛ مثل: "لا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ" (٣). والدعاء؛ نحو: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨]. والإرشاد؛ نحو: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. وبيان العاقبة؛ نحو: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. والتحقير؛ نحو (٤): ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١]. واليأس؛ نحو: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ [التحريم: ٧]. وهل الصيغة حقيقة في التحريم، أو الكراهة، أو مشتركة بينهما، أو

стр. 4440

موقوفة؟ فيه خلاف، والمختار - كما أشار إليه -: أن النهي للتحريم، وقد استدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. ووجه الاحتجاج: أنه أمرٌ بالانتهاء عن النهي، [والأمرُ للوجوب، فكان الانتهاء عن المنهي] (١) واجباً، وذلك هو المراد من قولنا: النهي للتحريم. قال بعض المتأخرين: ولقائل أن يقول: هذا أولاً لا يتم إلا بعد تسليم أن الأمر للوجوب. وثانياً: أن التحريم حينئذ لا يكون مستفاداً من صيغة النهي، بل بما دل عليه من خارج، وهو قوله: ﴿فَانْتَهُوا﴾، بل قد يقال: لو كان النهي للتحريم، لما احتيج إلى الأمر باجتناب المنهي (٢) عنه، فكان الأمر بذلك دليلًا على أن التحريم غيرُ مكتسب منه (٣). * * * ٣٠١١ - (٧٣٦٧) (٤) - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إَبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ في أُنَاسٍ مَعَهُ قَالَ: أَهْلَلْنَا

стр. 4441

[[أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الحَجِّ خَالِصًا لَيْسَ مَعَهُ عُمْرَةٌ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِي الحِجَّةِ، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَحِلَّ، وَقَالَ: «أَحِلُّوا وَأَصِيبُوا مِنَ النِّسَاءِ»، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ، فَبَلَغَهُ أَنَّا نَقُولُ: لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا خَمْسٌ، أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ إِلَى نِسَائِنَا، فَنَأْتِي عَرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا المَذْيَ، قَالَ: وَيَقُولُ جَابِرٌ بِيَدِهِ هَكَذَا وَحَرَّكَهَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَصْدَقُكُمْ وَأَبَرُّكُمْ، وَلَوْلَا هَدْيِي لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، فَحِلُّوا، فَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ»، فَحَلَلْنَا وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا (يقْطُرُ من مَذَاكِيرُنَا المَني) (١)]] (*) قال الجوهري: والذَّكَرُ: العوفُ، يريد: الفرجَ المعروفَ، والجمعُ مذَاكِيرُ، على غير قياس، كأنهم فرقوا بين الذَّكَر الذي هو الفَحْلُ، وبين الذَّكَرِ الذي هو العُضْوُ، في الجمع. وقال الأخفش: هو من الجمع الذي ليس له واحد، مثل: العَبادِيد، والأَبابِيل (٣)، والله أعلم.

стр. 4442

٣٠١٢ - (٧٣٧٠) [[حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ الغَسَّانِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: مَا تُشِيرُونَ عَلَيَّ فِي قَوْمٍ يَسُبُّونَ أَهْلِي، مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُوءٍ قَطُّ "، وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ: لَمَّا أُخْبِرَتْ عَائِشَةُ بِالأَمْرِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَنْطَلِقَ إِلَى أَهْلِي؟ فَأَذِنَ لَهَا، وَأَرْسَلَ مَعَهَا الغُلَامَ، وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا، سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا، سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ)]] (*) قال ابن إسحاق وغيره: هو أبو أيوبَ الأنصاريُّ ﵁. وهذه الزيادة لم تجيء في هذا الكتاب، إلا في هذا الموضع وحدَه، على كثرة (١) تكراره في الكتاب، ويحتمل أن يكون قاله قبل نزولٍ، ثم نزل الوحيُ بعدَ ذلك.

стр. 4443

كِتَابُ التَّوحِيد

стр. 4444

كِتَابُ التَّوحِيد باب: ما جَاءَ فِي دُعَاء النَّبِيِّ ﷺ أُمَّتَهُ إِلَى تَوْحِيِد الله تَعَالَى ٣٠١٣ - (٧٣٧٥) - حَدَّثَنَا مُحَمَّد، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنِ ابْنِ أِبي هِلَالٍ: أَنَّ أبَا الرِّجَالِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ، عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - وَكَانَتْ في حَجْرِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ في صَلَاتِهِ، فَيَخْتِمُ بِـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]. فَلَمَّا رَجَعُوا، ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "سَلُوهُ: لأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟ "، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَناَ أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ". (كتاب: التوحيد). (بعث رجلاً على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته): قال الزركشي: هذا الرجل هو كُلْثومُ بنُ الهدمِ، قاله ابنُ مندَهْ، وغيرُه (١).

стр. 4445

قلت: وقع في "الإفهام" ما نصه: ولم أجد في "أسد الغابة" لابن الأثير في ترجمة كلثوم بن (١) الهدم ما يدل على المذكور عن ابن منده، بل فيه ما يدلُّ على عكسه، فإنه قال: قيل: إنه أول من ماتَ من أصحاب النبي ﷺ بعد قدومه المدينة، ولم يحضر شيئاً من مشاهده، ذكره الطبري، ثم قال: إنه توفي بعد أسعد بن زُرارَةَ (٢). وكان قد قدم أن أسعدَ تُوفي قبلَ بدر بيسير، والسرايا قبل بدرٍ معلومةٌ، ليس لكلثومِ بنِ الهدم فيها ذكرٌ. الأولى: سريةُ حمزةَ بنِ عبدِ المطلب يَعترض لعير قريش. الثانية: سريةُ عُبيدةَ بنِ الحارثِ إلى بطنِ رابغٍ. وابنُ إسحاقَ يقدم (٣) سريةَ عُبيدةَ على سرية حمزة. والثالثة (٤): سريةُ سعدِ بن أبي وقاص إلى الخرار - بخاء معجمة وراءين مهملتين -. الرابعة: سريةُ عبدِ الله بنِ جحشٍ إلى نخلة. فهذه السرايا الواقعةُ قبلَ بدر، وليس لكلثومِ بنِ الهدم فيها إمرةٌ، فليتأمل. (فيختم بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]): يدل على أنه كان

стр. 4446

يقرأ بغيرها، والظاهر أنه كان يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] مع غيرها في ركعة واحدة. ويحتمل [أنه] يختم بها (١) في تلك الركعة، وإن كان اللفظ يحتمل أن يكون يختم بها في آخر ركعة (٢) يقرأ فيها السورة. وعلى الأول: يكون دليلًا على جواز الجمع بين السورتين غير الفاتحة في ركعة واحدة. (فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن): يحتمل أن يُراد به: أن فيها ذِكْرَ صفةِ الرحمن، كما إذا ذُكر، وُصِفَ، فعُبِّر عن ذلك الذكرِ بأنه الوصفُ، وإن لم يكن ذلك الذكرُ نفسَ الوصف. ويحتمل أن يراد به غير ذلك (٣)، إلا أنه لا (٤) يختص ذلك بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ولعلها خُصَّتْ بذلك؛ لاختصاصها بصفات الربِّ تعالى دون غيرها. (فأنا أحبُّ أن أقرأ بها، فقال النبي ﷺ : أخبروه أن الله يحبُّه): يحتمل أن يريد: لمحبته قراءةَ هذه السورة. ويحتمل أن يكون لما شهد به كلامه من محبته لذكر الربِّ ، وصحة اعتقاده.

стр. 4447

باب: قَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] ٣٠١٤ - (٧٣٧٨) - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، يَدَّعُونَ لَهُ الْوَلَدَ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ، وَيَرْزُقُهُمْ". (ما أحدٌ أصبرَ على أَذىً سمعَه من الله): ليس معنى الصبر في حقِّه تعالى كمعناه في حقنا، وإنما معناه في حقه: تركُ المعاجَلَة بالنِّقْمَة والعقوبة، ولا يفعلُ ذلك جبراً، وإنما يفعله تفضُّلًا (١). (يدْعون له الولد): بإسكان الدال من يَدْعون، ويروى: بتشديدها. * * * باب: قَوْلِ الله ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠]، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠]، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨] ٣٠١٥ - (٧٣٨٤) - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا حَرَمِيٌّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "يُلْقَى في النَّارِ". وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ: عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنَسٍ.

стр. 4448

وَعَنْ مُعْتَمِرٍ: سَمِعْتُ أَبي، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَا يَزَالُ يُلْقَى فِيهَا، وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَدَمَهُ، فَينزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ تَقُولُ: قَدْ قَدْ، بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ. وَلَا تَزَالُ الْجَنَّةُ تَفْضُلُ، حَتَى يُنْشِيءَ اللَّهُ لَهَا خَلْقاً، فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ". (ولا تزال الجنة تفضُل): [فعل مضارع - بضم الضاد المعجمة -؛ أي: عن حاجة النازلين بها. ويروى: "بِفَضْلٍ": بباء الجر داخلة على مصدر الفعل المذكور منوناً. (فيسكنَهم الله فضلَ الجنة)] (١): كذا لأكثرهم، ووقع لبعضهم: "أَفْضَلَ الجنةِ"، قيل: وهو وهم. * * * باب: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤] وَقَالَ الأَعْمَشُ عَنْ تَمِيمٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَت: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١]. [س ق] (وقال الأعمش: عن تميم، عن عروة، عن عائشة، قالت: الحمدُ لله الذي وَسِعَ سَمْعُهُ الأصواتَ): أي: أدركَ سمعُه الأصوات، وليس المرادُ من الوسع ما يُفهم من ظاهره؛ لأن الوصف بذلك يؤدي إلى القول بكونه جسماً، عن ذلك، فيجب صرفُ قولها عن ظاهره إلى

стр. 4449

ما يقتضي الدليلُ صحتَه (١). وهذا التعليق قد رُوي بسند على شرط البخاري في رجاله، كذا قال الحافظ (٢) مغلطائي نقلًا عن الحاكم، قال: ولا أدري لم عدلَ عنه إلى تعليقه. قال الزركشي: كذا وقع ناقصاً، وتمامه في "مسند البزار" وغيره: "قالت عائشة: الحمدُ لله الذي وسعَ سمعُه الأصوات، جاءت خَوْلَةُ تشتكي زوجَها للنبي ﷺ ، فخفي عليه أحياناً بعضُ ما تقول، فأنزل الله، وذكر الآية" (٣). * * * ٣٠١٦ - (٧٣٨٦) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ أيُّوبَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في سَفَرٍ، فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا، كبَّرْنَا، فَقَالَ: "ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِباً، تَدْعُونَ سَمِيعاً بَصِيراً قَرِيباً". ثُمَّ أَتَى عَلَيَّ وَأَنَا أقُولُ في نَفْسِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَقَالَ لِي: "يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ! قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنَّهَا كنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ". أَوْ قَالَ: "أَلَا أَدُلُّكَ؟ "، بِهِ. (ارْبَعوا على أنفسكم): أي: لا تَعْجَلوا. قال السفاقسي: رويناه بكسر الباء، وهو في ضبط بعض الكتب بفتحها، وكذلك هو في ضبط كتبِ أهلِ اللغة (٤).

стр. 4450

قلت: في "المشارق": ارْبَعوا على أنفسِكم، واربَعي على نفسِكِ: بفتح الباء؛ أي: لا تَعْجَلي (١). * * * ٣٠١٧ - (٧٣٨٧) - و (٧٣٨٨) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ: سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ في صلَاتِي. قَالَ: "قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نفسِي ظُلْماً كَثِيراً، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مِنْ عِنْدِكَ مَغْفِرَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ". (عَلِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي): ليس في حديث أبي بكر (٢) هذا ما يطابق الترجمة؛ إذ هي معقودةٌ لصفتي السمعِ والبصرِ، وليس في هذا الحديث ذكرُ شيء منهما (٣). لكن قد يقال: هو دال بالصريح على طلبِ الدعاء في الصلاة التي يُقصد فيها إسرارُ الدعاء، فلولا أن سمعَه تعالى يتعلق بالسرِّ وأخفى، لما أفاد دعاؤه مُسِرّاً. قيل: وما أحسن جمعَ البخاري في هذا الباب بين عائشةَ وأبيها ﵄ (٤).
следующие страницы →