يقرأ بغيرها، والظاهر أنه كان يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] مع غيرها في ركعة واحدة.
ويحتمل [أنه] يختم بها (١) في تلك الركعة، وإن كان اللفظ يحتمل أن يكون يختم بها في آخر ركعة (٢) يقرأ فيها السورة.
وعلى الأول: يكون دليلًا على جواز الجمع بين السورتين غير الفاتحة في ركعة واحدة.
(فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن): يحتمل أن يُراد به: أن فيها ذِكْرَ صفةِ الرحمن، كما إذا ذُكر، وُصِفَ، فعُبِّر عن ذلك الذكرِ بأنه الوصفُ، وإن لم يكن ذلك الذكرُ نفسَ الوصف.
ويحتمل أن يراد به غير ذلك (٣)، إلا أنه لا (٤) يختص ذلك بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ولعلها خُصَّتْ بذلك؛ لاختصاصها بصفات الربِّ تعالى دون غيرها.
(فأنا أحبُّ أن أقرأ بها، فقال النبي ﷺ : أخبروه أن الله يحبُّه): يحتمل أن يريد: لمحبته قراءةَ هذه السورة.
ويحتمل أن يكون لما شهد به كلامه من محبته لذكر الربِّ ، وصحة اعتقاده.
стр. 4447
باب: قَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]
٣٠١٤ - (٧٣٧٨) - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، يَدَّعُونَ لَهُ الْوَلَدَ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ، وَيَرْزُقُهُمْ".
(ما أحدٌ أصبرَ على أَذىً سمعَه من الله): ليس معنى الصبر في حقِّه تعالى كمعناه في حقنا، وإنما معناه في حقه: تركُ المعاجَلَة بالنِّقْمَة والعقوبة، ولا يفعلُ ذلك جبراً، وإنما يفعله تفضُّلًا (١).
(يدْعون له الولد): بإسكان الدال من يَدْعون، ويروى: بتشديدها.
* * *
باب: قَوْلِ الله ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠]، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠]، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨]
٣٠١٥ - (٧٣٨٤) - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا حَرَمِيٌّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "يُلْقَى في النَّارِ".
وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ: عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنَسٍ.
стр. 4448
وَعَنْ مُعْتَمِرٍ: سَمِعْتُ أَبي، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَا يَزَالُ يُلْقَى فِيهَا، وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَدَمَهُ، فَينزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ تَقُولُ: قَدْ قَدْ، بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ. وَلَا تَزَالُ الْجَنَّةُ تَفْضُلُ، حَتَى يُنْشِيءَ اللَّهُ لَهَا خَلْقاً، فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ".
(ولا تزال الجنة تفضُل): [فعل مضارع - بضم الضاد المعجمة -؛ أي: عن حاجة النازلين بها.
ويروى: "بِفَضْلٍ": بباء الجر داخلة على مصدر الفعل المذكور منوناً.
(فيسكنَهم الله فضلَ الجنة)] (١): كذا لأكثرهم، ووقع لبعضهم: "أَفْضَلَ الجنةِ"، قيل: وهو وهم.
* * *
باب: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]
وَقَالَ الأَعْمَشُ عَنْ تَمِيمٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَت: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١]. [س ق]
(وقال الأعمش: عن تميم، عن عروة، عن عائشة، قالت: الحمدُ لله الذي وَسِعَ سَمْعُهُ الأصواتَ): أي: أدركَ سمعُه الأصوات، وليس المرادُ من الوسع ما يُفهم من ظاهره؛ لأن الوصف بذلك يؤدي إلى القول بكونه جسماً، عن ذلك، فيجب صرفُ قولها عن ظاهره إلى
стр. 4449
ما يقتضي الدليلُ صحتَه (١).
وهذا التعليق قد رُوي بسند على شرط البخاري في رجاله، كذا قال الحافظ (٢) مغلطائي نقلًا عن الحاكم، قال: ولا أدري لم عدلَ عنه إلى تعليقه.
قال الزركشي: كذا وقع ناقصاً، وتمامه في "مسند البزار" وغيره: "قالت عائشة: الحمدُ لله الذي وسعَ سمعُه الأصوات، جاءت خَوْلَةُ تشتكي زوجَها للنبي ﷺ ، فخفي عليه أحياناً بعضُ ما تقول، فأنزل الله، وذكر الآية" (٣).
* * *
٣٠١٦ - (٧٣٨٦) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ أيُّوبَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في سَفَرٍ، فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا، كبَّرْنَا، فَقَالَ: "ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِباً، تَدْعُونَ سَمِيعاً بَصِيراً قَرِيباً". ثُمَّ أَتَى عَلَيَّ وَأَنَا أقُولُ في نَفْسِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَقَالَ لِي: "يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ! قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنَّهَا كنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ". أَوْ قَالَ: "أَلَا أَدُلُّكَ؟ "، بِهِ.
(ارْبَعوا على أنفسكم): أي: لا تَعْجَلوا.
قال السفاقسي: رويناه بكسر الباء، وهو في ضبط بعض الكتب بفتحها، وكذلك هو في ضبط كتبِ أهلِ اللغة (٤).
стр. 4450
قلت: في "المشارق": ارْبَعوا على أنفسِكم، واربَعي على نفسِكِ: بفتح الباء؛ أي: لا تَعْجَلي (١).
* * *
٣٠١٧ - (٧٣٨٧) - و (٧٣٨٨) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ: سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ في صلَاتِي. قَالَ: "قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نفسِي ظُلْماً كَثِيراً، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مِنْ عِنْدِكَ مَغْفِرَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ".
(عَلِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي): ليس في حديث أبي بكر (٢) هذا ما يطابق الترجمة؛ إذ هي معقودةٌ لصفتي السمعِ والبصرِ، وليس في هذا الحديث ذكرُ شيء منهما (٣).
لكن قد يقال: هو دال بالصريح على طلبِ الدعاء في الصلاة التي يُقصد فيها إسرارُ الدعاء، فلولا أن سمعَه تعالى يتعلق بالسرِّ وأخفى، لما أفاد دعاؤه مُسِرّاً.
قيل: وما أحسن جمعَ البخاري في هذا الباب بين عائشةَ وأبيها ﵄ (٤).
стр. 4451
باب: السُّؤَالِ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالاِسْتِعَاذَةِ بِهَا
(باب: السؤالِ بأسماء الله، والاستعاذةِ بها): قيل: مقصودُ الترجمة: التنبيهُ على أن الاسم هو المسمَّى، ولذلك صحَّت الاستعاذةُ به، والاستعانة (١)، يظهرُ ذلك في قوله: "بِاسْمِكَ رَبَّي وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ" (٢)، فأضافَ (٣) الوضعَ إلى الاسمِ (٤)، والرفعَ إلى الذات، فدلَّ على أن الاسمَ هو الذات، وقد استعان وضعاً ورفعاً لا باللفظ (٥).
قلت: المشهورُ فيما بينَ الأكثرين: أن الخلاف في أن (٦) الاسمَ هو نفسُ المسمى أو غيرُه إنما هو في اسم؛ لأن تمسكات الفريقين تُشعر بذلك؛ لأن القائلين بأن الاسم عينُ المسمَّى تمسكوا بمثل قوله (٧) تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]؛ أي: ذاته، وقوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً﴾ [يوسف: ٤٠]، إلى غير ذلك، والقائلون بأنه غيرُه تمسَّكوا بمثل قوله تعالى: ﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، مع القطع بوحدة الذات، وأن لفظ الاسم مسمًّى بالاسم دون الفعل والحرف، فها هنا الاسمُ والمسمَّى واحد.
стр. 4452
قال بعض المحققين: إلا أن ما ذكروه من التفصيل، وهو أن من الاسم ما هو نفسُ المسمَّى؛ كقولك (١): الله، فإنه يدلُّ على الذات، ومنه ما هو غيرُه؛ كالخالق، والرازق، ونحو ذلك مما يدلُّ على فعل، ومنه لا يقال: إنه هو، ولا غيره؛ كالعالم، والقادر، وكلُّ ما يدل على الصفات القديمة يُشعر بأن الكلام ليس في (٢) اسم، بل هو في مدلولاته؛ مثل: الإنسان، والفرس، والفيل، وكذا قولهم: إن أسماء الله متعددة، فكيف تكون نفسَ الذات؟
فإن قيل: فقد ظهر أن الخلاف في الأسماء التي من جملتها لفظُ الاسم، فظاهر أنها أصوات وحروف، وهي من الأعراض الزائلة، فكيف يُتصور كونُها نفسَ مدلولاتها التي هي الأعيانُ والمعاني؟ وإن أريد بالاسم المدلولُ، فلا خفاء في أنه نفسُ المسمَّى من غير أن يُتصور فيه خلاف، بل فائدة؛ لأنه بمنزلة قولك: ذاتُ الشيء.
قلنا: الاسم الواقع في الكلام قد يراد به نفسُ لفظه؛ كما يقال: زيدٌ مُعْرَبٌ، وضَرَبَ فعلٌ ماضٍ، ومِنْ حرفُ جَرٍّ، وقد يراد معناه؛ كقولنا: زيدٌ كاتبٌ، وحينئذ، فقد (٣) يراد نفسُ ماهية المسمى؛ مثل: الإنسانُ نوعٌ، والحيوانُ جنسٌ، وقد يُراد فردٌ منه؛ مثل: جاءني إنسانٌ، ورأيت حيواناً، وقد يراد جزؤُها؛ كالناطق، أو عارضٌ لها؛ كالضاحك، فلا يبعُد أن يحصل اختلافٌ واشتباهٌ في أن اسم الشيء نفسُ مسماه، أو غيرُه، وما أورد في بعض المواضع من الكلام في لفظ الاسم لا ينافي ذلك؛ لأنه أيضاً اسمٌ
خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا في يَدِهِ". وَقَالَ: "عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الأُخْرَى الْمِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ".
(لا يَغيضُها نفقةٌ): - بالغين والضاد المعجمتين -؛ أي: لا تَنْقُصُها.
(سَحًّا): - بسين وحاء مهملتين مفتوحتين وبالتنوين -: منصوبٌ على المصدر؛ أي: تسحُّ سَحّاً، والمعنى: أنها دائمةُ الصَّبِّ والهَطْلِ بالعطاء.
ويروى: "سَحَّاءُ" - بالمد [والرفع - على أنها خبر لـ "يد" لقوله: "يَدُ الله مَلأْى".
ويحتمل أن تكون خبرَ مبتدأ مضمَر، أي: هي سَحَّاءُ] (١).
واليدُ هنا كناية عن محلِّ عطائه، ووصفَها بالامتلاء؛ لكثرة منافعِها، وكمالِ فوائدها، فجعلَها كالعين التي (٢) لا يَغيضها الاستقاءُ (٣).
(الليلَ والنهارَ): بالنصب على الظرف.
* * *
٣٠٢٦ - (٧٤١٤) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، سَمِعَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، وَسُلَيْمَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ يَهُودِيّاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ عَلَى
стр. 4461
إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَناَ الْمَلِكُ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١].
قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَزَادَ فِيهِ فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَعَجُّباً وَتَصْدِيقاً لَهُ.
(إن الله يُمسك السمواتِ على إِصْبع): قيل: الإِصْبَعُ بعضُ خَلْقِ الله تعالى، قال هذا القائل: ودليلُه: أنه لم يقل: على إصبعه، بل أطلق ذلك مُنَكَراً، ولا يُنْكَر ذلك في مقدور الله تعالى أن يخلق خلقاً على هذا الوجه.
وقال الداودي: يحتمل كونُ الإصبع مَلَكاً، أو خَلْقاً من خلق الله تعالى يُمَلِّكُه ذلك، ويُقدره عليه (١).
وقال الخطابي: ذكرُ الإصبع لم يوجد في كتابٍ ولا سنةٍ مقطوعٍ بصحتها (٢)، وليس معنى اليد الجارحة حتى يُتوهم ثبوتُها ثبوتَ الأصابع، بل هو توقيفٌ شرعي أطلقنا الاسمَ فيه على ما جاء في الكتاب العزيز من غير تكييف ولا تشبيه (٣).
стр. 4462
(حتى بَدَتْ نواجِذُه): - بالجيم والذال المعجمة -، قيل: هي الضَّواحِكُ، وقيل: الأضراسُ، وقيل: الأنيابُ.
(ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١]): قال الإمام ابن فورك: ضحكَ كالمتعجِّبِ منه أن يستعظمَ (١) ذلك في قدرة (٢) الله، وإن ذلك يسيرٌ في جنب ما يَقْدِر عليه، ولذلك قرأ الآية؛ أي: ليس قدره في القدرة على ما يخلق على الحدِّ الذي ينتهي إليه الوهم، ويُحيط به الفعل والنظر.
(فضحكَ رسولُ الله ﷺ تعجُّباً وتصديقاً له): أنكر الخطابي هذا، وقال: الآيةُ محتملةٌ للرضا، وللإنكار (٣)، وليس فيها للإصبع ذِكْرٌ، وقولُ من قال من الرواة: وتصديقاً له - أي: لليهودي - ظَنٌّ وحسبان.
قال: وروى هذا الحديثَ غيرُ واحد من أصحاب عبدِ الله، فلم يذكروا فيه: تصديقاً له، وقد يستدلُّ المستدِلُّ بحمرةِ الوجه على الخجل، وبصفرتِه على الوَجَل، وذلك غالب مجرى العادة في مثله، لا يخلو ذلك (٤) من ارتيابٍ وشكٍّ في صدق الشهادة بذلك بجواز أن تكون الحُمْرَةُ لأمر حادث
стр. 4463
في البدن، والصُّفْرَةُ لهيجانِ مَرارٍ، وثورانِ خِلْط (١)، والاستدلالُ بالتبسُّم في مثل هذا الاسمِ الجسيمِ قَدْرُه غيرُ سائغٍ مع تكافُؤ وجهَي الدلالة المتعارضين فيه، ولو صح الخبر، حملناه على تأويل قوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]: أن قدرتَه على طَيِّها وسهولة الأمر في جميعها بمنزلة من جَمَعَ شيئاً في كفه، فلم يشتمل بجميع كَفِّه عليه، لكنه نقلَه ببعض أصابعه (٢).
وقال الزمخشري: الغرضُ: تصويرُ عظمته وكنه جلاله من غير ذهاب بالقبضة واليمين (٣) إلى حقيقةٍ أو مجاز، وكذا الحديث أن حبراً من اليهود قال: إنَّ الله يُمسك السمواتِ على إصبع، الحديث، فضحك رسول الله ﷺ تعجباً مما قال الحبر، وإنما ضحكَ أفصحُ العرب؛ لأنه فهم منه ما فهمَه علماء البيان من غير إمساك، ولا يَدٍ، بل فهم من أول أمر (٤) الزبدةَ والخلاصةَ، وهي الدلالةُ على القدرةِ الباهرة (٥)؛ يريد: على طريقة التمثيل المقررة عند علماء هذا الفن.
* * *
стр. 4464
باب: قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ "
وقال عُبَيْدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو، عن عَبْدِ المَلِكِ: "لا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ الله".
(باب: قولِ النبي ﷺ : لا شخصَ أغيرُ من الله): قال الداودي: لم يأتِ متصلًا، ولم تتلق الأُمَّةُ مثلَ هذا الحديث بالقبول، فإن صحَّ (١)، فيحتمل أن الله أغيرُ من خلقه، ليس أحدٌ منهم أغيرَ منه ولم يسمِّ نفسَه شخصاً (٢).
قلت: هذا ظاهر؛ إذ ليس في هذا اللفظ ما يقتضي إطلاقَ الشخص على الله تعالى، وما هو إلا بمثابة قولك: لا رجلَ أشجعُ من الأسد، وهذا لا يدلُّ على إطلاقِ الرجلِ على الأسد بوجهٍ من الوجوه، فأيُّ داعٍ بعدَ ذلك إلى تَوهم الراوي عن عبد الملك أو غيره في ذكر الشخص: أنه (٣) تصحيفٌ من قوله: لا شيءَ أغيرُ من الله؛ كما صنعه الخطابي؟ فتأمله.
* * *
стр. 4465
باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]. ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩] .
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩]: ارْتَفَعَ، ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٩]: خَلَقَهُنَّ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿اسْتَوَى﴾: عَلَا ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤].
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥]: الْكَرِيمُ، ﴿الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤]: الْحَبِيبُ، يُقَالُ: حَمِيدٌ مَجيدٌ، كَأَنَّهُ فَعِيل مِنْ مَاجِدٍ، مَحْمُودٌ مِنْ حَمِيدٍ.
(وقال مجاهد: ﴿اسْتَوَى﴾: علا على العرش): المشَبِّهة والكَرَّامية والمجسِّمَة زعموا أن الله في مكانٍ مخصوص، وهو العرش، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، واستندوا إلى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وهذا مُحتمل لا يصلح لأن يكون حجةً، وبيان كونه محتملًا: أن العرب يُطلقون الاستواء على الاستيلاء؛ كما في قول الشاعر:
قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى العِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مُهْرَاقِ (١)
وعلى التمام؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤].
ويقال: استوى مُلْكُ فلان؛ أي: تَمَّ.
وعلى (٢) تقدير (٣) الملك، يُقال: استوى الأميرُ على السرير؛ أي:
стр. 4466
انتظمَ أَمْرُه، وتقرَّرَ مُلْكُه.
وعلى الاستقرار في المكان؛ كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤]؛ أي: استقرت.
وإذا ثبت كونُه محتملًا، لم يتمكن الخصمُ من تعيين الاستقرار، فلا يكون حجةً.
على أن بعضَ المحققين قال: إن الترجيحَ للاستيلاء يشير إلى جواب ثانٍ، وتقريرُه (١) أن يقال: الراجح حملُ الاستواء على الاستيلاء، لا على الاستقرار؛ لأن الله تعالى تمدَّح بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فلو حُمل على الاستقرار، [لم يُفهم المدحُ؛ لأن هذه اللفظة لو استُعملت على سبيل المدح في حق من يجوزُ عليه الاستقرار] (٢)، لم يجز حملُه عليه؛ إذ لا يُفهم منه المدحُ؛ لأن المدحَ إنما يكون بصفة يمتاز بها الممدوحُ، والاستقرارُ ليس بمختصٍّ به، بل يشاركُه كل دنيء وحقيرٍ، وما يُفْهَم منه: هو القهرُ والاستيلاء؛ إذ هو أشرفُ معاني الاستواء، فإذا مُدح (٣) به مَنْ هو المنزه عن التمكن والجهات، فأولى أن يُفهم منه ما يَليق به من الصفات.
قلت: وقولُ من قال: إنه لا يقال: استولى إلا لمن لم يكن مستولياً، ثم استولى، ممنوعٌ.
стр. 4467
وما قاله مجاهد: من أنه بمعنى: [علا، ارتضاه غيرُ واحد من أئمة أهل السنة، ودفعوا اعتراض من: قال: علا بمعنى] (١): ارتفع من غير (٢) فرق، وقد أبطلتموه؛ لما في ظاهره من الانتقال من سُفْلٍ إلى عُلْوٍ، وهو محالٌ على الله تعالى، فليكن عَلا كذلكَ، ووجهُ الدفع: أن الله وصفَ نفسَه بالعلو بقوله (٣): ﴿تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣]، فوصف نفسه بالتعالي، وهو من صفات الذات، ولم يصف نفسَه بالارتفاع (٤).
* * *
٣٠٢٧ - (٧٤٢٣) - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبي: حَدَّثَنِي هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولهِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ، كَانَ حَقّاً عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، هَاجَرَ في سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ جَلَسَ في أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أفلَا نُنَبِّيءُ النَّاسَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: "إِنَّ في الْجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ في سَبِيلِهِ،
стр. 4468
كُلُّ دَرَجَتَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ؛ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ".
(وفوقُه عرشُ الرحمن): - بضم القاف -؛ أي: أعلاه، كذا قيده الأصيلي.
وعند غيره بالنصب على الظرفية، قاله القاضي (١).
وأنكره ابنُ قرقول، وقال: إنما قيده الأصيلي - بالنصب (٢) -، كذا في الزركشي (٣).
قلت: ولإنكار الضمِّ وجهٌ ظاهر، وهو أن "فوق" من الظروف العادمة للتصرُّف، وذلك مما يأبى رفعَه بالابتداء كما وقع في هذه الرواية (٤).
* * *
٣٠٢٨ - ٧٤٢٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ
بَابِ الْجَنَّةِ، انْفَهَقَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الْحَبْرَةِ وَالسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أي رَبِّ! أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، فَيقُولُ اللَّهُ: أَلَسْتَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ مَا أُعطِيتَ؟ فَيقُولُ: وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ! فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! لَا أكُونَنَّ أَشْقَى خَلْقِكَ، فَلَا يَزَالُ يَدْعُو حَتَّى يَضْحَكَ اللَّهُ مِنْهُ، فَإِذَا ضَحِكَ مِنْهُ، قَالَ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَإِذَا دَخَلَهَا، قَالَ اللَّهُ لَهُ: تَمَنَّهْ، فَسَأَلَ رَبَّهُ وتَمَنَّى، حَتَّى إِنَّ اللَّهَ لَيُذَكِّرُهُ، يَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، حَتَّى انْقَطَعَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ، قَالَ اللَّهُ: ذَلِكَ لَكَ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ".
(هل تُضارُّون في القمر ليلة البدر): بضم تاء المضارعة وتشديد الراء أصلُه هل تُضارَرُونَ، بالبناء للمفعول، فسُكنت الراء الأولى، وأدغمت في الثانية.
وفي نسخة: بتخفيف الراء من الضير؛ أي: هل يوقع بكم ضَيْرٌ؟
(الطواغيت): جمعُ طاغوت، وهو فَعَلُوتٌ من طَغَى، أصلُه طَغَيُوت، ثم طَيْغُوت، ثم طاغوت.
وقال الجوهري: هو الكاهنُ (١)، والشيطانُ، وكلُّ رأس في الضلال، يكون واحداً؛ مثل: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠]، وجمعاً؛ مثل: ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧] (٢).
(فيأتيهم الله): ليس المرادُ بالإتيان هنا ما عُهد فيما بيننا من الانتقال والحركة؛ لاستحالته على الله تعالى، فإما أن يُحمل على أنه تعالى يفعل
стр. 4473
فعلاً يليقُ به، فسماه إتياناً، ووصفَ به نفسَه، وإما أن يُحمل على الإتيان المعروف عندَنا، لكن على معنى أن الله تعالى يخلُقه لملَكٍ من الملائكة، فأضافَه إلى نفسِه على جهةِ الإسنادِ المجازيِّ؛ مثل: قطعَ الأميرُ اللصَّ (١).
(في صورته التي يعرفون): أي: في علامةٍ (٢) جعلَها الله دليلًا على معرفته، والتفرقةِ بينه وبين مخلوقاته، فسمى الدليلَ والعلامةَ صورةً مجازاً؛ كما تقول العرب: صورةُ أمرِك كذا، وصورةُ حديِثكَ كذا، والأمرُ والحديثُ لا صورةَ لهما، وإنما يريدون: حقيقة أمرِك وحديثِك، وكثيراً ما يجري على ألسنة الفقهاء: صورةُ هذهِ المسألة كذا.
(قد قشبني ريحها): قال السفاقسي: رويناه بتشديد الشين، وكذلك هو في "الصحاح" بالتشديد؛ أي: آذاني؛ كأنه قال: سَمَّني ريحُها (٣)؛ لأن القِشْبَ (٤): السَّم، وهو بكسر القاف (٥).
(وأحرقني ذَكاؤها): قال السفاقسي: كذا رويناه بالمد والضم والذال (٦).
قلت: في "المشارق" ما نصه: وقوله: أحرقني ذكاؤها؛ أي: شدةُ
стр. 4474
حرها والتهابها، كذا هو - بفتح الذال ممدود - عند الرواة، والمعروف في شدة حر النار: - القصر -، إلا أن أبا حنيفة ذكر فيه المد، وخَطَّأَه فيه ابنُ حمزة في "ردوده" (١).
(هل عَسِيْتَ إن أُعطيت ذلك أن تسألَني غيرَه؟ فيقول: لا، وعزتك! لا أسألُك غيرَه): عَسِيْتَ: بكسر السين وفتحها.
فإن قلت: قد عُلم أن الدار الآخرة ليست دارَ تكليف، فما الحكمةُ في تكرير أخذِ العهود والمواثيق عليه أن لا يسألَ غيرَ ما أُعطيه، مع أن إخلافَه لقوله (٢) ما يقتضيه يمينُه لا إثمَ عليه فيه؟
قلت: الحكمةُ فيه ظاهرة، وهي إظهار التمنُّنِ عليه، والإحسانِ إليه مع تكريره لنقضِ عهوده ومواثيقِه (٣)، ولا شك أن للمنَّةِ في نفس العبد - مع هذه الحالة التي اتصف - وقعاً عظيماً.
(انْفَهَقَتْ (٤) له الجنةُ): أي انفتحَتْ واتسعَتْ.
(حتى يضحكَ الله منه): أي: يفعلُ معه فِعْلُ من يضحكُ؛ من الرضا، والرحمة، وكثرة الأفضال.
(تَمَنَّهْ): - الهاء للسكت -؛ كقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
* * *
стр. 4475
٣٠٣١ - (٧٤٣٨) - قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ: وَأَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ مَعَ أبِي هُرَيْرَةَ، لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِهِ شَيْئاً، حَتَّى إِذَا حَدَّثَ أبُو هُرَيرَةَ: أَنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ: "ذَلِكَ لَكَ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ"، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: "وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ"، يَا أَبَا هُرَيْرَةَ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَة حَفظْتُ إِلَّا قَوْلَهُ: "ذَلِكَ لَكَ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: شهدَ أنِّي حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلَهُ: "ذَلِكَ لَكَ، وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ".
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الجَنَّةِ دخُولًا الْجَنَّةَ.
(قال أبو هريرة: فذلك الرَّجلُ آخرُ أهلِ الجنةِ دخولًا الجنةَ): وقع في "صحيح أبي عوانة" في باب: صفة الشفاعة (١)، من طريق حذيفة بن اليمان، عن أبي بكر الصديق ﵁، قال: أصبح النبي ﷺ ذاتَ يومٍ، فصلى الغداةَ، ثم جلس، حتى إذا كان من الضحى، ضحكَ النبيُّ ﷺ ، فذكر حديثَ الشفاعة، وفي آخره: "ثم يقول الله ﵎: انْظُرُوا في النَّارِ هَلْ مِنْ أَحَدٍ عَمِلَ خَيْراً قَطُّ؟ قال: فَيَجِدُونَ في النَّارِ رَجُلًا، فيُقالُ لَهُ: هَلْ عَمِلْتَ مِنْ خَيْرٍ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لا، غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ أُسَامِحُ النَّاسَ في البَيْعِ، فَيَقُول: اسْمَحُوا لِعَبْدِي كَإِسْمَاحِهِ (٢) إِلَى عَبِيدِي، ثُمَّ يُخْرِجُونَ مِنَ النَّارَ رَجُلًا آخَرَ، فيقولُ: هَلْ عَمِلْتَ خَيْراً قَطُّ؟ فَيقُولُ: لا، غَيْرَ أَنَّي أَمَرْتُ وَلدِي إذا مِتُّ فَأَحْرِقُوني ثُمَّ اطْحَنُوني، حَتَى إِذَا كُنْتُ مِثْلَ الكُحْلِ، فَذَرُّوني في الرِّيح، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟ قَالَ: مِنْ مَخَافَتِكَ، فَقَالَ:
стр. 4476
انْظُرْ إِلَى مُلْكِ أَعْظَمِ مَلِكٍ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَهُ وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهِ، قَال: فَيَقُولُ: لِمَ تَسْخَرُ بي وَأَنْتَ المَلِكُ؟ فَذَلِكَ الَّذِي ضَحِكْتُ مِنْهُ مِنَ الضَّحَى" (١).
ولا يُعترض على هذا بقوله في الرواية التي وقعتْ في البخاري: "فَمَا تَلَافَاهُ أَنْ رَحِمَهُ" (٢)، وقولِه في رواية: "فَأمَرَ اللهُ البَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَالبَرَّ كَذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟ [قَالَ]: مِنْ مَخَافَتِكَ، فَغَفَرَ لَهُ" (٣)؛ لجواز أن يُحمل ذلك على أن هذا القولَ يكون بعدَ إخراجه من النار؛ ليجمعَ بين الأحاديث.
ووقع في "الزهد" لابن المبارك في زيادات الحسين، من طريق موسى بن عبيدة الزيدي، عن محمد بن كعب القرظيِّ، عن عوفِ بنِ مالكٍ الأشجعيَّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "قد عَلِمْتُ آخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ: رَجُل كَانَ يَسْأَلُ اللهَ في الدُّنْيا أَنْ يُجِيرَهُ مِنَ النارِ، وَلا يَقُولُ: أَدْخِلْني الجَنَّةَ، فَإِذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةِ، وأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، بَقِيَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبَّ! مَا لِي هَا هُنَا؟ فَيَقُولُ اللهُ : عَبْدِي! هَذَا مَا كُنْتَ تَسْألنِي يَا بْنَ آدَمَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ (٤)! قَرِّبْني إِلَى بَابِ الجَنَّةِ أَنْظُرُ إِلَيْهَا فَأجِدُ مِنْ رِيحِهَا، قَالَ (٥): فَيُقَرَّبُ مِنْ بَابِ الجَنَّةِ، فَيَرَى
стр. 4477
شَجَرَةً عِنْدَ بَابِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ! قَرِّبْني مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ أَسْتظِلُّ بِظِلِّهَا، وَآكُلُ مِنْ ثَمَرِهَا؟ فَيَقُولُ: يا بْنَ آدَمَ! أَلَمْ تَقُلْ؟ فَيَقُولُ: يا رَبِّ! وَأَيْنَ لي مِثْلُكُ؟ فَيُقَالُ (١) لَهُ: اذْهَبْ في الجَنَّةِ وَلَكَ مَا بَلَغَتْ قَدَمَاكَ، وَمَا نَظَرَتْ عَيْنَاكَ، قال: فَيَسْعَى في الجَنَّةِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ، قالَ: ذَاكَ لي؟ فَيَقُولُ اللهُ ﵎: ذَلِكَ لَكَ، وَمِثْلُهُ، وَعَشَرَةُ أمْثَالِهِ مَعَهُ" (٢).
ولا يعترض على ذلك بأن يقال: هذا لم يدخل النار، والذي في رواية أبي عوانة: "دخلَ النارَ، وأُخْرِجَ منها"؛ لجواز أن يُحمل ذلك على أن يُخرجَ من النار، ثم يُترك بينها وبين الجنة، ويُحمل دعاؤه بالإجارة على أنه أُجيرَ من الخلود (٣)؛ كذا قال في "الإفهام".
قلت: قولُه في الحديث: "فيقولُ الله : عبدي! هذا ما كنتَ تسألُني" يقتضي إجابةَ دعائه في الإجارة من النار، ولا يخطُر ببالِ داعٍ يدعو بالإجارة من النار إلا الإجارةُ من الدخول إليها، لا من الخلود بها؛ لأن العبدَ إنما يسأل وقاية الشرِّ من أصله، ففي الجمع بما قاله نظر.
ثم قال: وحيث يثبت (٤) هذا فيكون هذا هو الذي يُعرض عليه صغارُ ذنوبه، ويُشْفِق من كبارها.
ففي "صحيح مسلم" في أحاديث الإيمان قُبيل الوضوء: "إِنِّي لأَعْلَمُ
стр. 4478
آخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنْهَا: رَجُلٌ (١) يَؤْتَى بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا (٢) عَنْهُ كِبَارَهَا، [فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، وَتُرْفَعُ عَنْهُ كِبَارُهَا"] (٣) الحديث (٤).
وفي (٥) "تذكرة القرطبي" (٦): وقال ابن عمر: "آخرُ من يدخلُ الجنةَ رجلٌ من جُهينة يقالُ له: جهينة، يقولُ أهلُ الجنةِ: عندَ جُهينةَ الخبرُ اليقينُ" ذكره الميانشيُّ (٧)، ورواه الخطيبُ من حديث عبدِ الملكِ بنِ الحكم، [قال: ثنا مالكُ بنُ أنس، عن نافع، عن ابن عمر، وذكره، وفي آخره: "سَلُوهُ: هَلْ بَقِيَ مِنَ الخَلائِقِ أَحَدٌ؟ "، ورواه] (٨) الدارقطني في كتاب: رُواة مالك، ذكره السهيلي، وقد قيل: إن اسمه هناد، انتهى من "الإفهام" (٩).
* * *
عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ، أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ".
(هل تُضَارُون في رؤية الشمس إذا كانتْ صحواً): تُضَارُونَ: بتخفيف الراء؛ من الضير، والضميرُ المستكنُّ في قوله: إذا كانت؛ عائدٌ على السماء؛ لفهمها من السياق.
(فإنكم لا تُضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تُضارون في رؤيتهما (١)): هذا من تأكيد المدح بما يشبه الذم، وهو من أفضل ضربيه، وذلك أنه استُثني من صفةِ ذمٍّ منفيةٍ عن الشيء صفةُ مدحٍ لذلك الشيءِ بتقدير دخولها فيها؛ أي: إلا كما تُضارون في رؤية الشمس في حال صحو السماء؛ أي: إن كان ذلك ضيراً، فأثبت شيئاً من العيب على تقدير كونِ رؤيةِ الشمس في [وقت الصَّحْو من العيب، وهذا التقديرُ المفروضُ محالٌ؛ لأنه من كمال التمكُّن من] (٢) الرؤية دونَ ضررٍ يلحق الرائي، فهو في المعنى تعليقٌ بالمحال، فالتأكيدُ فيه من جهة أنه كدعوى الشيء ببينة (٣)؛ لأنه علق نقيضَ المدَّعى، وهو إثباتُ شيء من العيب بالمحال، والمعلَّق بالمحال محالٌ، فعدم العيب متحقق، ومن جهة (٤) أن الأصل في مطلق الاستثناء الاتصال؛ أي: كونُ المستثنى منه بحيثُ يدخلُ فيه المستثنى على تقدير السكوتِ عنه، وذلك لما تقرر في موضعه من أن الاستثناء المنقطع مَجازٌ،
стр. 4482
وإذا كان الأصل في الاستثناء الاتصال (١)، فذكرُ أداتهِ قبلَ ذكرِ ما بعدها يوهمُ إخراجَ الشيءِ مما قبلَها، فإذا وليها صفةُ مدح، وتحوَّلَ الاستثناءُ من الاتصال إلى الانقطاع، جاء التأكيد لما فيه من المدح على المدح، والإشعار بأنه لم يجد صفةَ ذمٍّ يستثنيها، فاضطُرَّ إلى استثناءِ صفة مدح، وتحول الاستثناء إلى الانقطاع.
(وغُبَّراتٌ من أهل الكتاب): - بضم الغين المعجمة وتشديد الباء الموحدة المفتوحة وتخفيف الراء -: بقايا من أهل الكتاب.
(كنا نعبد المسيحَ ابنَ الله، فيقال: كذبتُم، لم يكن لله صاحبةٌ ولا ولد): صرح أهلُ البيان بأن مورد الصدق والكذب هو النسبةُ التي تضمنها الخبر، فإذا قلت: زيدُ بنُ عمرٍو قائمٌ، فالصدقُ والكذبُ راجعانِ إلى القيام، لا إلى بُنُوَّةِ زيدٍ، وهذا الحديثُ يردُّ عليهم.
وحاول بعضُ المتأخرين الجوابَ بأن قال: إما أن يراد: كذبتم في عبادتكم لمسيحٍ موصوفٍ بهذه الصفة، أو فهم عنهم: أن قولهم: ابنُ الله بَدَلٌ.
(فيكشِفُ عن ساقِه): أي: عن شدةٍ يخلُقُها، أو يكشفُ عن أمر عظيم، يريد به: هولاً من أهوال يوم القيامة.
(ثم يؤتى بالجَسر): بفتح الجيم وكسرها (٢).
(مَدْحَضَةٌ مزلة): المَدْحَضَةُ: بفتح الميم والحاء، والدَّحض: ما يكون عنه الزَّلَقُ، والمَزِلَّةُ - بفتح الميم، وفتح الزاي وكسرها -: موضعُ تلكَ الأقدام.
مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، قَالَ: ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدّاً، فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ - قَالَ قَتَادَةٌ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: فَأَخْرُجُ، فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ - حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ"، أَيْ: وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ. قَالَ: ثُمَّ تَلَا هَذه الآيَةَ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. قَالَ: وَهَذَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وُعِدَهُ نَبِيُّكُمْ ﷺ .
(قال: يحبس المؤمنون يوم القيامة حتى يُهِمُّوا بذلك): قال الزركشي: هذه الإشارة إلى المذكور بعده، وهو حديث الشفاعة (١).
قلت: هو تكلُّف لا داعي إليه، والظاهر أن الإشارة راجعةٌ إلى الحبس المدلول عليه بقوله: "يُحْبَسُ المؤمنونَ"؛ أي: حتى يهموا بذلك الحبس.
(لو (٢) استشفعنا إلى ربنا فيريحَنا): بنصب "يريح"؛ لوقوعه في جواب التمني المدلول عليه بـ "لو"؛ أي: ليت لنا (٣) استشفاعاً فإراحةً.
(لستُ هناكم): أي: لستُ في المحل الذي تطلبونه، وهو محل الشفاعة فيكم.
(فأستأذنُ على ربي في داره): أي: أستأذنُ على ربي في حال كوني في جنته، فأضاف الدار إليه؛ تشريفاً لها؛ كما في الكعبة بيت الله.