الصلاة المشروعة؛ يشير إليه قولُه: أصلِّي كيف (١) رأيتُ النبيَّ ﷺ ، ولا بد أن ينوي معلِّم (٢) الصلاة التقربَ (٣) إلى الله بالصلاة، [وتأتي نيةُ التعليم تبعًا، فتجتمع نيتان صالحتان في عمل واحد؛ كمن اغتسل ينوي الجنابةَ والجمعةَ] (٤) معًا.
(مثل صلاة شيخنا هذا): هو عَمْرُو بن سَلِمَةَ، بكسر اللام (٥).
* * *
باب: أهلُ العلم والفضلِ أحقُّ بالإمامة
٤٥٢ - (٦٧٨) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نصرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: مَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ، فَقَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ". قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّهُ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَامَ مَقَامَكَ، لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ. قَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ". فَعَادَتْ، فَقَالَ: "مُرِي أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ". فَأتاهُ الرَّسُولُ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ .
(إسحاق بن نصر): بصاد مهملة.
стр. 842
(عبد الملك بن عُمير): بضم العين المهملة، مصغر (١).
(رجل رقيق): -بقافين-؛ أي: ضعيف هَيِّن لَيِّن.
(إنكن صواحبُ يوسفَ): قال الزركشي: يعني: في تظاهرهن (٢) بالإلحاح (٣) حتى يصلن إلى أغراضهن؛ كتظاهر امرأةِ العزيزِ ونسائها على يوسف ﵇ ليصرفنه عن (٤) رأيه في الاستعصام (٥).
[وقال الشيخ عز الدين في "أماليه": وجه التشبيه بهن وجودُ مكرٍ في القضيتين] (٦)، وهو مخالفةُ الظاهرِ لما في الباطن، وصواحبُ (٧) يوسفَ أتين (٨) زليخا ليعتبنها، ومقصودُهن أن يدعون يوسفَ لأنفسِهن، وعائشة ﵂ كان مرادُها ألَّا يَتَطَيَّرَ الناسُ بأبيها؛ لوقوفه مكان رسول الله ﷺ .
* * *
٤٥٣ - (٦٨٠) - حَدَّثَنَا أبو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنسُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ تَبِعَ النَّبِيَّ ﷺ ،
قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فِي مَرَضِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ. قَالَ عُرْوَةُ: فَوَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ، فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ يَؤُمُّ النَّاسَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ، اسْتَأْخَرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ: "أَنْ كمَا أَنْتَ". فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ.
(فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ﷺ ): مِثْلُ هذا خاص به ﵊، وليس لإمامٍ عند أهل المذهب إذا أحرمَ نائبُه لعذر اتفقَ للإمام، ثم حضر الإمامُ أن يخرج النائبُ من الإمامة، ويدخل الإمامُ الأصليُّ، بل يصلي الإمامُ مأمومًا إن شاء، ولا بد، وإن خالفا، أبطلا الصلاة عليهما جميعًا، وإنما اختص النَّبيُّ ﷺ بهذا الحكم؛ لأن فضله على المأمومين مقطوع به.
وأما تفاضلُ الخلق بعدَه، فحدسٌ لا قطعٌ.
نعم (١) اختلف أهلُ المذهب في الإمام إذا نابَهُ عذرٌ في أثناء الصلاة، فاستَخْلَفَ، ثم زال عذره، هل يُتِمُّ مأمومًا ولا بدَّ، أو (٢) له أن يُخرج النائبَ ويدخل؟ قولان: الأولُ ليحيى بن عمير، والثاني في "العتبية".
قال ابن المنير: و (٣) هو أصح، وأسعد بظاهر الحديث.
حَدِيثَهَا، فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ الْعَبَّاسِ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: هُوَ عَلِيٌّ.
(فذهب لِينوءَ): أي: ليقومَ وينهضَ.
(ضعوا لي ماء): أي: ضعوا لي، كما ثبت في الرواية الأخرى،
لكنه حذف حرف الجر فوصل الفعل بنفسه إلى المفعول.
(قال: هاتِ): بالكسر (١)، ويقال (٢) للمؤنثة: هاتي، بياء (٣).
قال الزركشي: وبه يُرد على ابن عصفور في قوله: إنها اسم فعل، وإنما هي فعل أمر (٤)؛ لأن الضمائر المرفوعة البارزة لا تتصل إلا بالأفعال (٥).
قلت: له أن يمنع هذا الحصر؛ ففي كلام الفارسي ما يدفعه، فقد صرح بأن "ليس" حرف، وإن لحاق (٦) الضمير لها (٧)؛ نحو: لست، ولستما لشبهها بالفعل؛ لكونها على ثلاثة أحرف، وبمعنى: ما كان، وكونه رافعًا وناصبًا؛ كما ألحق الضمير هاتي، هاتيا، هاتوا، هاتِينَ، مع كونه اسمَ فعلٍ لقوة مشابهته للأفعال لفظًا، وإذا كان كذلك، فابنُ عصفور ليس مبتدعًا للقول بأن هاتِ اسمُ فعل، وليس ثَمَّ إجماعٌ على أن الضمير البارز لا يلحق
وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا، لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْقُعُودِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالآخِرِ فَالآخِرِ، مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ .
(فجحش): قال الزركشي: أي: انخدشَ (١).
وقال الجوهري: الجَحْش: يعني -بفتح الجيم وسكون الحاء-: سَحْج الجلد، يقال: أصابه شيء فجَحَشَ وجهه (٢).
(فصلوا جلوسًا أجمعون): بالرفع، تأكيد لضمير (٣) فصلوا.
ويروى: "أجمعين"، وخُرِّج على أن يكون حالًا، أو تأكيدًا لجلوسًا، وكلاهما لا يقول به البصريون.
* * *
باب: متى يسجُدُ مَنْ خلفَ الإمامِ ؟
٤٦٢ - (٦٩٠) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِى عبد الله بْنُ يَزيدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ، وَهْوَ غَيْرُ كَذُوبٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَالَ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه"، لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ.
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبي إِسْحَاقَ نَحْوَهُ، بِهَذَا.
(حدثني أبو إسحاق، حدثني عبد الله بن يزيد، حدثني البراء، وهو
стр. 852
غير كذوب): حمل بعضُهم "وهو غير كذوب" على أنه كلامُ أبي إسحاق في وصف عبد الله بنِ يزيدَ، لا كلامُ عبد الله بنِ يزيدَ في وصف البراءِ بنِ عازب؛ كأنه فعل ذلك تنزيهًا للبراء عن مثل هذه التزكية؛ لأنه في مقام الصحبة.
قال ابن دقيق العيد: فإن قصدوا هذا، فعبد الله بنُ يزيدَ قد شهد الحديبيةَ وهو ابنُ سبعَ عشرةَ سنة.
وبعضُهم تعلق في رد الكلام الأول برواية شعبة عن أبي إسحاق، قال: "سمعتُ عبد الله بنَ يزيدَ يخطب يقول: حدَّثنا البراء، وكان (١) غيرَ كذوب" (٢).
وهذا لا يدفع الاحتمال، على أني أستشكل إيرادَ هذه الصيغة في مقام التزكية؛ لعدم دلالة اللفظ على انتفاء الكذب مطلقًا؛ فإنَّ "كذوبًا" للمبالغة والكثرة، فلا يلزم من نفيها نفيُ أصلِ الكذب، والثاني هو المطلوب، لكن قد يقال: يُحمل بمعونة القرائن، ومناسبةِ المقام على أن المراد نفيُ مطلق الكذب، لا نفيُ الكثير منه، والله أعلم.
* * *
باب: إمامةِ العبدِ والمولى
٤٦٣ - (٦٩٢) - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عبيد الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ
ابنُ عبدِ البَرِّ في "التمهيد" عن ابن وضاح وغيره (١).
وفي "مرآة الزمان" لابن الجوزي: اختُلف فيه، فقيل: هو الغافقيُّ بنُ حربٍ العَكِّيُّ (٢)، وقيل: عبدُ الرحمن بنُ عُدَيْسٍ البكريُّ، وقيل: كنانةُ بنُ بِشْرٍ.
(الصلاةُ أحسنُ (٣) ما يعمل النَّاس): جواب شديد خلص به من الفتيا والفتنة معًا، وذلك أن الصلاة التي هي (٤) أحسنُ ما يعمل النَّاس هي الصلاةُ الصحيحة، وصلاةُ صاحبِ الفتنة وتقدُّمه (٥) على الأئمة فاسدةٌ عند القائل بأن المبتدعَ كافر، أو فاسقٌ فسقًا يرجع إلى شروط الصلاة، وهو وجهُ القولِ بأنه يعيدُ المؤتَمُّ به أبدًا، وهي (٦) رواية عن مالك ليست بالشاذة، فيحتمل أن يكون عثمانُ ﵁ رأى أن الصلاة خلفَ المبتدع المفتتن لا تصحُّ، ولكن حادَ عن الجواب، وتوقَّى الخوضَ في الفتنة، فعَرَّضَ بما عَرَّض.
(لا نرى أن يصلَّى خلفَ المخنّث): قال الزركشي: بكسر النون.
وقال الجوهري: الانخناث: التثنِّي والتكسُّر، وخنثتُ الشيءَ فتخنَّثَ؛
стр. 855
أي: عطفتُه فتعطَّفَ، ومنه سمي المخنث (١). ومقتضاه (٢) أنه بفتح النون.
قال القاضي: وسمي بذلك؛ لانعطافه، وتخلُّقه بأخلاق النساء (٣). وحُمل المرادُ به هنا (٤) على الذي ذاك (٥) من خُلقه، قال (٦): فأما مَنْ قصد ذلك، فهو ملعون فاسق.
قال ابن المنير (٧): وأدخلَ البخاريُّ مع ذكر المفتونِ والمبتدعِ المخنثَ؛ إزراءً بأهل البِدَع، وتسويةً بينهم وبين هذا الصنف الرَّذِل (٨)، والله أعلم.
* * *
٤٦٥ - (٦٩٦) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنسَ بْنَ مَالِكٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَبِي ذَرٍّ: "اسْمَعْ وَأَطِعْ وَلَوْ لِحَبَشِيٍّ، كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبةٌ".
(اسمع وأطع ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة): قال ابن المنير: و (٩) وجهُ
стр. 856
مطابقته للترجمة: أن السياق يرشد إلى إيجاب طاعته، وإن كان أبعدَ النَّاس عن أن يُطاع؛ لأن مثلَ هذه الصفة إنما توجد في أعجميٍّ حديثِ العهدِ دخلَ في الإسلام، ومثلُ هذا -في الغالب- لا يخلو من نقص في دينه، لو لم يكن إلا الجهل اللازم لأمثاله، وما يخلو الجاهل إلى هذا الحد (١) من ارتكابِ البدعة، واقتحامِ الفتنة، والله أعلم.
ولو لم يكن إلا في (٢) افتتانه بنفسه؛ حيث تقدَّم للإمامة، وليس من أهلها؛ لأن لها أهلًا من الحسب والنسب (٣) والعلم، فتأمل ذلك.
* * *
باب: يقومُ عن يمين الإمام بحذائه سواءً إذا كانا اثنينِ
٤٦٦ - (٦٩٧) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﵄، قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونة، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى أَرْبَعَ ركَعَاتٍ، ثُمَّ ناَمَ، ثُمَّ قَامَ، فجِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَاره، فَجَعَلَنِي عَنْ يمينه، فَصَلَّى خَمْسَ ركَعَاتٍ، ثُمَّ صَلى ركعَتَيْنِ، ثُمَّ ناَمَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ، أَوْ قَالَ: خَطِيطَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ.
(غطيطه: أو قال: خطيطه): سبق الكلام عليه.
* * *
стр. 857
باب: إذا طوَّلَ الإمامُ وكان للرجل حاجةٌ فخرج فصلَّى
٤٦٧ - (٧٠١) - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، قالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عبد الله، قَالَ: كَانَ مُعَاذُ ابْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ، فَقَرَأَ بِالْبقَرَةِ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَكَأَنَّ مُعَاذًا تَنَاوَلَ مِنْهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "فَتَّانٌ، فَتَّانٌ، فَتَّانٌ"، ثَلَاثَ مِرَارٍ، أَوْ قَالَ: "فَاتِنًا، فَاتِنًا، فَاتِنًا"، وَأمَرَهُ بِسُورتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ الْمُفَصَّلِ. قَالَ عَمْرٌو. لَا أَحْفَظُهُمَا.
(فانصرف رجل، وكأن معاذًا تناول منه): الرجل المذكور هو حزمُ ابنُ أَبي كعب (١)، وقيل: سليمُ بنُ الحارث، وقيل: حزام (٢) بن أبي كعب (٣) الأنصاري، بالزاي، وقيل: حرام بن ملحان، بالراء، قاله الخطيب (٤).
والقول الأول في "سنن أبي داود" (٥)، وفي "التاريخ الكبير" للبخاري (٦).
* * *
باب: تخفيفِ الإمامِ في القيام، وإتمام الركوع والسُّجود
٤٦٨ - (٧٠٢) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونسُ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ:
стр. 858
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسًا، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مَسْعُودٍ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي لأتأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ؛ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ، فَلْيتَجَوَّزْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ".
(فأيكم ما صلَّى بالناس، فليتجَوَّزْ): "ما": زائدة.
ومقتضى هذا: التخفيفُ في جميع الصلاة، وهو مَسوقٌ (١) في باب: تخفيف الإمام في القيام وإتمام الركوع والسجود، ووجهه أنه بَيَّنَ بالترجمة مقصودَ الحديث؛ فإن (٢) المراد: التخفيفُ في القيام، لا في الركوع والسجود؛ لأن الذي يطول غالبًا هو القيام، وما عداه أمرُه (٣) سهل لا يشقُّ إتمامُه على أحد.
* * *
باب: مَنْ شَكَا إِمَامَهُ إِذَا طَوَّلَ
وَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ: طَوَّلْتَ بِنَا يَا بُنَيَّ.
(وقال أبو أسيد: طَوَّلْت بنا يا بني): أبو أُسيد -بضم الهمزة، مصغر (٤) -، وابنه هذا هو المنذر؛ كما جاء مصرَّحًا به في "مسند ابن أبي شيبة" (٥).
(وخرج النَّبيُّ ﷺ يُهادى بين رجلين): الرجلان هما: العباس، وعليُّ بنُ أبي طالب ﵄ كما سبق في بعض متون البُخاريّ، وقيل: عليٌّ، والفضلُ بنُ العباس، قاله الخطيب.
قال النووي: الأصح (١) أنهما قضيتان، فخروجُه إلى [الصلاة (٢) كان بين عليٍّ والعباس، وخروجُه من] (٣) بيت ميمونةَ إلى بيت عائشةَ بين الفَضْل وعلي.
وجاء في "معالم السنن" للخطابي: بين عليٍّ وأسامةَ، وهو محمول على أنه تارة يكون هذا وهذا، وتارة يكون هذا وهذا، أو أن اثنين في جانب، وواحدٌ أو اثنان في جانب، وكان الخروج مرات (٤).
وفي "طبقات ابن سعد": عن عائشة: أنه يوم الاثنين أصبح مُفيقًا، فخرج متوكئًا (٥) على الفضلِ بنِ عباسٍ، وعلي ثوبانَ غلامِهِ (٦).
* * *
قال ابن مالك (١): لكنها أُهملت (٢) هنا؛ حملًا على "إذا" (٣)، وهي رواية الإمام أحمد في "المسند" (٤)، وقد جاء مثلُه في الشعر، وحُكم بشذوذه، ومَقامك، بفتح أوله، ويُسْمِع، بضم الياء وإسكان السين؛ من الإسماع.
* * *
باب: هل يأخذُ الإمامُ إذا شكَّ بقولِ النَّاسِ
٤٧٣ - (٧١٤) - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنس، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ انْصَرَفَ مِنَ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: أقصُرَتِ الصلَاةُ، أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ "، فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ.
(السَّخْتِياني): بسين مهملة (٥) مفتوحة فخاء ساكنة فتاء مكسورة فمثناة من تحت، سبق ضبطه.
* * *
стр. 864
باب: إِذَا بَكَى الإمَامُ فِي الصَّلَاةِ
وَقَالَ عبد الله بْنُ شَدَّادٍ: سَمِعْتُ نَشِيجَ عُمَرَ، وَأَنَا فِي آخِرِ الصُّفُوفِ، يَقْرَأُ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦].
(نَشِيج عمر): -بنون مفتوحة فشين معجمة مكسورة فمثناة من تحت فجيم-: هو أشد البكاء.
* * *
باب: تسويةِ الصفوفِ عند الإقامةِ وبعدَها
٤٧٤ - (٧١٧) - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ".
(أو ليخالفن (١) الله بين وجوهكم): أي: تفترقون (٢)، فيأخذ كل واحد وجهًا غيرَ الذي أخذ صاحبُه؛ لأن تقدم (٣) الشخص على غيره مَظِنَّةُ الكِبْرِ المفسِدِ للقلوب.
ويحتمل أن تكون المخالفة (٤) في الجزاء، فيجازي مستوي الصف بخير، والخارجَ عنه بشر.
стр. 865
٤٧٥ - (٧١٨) - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أقِيمُوا الصُّفُوفَ؛ فَإِنِّي أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي".
(فإني أراكم خلف ظهري): يجوز أن تكون هذه الرؤية (١) إدراكًا خاصًّا به ﷺ محققًا انخرقت له فيه العادة، أو يكون الإدراكُ العينيُّ انخرقت العادةُ فيه، فكان يرى به من غير مقابلة، وأهل السنة لا يشترطون في الرؤية عقلًا بَيِّنَةً (٢) مخصوصة ولا مقابلة.
* * *
باب: إقبالِ الإمامِ على الناسِ عند تسويةِ الصفوفِ
٤٧٦ - (٧١٩) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبي رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، حَدَّثَنَا أَنسٌ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: "أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، وَتَرَاصُّوا؛ فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي".
(ابن قُدامة): بضم القاف وبدال مهملة (٣) مخففة.
* * *
стр. 866
باب: الصفِّ الأولِ
٤٧٧ - (٧٢٠) - حَدَّثَنا أبو عَاصِمٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الشُّهَداءُ: الغَرِقُ، والمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْهَدْمُ".
(سُمَيّ): بضم السين المهملة وفتح الميم وياء مثناة من تحت مشددة، مصغَّر.
(الغرِق): بكسر الراء بدون ياء، و (١) معها أيضًا (٢)، وكلاهما صحيح.
(والهدِم): -بكسر الدال-: الذي يموت تحت الهدَم -بفتحها-، وقد مر، ومن رواه هنا بإسكان الدال، فمعناه: ذو الهدم؛ أي: الذي يموت بفعل الهادم.
قال الزركشي: لكن الحقيقة (٣) أن ما انهدم هو الذي يقتل؛ يعني: فيكون بفتح الدال (٤).
* * *
باب: إِثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصُّفُوفَ
(باب: إثم من لم يتمَّ الصف): الزركشي: بفتح الميم المشددة من "يتم" (٥).
стр. 867
قلت: أو بكسرها على الأصل، لا سيما وقبلها كسرة يمكن أن تراعى في الإتباع.
* * *
٤٧٨ - (٧٢٤) - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِيُّ، عَنْ بُشيْرِ بْنِ يَسَارٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَقِيلَ لَهُ: مَا أَنْكَرْتَ مِنَّا مُنْذُ يَوْمِ عَهِدْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا إلَّا أَنَّكمْ لَا تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ.
وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ بُشيْرِ بْنِ يَسَارٍ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَنسُ بْنُ مَالِكٍ الْمَدِينَةَ، بِهَذَا.
(بُشير بن يسار): بُشير: بموحدة مضمومة وشين معجمة، مصغَّر، ويَسار: بمثناة من تحت مفتوحة فسين مهملة فألف فراء.
(ما أنكرتَ منا منذ يومُ عهدت): قال الزركشي: يجوز في "يوم" الرفعُ والنصبُ والجرُّ (١).
قلت: ظاهره أن الثلاث حركات إعراب، وليس كذلك؛ فإن الفتحَ هنا حركةُ بناء قطعًا.
* * *
باب: إلزاقِ المنكبِ بالمنكبِ والقدم بالقدمِ في الصفِّ
٤٧٩ - (٧٢٥) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ
(لا يسير بالسرية): أي: لا يخرج بنفسه مع السرية، وقيل: لا يسير بالسرية العادلة (١).
(ولا (٢) يقسم): مضارع قَسَمَ قسمةً.
(وعُرْضَةً بالفتن): أي: اجعلْه عُرضةً لها.
فيه: أجواز الدعاء على الظالم بالفتنة في دينه.
قال ابن المنير: وكان في النفس من هذه القاعدة إشكال، وذلك] (٣) أن (٤) الدعاء بمثله يستلزم وقوعَ المعاصي، حتى تأملتُ هذا الحديث، فوجدته (٥) سائغًا (٦)، والسبب في جوازه أن وقوع المعاصي (٧) لم تُقَيد من حيثُ (٨) كونُها معاصيَ، ولكن من حيث أداؤها إلى نكاية الظالم وعقوبته (٩)، وهذا كما قيل في تمني الشهادة أنه مشروع، وإن كان حاصلُه تمنيَ قتلِ الكافر للمسلم، وهذا معصية ووهنٌ (١٠) في الدين (١١).
стр. 879
ولكن (١) الغرض من تمني الشهادة ثوابُها لا نفسُها، ووجدت (٢) في دعوات الأنبياء ﵈ قال الله تعالى حكاية عن موسى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ [يونس: ٨٨]، وقال عن نوح ﵇: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إلا ضَلَالًا﴾ [نوح: ٢٤].
* * *
٤٩٤ - (٧٥٧) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عبيد الله، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبيِّ ﷺ ، فَرَدَّ، وَقَالَ: "ارْجِعْ فَصَلِّ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "ارْجِعْ فَصَلِّ؟؛ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، ثَلَاثًا، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، فَقَالَ: "إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَكَبِرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا".
(فدخل رجل فصلى، ثم (٣) جاء فسلم على النبي ﷺ ، فردَّهُ فقال (٤):
стр. 880
ارجع فصلِّ؛ فإنك لم تصل): وهذا (١) الرجل هو خلاد جدُّ يحيى بنِ عبدِ (٢) الله بنِ خلاد، قاله في "أسد الغابة" (٣).
وهذا يتضمن قراءة الفذ، فإما أن يُتلقى حكم المأموم كما ذكره في الترجمة من القياس على الفذ، وإما أن يتلقى من قوله لهذا المقصر (٤) في صلاته: "إذا قمتَ إلى الصلاة، فكبر، ثم اقرأ"، فعلَّمَه كيف يصلي، ولم يخصَّ حالةَ الائتمام من حالة الانفراد في سياق البيان، ولا سيما لمن ظهر قصوره في العلم، فدل على التسوية، وإلا، كان بيان (٥) الحكم على التفصيل (٦) متعينًا.
* * *
باب: الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ
(باب: القراءة في الظهر): بوب على ذلك، وساق ما يدل عليه من السُّنة؛ لأنه قد روي عن ابن عباس: أنه سئل (٧): "أفي الظهر والعصر قراءة؟ فقال: لا" (٨)، وإليه ذهب سُويد بن غَفَلَةَ.