← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

باب: لا تقضي الحائضُ الصلاةَ ٢٤٢ - (٣٢١) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قتادَةُ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ: أَنَّ امْرَأةً قالَت لِعَائِشَةَ: أتجْزِي إِحْدَاناَ صَلَاتَهَا إِذَا طَهُرَتْ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ كنَّا نحَيضُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَا يَأْمُرُناَ بِهِ، أَوْ قَالَتْ: فَلَا نَفْعَلُهُ. (حدثتني معاذةُ: أن امرأة قالت لعائشة): وقع في مسلم ما يقتضي أن هذه المرأة هي معاذة (١). (أتجزي إحدانا صلاتها): تَجزي: -بفتح المثناة من فوق وآخره آخر الحروف-، وصلاتَها: منصوبٌ مفعول تجزي، ومعناه: [أتقضي إحدانا صلاتها؟ وهو مثل قوله في الرواية الأخرى (٢)] (٣): "أتقضي إحدانا الصلاةَ أيامَ حيضها؟ " (٤). * * * باب: مَنِ اتَّخَذَ ثِيَابَ الْحَيْض سِوَى ثِيَابِ الطُّهْرِ (باب: من اتخذ ثياب الحيض سوى ثياب الطهر): قال ابن بطال: لا يعارض حديث هذا الباب قولَ عائشة: ما كان لإحدانا إلا ثوبٌ واحدٌ تحيض فيه؛ لأن هذا في بدء الإسلام؛ لقلة ذات اليد، ثم وسع الله

стр. 562

عليهم (١) بالغنائم والفتوح، فاتخذ النساء للحيض ثيابًا غيرَ ثياب اللباس (٢). قال ابن المنير: ويجوز أن يكون ثياب الحيضة: خرقها، وحفاظها، ونحوهما (٣)، وكنّت عنها (٤) بالثياب تجملًا وتأدبًا. * * * باب: شهودِ الحائضِ العيدين ودعوة المسلمينَ، ويعتزلْنَ المُصلَّى ٢٤٣ - (٣٢٤) - حَدَّثَنَا محمد -هُوَ ابْنُ سَلَامٍ-، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ، قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ فِي الْعِيدَيْنِ، فَقَدِمَتِ امْرَأةٌ، فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ، فَحَدَّثَتْ عَنْ أُخْتِهَا، وَكَانَ زَوْجُ أُخْتِهَا غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَيْ عَشَرَةَ، وَكَانَتْ أختِي مَعَهُ فِي سِتٍّ، قَالَتْ: كُنَّا نُدَاوِي الْكَلْمَى، وَنقُومُ عَلَى الْمَرْضَى، فَسَألتْ أُخْتِي النَّبِيَّ ﷺ : أَعَلَى إِحْدَاناَ بَأْسٌ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ، أَنْ لَا تَخْرُجَ؟ قَالَ: "لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا، وَلْتَشْهَدِ الْخَيْرَ، وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ". فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ، سَأَلْتُهَا: أَسَمِعْتِ النَّبِي ﷺ ؟ قَالَتْ: بِأَبِي! نعمْ، وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُهُ إِلَّا قَالَتْ: بِأبِي! سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "يَخْرُجُ الْعَوَاتِقُ، وَذَوَاتُ

стр. 563

الْخُدُورِ، أَوِ الْعَوَاتِقُ ذَوَاتُ الْخُدُورِ، وَالْحُيَّضُ، وَلْيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ، وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّض الْمُصَلَّى". قَالَتْ حَفْصَةُ: فَقُلْتُ: اَلْحُيَّضُ؟ فَقَالَتْ: أليْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ، وَكَذَا وَكَذَا؟ (قالت: بأبي! نعم): أي: أفدي (١) بأبي المذكورَ، قال ابن (٢) مالك: وفيه أربعة أوجه: أحدها (٣): سلامة الهمزة والياء، والثاني: إبدالها ياء (٤) وسلامة الياء (٥)، والثالث: سلامة (٦) الهمزة وإبدال الياء ألفًا، والرابع: إبدال الهمزة ياء والياء ألفًا (٧). (قالت حفصة: فقلت: آلحُيَّض؟): بالمد على الاستفهام مرفوع؛ أي: أتخرج الحُيَّض (٨)؟ * * *

стр. 564

باب: إِذَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ، وَمَا يُصَدَّقُ النِّسَاءُ فِي الْحَيْضِ وَالْحَمْلِ، فِيمَا يُمْكِنُ مِنَ الْحَيْضِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيٍّ وَشُرَيْحٍ: إِنِ امْرَأةٌ جَاءَتْ بِبيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا، مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ: أَنَّهَا حَاضَتْ ثَلَاثًا فِي شَهْرٍ، صُدِّقَتْ. وَقَالَ عَطَاءٌ: أَقْرَاؤُهَا مَا كَانَتْ. وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: الْحَيْض يَوْمٌ إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ. وَقَالَ مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ: سَأَلْتُ ابْنَ سِيرِينَ عَنِ الْمَرْأَةِ تَرَى الدَّمَ، بَعْدَ قَرْئِهَا بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ؟ قَالَ: النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ. (وقال معتمر (١) عن أبيه): معتمر: اسمُ فاعل من اعتمر. * * * باب: الصفرة والكُدرةِ في غير أيام الحيضِ ٢٤٤ - (٣٢٦) - حَدَّثَنَا قُتَيْبةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: كنَّا لَا نعدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيئًا. (كنا لا نعدُّ الكدرةَ والصفرة (٢) شيئًا): حمله البخاري وغيره على أن الكدرة والصفرة لا تعد شيئًا في غير أيام الحيض.

стр. 565

ومالك (١) ﵁ يرى أنهما (٢) حيض مطلقًا، وأورد عليه حديث أم عطية. قال ابن المنير: ولم لا يُحمل قولُها (٣): "على الطهر"؟ أي: كنا لا نعد الصفرة والكدرة في آخر الحيض طُهرًا بخلاف القَصَّة البيضاء (٤). * * * باب: عِرقِ الاستحاضةِ ٢٤٥ - (٣٢٧) - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبي ذِئْبٍ، عَنِ ابْنِ شهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبعَ سِنِينَ، فَسَألتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، فَقَالَ: "هَذَا عِرْقٌ". فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. (أن أم حبيبة استُحيضت سبع سنين): هي أم حبيبة بنتُ جحش، لا أمُّ حبيبةَ زوجُ النبي ﷺ ، وقد عد المنذري المستحاضات في عهد النبي ﷺ ، فذكرهن خمسًا: حَمْنَةُ بنتُ جحش، وأُمُّ حبيبةَ بنتُ جحش، وفاطمةُ بنتُ أبي حُبيش واسمه قيس، وسهلةُ بنتُ سهيلٍ (٥) القرشيةُ العامرية،

стр. 566

وسَوْدَةُ بنتُ زمعةَ. * * * باب: الصَّلاةِ على النُّفَساءِ وسُنَّتِها ٢٤٦ - (٣٣٢) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شَبَابَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبةُ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّم، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: أَنَّ امْرَأةً مَاتَتْ فِي بَطْنٍ، فَصَلَّى عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَامَ وَسَطَهَا. (ابن أبي سُريج): بسين مهملة مضمومة وجيم، مصغَّر. (شَبَابَة): بشين معجمة وموحدتين خفيفتين. (أن امرأة ماتت في بطن): أي: في حمل. (فصلى عليها النبي ﷺ ): في "صحيح مسلم": قال سمرة: "صليتُ خلفَ النبي ﷺ على أم كعبٍ ماتت وهي نُفَساء" (١)، قيل: فهذه الرواية فيها بيان المبهم (٢)، قال ابن الأثير: وهي أنصارية (٣). (فقام وسَطها): -بفتح السين-، وقد روي بالسكون، وهو يرد على من قال: يقف في المرأة عند منكبها. * * *

стр. 567

باب ٢٤٧ - (٣٣٣) - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانة -اسْمُهُ الْوَضَّاحُ- مِنْ كِتَابِهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ خَالَتِي مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهَا كَانَتْ تَكُونُ حَائِضًا لَا تُصَلِّي، وَهْيَ مُفْتَرِشَةٌ بِحِذَاءِ مَسْجدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهْوَ يُصَلِّي عَلَى خُمْرَتِهِ، إِذَا سَجَدَ، أَصَابَنِي بَعْضُ ثَوْبِهِ. (بحِذاء): بحاء مهملة مكسورة فذال (١) معجمة. (مسجد رسول الله ﷺ ): قال الزركشي: أي: موضع سجوده (٢)، ليس المسجدَ المشهور (٣). قلت: المنقول عن سيبويه: أنه إذا أُريد موضعُ السجود، قيل: مسجَد -بالفتح- لا غير. (على خُمرته): -بخاء معجمة مضمومة-: هي ما يُصنع من (٤) سَعَف النخل بقدر ما يوضع عليه الوجهُ والكفَّان، فإن (٥) زاد على ذلك، فهو حصير.

стр. 568

قيل: وسميت خمرة (١)؛ لأنها تستر وجه المصلي عن حر الأرض، ومنه الخمار. * * *

стр. 569

كتاب التيمم

стр. 570

كتاب التيمم باب ٢٤٨ - (٣٣٤) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِم، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِه، حَتَّى إِذَا كنَّا بِالْبَيْدَاءِ، أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ، انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ، وَأقامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَقَالُوا: أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسِ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ واضعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ ناَمَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ؟! فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرتي، فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَصبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّم، فتَيَمَّمُوا، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَأَصَبْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ.

стр. 571

(كتاب: التيمم). (كنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره): قيل: هي غزوة بني المصطلق، وهي المُريسيع (١) سنةَ أربع أو خمس أو ست، أقوال، الصحيحُ: الآخِر. (بالبيداء): هي (٢) ذو الحليفة. (أو بذات الجيش): وراء (٣) ذي الحليفة. (انقطع (٤) عقد لي (٥)): ليس مرادها أنه لها بطريق الملك؛ بدليل ما في الباب الذي بعده: أنها استعارت من أسماءَ قلادةً، فجعلت العقدَ لها (٦) باعتبار حيازتها واستحقاقها لمنفعته (٧)، أو الانتفاع به. (فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟!): -بإثبات الألف- داخلة على "لا"، وعند الجمهور: بسقوطها. (يطعُنني): -بضم العين-، وحكي فتحها. وقيل: الفتح للقول، والضم للرمح. وقيل: كلاهما بالضم، حكاه في "الجامع".

стр. 572

(في خاصرتي): أي: جَنْبي. (فأنزل الله آية التيمم): ولم يقل: آية الوضوء، وإن كان مبدوءًا به في الآية؛ لأن الطارئ في ذلك الوقت حكمُ التيمم، والوضوءُ كان مُقَرًّا (١) قبلُ، يدل عليه: "وليس معهم ماء". (أُسيد): تصغير (٢) أسد. (ابن الحضير): بحاء مهملة وضاد معجمة، مصغر. * * * ٢٤٩ - (٣٣٥) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ (ح). قَالَ: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -هُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ الْفَقِيرُ-، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نصُرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجدًا وَطَهُورًا، فَأيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أمُّتِي أَدْرَكتْهُ الصَّلَاةُ، فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً". (ابن سنان): واحد الأسنة. (يزيد): من الزيادة.

стр. 573

(الفقير (١)): أي: الذي به (٢) علة في (٣) فَقار ظهره، وليس المراد: الفقيرَ من المال. (نصرت بالرعب): وهو الخوف؛ لتوقع محذور. (مسيرة شهر): قيد في الخصوصية المذكورة، وذلك لا ينفي وجود الرعب من (٤) غيره في أقل من هذه المسافة، نعم، ويقتضي أنه لم يوجد لغيره في هذه المسافة، ولا (٥) في أكثرَ منها. (مسجدًا): الظاهر أنه من مجاز التشبيه؛ إذ المسجدُ حقيقةٌ عرفيةٌ في المكان المبني للصلاة، فلما جازت الصلاة في الأرض كلها، كانت كالمسجد في ذلك، فأطلق (٦) عليها اسمه. فإن قيل (٧): أي داع إلى العدول عن حمله على حقيقته اللغوية، وهي (٨) موضع السجود؟ قلنا: إن بنينا (٩) على ما مر من قول سيبويه، فواضح، وإن جوز

стр. 574

الكسر فيه، فالظاهر أن الخصوصية هي (١) كونُ الأرض محلًا لإيقاع الصلاة بجملتها فيها، لا لإيقاع السجود فقط؛ فإنه لم ينقل عن الأمم الماضية أنها كانت تخص السجود بموضع دون موضع. (وطَهورًا): أخذ منه بعض المالكية أن لفظ (٢) طَهور يُستعمل لا في رفع حدث، ولا إزالة (٣) خبث، وتوسل بذلك إلى القدح في استدلال الشافعية على نجاسة الكلب بقوله ﷺ : "طَهُورُ إِناَءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ أَنْ يُغْسَلَ سَبْعًا" (٤)؛ حيث قالوا: كل (٥) طهور يستعمل إما عن حدث، أو (٦) خبث، ولا حدث، فتعين الخبثُ، فمنع هذا المالكي الحصر بأنها (٧) تستعمل في إباحة الاستعمال كما في التراب. (وأُعطيت الشفاعة): الأقربُ أن الألف واللام فيه للعهد، والمراد: شفاعتُه العظمى المختصةُ به (٨) بلا خلاف. (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس (٩) عامة): لا يرد عليه أن نوحًا ﵇ بعد خروجه من الفلك كان مبعوثًا إلى

стр. 575

أهل الأرض عامةً، وهم الناجون معه؛ إذ لم يبق إذ ذاك (١) معه (٢) غيرُهم؛ لأن هذا العموم لم يكن في أصل البعثة، [وإنما هو بحادث (٣)، وعمومُ رسالة نبينا ﷺ ثابت في أصل البعثة] (٤). * * * باب: إذا لم يجدْ ماءً ولا ترابًا ٢٥٠ - (٣٣٦) - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً، فَهَلَكَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا، فَوَجَدَهَا، فَأَدْركتهم الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَصَلَّوْا، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّم، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ لِعَائِشَةَ: جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا، فَوَاللَّهِ! مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ، إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكِ لَكِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا. (فبعث رسول الله ﷺ رجلًا، فوجدها (٥)): هو أُسيد بن حُضير كما جاء (٦) في رواية: "بعثَ أُسيدَ بن حُضيرٍ وأناسًا معه" (٧).

стр. 576

باب: التَّيَمُّم فِي الْحَضَر، إِذَا لَمْ يَجدِ الْمَاءَ، وَخَافَ فوْتَ الصَّلَاةِ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَقَالَ الْحَسَنُ فِي الْمَرِيضِ عِنْدَهُ الْمَاءُ وَلَا يَجدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ: يَتَيَمَّمُ. وَأَقْبَلَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ أَرْضِهِ بِالْجُرُفِ، فَحَضَرَتِ الْعَصْرُ بِمِرْبَدِ النَّعَم، فَصَلَّى، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَة، فَلَمْ يُعِدْ. (بالجُرُف (١)): بجيم وراء (٢) مضمومتين. قال ابن الأثير في "نهايته": موضع قريب من المدينة (٣). قال القاضي: وهو على ثلاثة أميالٍ منها (٤). (بمِرْبَد النَّعَم): -بميم مكسورة وراء ساكنة وموحدة مفتوحة ودال مهملة-: هو موضع على ميلين من المدينة. (فصلى (٥)). لم يذكر البخاري أنه تيمم، وقد رواه مالك (٦) وغيره. * * * ٢٥١ - (٣٣٧) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:

стр. 577

أَقْبَلْتُ أَناَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونة زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ أَبُو الْجُهَيْم: أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ ويَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵇. (عبد الله بن يسار): بمثناة من تحت فسين مهملة. (على أبي جُهيم): بضم الجيم، مصغر. (من نحو بئر جمل): -بجيم-: موضع بالمدينة، فيه مال من أموالها. قال الزركشي: وأَثرُ ابن عمر فيه التيممُ في السفر القصير (١)، لا في (٢) الحضر، والحديثُ ليس فيه التيمم لرفع الحدث، بل للذِّكْر؛ فإنَّ ردَّ السلام يجوز على غير طُهر (٣). قلت: مراده (٤) الاعتراض على البخاري بأن ما ساقه لا يدل على مضمون ترجمته، وهو التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء، وخاف فوات الوقت، وهذا أمر سبقه إليه غيره. وأجيب (٥): بأن كلًّا من الأثر، والحديث يدل على المقصود من باب أولى.

стр. 578

أما الأثر، فإن (١) ابن عمر تيمم بمربد النعم (٢)، وهو طرف المدينة (٣)، وقد بقي عليه من الوقت بقية؛ لأنه خشي فوت الوقت الفاضل، فأحرى أن يتيمم (٤) الحضريُّ الذي يخشى خروج الوقت كله. وأما الحديث، فلأنه (٥) تيمم في الحضر لما ليست الطهارة شرطًا (٦) فيه؛ محافظةً على الذِّكْر بطهارة، فتيممُ الحاضرِ للصلاة التي الطهارةُ شرطٌ فيها مع كونه خاشيًا لخروج وقتها أحقُّ وأحرى. * * * باب: المتيمِّمُ هل ينفخُ فيهما ؟ ٢٥٢ - (٣٣٨) - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أبيهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ، فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كنَّا فِي سَفَرٍ أَناَ وَأَنْتَ، فَأَمَّا أَنْتَ، فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَناَ فتمَعَّكْتُ، فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ: "إنَّمَا كانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا". فَضَرَبَ النبيُّ ﷺ بِكَفَّيهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فيهِمَا، ثُمَّ

стр. 579

مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ؟ (ابن أَبْزى): بهمزة مفتوحة وموحدة ساكنة وزاي. (إني أَجنبت): -بهمزة مفتوحة وجيم-، يقال: أجنبَ الرجلُ، وجَنُبَ -بالضم (١) - وجَنَب -بالفتح-. (فتمعكت فصليت): قال ابن دقيق العيد: كأنه لما رأى أن (٢) الوضوء خاصٌّ ببعض الأعضاء، وكان بدلُه -وهو التيممُ- خاصًّا أيضًا، فوجب (٣) أن يكون بدلُ الغسل الذي يعمُ جميعَ البدن عامًّا له أيضًا. (إنما كان يكفيك هكذا (٤)): قال ابن حزم: فيه إبطال القياس؛ لأن عمارًا قاس التيمم للجنابة على الغسل لها، فأبطل ذلك رسول الله ﷺ . ورُدَّ بأنه لا يلزم من بطلان هذا القياس الخاص بطلانُ القياس على وجه (٥) العموم، والقائسون (٦) لا يعتقدون صحةَ كل قياس (٧). * * *

стр. 580

باب: التيمُّم للوجهِ والكفَّينِ ٢٥٣ - (٣٤٠) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنِ الْحَكَم، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ شَهِدَ عُمَرَ، وَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ: كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ، فَأَجْنَبْنَا. وَقَالَ: تَفَلَ فِيهِمَا. (تفَل): بمثناة من فوق وفاءٍ مفتوحةٍ (١). * * * ٢٥٤ - (٣٤١) - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ كثِيرٍ، أخبرنا شُعْبةُ، عنِ الحَكَم، عنْ ذَرٍّ، عنِ ابنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ أَبْزَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ، قالَ: قالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ: تَمَعَّكْتُ، فَأتيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "يَكْفِيكَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّينِ". (فقال: يكفيك الوجهُ والكفين): برفع الوجه على الفاعلية، ونصب الكفين على أنه مفعول معه، ويرفع بالعطف (٢)، وهو الأجود، وظاهر كلام (٣) ابن مالك: أن ثم رواية بجر الوجه؛ فإنه قال: وفي جر الوجه (٤) مِن "يكفيك الوجهِ والكفين" وجهان: أحدهما: أن الأصل يكفيك مسحُ الوجه، فحذف المضاف، وبقي المجرور به على ما كان عليه.

стр. 581

والثاني: أن تكون الكاف حرف جر زائدًا (١)؛ كما في: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. قلت: يدفعه كتابةُ الكاف متصلة بالفعل. ثم قال: ويجوز على هذا الوجه رفعُ الكفين بالعطف على موضع الوجه (٢)، فإنه فاعل (٣). * * * باب: الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِم، يَكْفِيهِ مِنَ الْمَاءِ وَقَالَ الْحَسَنُ: يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ مَا لَمْ يُحْدِثْ. وَأَمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُتَيَمِّمٌ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى السَّبَخَةِ، وَالتَّيَمُّم بِهَا. (على السَّبَخَة): -بفتحات وسين مهملة وخاء معجمة-: الأرض المالحة، وجمعها سِباخٌ، فإذا وُصفت بها الأرض، كسرت الباء. * * * ٢٥٥ - (٣٤٤) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ، قَالَ: كنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبيِّ ﷺ ، وَإِنَّا أَسْرَيْنَا، حَتَّى كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَقَعْنَا وَقْعَةً، وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ الْمُسَافِرِ مِنْهَا، فَمَا أَيْقَظَنَا إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ

стр. 582

اسْتَيْقَظَ فُلَانٌ، ثُمَّ فُلَانٌ، ثُمَّ فُلَانٌ -يُسَمِّيهِم أَبُو رَجَاءٍ، فَنَسِيَ عَوفٌ-، ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب الرَّابعُ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا ناَمَ، لَمْ يُوقَظْ حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ لأَنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ فِي نومِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ، وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ، وَكَانَ رَجُلًا جَلِيدًا، فَكَبَّرَ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، فَمَا زَالَ يُكَبِرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، حَتَّى اسْتَيْقَظَ بِصَوْتهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ، شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ، قَالَ: "لَا ضَيْرَ، أَوْ: لَا يَضِيرُ، ارْتَحِلُوا". فَارْتَحَلَ، فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ نزَلَ، فَدَعَا بِالْوَضُوءِ فتوَضَّأَ، وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صلَاتِهِ، إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ، قَالَ: "مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ؟ ". قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، وَلَا مَاءَ، قَالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ؛ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ". ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَاشْتكَى إِلَيْهِ النَّاسُ مِنَ الْعَطَش، فَنَزَلَ فَدَعَا فُلَانًا -كَان يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ، نسَيَهُ عَوْفٌ-، وَدَعَا عَلِيًّا، فَقَالَ: "اذْهَبَا فَابْتَغِيَا الْمَاءَ". فَانْطَلَقَا، فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ، أَوْ سَطِيحَتَيْنِ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، فَقَالَا لَهَا: أَيْنَ الْمَاءُ؟ قَالَتْ: عَهْدِي بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ، وَنَفَرُناَ خُلُوفًا، قَالَا لَهَا: انْطَلِقِي إِذًا، قَالَتْ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَا: إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَتِ: الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ؟ قَالَا: هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ، فَانْطَلِقِي، فَجَاءَا بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَحَدَّثَاهُ الْحَدِيثَ، قَالَ: فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا، وَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِإِناَءٍ، فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ، أَوِ السَّطِيحَتَيْنِ، وَأَوْكأ أَفْوَاهَهُمَا، وَأَطْلَقَ الْعَزَالِيَ، وَنُودِيَ فِي النَّاسِ: اسْقُوا وَاسْتَقُوا، فَسَقَى مَنْ شَاءَ، وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ، وَكَانَ آخِرَ ذَاكَ أَنْ أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَنَابَةُ إِناَء مِنْ مَاءٍ، قَالَ: "اذْهَبْ، فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ". وَهْيَ قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ

стр. 583

بِمَائِهَا، وَايْمُ اللَّهِ! لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا، وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلأَةً مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اجْمَعُوا لَهَا". فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَدقِيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ، حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا، فَجَعَلُوهَا فِي ثَوْبٍ، وَحَمَلُوهَا عَلَى بَعِيرِهَا، وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْهَا، قَالَ لَهَا: "تَعْلَمِينَ، مَا رَزِئْنَا مِنْ مَائِكِ شَيْئًا، وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَاناَ". فَأَتَتْ أَهْلَهَا وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُم، قَالُوا: مَا حَبَسَكِ يَا فُلَانة؟ قَالَتِ: الْعَجَبُ، لَقِيَني رَجُلَانِ، فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ، فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَوَاللَّهِ! إِنَّهُ لأَسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ -وَقَالَتْ بِإِصْبَعَيْهَا الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ، فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ؛ تَعْنِي: السَّمَاءَ وَالأَرْضَ-، أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ حَقًّا. فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ -بَعْدَ ذَلِكَ- يُغِيرُونَ عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِي هِيَ مِنْهُ، فَقَالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِهَا: مَا أُرَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَدَعُونكُمْ عَمْدًا، فَهَلْ لَكُمْ فِي الإسْلَامِ؟ فَأَطَاعُوهَا، فَدَخَلُوا فِي الإسْلَامِ. (ابن مسرهد (١)): -بميم وسين وراء مهملتين (٢) وهاء ودال مهملة (٣) -: عَلَم على (٤) صيغة اسم المفعول، يقال: سَرْهَدْتُ الصبيَّ: أحسنتُ (٥) غذاءه، وسنامٌ مُسَرْهَدٌ؛ أي: سمين.

стр. 584

(وكان أولَ من استيقظ فلانٌ): اسم كان، وأولَ -بالنصب-: خبرها. قال الزركشي: و"مَنْ" نكرة موصوفة، فتكون أول (١) أيضًا نكرة (٢)؛ لإضافته إلى النكرة؛ أي: أول رجل استيقظ (٣). قلت: لا يتعين؛ لجواز كونها موصولة؛ أي: وكان (٤) أول الذين استيقظوا، وعاد الضمير بالإفراد رعاية (٥) للفظ مَنْ. (ثم فلان): الأَوْلى أن يُجعل هذا من عطف الجمل؛ أي: ثم استيقظ فلان، إذ ترتُّبهم في الاستيقاظ يدفع اجتماعهم جميعهم في الأولية. ولا يمتنع أن يكون من عطف المفردات، ويكون الاجتماع في الأولية باعتبار البعض، لا الكل؛ أي: إن جماعة استيقظوا على الترتيب، وسبقوا غيرهم في الاستيقاظ، لكن هذا لا يتأتى على رأي الزركشي؛ لأنه قال: أي: أولُ رجلٍ، فإذا جعل هذا من قبيل عطف المفردات؛ لزم الإخبارُ عن جماعة بأنهم أولُ رجل استيقظ، وهو باطل. (ثم عمر بن الخطاب الرابعَ): أي: ثم كان، فالرابع (٦) منصوب على أنه خبرها.

стр. 585

(جليدًا): من الجلادة بمعنى: الصلابة. (لا ضير، أو لا يضير (١)): الضير والضرر بمعنى. (أصابتني (٢) جنابة، ولا ماءَ): أي: عندي، أو أجده، أو نحو ذلك، لكنه أورده ظاهرًا في نفي وجود الماء بالكلية؛ ليكون أبلغَ في بسط عذره. (فدعا فلانًا -كان يسميه أبو رجاء، فنسيه عوف-): هو عمران بن حصين كما جاء في رواية مسلم (٣) بن زرير، وقد أوردها البخاري في باب (٤): علامات: النبوة في الإسلام (٥) (٦). (فابغيا الماء): أي: اطلباه، وهو من الثلاثي، فهمزته (٧) همزة وصل، يقال: بَغَى الشيء: إذا طلبه، وفي نسخة: "فابتغيا"؛ من الابتغاء. (مزادتين، أو سطيحتين): قال الزركشي: المَزادة -بميم مفتوحة- وهي بمعنى السطيحة: القربة الكبيرة بزيادة جلدة فيها مثل الراوية (٨). قلت: في "المشارق": قيل: المزادة والراوية سواء.

стр. 586

وقيل (١): الراوية: ما زيد فيه جلد ثالث بين جلدين (٢) ليتسع. وقيل: المزادة: القربة الكبير (٣) التي تحمل على الدابة، والسطيحة؛ وعاء من جلدين سطح أحدهما (٤) على الآخر (٥). (قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة): يحتمل أن يكون عهدي مبتدأ، وبالماء متعلقٌ به، وأمسِ ظرفٌ له، وهذه الساعة بدلٌ من أمس بَدَلُ بعضٍ من كُلٍّ؛ أي: مثلُ هذه الساعة منه، والخبر محذوف؛ أي: حاصل. ويحتمل أن يكون بالماء [خبر عهدي، وأمسِ ظرف لعامل هذا الخبر؛ أي: عهدي مُلْتَبِسٌ (٦) بالماء] (٧) في أمس. فإن قلت: لِمَ لمْ تجعل الظرف متعلقًا بعهدي كما في الاحتمال الأول؟ قلت: لأني جعلت بالماء خبرًا، فلو علقت الظرفَ بالعهد، مع كونه مصدرًا، لزم الإخبار عن المصدر قبل استكمال معمولاته (٨)، وهو باطل.

стр. 587

ويحتمل أن يكون أمسِ خبرًا، وإن كان ظرفًا؛ لأن المبتدأ اسم معنى (١). (ونفرنا خُلُوف): -بخاء معجمة ولام مخففة مضمومتين-؛ أي: غُيَّبٌ، أو خرجَ رجالُهم للاستقاء (٢) وخلَّفوا النساءَ، أو غابوا وخلَّفوهن، على الخلاف في تفسيره. ويروى: "خلوفًا" بالنصب على الحال السَّادَّة (٣) مسدَّ الخبر؛ أي: متروكون خلوفًا؛ مثل: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ٨]-بالنصب- على القراءة الشاذة. (الذي يقال له: الصابئ): -بهمزة، ويسهل (٤) -؛ أي: الخارج من دين إلى آخر. (قالا: هو الذي تعنين): فيه تخلُّص حسن؛ لأنهما لو قالا: نعم، لكان. فيه تقرير (٥) لكونه ﵊ صابئًا، فتخلصا بهذا اللفظ، وأشارا (٦) إلى ذاته الشريفة لا إلى تسميتها. (العَزالِيَ): -بعين مهملة مفتوحة فزاي فألف فلام مكسورة فياء مفتوحة-، واحدتها عَزْلاء، وهي عُروة المزادة التي يخرج منها الماء بسعة.

стр. 588

(في الناس: اسقوا (١)): -بهمزة وصل وبهمزة قطع-، يقال: سَقَى وأَسْقَى، وكلاهما في القرآن. (وكان آخَر ذاك أن أعطى): بنصبا آخَر على أنه خبر كان، و"أن (٢) أعطى" اسمُها، وهذا الأحسن، ويجوز العكس، وقد قريء: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَنْ قَالُوا﴾ [النمل: ٥٦] بالوجهين (٣). (إلى ما يفعل): بالبناء للمعلوم وللمجهول (٤) أيضًا. (وايم الله!): بكسر الهمزة وفتحها والميم مضمومة فيها، ولغاتها كثيرة. (أشد مِلأَةً): -بميم مكسورة فلام ساكنة فهمزة مفتوحة فهاء (٥) التأنيث-؛ أي: امتلاءً (٦). (ودقيقة (٧)): بفتح أوله، وبضمه (٨) على التصغير. (ما رَزِئنا): -بفتح الراء [وكسر الزاي وفتحها ثم همزة (٩) -؛ أي: نَقَصْنا.

стр. 589

(يُغِيرون): -بضم الياء-؛ من أغار، ويجوز فتحها؛ من غار] (١)، وهي قليلة. (الصِّرْم): -بكسر الصاد وسكون (٢) الراء-: [النَّفَر ينزلون بأهليهم على الماء] (٣)، كذا قال الخطابي (٤). وفي "الصحاح": الصِّرم -بكسر الصاد-: أَبياتٌ من الناس مجتمعة (٥) (٦). (ما أرى (٧) أَنّ هؤلاء القومَ يَدَعونكم عمدًا): هو بفتح الهمزة من "أن"، وتشديد نونها عند الأصيلي وغيره، وجعلها (٨) بعضهم بمعنى لعلَّ. قال القاضي: وقد تكون "أن" عندي على (٩) وجهها، وتكون في موضع المفعول، والمعنى (١٠) عنده: ما أدري (١١) ترك هؤلاء إياكم عمدًا لماذا هو (١٢).

стр. 590

وقال أبو البقاء: الجيد أن يكون: إِن هؤلاء -بالكسر- على الإهمال، ولا تفتح على إعمال (١) أدري (٢) فيه، والمعنى: ما أدري ماذا (٣) يمتنعون من الإسلام، إن المسلمين تركوا الإغارة عليكم عمدًا مع القدرة (٤). وقال ابن مالك: وقع في بعض نسخ البخاري: "ما أدري"، وفي بعضها: "ما أرى"، وكلاهما صحيح، وأَرى (٥) -بفتح الهمزة-، و "ما" بمعنى الذي، وأَنَّ -بفتح الهمزة-، معناه (٦) الذي أعلم أن هؤلاء يَدَعونكم عمدًا لا جهلًا (٧). قال ابن المنير: وفيه دليل على جواز طعام المخارجة؛ لأن الصحابة تخارجوا في عوض الماء. وفيه: أن [العقود التي بنيت على المكارم لا يُشترط فيها تحريرُ العِوض أولًا؛ كالحمَّام والسِّقاء، ونحوه. وفيه: أن] (٨) الخوارق لا تغير الأحكام، ألا ترى كيف انخرقت العادة

стр. 591

في تكثير ذلك الماء، فلم يخرج (١) ذلك المأخوذ عن ملكها؟ قلت: لا نسلِّم أن الماء المأخوذ على ملكها (٢)، ولذا (٣) قال ﵇: "ما رَزِئْنا من مائكِ شيئًا". فإن قلت: فقد أعطوها عوضًا عما أُخذ (٤)، وذلك (٥) دليل لملكها؟ قلت: لا نسلم (٦) أن العوض عن الماء المأخوذ، وإنما (٧) هو ثواب لها وقع تطييبًا (٨) لخاطرها في مقابلة حبسها في ذلك الوقت عن المسير إلى قومها، وما نالها من مخافتها (٩) أخذَ مائها ورجوعها بغير (١٠) شيء، فزيد في الماء ببركته ﵇ ما (١١) حصل به النفع. قال: وفيه: جواز البيع على الغائب بضرورة (١٢) دين، أو بيع كامل

стр. 592

ونحوه، ألا ترى أن الماء كان لقومها، وهم غُيَّب (١)، فبيع (٢) عليهم لضرورة أصحاب الحقوق؛ إذ إحياءُ الأنفسِ حقٌّ على الناس كلهم (٣)؟ قلت: هذا بعيد جدًّا، وفيه مثلُ ما تقدم مع زيادة، وهي ما في قوله أولًا: إن المأخوذ كان ملكها، وقوله ثانيًا: إنه ملك لقومها من التعارض ظاهرًا. * * * باب: التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ (باب: التيمم ضربة): إن (٤) نونت الباب، فقوله: التيممُ ضربةٌ مبتدأ وخبر (٥)، وإن أضفته (٦) إلى التيمم، فضربةً نصب على الحال. فإن قلت: هذا ليس من الصور الثلاث التي (٧) تقع فيها الحال من المضاف إليه. قلت: بل هو منها، وذلك لأن المعنى: باب: شرح التيمم، فالتيمم بحسب الأصل مضاف إلى ما يصلح عمله في الحال، وهو من الصور الثلاث.

стр. 593

٢٥٦ - (٣٤٧) -حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: لَوْ أَن رَجُلًا أَجْنَبَ، فَلَمْ يَجدِ الْمَاءَ شَهْرًا، أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي. فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا، لأَوْشَكُوا إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا الصَّعِيدَ. قُلْتُ: وَإِنَّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِذَا؟ قَالَ: نعَمْ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: ألمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ، فتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّة، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا"، فَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ نَفَضَهَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهَا ظَهْرَ كفِّهِ بِشِمَالِهِ، أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أفلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ؟ وَزَادَ يَعْلَى: عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَ أبو مُوسَى: ألمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَنِي أَناَ وَأَنْتَ، فَأَجْنَبْتُ، فتَمَعَّكْتُ بِالصَّعِيدِ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرْناَهُ، فَقَالَ: "إِنَّمَا كانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا"، وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ وَاحِدَةً؟ (وضرب بكفه ضربة): إلى هذا يرجع مذهب مالك عند التحقيق. ومذهبُ الشافعي: أنه لا بد من ضربتين، وقد ورد في حديث: "التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ" (١).

стр. 594

قال ابن دقيق العيد: إلا أنه لا يقاوم هذا الحديث في الصحة، ولا يعارَضُ مثلُه بمثلهِ (١). * * *

стр. 595

كتاب الصلاة

стр. 596

كتاب الصلاة باب: كيف فُرِضَتِ الصَّلواتُ في الإسراءِ ؟ ٢٥٧ - (٣٤٩) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي وَأَناَ بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ، قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نعمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ ﷺ ، فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نعمْ. فَلَمَّا فتحَ، عَلَوْناَ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُل قَاعِدٌ، عَلَى يَمِينهِ أَسْوِدَةٌ، وَعَلَى يَسَارِه أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينهِ، ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِه، بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالح وَالاِبْنِ الصَّالح، قُلْتُ لِجبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينهِ وَشمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينهِ، ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شمَالِهِ، بَكَى، حَتَّى عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثانِيَةِ، فَقَالَ

стр. 597

لِخَازِنهَا: افْتَحْ، فَقَالَ لَهُ خَازِنها مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُ، فَفَتَحَ". قَالَ أَنسٌ: فَذَكرَ: أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ آدَمَ، وَإِدْرِيس، وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَإِبْرَاهِيمَ -صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ-، وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكرَ: أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السادِسَةِ، قَالَ أَنسٌ: "فَلَما مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ بِإِدْرِيس، قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالح وَالأخِ الصَّالح، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِدْرِيس، ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالح وَالأخِ الصَّالح، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُوسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأخِ الصَّالح وَالنَّبِيِّ الصَّالح، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا عِيسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالح وَالاِبْنِ الصَّالح، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ ﷺ ". قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ: أَنَّ ابْنَ عَباسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الأَنْصَارِيَّ كَاناَ يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلَامِ". قَالَ ابنُ حَزْمٍ، وَأَنسُ بنُ مَالِكٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ، حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللَّهُ لَكَ عَلَى أمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعَنِي، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، قُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ، فَرَاجَعْتُ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِن أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُهُ، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ، وَهْيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ

стр. 598

مِنْ رَبي، ثُمَّ انْطَلَقَ بِي، حَتَّى انتهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا حَبَائِلُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ". (كتاب: الصلاة). (فُرِج): مبني للمجهول. (فَفَرَجَ): -بفتحات- مبني للمعلوم؛ أي: شق، وفي بعض النسخ: بتشديد الراء للمبالغة. (بطَست): -بفتح الطاء-، وحكى ابن الأنباري فيها الكسر أيضًا (١)، وهو فارسي كما نقله الجواليقي عن أبي عبيد (٢)، وخص الطست بذلك دون غيره من الأواني؛ لأنه آلة الغسل عرفًا. (من ذهب): ليس فيه ما يوهم استعمال أواني الذهب [لنا؛ فإن هذا من فعل الملائكة، ولا يلزم مساواتهم لنا في الحكم. (ممتلئ): ذكر على معنى الإناء] (٣)، وإلا فالطستُ مؤنثةٌ. (حكمةً وإيمانًا): أي: شيئًا (٤) تحصل بسبب ملابسته (٥) الحكمةُ

стр. 599

والإيمان، [فأطلقا عليه تسميةً للشيء (١) باسم مُسببه، أو هو تمثيل؛ لينكشف (٢) بالمحسوس ما هو معقول] (٣). قيل: والحكمةُ هي العلمُ المتصفُ بالأحكام، المشتملُ (٤) على المعرفة بالله تعالى، والمصحوبُ (٥) بنفاذِ البصيرة، وتهذيبِ النفس، وفعلِ الحق، وتركِ الباطل. (فقال: أرسل إلي؟): -بهمزة واحدة-، وفي نسخة: -بهمزتين-؛ أي: هل أرسل إليه (٦) للعروج إلى السماء؛ إذ كان (٧) الأمر في بعثه رسولًا إلى الخلق شائعًا مستفيضًا قبل العروج به (٨). (أَسْوِدَة): جمعُ سواد؛ كزمان وأزمنة، وهي الأشخاص. (مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح): جمع بين صلاح الأنبياء وصلاح الأبناء، كأنه قال: مرحبًا بالنبي التام في نبوته، والابنِ البارِّ (٩) في بُنُوَّته، وكذا القول في النبي الصالح والأخ الصالح.

стр. 600

(نَسَم بنيه): أي: أرواحهم -بنون وسين مهملة مفتوحتين (١) - جمعُ نَسَمَةٍ. (فلما مر جبريل بالنبي ﷺ (٢) بإدريس): الباء الأولى للمصاحبة، والثاثية للإلصاق، وكلاهما متعلق بمر. (فأخبرني ابن حزم): هو أبو بكر بنُ (٣) محمدِ بنِ عمرِو (٤) بنِ حزمٍ قاضي المدينة وأميرُها زمنَ الوليد، مات سنة عشر ومئة، عن أربع وثمانين سنة. (وأبا حَبّة الأنصاري): هو (٥) البدري -بحاء مهملة مفتوحة وموحدة مشددة-، وللقابسي: بياء مثناة. قال الزركشي: وقال الواقدي: [ممن شهد بدرًا أبو حنة؛ يعني: بالنون، واسمه مالك بنُ عمرِو بنِ ثابتٍ] (٦)، وليس (٧) ممن شهد بدرًا أحدٌ يُكنى أبا حَبَّةَ؛ يعني: بالباء، وإنما أبو حبة بن غَزِيَّة (٨) من بني النجار، قُتل باليمامة، ولم يشهد بدرًا، والأول (٩) قاله عبد الله بن محمد بن عمارة (١٠)
следующие страницы →