(ستةً أو سبعةً): أي: ستة آثار، أو سبعة آثار، ويُحتمل الرفعُ على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي ستة، أو سبعة، والضمير عائد على (١) الآثار (٢)، ويُحتمل النصبُ على الحال من الضمير المستكِنِّ في قوله: بالحجر، فإنه ظرف مستقر صفة (٣) لندب (٤)؛ أي: إنه لندبٌ (٥) استقرَّ بالحجر حالة (٦) كونه ستةَ (٧) آثار أو سبعةً.
* * *
٢١٦ - (٢٧٩) - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "بَيْنَا أيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا، فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أيوبُ يَحْتَثِي في ثَوْبِهِ، فَنَادهُ رَبُّهُ: يَا أيوبُ! ألمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ! وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكتِكَ".
وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبةَ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "بيْنَا أيوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا".
(بينا أيوب يغتسل عريانًا، فخرَّ عليه جرادٌ من ذهب): الظاهر أن (٨)
стр. 527
قوله: "خر عليه جراد" هو جواب "بينا"، وقد اقترن بالفاء، والمعهود اقترانه بإذ (١) أو إذا (٢)، أو تجرده، فإما أن يُدَّعى زيادةُ الفاء، أو حذفُ شيء يكون جوابًا، وانظر ما تقديره.
(فجعل يَحْثي): -بحاء مهملة فثاء مثلثةِ-؛ من الحثية، وهي الأخذُ باليد.
ويروى: بزيادة مثناة من فوق بعد الحاء، يفتعلُ من الحثية.
ووقع عند الشيخ أبي (٣) الحسن: "يحتثن" بنون في آخره.
قال السفاقسي: ولم أجده في اللغة (٤).
(ألم أكن أغنيتك عما ترى؟): لا يُحمل هذا على المعاتية كما فهم بعضُهم، وإنما هو استنطاقٌ بالحجة.
* * *
باب: عَرَقِ الجُنُبِ، وأنَّ المسلمَ لا ينجُسُ
٢١٧ - (٢٨٣) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ وَهْوَ جُنُبٌ، فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ، فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: "أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ "، قَالَ: كُنْتُ جُنُبًا، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَناَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَقَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ! إِن المُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ".
стр. 528
(فانخنست منه): أي: انقبضت وتأخرت -بخاء معجمة بين نونين-.
ويروى: "فانبجست" -بنون فموحدة فجيم-؛ أي: اندفعت عنه.
ويروى: "فانبخست" من البخس الذي هو النقص، ووُجِّهت -على استبعادها- بأنه اعتقد نقصان نفسه بجنابته عن مجالسته (١).
ويروى: "فانتجست" -بنون فمثناة فجيم-؛ [من النجاسة؛ أي: اعتقدت نفسي نجسًا.
ويروى: "فانتجشت" -بنون فمثناة من فوق] (٢) فجيم فشين معجمة-؛ من النجش (٣)، وهو الإسراع.
فهذه (٤) خمسُ رواياتٍ مذكورةٌ (٥) في "تعليق العمدة" (٦).
(كنت جنبًا): أي: ذا جنابةٍ.
ويستعمل للمذكر والمؤنث، والواحد وغيره بلفظ واحد، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾ [المائدة: ٦] وقال بعض أزواجه ﵇: "إني (٧) كنتُ جنبًا" (٨).
стр. 529
وقد يقال: جنبان، وجنبون، وأجناب.
(سبحان الله!): تعجب من اعتقاد أبي هريرة التنجسَ (١) من الجنابة.
(إن المؤمن لا ينجس): مضارع نجُس -بفتح الجيم وضمها-، ويقال: "نَجِس" -بكسر الجيم- ينجَس -بفتحها-.
ويقال للشيء: نَجَسٌ: بمعنى (٢): أن عينَه نجسٌ (٣)، وبمعنى: أنه متنجِّس بإصابة النجاسة له (٤)، فيحمل ما في الحديث على المعنى الأول، لا الثاني؛ لإمكان تنجُّسه.
وطهارةُ الميتِ، ونجاستُه أمرٌ مختلَف فيه، والكلام فيه طويل لا يليق بهذا التعليق.
* * *
باب: الجنب يخرُجُ ويمشي في السُّوق وغيرِهِ
٢١٨ - (٢٨٤) - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قتادَةَ: أَنَّ أَنس بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ نبَيَّ اللَّهِ ﷺ كاَنَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ.
(زريع): -بزاي فراء- مصغَّر زَرْع.
(بين شُعَبها الأربع): -بضم الشين المعجمة وفتح العين المهملة-: جمع شُعْبَة.
قال ابن دقيق العيد: والأقربُ عندي أن المراد: يداها ورجلاها، أو رجلاها وفخذاها (١)، وكنى بذلك عن الجماع، واكتفى به عن التصريح (٢).
(ثم جهدها): قال الخطابي: الجهد: من أسماء النكاح (٣).
* * *
باب: غَسلِ ما يُصيبُ من فرج المرأةِ
٢٢٣ - (٢٩٣) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبي، قَالَ: أَخْبَرني أَبُو أيوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كعْبٍ: أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ؟ قَالَ: "يَغْسِلُ مَا مَسَّ المَرْأَةَ مِنْهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي".
قَالَ أبو عَبْدِ اللَّهِ: الْغَسْلُ أَحْوَطُ، وَذَاكَ الآخِرُ، وإنَّمَا بَيَّنَّا لاِخْتِلَافِهِمْ.
(وذلك (٤) الآخر): يروى: -بكسر الخاء (٥) -؛ أي: الأمر المتأخر من فعله (٦) ﵊، فهو ناسخ لما قبله.
стр. 533
ويروى: بفتح الخاء؛ أي (١): وذلك الوجه الآخَر إنما بيناه؛ لاختلافهم، ففيه جنوح (٢) لمذهب (٣) داود.
والجمهورُ على وجوب الغسل بالتقاء الختانين.
* * *
стр. 534
مصابيح الجامع
وهو شرح الجامع الصحيح للإمام البخاري المشتمل على بيان تراجمه وأبوابه وغريبه وإعرابه
تأليف
الإمام القاضي بدر الدين الدماميني أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن عمر القرشي المخزومي الإسكندراني المالكي
المولود في الإسكندرية سنة ٧٦٣ هـ والمتوفى في الهند سنة ٨٢٧ هـ - رحمه الله تعالى -
اعتنى به تحقيقا وضبطا وتخريجا
نور الدين طالب
بالتعاون مع لجنة مختصة من المحققين
[المجلد الثاني]
إصدارات
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
إدارة الشؤون الإسلامية - دولة قطر
стр. 535
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 536
مَصَابِيحُ الجَامِعِ
[٢]
стр. 537
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
ردمك: ٠ - ١٢ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨ ISBN
قَامَت بعمليات التنضيد الضوئي والإخراج الفني والطباعة
دَار النَّوَادِر لصَاحِبهَا ومديرها نور الدّين طَالب
سوريا - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦
لبنان - بيروت - ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤
هَاتِف: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠١١
www.daralnawader.com
стр. 538
كتابُ الحَيْضِ
стр. 539
كتاب الحيض
باب: كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الحَيْضِ وَقَوْلِ النَّبِي ﷺ : "هَذَا شَيْءٌ كتبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ "
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ أَوَّلُ مَا أُرْسلَ الحَيْضُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَحَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ أَكثَرُ.
(كتاب: الحيض).
(كان أولُ ما أرسل الحيضُ علي بني إسرائيل): أولُ -بالرفع-: اسم كان، والحيضُ مرفوع بـ "أُرسل" (١) نائب عن الفاعل، وعلي بني إسرائيل هو الخبر.
(وحديث النبي ﷺ ): يعني: أن قوله ﵊: "إِنَّ هَذَا (٢) أَمْرٌ كتبه الله علي بناتِ آدمَ" عامٌّ في جميع الآدميات.
ونقل الزركشي (٣) عن الداودي: أنه قال: ليس في الحديث مخالفة
стр. 540
لهذا القول؛ فإن نساء بني (١) إسرائيل من بنات آدم (٢).
قلت: المخالفة ظاهرة؛ فإن هذا القول يقتضي أن (٣) غير نساء بني إسرائيل لم يرسَلْ عليهن الحيض، والحديثُ ظاهر في أن جميع بنات (٤) آدم كُتب عليهن الحيض، إسرائيلياتٍ كُنَّ أو غيرَهن، [نعم، لو حمل هذا (٥) القول على أن المراد] (٦): إرسال (٧) الحيض إرسال حكمه؛ بمعنى أن كون الحيض مانعًا ابتدئ بهن الإسرائيليات، وحمل الحديث على قضاء الله تعالى على بنات آدم بوجود (٨) الحيض كما هو الظاهر منه (٩)، لم يكن ثَمَّ مخالفة، فتأمله.
* * *
باب: الأمرِ بالنُّفساء إذا نُفِسْنَ
٢٢٤ - (٢٩٤) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِم، قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ يَقُولُ: سَمِعْتُ
(بينا أنا مع النبي ﷺ (١) مضطجعة): -بالرفع- خبر، وبالنصب - حال من ضمير الظرف المستقر.
(في خميصةٍ (٢)): كساء أسود فيه أعلام.
(فأخذت ثياب حِيضتي): -بكسر الحاء-، وقد تقدم الفرقُ بينه وبين الفتح.
(في الخميلة): ثوب من صوف له خَمَلٌ.
وسأل ابن المنير (٣) عن فقه هذه الترجمة، وهي قوله: "باب: من سمى النفاسَ حيضًا"، وكيف يطابق الحديث، وإنما فيه تسمية الحيض نفاسًا؟
وأجاب: بأنه نبه على أن حكم النفاس والحيض في منافاة الصلاة (٤) ونحوِها واحدٌ، وألجأه إلى ذلك عدمُ وجدانه حديثًا في ذلك على شرطه، فاستنبط اتحادَهما في الحكم من هنا (٥).
وظن ابن بطال أنه يلزم من تسمية الحيض نفاسًا تسميةُ النفاس حيضًا (٦).
وليس كذلك (٧)؛ لجواز أن يكون (٨) كالإنسان والحيوان (٩).
стр. 545
وإنما الوجه أن الحيض سمي (١) نفاسًا؛ لأنه دم، والنفاس (٢): الدم (٣)، فقد اشترك هو والحيض في المعنى الذي لأجله سمي النفاس نفاسًا، فوجب جوازُ تسمية الحيض نفاسًا، وهذا ينبني على أن تسمية النفاس لم تكن لخروج (٤) النفس التي هي النسمة (٥)، وإنما كانت لخروج الدم. والله أعلم.
* * *
باب: مباشرةِ الحائضِ
٢٢٩ - (٣٠٠) وَكانَ يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَناَ حَائِضٌ.
(فَأَتَّزِرُ): -بتاء مشددة بعد الهمزة-، كذا ثبت في النسخ.
وقال المطرزي: الصوابُ: "أأَتَّزِرُ"، بهمزتين ثانيتهما (٦) فاء أَفتعل (٧)، من الإزار.
وقطع الزمخشري بخطأ الإدغام.
وجوزه ابن مالك، وقال: هو مقصور على السماع؛ كأتزر، وأتَّكل،
стр. 546
ومنه (١) قراءة ابن محيصن: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] بألف وصل وتاء مشددة (٢).
* * *
٢٣٠ - (٣٠٢) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبُو إِسْحَاقَ -هُوَ الشَّيْبَانِيُّ-، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كانَتْ إِحْدَاناَ إِذَا كانَتْ حَائِضًا، فَأَرَادَ رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يُبَاشِرَهَا، أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا. قَالَتْ: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ، كَمَا كَانَ النَّبِي ﷺ يَمْلِكُ إِرْبَهُ؟
تَابَعَهُ خَالِدٌ، وَجَرِيرٌ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ.
(أن تتزر (٣)): كما تقدم، وفي نسخة: "تأَتَّزِرُ (٤) " -بهمزة- على (٥) القياس (٦).
(في فور حيضتها (٧)): أي: في ابتدائها قبل أن يطول زمنها.
(ثم يباشرها): أي: تلاقي بشرتُه بشرتَها (٨)، ولا يريدُ الجماعَ.
стр. 547
(إِرْبه): قال القاضي: كذا رويناه عن كافة شيوخنا في هذه الأصول -بكسر الهمزة وسكون الراء-، وفسروه (١) بحاجته، وقيل: لعقله، وقيل: لعضوه (٢)(٣).
وقال أبو عبيد، والخطابي: كذا يقوله أكثر الرواة، والإرب: العضو، وإنما هو لأَرَبه -بفتح الهمزة والراء-، أو لأربته (٤)؛ أي: حاجته، قالوا: والأَرْب أيضًا: الحاجة.
قال الخطابي: والأول أظهر. انتهى (٥)(٦).
قلت: هذه الحاجة (٧) من الخطابي في مخالفة الأكثرين بلا مُرَجِّع، فإذا ثبتت (٨) الرواية هكذا، والمعنى صحيح كما اعترف به، فما هذا التعسُّفُ؟!
* * *
باب: تركِ الحائض الصومَ
٢٣١ - (٣٠٤) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
стр. 548
جَعْفَرٍ، قَالَ: أخْبَرَنِي زيدٌ -هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ-، عَنْ عِياضِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ فِي أَضْحًى، أَوْ فِطْر، إِلَى الْمُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ النِّسَاءَ! تَصَدَّقْنَ؛ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أكثَرَ أَهْلِ النارِ". فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "تُكْثِرْنَ اللعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، مَا رَأيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إحْدَاكُنَّ". قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِيننَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "أليْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ ". قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: "فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أليْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ ". قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: "فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينهَا".
(فذلكِ من نقصان عقلها): -بكسر الكاف- وكذا: "فذلكِ من نقصان دينها"؛ لأن الخطاب لمؤنث.
فإن [قلت: إنما هو خطاب لإناث، والمعهودُ فيه فَذَلِكُنَّ] (١)؟
قلت: قد عُهد في خطاب المذكر الاستغناءُ بذلكَ عن ذلكم، قال الله تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]. ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٢]، فهذا مثلُه في المؤنث، على أن بعض النحاة نقل لغة بأنه يُكتفى -بكاف مكسورة- مفردة لكل مؤنث.
فإن قلت (٢): هل تتلمح (٣) وجهًا آخر للإفراد؟
стр. 549
قلت: نعم، وذلك بأن (١) يكون الخطاب لغير معين (٢) من النساء؛ ليعم الخطاب كلًّا منهن على سبيل البدل؛ إشارةً إلى أن حالتهن (٣) في النقص تناهت (٤) في الظهور إلى حيث يمتنع خفاؤها، فلا يختص بها واحدةً دون أخرى، فلا يختصُّ حينئذٍ بهذا الخطاب مخاطَبَةٌ دون مخاطَبَةٍ، ولقد (٥) أبعدَ من قال: إن (٦) المرادَ بالعقل هنا (٧): الدِّيَةُ.
* * *
باب: تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ أَنْ تَقْرَأَ الآيَةَ. وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالْقِرَاءَةِ لِلْجُنُبِ بَأْسًا. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كلِّ أَحْيَانِهِ. وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: كُنَّا نؤمَرُ أَنْ يَخْرُجَ الْحُيَّضُ فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَخْبَرَني أَبُو سُفْيَانَ: أَنَّ هِرَقْلَ دَعَا بِكِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَرَأَ، فَإِذَا فِيهِ: "بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، وَ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] ".
مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا نكتَحِلُ، وَلَا نَتَطَيَّبُ، وَلَا نلبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَقَدْ رُخِّصَ لنا عِنْدَ الطُّهْرِ، إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَاناَ مِنْ مَحِيضِهَا، فِي نُبْذَةٍ مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ، وَكُنَّا نُنْهَى عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ.
قَالَ: رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(أن نُحِدَّ): بضم أوله وكسر ثانيه، وبفتح الأول وضم (١) الثاني.
(ولا نكتحلُ): -بالرفع-، وليس معطوفًا على المنصوب المتقدم؛ لفساد المعنى.
(ثوب عَصْب): -بعين مفتوحة وصاد ساكنة وكلاهما مهمل-: نوع من البرود يُعْصَبُ (٢) غزلُه، ثم يُصبغ.
(كست أظفار): قال ابن بطال: كذا روي، والصواب: "ظفار": ساحل من عدن، والكست والقسط لغتان (٣).
(ابن حسان): بالصرف من الحُسْن، وعدمِه من الحِسِّ.
* * *
باب: دَلْكِ المرأة نفسَها إذا تطهَّرت من المحيضِ
٢٣٧ - (٣١٤) - حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورِ
стр. 554
ابْنِ صَفِيَّةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ، فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ، قَالَ: "خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ، فَتَطَهَّرِي بِهَا". قَالَتْ: كَيْفَ أتطَهَّرُ؟ قَالَ: "تَطَهَّرِي بِهَا". قَالَتْ: كَيْفَ؟ قَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ! تَطَهَّرِي". فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ، فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أثرَ الدَّمِ.
(أن امرأة سألت النبي ﷺ ): وفي (١) الباب الذي بعده: "من الأنصار"، قيل: هي أسماء بنت شَكَل.
وقال الخطيب في "مبهماته": إنها أسماءُ بنتُ يزيدَ بنِ السَّكَنِ خطيبةُ النساء، وصوبه بعض المتأخرين؛ لأنه ليس في (٢) الأنصار مَنِ اسمُه شَكَل، وتُعقب بجواز تعدُّد الواقعة (٣).
(فِرْصَة):-بفاء مكسورة وصاد مهملة-: قطعة، وقيل: -بفتح القاف والصاد المهملة-؛ أي: شيئًا يسيرًا مثل القرصة بطرف الإصبعين، وقال ابن قتيبة: إنما هو -بالقاف [والضاد المعجمة-؛ أي: قطعة (٤).
قلت: لا مجال للرأي في مثله، والرواية ثابتة بالفاء (٥)] (٦) والصاد المهملة، والمعنى صحيح بنقل أئمة (٧) اللغة.
стр. 555
(من مِسك): -بكسر الميم- في المشهور، وقيل: -بفتحها-: قطعة من (١) الجلد (٢).
وقال ابن قتيبة: ليس المرادُ المِسْكَ؛ لأن العرب لم يكن في وُسعهم استعمالهُ، وإنما معناه: الإمساك، وقد سُمع: مَسَكه مَسْكًا (٣).
* * *
باب: غسلِ المحيضِ
٢٣٨ - (٣١٥) - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ : كيْفَ أَغْتَسِلُ مِنَ الْمَحِيضِ؟ قَالَ: "خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً، فَتَوَضَّئِي ثَلَاثًا". ثمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَحْيَا، فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ، أَوْ قَالَ: "تَوَضَّئِي بِهَا". فَأَخَذْتُهَا فَجَذَبْتُهَا، فَأَخْبَرْتُهَا بِمَا يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ .
(ممسَّكةً): اسم مفعول من مَسَّكتها (٤): إذا طَيَّبتها (٥) بالمسك، ومنهم من كسر السين، والأول (٦) يدفع إنكارَ ابن قتيبة.
* * *
стр. 556
باب: امتشاطِ المرأةِ عند غُسلها من المحيضِ
٢٣٩ - (٣١٦) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ: أَن عَائِشَةَ قَالَتْ: أَهْلَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَداعِ، فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعِ وَلَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ، وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذِهِ لَيْلَةُ عَرَفَةَ، وَإِنَّمَا كنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرَةٍ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرتكِ". فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْتُ الْحَجَّ، أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ، فَأعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعِيم، مَكَانَ عُمْرتي الَّتِي نَسَكْتُ.
(فزعمت أنها حاضت، ولم تطهر حتى دخلت ليلة عرفة): قال ابن المنير: فيه دليل على أن حيض عائشةَ كان ثلاثةَ أيام خاصة؛ لأنه ﵇ دخل مكة في الخامس من ذي الحجة، فحاضت يومئذ، وطهرت (١) يومَ عرفة. انتهى.
فإن قلت: ليس في هذا (٢) الحديث أنها حاضت يومئذ، فلا دليل فيه.
قلت: في باب: كيف تهل الحائض بالحج والعمرة: فقال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةِ" إلى آخر كلامه، قالت: فحضتُ، ففيه دليل على أن حيضها كان بفور (٣) يومَ (٤) القدوم إلى مكة، قالت: فلم أزل
(ليلة الحصْبة): -بحاء مهملة وصاد ساكنة-: ليلةَ نزولهم المُحصَّب؛ موضعٍ خارجَ مكةَ.
(مكان عمرتي التي نسكت (١)): -بنون في أوله-؛ من النسك، كذا لأبي ذر، ورواه أبو زيد: "سَكَتُّ"؛ من السكوت، قيل: كأنها تعني: سَكَتُّ عنها (٢).
* * *
باب: مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ
(باب: مخلقة وغير مخلقةٍ): قال ابن المنير: أدخل هذه الترجمة في أبواب الحيض؛ لينبه بها على أن دم الحامل ليس بحيض؛ لأن الحمل إن تم، فالرحمُ مشغول به، وما ينفصل عنه من دم، إنما هو (٣) رشحُ غذائه، أو فضلته (٤)، ونحو ذلك، فليس بحيض، وإن لم يتمَّ، وكانت المضغةُ غيرَ مخلقة، مَجَّها (٥) الرحم مضغةً مائعةً حكمُها حكمُ الولد، فكيف يكون الولد حيضًا؟
٢٤١ - (٣١٨) -حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّاد، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ
وروي: بكسر (١) أوله وفتح ثانيه، جمع دُرَجَة.
(القَصّة (٢)): -بقاف مفتوحة وصاد مهملة مشددة-: ماء أبيض يخرج آخر الحيض، فيتبين نقاءُ الرحم، شُبه بالقصة، وهي الجيرُ (٣).
وقال (٤) أبو عبيد الهروي: معناه: أن يخرج ما تحشي به الحائض نقيًّا كالقصة، كأنه ذهب إلى الجفوف (٥).
قال القاضي: وبينهما (٦) عند (٧) النساء وأهل المعرفة (٨) فرق بيِّن (٩). انتهى (١٠).
وسببه أن الجفوف عَدَم، والقَصَّة وجود، والوجودُ أبلغُ دلالةً، وكيف لا والرحمُ قد يجف في أثناء الحيض؟ وقد تنظف (١١) الحائض فيجف رحمُها ساعة، والقَصة لا تكون إلا طهرًا.
* * *
стр. 561
باب: لا تقضي الحائضُ الصلاةَ
٢٤٢ - (٣٢١) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قتادَةُ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ: أَنَّ امْرَأةً قالَت لِعَائِشَةَ: أتجْزِي إِحْدَاناَ صَلَاتَهَا إِذَا طَهُرَتْ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ كنَّا نحَيضُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَا يَأْمُرُناَ بِهِ، أَوْ قَالَتْ: فَلَا نَفْعَلُهُ.
(حدثتني معاذةُ: أن امرأة قالت لعائشة): وقع في مسلم ما يقتضي أن هذه المرأة هي معاذة (١).
(أتجزي إحدانا صلاتها): تَجزي: -بفتح المثناة من فوق وآخره آخر الحروف-، وصلاتَها: منصوبٌ مفعول تجزي، ومعناه: [أتقضي إحدانا صلاتها؟ وهو مثل قوله في الرواية الأخرى (٢)] (٣): "أتقضي إحدانا الصلاةَ أيامَ حيضها؟ " (٤).
* * *
باب: مَنِ اتَّخَذَ ثِيَابَ الْحَيْض سِوَى ثِيَابِ الطُّهْرِ
(باب: من اتخذ ثياب الحيض سوى ثياب الطهر): قال ابن بطال: لا يعارض حديث هذا الباب قولَ عائشة: ما كان لإحدانا إلا ثوبٌ واحدٌ تحيض فيه؛ لأن هذا في بدء الإسلام؛ لقلة ذات اليد، ثم وسع الله