← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

(قال: يكسر): أي تُقتل، ولا تموت بدون قتل. (قال: إذًا لا يغلق أبدًا): لأن الإغلاق إنما يكون في الصحيح، وأما الكسر، فهو هتكٌ لا يُجبر، و"إذن" هذه (١) هي الناصبة، وفي كتابتها بالنون خلاف، ويغلقَ (٢) منصوب بها لتوفر ما اشترط في عملها؛ من تصديرها، واستقبال الفعل، واتصاله بها، أو انفصالِه عنها بالقسم، أو بلا النافية. (أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم): قيل: وإنما علمه؛ لأن النبي ﷺ كان على حراء هو (٣) وأبو بكر وعمر وعثمان، فقال: "إِنَّما عَلَيْكَ نبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ" (٤). (ليس بالأغاليط): جمع أُغْلوطة، وهو ما يُغْلَط به من المسائل. (فهِبنا (٥)): -بهاء مكسورة-؛ من المهابة. * * * ٣٧٠ - (٥٢٦) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]. فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلِي هَذَا؟ قَالَ: "لِجَمِيعِ أُمَّتِي كلِّهِمْ".

стр. 737

(النَّهْدِي): بفتح النون (١). (أن رجلًا أصابَ من امرأة قُبلة): هو أبو اليسر كعبُ بنُ مالكٍ كما أخرجه النسائي والترمذي (٢)، وقيل: نبهان التمار (٣)، وقيل: عمرو (٤) بنُ غزيَّةَ، ويقال: إن هذا الثالث اسمُه زيدٌ، وكنيتُه أبو عمرٍو، نقله الطبراني. وقيل: إن الرجل هو ابنُ مُعَتِّبٍ (٥) رجلٌ من الأنصار، ذكره ابنُ (٦) أبي خَيْثَمَة. وقيل: هو أبو مقيل (٧) عامرُ بنُ قيسٍ الأنصاريُّ، حكاه مقاتل. وقيل: عبادٌ، حكاه القرطبي (٨). (فقال الرجل): اللام فيه للعهد الذِّكْرِي، فيجيء في تعيينه [الخلافُ السابق، وجاء في رواية أخرى: "فقالَ رجلٌ من القوم" (٩).

стр. 738

وذكر ابن الجوزي في تعيينه] (١) ثلاثة أقوال عزاها إلى الخَطيب: قيل: عمر بن الخَطَّاب، وقيل: أبو اليسر (٢)، وقيل: معاذ بن جبل (٣). (قال: لجميع أمتي): انظر هل فيه دليل على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟ * * * باب: فَضْلِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا (باب: فضل الصلاة لوقتها): الزركشي: اللام فيه للتأقيت بمعنى (٤) عند؛ كقوله تعالى: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] (٥). قلت: هي في التحقيق للاختصاص، والاختصاصُ على ثلاثة أضرُب: إما أن يختص الفعل (٦) بالزمان؛ لوقوعه فيه، وما نحن فيه من هذا القَبيل؛ نحو: كتبتُه لغرَّةِ كذا، أو لوقوعِه قبلَه؛ نحو: لخمسٍ خَلَوْنَ، أو بعدَه؛ نحو: لليلةٍ بقيتْ. * * *

стр. 739

٣٧١ - (٥٢٧) - حَدَّثَنَا أبُو الْوَليدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ أَخْبَرَنِي، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذ الدَّارِ، وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عبد الله، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا"، قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ"، قَالَ: ثُمَّ أيُّ؟ قَالَ: "الْجهَادُ في سَبِيلِ اللهِ" قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ، لَزَادَنِي. (ابن العَيْزار): بعين مهملة مفتوحة فمثناة من تحت ساكنة فزاي فألف فراء. (قال: ثمّ أَيُّ): قيده الشيخ تاج الدين الفاكهاني في "شرح العمدة" بالتشديد وعدم التنوين لأنه موقوف عليه في كلام السائل ينتظر الجواب منه ﵇، والتنوينُ لا يوقَف عليه إجماعًا. قال: وإنما نبهتُ على هذا؛ لأني رأيت كثيرًا ينونه، ويصلُه بما بعده، وهو خطأ، بل ينبغي أن يوقَف عليه وقفةً لطيفة، ثم يأتي بما بعده (١). قلت: هذا عجيب؛ فإن الحاكي لا يجب عليه في حالة وصل الكلام بما قبله أو بما بعده أن يراعي حال المحكيِّ عنه في الابتداء أو الوقف (٢)، بل يفعل هو بما تقتضيه حالته التي هو فيها، والاستعمالاتُ الفصيحةُ تشهد (٣) لذلك (٤)، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ

стр. 740

هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيم﴾ [الأنفال:٣٢]. فهذا كلام محكي بُدئ بهمزةِ قطع، وخُتم بتنوين، ولم يقل أحد بوجوب الوقف على ﴿قَالُوا﴾ [الأنفال: ٣٢]؛ محافظةً على الإتيان بهمزة القطع؛ كما كانت في كلامهم المحكي، ولا بوجوب الوقف على الميم بالسكون كما وقفوا عليه، بل يجوز الوصلُ إجماعًا فتراعي حالته، ولا وجه للتوقف في مثله أصلًا، وشواهدُه كثيرة. على أن ابن الجوزي قيده في "مشكل الصحيحين" بالتشديد والتنوين، وقال: هكذا سمعته من ابن الخَشَّاب. [وقال -يعني: ابن الخَشَّاب-] (١): لا يجوز إلَّا تنوينُه؛ لأنه اسمٌ غير مضاف (٢). قال الزركشي في "تعليق العمدة": وهو ممنوع؛ لأنه مضاف تقديرًا؛ لوقوعه في الاستفهام، والتقدير: أيُّ العمل أفضل؟ فالأولى أن يوقَف عليه بإسكان الياء (٣). قلت: وهذا أَيضًا عجيب، كأنه فهم أن ابن الخشاب نفى كونهَ مضافًا مطلقًا [حتى أورد (٤) عليه أنَّه مضافٌ تقديرًا، وليس هذا مرادَ ابنِ الخشاب

стр. 741

قطعًا] (١)؛ إذ هو بصدد (٢) تعليله إيجابَ التنوين فيه (٣)، وهو يثبت بكونه غيرَ مضاف لفظًا، وتقدير الإضافة لا يوجب عدَم تنوينه، بل ولا يجوزه (٤)، فما هذا الكلام؟! وفي قوله: الأَولى أن يوقَف عليه بإسكان الياء ما مرَّ في (٥) الإشكال. * * * باب: الصَّلواتِ الخمسِ كفارةٌ ٣٧٢ - (٥٢٨) - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ، يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا، مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنهِ؟ "، قَالُوا: لا يُبْقِي مِنْ دَرَنهِ شَيْئًا، قَالَ: "فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو الله بِهِ الْخَطَايَا". (ابن حمزة): بحاء مهملة وزاي. (ابن أبي حازم): كذلك. (أرأيتم): هي هنا بمعنى: أخبروني؛ مثل: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩ - ١٠] وهو منقول من رأيت؛ بمعنى: أبصرتَ، أو عرفتَ،

стр. 742

كأنه قيل: لأبصرتَ (١) وشاهدتَ حالتَه العجيبةَ، أو عرفتها، أخبرني عنها، فلا يُستعمل إلَّا في الإخبار عن حالة عجيبة، ولا بد من استفهام ظاهر أو مقدر يبين الحالةَ المستخبَرَ عنها، كما مر في: "أَرَأَيْتكُمْ (٢) لَيْلَتَكُمْ هَذه" في باب: السمر في العلم (٣). (لو أن نَهَرًا): بفتح الهاء وإسكانها. (بباب أحدكم): ظرف مستقر صفة (٤) لنهر. (يغتسل منه (٥)): إما (٦) صفة ثانية، أو حال من الضمير المستكِنِّ في الظرف المذكور. (كلَّ يوم): ظرف ليغتسل. (خمس مرات (٧)): مصدر له. (ما تقول ذلك يبقي من درنه؟): جواب "لو" اقترن بالاستفهام، كما اقترن (٨) به (٩) جوابُ "إن" الشرطية في مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] هكذا مَثَّل بعضُهم.

стр. 743

ومثَّل الرضيُّ لذلك بقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ (١) إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ﴾ [الأنعام: ٤٧] (٢). وفيهما نظر؛ فإن (٣) اقتران الجواب في مثله بالفاء واجب، ولا محلَّ لهذه الجملة المتضمنة للاستفهام؛ لأنها مستأنفة لبيان الحال المستخبَرِ عنها؛ كأنه (٤) لما قال (٥): "أرأيتم"، قالوا (٦): عن أبي شيء تسأل؟ فقال (٧): "لو أَنَّ نهرًا ببابِ أحدِكم" إلى آخره، وليست مفعولًا ثانيًا لأرأيتم، كما ظنه بعضهم من نظائر هذا التركيب. و (يبقي): -بالباء الموحدة- للجمهور (٨). قال القاضي: وعند بعض شيوخنا: بالنُّون، والأول أوجه (٩). فإن قلت: خاطب أولًا الجماعة، ثم أفرد في "تقول"، فما وجهه؟ قلت: أقبلَ على الكل أولًا فخاطبهم جميعًا، ثم أفردَ؛ إشارةً إلى أن هذا الحكم لا [يخاطب به معين؛ لتَناهيهِ في الظهور، فلا يختص به] (١٠) مخاطبٌ دونَ مخاطب، وقد مر نظيرُه.

стр. 744

قال ابن مالك: فيه إجراءُ فعل القول مجرى فعل الظن؛ لأن "ما" الاستفهامية تقدمت، ووليها فعل القول مضارعًا (١) مسنَدًا إلى ضمير المخاطب، فاستحقَّ أن يعمل عمل فعل (٢) الظن، فـ "ذلك" (٣) في موضع نصب [مفعول أول، و "يُبقي" في موضع نصب مفعول ثان (٤)، و"ما" الاستفهامية في موضع نصب] (٥) بـ "يبقي"، وقُدم؛ لأن الاستفهام له الصدرُ، والتقدير: أي شيء تظنُّ ذلك الاغتسالَ مُبقيًا من درنه؟ (٦). شبه (٧) على جهة التمثيل حالَ المسلم المقترِفِ لبعض الذنوب، المحافظِ على أداء الصلواتِ الخمس في زوال الأذى عنه وطهارته من أقذار السيئات بحالِ المغتسِل في (٨) نهر على باب داره كلَّ يوم خمسَ مرات في نقاءِ بدنه من الأوساخ وزوالِها عنه، ويجوز أن يكون هذا من تشبيه أشياءَ بأشياءَ، فشُبهت الصلاةُ بالنهر؛ لأنها تُنَقِّي صاحبَها من درن الذنوب كما ينقي النهرُ البدنَ من الأوساخ التي تعلق (٩) به بالاغتسال فيه.

стр. 745

وشبه قربَ تعاطي الصلاة وسهولتَه يكون النهر قريبًا من مجاوره على باب داره، وشبه أداءها كلَّ يوم خمسَ مرات بالاغتسال المتعدِّدِ لذلك (١)، وشُبهت الذنوب بالأدران؛ للتأذي بملابستها، وشُبه محوُ السيئات عن المكلَّف بنقاء البدن وصفائِه، والأولُ أفحلُ وأجزلُ كما سبق في كتاب: العلم. قيل: وفيه إشارة إلى الصغائر بذكر الدرن (٢)؛ إذ يبعد تشبيه كبائر الجرائم بذلك. (لا يُبقي من درنه شيئًا): يبقي أَيضًا مضارع أَبقى، وفاعلُه ضمير يعود إلى ما تقدم؛ أي: لا يُبقي ذلك الفعلُ أو الاغتسالُ المذكورُ، وشيئًا: مفعول به. * * * باب: تضييعِ الصَّلاةِ عن وقتِها ٣٧٣ - (٥٢٩) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ غَيْلَانَ، عَنْ أَنسٍ، قَالَ: مَا أعرِفُ شَيْئًا مِمَّا كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ . قِيلَ: الصَّلَاةُ؟ قَالَ: أليْسَ ضَيَّعْتُمْ مَا ضَيَّعْتُمْ فِيهَا؟! (غَيلان): بغين معجمة مفتوحة. (أليس صنعتم (٣)): اسم "ليس" ضمير شأن مستتر فيها، و"صنعتم"

стр. 746

في موضع نصب على أنَّه خبرها، ويعني: تأخيرها عن الوقت المستحب، لا أنهم (١) أخروها عن الوقت كله. * * * ٣٧٤ - (٥٣٠) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ وَاصِلٍ أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبي رَوَّادٍ أَخِي عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِدِمَشْقَ، وَهُوَ يَبْكِي، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: لا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكتُ إلا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ قَدْ ضُيِّعَتْ. وَقَالَ بَكْرٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ: أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبي رَوَّادٍ نَحْوَهٌ. (أبو عُبيدة): بضم العين وهاء التأنيث، مصغَّر. (الحداد): بحاء ودالين مهملات. (رَوّاد): براء مفتوحة وواو مشددة فألف فدال (٢) مهملة. (البُرساني): بضم الباء الموحدة. * * *

стр. 747

باب: الإبرادِ بالظُّهرِ في شدَّة الحرِّ ٣٧٥ - (٥٣٣ و ٥٣٤) - حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ، قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ: حَدَّثَنَا الأَعْرَجُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، وَنَافِعٌ مَوْلَى عبد الله بْنِ عُمَرَ، عَنْ عبد الله بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ، فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ؟. (كَيسان): بفتح الكاف. [(فأبرِدوا بالصلاة (١)): الفعل -بقطع الهمزة وكسر الراء-؛ أي: أخروها عن وقت الهاجرة إلى حين يبرد النهار، يقال: أبردَ: إذا دخل في وقت البرد (٢)؛ كما يقال: أظهر، وأَصْحَر، والباء للتعدية، فالمعنى: ادخُلوا الصلاة في البرد. * * * ٣٧٦ - (٥٣٥) - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُهَاجِرِ أَبِي الْحَسَنِ: سَمِعَ زيدَ بْنَ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: أَذَّنَ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ، فَقَالَ: "أَبْرِدْ أَبْرِدْ". أَوْ قَالَ: "انْتَظِرِ انْتَظِرْ". وَقَالَ: "شِدَّةُ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ، فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ". حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ.

стр. 748

(محمَّد بن بشار (١)): بموحدة وشين معجمة. (غُنْدَر): بضم أوله وفتح ثالثه، وقد مر. (عن المهاجِر): على زنة اسم الفاعل؛ من هاجر. (أذن مؤذن النَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ): الزركشي: كذا وقع في هذه الرواية: أذن الظهرَ، وصوابه: "بالظهر"، أو "للظهر" كما روي (٢) في الباب الذي بعد هذا، وكذا هو في مسلم (٣) (٤). قلت: الرواية هذه صحيحة، ولها وجه صحيح، فالقطع بخطئها خطأ (٥)، ووجهُها أن يكون الأصل: أذن وقتَ الظهر، فحذف المضاف الذي هو الوقت، وأقيم الظهرُ مقامه، ومثلُه جائز بلا شك، تقول: جئتك وقتَ صلاةِ العصر، وجئتك صلاةَ العصر (٦). فإن قلت: لكن ليس في هذا تعيينُ الصلاة التي أذن لها. قلت: حُذف للعلم به؛ أي: أذن وقت الظهر لها (٧)، ومن المعلوم

стр. 749

أنَّه لا يؤذن في وقت الظهر (١) لغيرها من الصلوات] (٢). (فأبردوا عن الصلاة): الزركشي: قيل (٣): "عن" بمعنى الباء، وقد جاء مصرَّحًا به (٤) في الرواية الأخرى، وقيل: زائدة، يقال: أبرد بكذا (٥): إذا فعله في برد النهار (٦). قلت: ضعفُ الثاني ظاهرٌ، وأَولى من الأول أن يضمن أبردوا معنى: تصحَّروا؛ أي: إذا اشتد الحُر، فتأخَّروا عن الصلاة مُبرِدين، أو أبرِدوا متأخِّرين عنها، وقد مرَّ لنا أن حقيقةَ التضمين أن يُقصد بالفعل معناه الحقيقي مع فعل آخرَ يناسبه (٧)، ووعدنا هناك بكلام فيه. فنقول: قد استُشكل هذا بأن الفعل المذكور إن كان في معناه الحقيقي، فلا دلالة على الفعل الآخر، وإن كان في معنى الفعل الآخر، فلا دلالة على معناه (٨) الحقيقي، وإن كان فيهما جميعًا لزم الجمعُ بين الحقيقة والمجاز. وأجيب: بأنه في معناه الحقيقي مع حذف حالٍ مأخوذٍ من الفعل الآخر بمعونة القرينة اللفظية، وقد يعكس كما مثلناه، ومنه قوله تعالى:

стр. 750

﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ أي: لتكبروه (١) حامدين على ما هداكم، أو لتحمدوا الله مكبرين على ما هداكم. فإن قيل: صلةُ المتروكِ تدل على زيادة القصد إليه، فجعلُه أصلًا، وجعلُ المذكورِ (٢) حالًا وتَبَعًا أولى. فالجواب: إن (٣) ذكر صلته يدل على اعتباره في الجملة، لا (٤) على زيادة القصد إليه؛ إذ لا دلالة بدونه (٥)، فينبغي جعلُ الأولِ أصلًا، والتبعِ حالًا. * * * ٣٧٧ - (٥٣٧) - "وَاشْتكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ! أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ في الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ في الصَّيْفِ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ". (واشتكت النَّار إلى ربها): اختُلف هل هذه الشكاة حقيقة بكلام، أو هي مجازٌ عُبِّر فيه بلسان الحال عن لسان المقال؛ كقوله: شكا إليَّ جملي طولَ السُّرى قال الأستاذ أبو الوليد الطرطوشي: وإذا قلنا بأنه حقيقة، فلا يحتاج

стр. 751

إلى أكثر (١) من وجود الكلام في الجسم، أما في: "تَحَاجَّتِ (٢) النَّارُ وَالجَنَّةُ" (٣)، فلا بدَّ من وجود العلم مع الكلام؛ لأن المحاجَّة تقتضي التفطن لوجه الدلالة. (فأذن لها بنفسين: نفسٍ في الشتاء، ونفسٍ في الصيف): بالجرِّ فيهما على البدل، وفيه من البديع: التوسيعُ (٤)؛ مثل: "يَشِيبُ ابْنُ آدَمَ وَتَشِبُّ فِيهِ (٥) خَصْلَتَانِ: الحِرْصُ وَطُولُ الأَمَلِ" (٦). (أشدُّ ما تجدون من الحُر، وأشدُّ ما تجدون من الزمهرير): بجر "أشدَّ" في الموضعين على البدل، وبالرفع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف، وجُوز فيه النصبُ على أن يكون مفعولًا بـ "تجدون" الواقعِ بعدَه، وفيه بُعد (٧). * * *

стр. 752

باب: وقتِ الظُّهرِ عند الزَّوال ٣٧٨ - (٥٤٠) - حَدَّثَنا أَبُو اليَمانِ، قَالَ: أَخْبَرنَا شُعَيبٌ، عَن الزُّهريِّ، فَالَ: أَخْبَرني أَنْسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَرجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ السَّاعَةَ، فَذَكَرَ أَنَّ فِيهَا أُمُورًا عِظَامًا، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ، فَلْيَسْأَلْ، فَلَا تَسْألوني عَنْ شَيْءٍ إلا أَخْبَرْتُكُمْ مَا دُمْتُ في مَقَامِي هَذَا". فَأَكثَرَ النَّاسُ في الْبُكَاءِ، وَأَكثَرَ أَنْ يَقُولَ: "سَلُونِي". فَقَامَ عبد الله بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ، فَقَالَ: مَنْ أَبي؟ قَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ". ثُمَّ أَكَثَرَ أَنْ يَقُولَ: "سَلُونِي". فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نبَيًّا، فَسَكَتَ. ثُمَّ قَالَ: "عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا، في عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ، فَلَمْ أَرَ كَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ". (فأكثر النَّاس من (١) البكاء، وأكثرَ أن يقول: سلوا): قيل: سبب ذلك: أنَّه ﵇ بلغه أن قومًا من المنافقين ينالون (٢) منه، ويُعَجِّزونه عن بعض ما يسألونه، فَتَغَيَّظَ عليهم، وقال: "لا تسألوني عن شيء إلَّا أخبرتُكم به" (٣)، وبكى (٤) النَّاسُ خوف نزول العذاب العامِّ المعهودِ في الأممِ الخالية.

стр. 753

(في عُرض هذا الحائط): -بضم العين المهملة (١) -؛ أي: جانبه وناحيته، فإما أن يكون رُفعت إليه الجنةُ والنار، أو زُوِيَ له ما بينَهما، أو مُثِّلا له. * * * ٣٧٩ - (٥٤١) - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبي الْمِنْهَالِ، عَنْ أَبي بَرْزَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الصُّبْحَ، وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ فِيهَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِئةِ، وَيُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجَعَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنسَيتُ مَا قَالَ في الْمَغْرِبِ، وَلًا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَالَ: إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ. وَقَالَ مُعَاذٌ: قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ لَقِيتُهُ مَرَّةً، فَقَالَ: أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ. (والشمسُ حيةٌ): أريد به: بقاءُ حرها، وعدمُ تغيرِ لونها، على طريق الاستعارة. * * * ٣٨٠ - (٥٤٢) - حَدَّثنَا مُحَمَدٌ -يَعْنِي: ابنَ مُقَاتِلَ-، قَالَ: أَخْبَرنَا عبد الله، قَالَ: أَخْبَرنَا خَالِدُ بنُ عَبْدِ الرَّحمنِ، حدَّثَنِي غَالِبٌ الْقَطَّانُ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عبد الله الْمُزَنيِّ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كنّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالظَّهَائِرِ، فَسَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا اتِّقَاءَ الْحَرِّ.

стр. 754

(إذا صلينا خلف النَّبِيّ ﷺ بالظهائر): جمع ظَهيرة، وهي شدةُ الحر، وهي الهاجِرة. (سجدنا): -بدون فاء- جواب إذا، وفي بعض النسخ: "فسجدنا" بالفاء، إما على الزيادة، أو على حذف معطوف عليه. * * * باب: تأخيرِ الظُّهرِ إلى العصرِ ٣٨١ - (٥٤٣) - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ-، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ سَبْعًا وَثَمَانِيًا: الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، فَقَالَ أَيُّوبُ: لَعَلَّهُ في لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ؟ قَالَ: عَسَى. (صلى بالمدينة سبعًا): يعني: المغربَ والعشاء (١). (وثمانيًا): يعني: الظهرَ والعصر (٢). (فقال أَيُّوب: لعله في ليلة مطيرةٍ؟): كذا تأوله مالك، وهو قول الشَّافعيّ ﵁، وهو يرد على من زعم أن بين آخرِ وقتِ الظهر وآخرِ (٣) وقتِ العصر فاصلةً لا تصلح لشيء منهما (٤).

стр. 755

قال ابن المنير: أصحُّ ما في تأويل الحديث، والذي نحا إليه البُخَارِيّ في الترجمة؛ أنَّه ﵇ أخَّر الظهرَ لآخرِ وقتها، وقدَّم العصرَ لأولِ وقتها، فصلى كلًّا منهما في وقتها (١)، ولم يفصل بينهما، فسُمِّي ذلك جمعًا، فإما أن يكون تركَ فضيلةَ أولِ الوقت لعذر، أو (٢) لقصدِ بيان المشروعية. لا يقال: لو أراد (٣) بيانَ المشروعية لأخَّر العصرَ إلى آخرِ وقتها؛ لأنا نقول: كذا فعل في واقعة أخرى حين سأله السائل، ففعل ذلك في الخمس بجملتها، وقال للسائل: "مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ". انتهى. قلت: هذا لا يتأتَّى له في المغرب والعشاء، فتأمله. * * * باب: وقتِ العصرِ ٣٨٢ - (٥٤٧) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الله، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَوْفٌ، عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجيرَ، الَّتِي تَدْعُونها الأُولَى، حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ في أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنسَيتُ مَا قَالَ في الْمَغْرِبِ، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ

стр. 756

الْعِشَاءَ، الَّتِي تَدْعُونها الْعَتَمَةَ، وَكانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَيقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِيَّةِ. (عن سَيَّارٍ): بسين مهملة ومثناة (١) من تحت. * * * ٣٨٣ - (٥٤٩) - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الله، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبُو بَكْرِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: صَلَّيْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الظُّهْرَ، ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَنس بْنِ مَالِكٍ، فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ، فَقُلْتُ: يَا عَمِّ! مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّيْتَ؟ قَالَ: الْعَصْرُ، وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّتِي كنَّا نُصَلِّي مَعَهُ. (سهل بن حُنَيْف (٢)): بتصغير الثاني خاصة. * * * باب: إثمِ مَنْ فاتته العصرُ ٣٨٤ - (٥٥٢) - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ، كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ".

стр. 757

(فكأنما (١) وُتِرَ أهلَه ومالَه): -بالنصب- على أنَّه مفعول ثان (٢) لـ "وتر"، والمفعولُ الآخَرُ هو الضمير المستتر في وُتِرَ العائد للرجل الذي فاتته العصر، والمعنى: قد (٣) نقص أهله (٤) وماله، فكأنه سُلِبَهما، وتُرِكَ فردًا منهما، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]. ويروى: "فقد وتر أهلُه" -بالرفع- على أنَّه نائب عن الفاعل، ولا ضمير في "وتر"، والمعنى صحيح؛ أي: فقد سلب أهلُه وماله، ولا شكَّ في صحة تسليط (٥) السلب عليهما. قال المهلب: وإنما عظمت صلاةُ العصر بذلك؛ لاجتماع المتعاقبين (٦) من الملائكة فيها، والمرادُ: فواتُها في الجماعة، لا فواتُها جملة؛ لاشتراك الصلواتِ كلِّها في ذلك (٧)، فيبطل اختصاص العصر. واعترضه ابن المنير: بأن صلاة الفجر -أَيضًا - يجتمع فيها المتعاقبون، فالسؤال عن وجه الاختصاص باقٍ. قال: والحق: أن الله يخصُّ ما شاء من الصلوات بما شاء من الفضيلة

стр. 758

والتأكيد، ولعل التهديد غُلِّظ في العصر؛ لأنه لا عذرَ لمفوتها (١) إما عن وقتها، أو عن (٢) الجماعة؛ لأنه وقتُ يقظةٍ؛ بخلاف الفجر، فربما قام النَّوم عندها (٣) عذرًا. * * * باب: مَنْ ترك العصرَ ٣٨٥ - (٥٥٣) - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبي الْمَلِيح، قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ في غَزْوَةٍ، في يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ، فَقَالَ: بَكِّرُوا بِصَلاةِ الْعَصْرِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ، فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ". (ابن أبي كثير): بالثاء المثلثة. (كنا مع بُريدةَ في غزوة في يومٍ ذي غير، فقال: بَكِّروا بصلاة (٤) العصر): بُريدة: بضم الباء الموحدة وبالراء، مصغَّر، وإنما خص يوم الغيم بذلك؛ لأنه مَظِنَّةُ التأخير تَنَطُّعًا في الاحتياط، أو إخلادًا (٥) من النفس إلى التأخير الزائد عن الحد بحجة الاحتياط، فقابل ما في الطباع بالتنبيه (٦)

стр. 759

على مخالفتها (١)، والاجتهاد في التلوُّم إليها بالتحرِّي بحسب الإمكان. (فقد حبط عمله): أما من يقول: بأن تارك الصلاة كافر، فالأمرُ عنده ظاهر، وأما من ينكر إحباطَ الكبائر للأعمال، وهم الجمهور، فإما أن يكون معناه: إحباط الموازنة، كما مر، أو يوقف عنه عملُه مدةً حتَّى يكون فيها بمنزلة المحبَط إلى أن يأتيه من فضل الله ما يدرك به ثواب عمله. قال ابن العربي: وإلى هذا الوقت (٢) وقعت الإشارة بحديث يروي: "أَوَّلُ ما يُنْظَرُ فيهِ مِنْ عَمَلِ العَبْدِ يَوْمَ القِيَامةِ الصَّلاةُ" (٣)؛ كما أنَّه في قسم المنهيات: "أَوَّلُ ما يُحْكَمُ فيه الدِّمَاءُ (٤) " (٥)، فإن (٦) خلص منها، نُظر في سائر معاصيه، وإن لم يخلص منها، فهذه تكفيه، فيتوقف النظر في بقية المعاصي مدةً هنا كما يتوقف النظر في بقية الطاعات مدةً هناك. * * *

стр. 760

باب: فضلِ صلاةِ العصرِ ٣٨٦ - (٥٥٤) - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً -يَعْنِي: الْبَدْرَ-، فَقَالَ: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبُّكُمْ، كمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لا تُضَامُونَ في رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لا تُغْلَبُوا عَلَى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، فَافْعَلُوا". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق:٣٩]. قَالَ إِسْمَاعِيلُ: افْعَلُوا: لا تَفُوتَنَّكُمْ. (لا تُضامُون): الأكثر فيه هكذا -بضم التاء المثناة من فوق وتخفيف الميم-؛ أي: لا ينالُكم ضيمٌ في رؤيته، فيراه بعضُكم دونَ بعضٍ، والضيمُ: الظلم. وروي: بضمها وفتحها مع التشديد في الميم، من الضَّمِّ (١)؛ أي: لا ينضَمُّ بعضُكم إلى بعض في وقت النظر؛ لإشكاله وخفائه كما تفعلون عند النظر إلى الهلال ونحوه. * * * ٣٨٧ - (٥٥٥) - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ: مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ في صَلَاةِ

стр. 761

الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْألهُمْ، وَهْوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كيْفَ تَرَكتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأتيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ". (يتعاقبون فيكم ملائكة): جاء على لغة: "أكلوني البراغيث"، وكان ﵇ يعرف لغةَ جميع (١) العرب. وقال السهيلي في هذا الحديث: إن الواو فيه علامة إضمار؛ لأنه حديث مختصر رواه البَزَّار مطولًا مجودًا (٢)، فقال فيه: "إنَّ لِلهِ مَلائِكَةً يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ" (٣). قلت: دعوى لا دليلَ عليها، فلا يُلتفت إليها، وقد اعتمدها أبو حيانَ في ردِّ كلام ابن (٤) مالكٍ في الاستدلال بهذا الحديث، ومعنى التعاقُب: إتيانُ طائفة بعدَ أخرى. * * * باب: مَنْ أدرك ركعةً من العصرِ قبلَ الغروبِ ٣٨٨ - (٥٥٦) - حَدَّثنَا أَبُو نَعِيمٍ، قَالَ: حَدَّثنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَدْرَكَ

стр. 762

أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ، قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْح، قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ". (إذا أدرك أحدُكم سجدةً): أي: ركعةً؛ من باب إطلاق البعض وإرادة الكلِّ، وتبويبُ البُخَارِيّ يفسره. وفيه: دليل على صحة إطلاق (١) إدراك السابقِ للاحق (٢)؛ فإن وجود المصلي سابقٌ على وجود الصلاة التي تجب عليه، ومع ذلك قيل: أدركها، ولم يقل: أدركته. وقد مر فيه كلامٌ في: بدء الوحي، في قول ورقة: "إِنْ أدركْ يومَكَ" [على رواية (٣) "السيرة"، وقد تكرر مثلُ هذا التركيب في الأحاديث] (٤)، وهو مؤيِّدٌ لهذا (٥) الإطلاق، فتأمله. * * * ٣٨٩ - (٥٥٧) - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عبد الله، قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِم بْنِ عبد الله، عَنْ أَبيهِ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَم كَمَا بَيْنَ صَلاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ، فَعَمِلُوا،

стр. 763

حَتَّى إِذَا انتصَفَ النَّهَارُ، عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإنْجيلِ الإنْجيلَ، فَعَمِلُوا إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتينَا الْقُرآنَ، فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَمْس، فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ: أَيْ رَبَّنَا! أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءَ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، وَنحنُ كُنَّا أَكثَرَ عَمَلًا، قَالَ: قَالَ اللهُ : هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالُوا: لا، قَالَ: فَهْوَ فَضْلِي أُوتيهِ مَنْ أَشَاءُ". (فأُعطوا قيراطًا قيراطًا): أي: فأُعطوا أجورهم (١) قيراطًا قيراطًا، فهو حال، والمعنى: أُعطوا الأجرَ متساوين فيه، وهو مثل قولهم: ادخلوا رجلًا رجلًا؛ أي: مرتبين (٢)، وعلمته النحوَ بابًا بابًا، وانتصابُ الثاني في ذلك على التأكيد عند الزجاج، والوصفِ عند أبي الفتح، وبالاسم الأول عند أبي علي. قال أبو حيان: والأَولى انتصابُه بالعامل في الأول؛ لأن المجموع هو (٣) الحال، ولو قيل: إنه على إضمار الفاء؛ لكان حسنًا. وقد نص أبو الحسن: أنَّه لا يدخل في ذلك من العواطف غير الفاء. قال ابن هشام: ويرد الأولَ: أنَّه غيرُ صالح للسقوط، فلا تأكيد.

стр. 764

والثاني (١): أن معناه ولفظه كالموصوف؛ فإنَّه (٢) جامد. والثالثَ: أنَّه متوقف على تأويل الأول مرتبًا (٣)، والثاني بالجمع. والخامس: أن العاطف لا يُترك أبدًا أو غالبًا. ثم قال: ولعل الزجاج قائل: إن بابًا الأولَ بمعنى مرتبًا، والتزم ذكر الثاني؛ لأن ذكره أمارة على المعنى الذي قُصد بالأول، وربَّ شيءٍ لا يلزمُ ابتداءً، ثم يلزمُ لعارضٍ (٤). ولعل أَبا الفتح (٥) يقدِّر: بابًا سابقَ باب، ثم حذف المضاف كما صح عند الخليل: مررت (٦) يزيد زهير على تقدير مثل، وجاء زيد زهيرًا على (٧) ذلك عنده وعند غيره. قلت: كل هذا تكلف ظاهر (٨)، والإشكالُ بحاله، ويظهر لي في إعراب الحديث وجهٌ قريب، وذلك أن قوله: "فأُعطوا" يدل على أن كُلًّا

стр. 765

أعطي أجرَه، فيقدَّر (١): أُعطي كلٌّ منهم قيراطًا قيراطًا (٢)، فيكون "قيراطًا" الأولُ مفعولَ أُعطي الثاني، و"قيراطًا" الثاني تأكيدًا، ولا إشكال. فإن قلت: هو غير صالح للسقوط هنا. قلت: لا نسلم عدمَ صلاحيته لذلك مع إرادة التقدير المذكور (٣)، والله أعلم. فإن قلت: فما (٤) وجه مطابقة حديث ابن عمر (٥) للترجمة، وإنما حديثه مثالٌ لمنازل الأمم عند الله؛ فإن هذه الأمة أقصرُها عمرًا، وأقلُّها عملًا، وأعظمُها ثوابًا؟ قلت: أورده ابن المنير، وأجاب: بأنه (٦) يُستنبط بتلطُّف (٧) من قوله: "فعملْنا إلى غروب الشَّمس"، فدل (٨) أن وقت العمل ممتدٌّ (٩) إلى الغروب، وأنه لا يفوت، وأقربُ الأعمالِ المشهور بهذا الوقت صلاةُ العصر، وهو من قَبيل الأخذِ من الإشارة، لا (١٠) من صريح العبارة، وليس المراد عملًا

стр. 766

خاصًّا بهذا الوقت هو صلاة، بل المراد: سائر (١) أعمال (٢) الأمة من الصلوات وغيرها من العبادات في سائر (٣) مدة بقاء الملة (٤) إلى قيام الساعة. * * * باب: وقتِ المغربِ ٣٩٠ - (٥٥٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ، قَالَ؛ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِيِّ صُهَيْبٌ مَوْلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ: كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا، وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نبلِهِ. (ابن مِهران): بميم مكسورة، وقد مر. (أبو النَّجاشيّ): بنون مفتوحةٍ. (وإنه ليبصرُ مواقعَ نبله (٥)): أي: حيث (٦) تقع، وهو يدل على تعجيلها، وعدم تطويلها.

стр. 767

قال ابن المنير: حتَّى إن أهل الحرم يصلون في الجهات الأربع من الكعبة المغربَ في وقت واحد؛ بخلاف سائر الصلوات؛ فإن كل إمام له فيها وقت مرتب، ولا يصلون جملة إلَّا المغربَ خاصة، ومكةُ مجمع (١) الأمصار، فالواقعُ فيها إجماع (٢) من سائر الأقطار. * * * ٣٩١ - (٥٦٠) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: قَدِمَ الْحَجَّاجُ، فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عبد الله، فَقَالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نقِيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا، إِذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا، عَجَّلَ، وَإذَا رَآهُمْ أَبْطَوْا، أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ -كَانُوا، أَوْ- كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ. (والصبح كانوا أو كان النَّبِيّ ﷺ يصليها بغلس): قال ابن بطال: معناه: كانوا مع النَّبِيّ ﷺ مجتمعين، أو لم يكونوا مجتمعين، فإنَّه ﷺ ما كان يصليها بغلس، ولا يصنع فيها ما كان يصنع في العشاء؛ من (٣) تعجيلها إذا اجتمعوا، وتأخيرها إذا أبطؤوا. قال: وهذا من فصيح الكلام، وفيه حذفان (٤): حذفُ خبرِ (٥) كانوا،

стр. 768

وهو جائز، وقوله: "أو (١) " يعني: أو لم يكونوا مجتمعين، حذف الجملة التي بعدها مع كونها مقتضية (٢) لها (٣). قال الحافظ رشيد الدين العطار (٤): وقد جاء في لفظ هذا (٥) الحديث في "صحيح مسلم": "والصُّبْحَ كانوا -أو قال (٦):- كان النَّبِيّ ﷺ (٧) يصليها بغلس" (٨)، وظاهر هذا اللفظ يقتضي أنَّه شك من الرواي، فإن كان كذلك، فيحتاج إلى تقديرٍ آخرَ غيرِ ما ذكره ابن بطال. هذا كله كلام الزركشي في "التنقيح" (٩). قلت: فيه أمران: أحدهما: إقرارُ ابنِ بطال على دعواه أن هذا من فصيح الكلام، مع اشتماله على حذف المعطوف وبقاء العاطف فقط، وهو باطل، وهو نظير ما زعمه بعضهم في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ [الزخرف: ٥١ - ٥٢] أن الوقف على "أم"، وأن (١٠) التقدير: أم تبصرون، ثم يبتدئ: "أنا خير".

стр. 769

قال ابن هشام في "المغني": وهذا باطل؛ إذ لم يُسمع حذفُ معطوف بدون عاطفه (١). الثاني: عدم إبدائه للتقدير (٢) المحتاج إليه بفرض بطلان (٣) كلام ابن بطال. وقد حمل ابن المنير الكلامَ على وجهِ أقربَ مما ذهب إليه ابن بطال، وذلك أن الصبح (٤) معطوف على ما سبق، والتقدير: وكان النَّبِيّ ﷺ يصلي الصبح، وقوله: "كانوا" محذوف الخبر؛ أي: مجتمعين. وقوله: أو كان النَّبِيّ ﷺ محذوف الخبر أَيضًا؛ أي: منفردًا؛ بدلالة كونه قسيمًا (٥) للأول. هذا معنى كلامه. فإن قلت: فما حكم قوله: يصليها بغَلَس؟ قلت: يحتمل أن يكون بدلًا من الأول، أو حالًا، أو "يصليها" تأكيد (٦)، و"بغلس" متعلق بالأول. ثم قال ابن المنير: ويحتمل عندي أن يكون شكًّا (٧) من الرواي المتأخر، هل قال الأول: كانوا، أو كان النَّبِيّ؟ قلت: وعلى أن يكون شكًّا، فالتقدير: كانوا يصلونها بغلس، أو كان

стр. 770

النَّبِيّ ﷺ يصليها بغلس، فحذف من الأول؛ لدلالة الثاني عليه (١)؛ على (٢) نحو: فَإِنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ (٣) (٤) * * * باب: مَنْ كَرِهَ أن يقالَ للمغربِ العشاءُ ٣٩٢ - (٥٦٣) - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ -هُوَ عبد الله بْنُ عَمْرٍو-، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ بُرَيْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الله الْمُزَنِيُّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: "لا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْم صَلاتِكُمُ الْمَغْرِبِ". قَالَ: الأَعْرَابُ، وَتَقُولُ: هِيَ الْعِشَاءُ. (لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب): أي: لا تتبعوهم في تسميتهم. قال المهلب (٥): لأن التسمية من الله ومن الرسول (٦) لا تُترك لرأي (٧) أحد.

стр. 771

وردَّه (١) ابن المنير: بأنه لا خلاف في جواز الوضع والاصطلاح، ولو قلنا: إن الأصل توقيف، ولو كان كما قال؛ امتنع مجاز النقل، وإنما السرُّ في النهي سدُّ الذريعة؛ لئلا تُسمى عشاء، فيمتد وقتها من غروب الشَّمس؛ أخذًا من لفظ العشاء؛ فإنَّه لا يخص الغروب (٢)، بل هو ممتد جدًّا. * * * باب: ذِكْرِ الْعِشَاءِ وَالْعَتَمَةِ، وَمَنْ رَآهُ وَاسِعًا قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أثقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ الْعِشَاءُ وَالْفَجْرُ". وَقَالَ: "لَوْ يَعْلَمُونَ مَا في الْعَتَمَةِ وَالْفَجْرِ". قَالَ أَبُو عبد الله: وَالاِخْتِيَارُ: أَنْ يَقُولَ: الْعِشَاءُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبي مُوسَى، قَالَ: كنَّا نَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، فَأَعْتَمَ بِهَا. (ويذكر عن أبي موسى): هذا التعليق أسنده في باب: فضل العشاء، قريبًا، وهذا أحد (٣) ما يرد به على (٤) ابن الصلاح في دعواه: أن تعليقات البُخَارِيّ التي يذكرها بصيغة التمريض لا تكون صحيحة عنده. (كنا نتناوب): أي: نأتي نوبةً بعد نوبة.

стр. 772

(فأعتم): أي: دخلَ في العتمة، وهي الظُّلْمَة، وقيل: إنها اسم لثلث (١) الليل الأول بعد غروب الشفق، على ما نقل عن الخليل (٢). * * * باب: فضلِ العشاءِ ٣٩٣ - (٥٦٧) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي الَّذِينَ قَدِمُوا مَعِي في السَّفِينَةِ نُزُولًا في بَقِيعِ بُطْحَانَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ مِنْهُمْ، فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ ﵇ أَنَا وَأَصْحَابِي، وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ في بَعْضِ أَمْرِهِ، فَأَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ، ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، قَالَ: لِمَنْ حَضَرَهُ: "عَلَى رِسْلِكُمْ، أَبْشِرُوا، إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْكُمْ: أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرُكمْ". أَوْ قَالَ: "مَا صَلَّى هَذِهِ السَّاعَةَ أَحَدٌ غَيْرُكُمْ". لا يَدْرِي أَيَّ الْكَلِمَتَيْنِ قَالَ، قَالَ أَبُو مُوسَى: فَرَجَعْنَا، فَفَرِحْنَا بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . (في بَقيع): بفتح الموحدة. (بُطحان): قال ابن قرقول: في رواية المحدثين: بضم الباء (٣)، وحكى أهل اللغة: فتح الباء وكسر الطاء.

стр. 773

(حتَّى ابْهارَّ الليلُ): -بهمزة وصل فموحدة ساكنة فهاء فألف فراء مسنددة-؛ أي: انتصف. (على رِسْلِكم): -بكسر الراء وفتحها -؛ أي: تَأَنَّوْا. (أبشروا، إِن من نعمة الله عليكم): بكسر همزة إن: على أن الجملة مستأنفة، وبفتحها: على أن حرف الجر مقدر؛ أي: أبشروا بأن من نعمة الله. (أَنه ليس أحد من النَّاس يصلي هذه الساعة غيرُكم): بفتح همزة أن وجهًا واحدًا؛ لأنها في موضع المفرد، وهو اسم أن؛ أي: إن من نعمة الله عليكم عدمُ صلاةِ أحدٍ غيرِكم في هذه الساعة؛ أي: انفرادكم بهذه العبادة. * * * باب: النَّومِ قبلَ العشاءَ لمن غُلِبَ ٣٩٤ - (٥٧١) - وقَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةً بِالِعشاء، حَتَّى رَقَدَ النَّاسُ واسْتَيْقَظُوا، ورَقَدُوا واسْتَيْقَظُوا، فَقَامَ عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: الصَّلَاةَ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَخَرَجَ نبِيُّ اللهِ ﷺ ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ الآنَ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ: "لَوْلا أَنْ أشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا هَكَذَا". فَاسْتَثْبَتُّ عَطَاءً: كيْفَ وَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَأْسِهِ يَدَهُ، كمَا أَنْبَأَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَبَدَّدَ لِي عَطَاء بَيْنَ أَصَابِعِهِ شَيْئًا مِنْ تَبْدِيدٍ، ثُمَّ وَضَعَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ عَلَى قَرْنِ الرَّأْسِ، ثُمَّ ضَمَّهَا، يُمِرُّهَا كَذَلِكَ عَلَى الرَّأْسِ، حَتَّى مَسَّتْ إِبْهَامُهُ طَرَفَ الأُذُنِ، مِمَّا يَلِي

стр. 774

الْوَجْهَ عَلَى الصُّدْغ وَنَاحِيةِ اللِّحْيَةِ، لا يُقَصِّرُ، وَلَا يَبْطُشُ إلا كَذَلِكَ، وَقَالَ: "لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوا هَكَذَا". (فبدَّد): أي: فَرَّقَ. (ثم ضمَّها): -بضاد معجمة وميم-، كذا رواه (١) البُخَارِيّ، ولمسلم: بصاد مهملة وموحدة (٢). قال القاضي: وهو الصواب؛ فإنَّه يصف عصرَ الماء من الشعر باليد (٣). (لا يعْصِر): بعين وصاد مكسورة مهملتين (٤). وفي رواية: بالقاف، وهي رواية مسلم؛ أي: لا يقصر عن فعله ذلك من إجراء أصابعه عليه متمهلًا دون بطش. * * * باب: وقتِ العشاءِ إلى نصف اللَّيلِ ٣٩٥ - (٥٧٢) - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيم الْمُحَارِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنس، قَالَ: أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الْعِشَاءَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى، ثُمَّ قَالَ: "قَدْ صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا، أَمَا إِنَّكمْ في صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتمُوهَا".

стр. 775

وَزَادَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ: سَمِعَ أَنسًا: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ لَيْلَتَئِذٍ. (أمَا إِنكم): -بتخفيف الميم، وبكسر إنَّ-، على أنّ (١) أما حرف استفتاح. قال الزركشي: -وبالفتح- على جعلها بمعنى حقًّا (٢). قلت: فالهمزة للاستفهام، والمقامُ غير صالح له، والشأن في الرواية. (وَبيص): أي: بريق، وقد مر. * * * باب: فضلِ صلاةِ الفجرِ ٣٩٦ - (٥٧٣) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ، قَالَ لِي جَرِيرُ بْنُ عبد الله: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، إِذْ نظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: "أَمَا إِنَّكمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لا تُضَامُونَ -أَوْ لا تُضَاهُونَ- في رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، فَافْعَلُوا". ثُمَّ قَالَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]. (لا تضامون): سبق ضبطُه.
следующие страницы →