وإنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، فِي وِترٍ، وإنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ". وَكَانَ سَقْفُ الْمَسْجدِ جَرِيدَ النَّخْلِ، وَمَا نرَى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا، فَجَاءَتْ قَزْعَةٌ، فَأُمْطِرْنَا، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى رَأَيْتُ أثرَ الطينِ وَالْمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَرْنبَتِهِ، تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ.
(اعتكف رسول الله ﷺ الأَولَ): كذا (١) في بعض النسخ بدون موصوف، والهمزة مفتوحة، أو مضمومة؛ [أي: العشرَ الأول، فذكر الأُولى] (٢)، أو العشرَ الأُول جمُعها.
وفي بعضها: العَشْرَ الأُوَلَ، قال الزركشي: وهو الوجه (٣)(٤).
(فاعتكف العشرَ الأوسطَ): هكذا أكثرُ الروايات، ووجِّهَ بأنه جاء على لفظ العشر؛ لأنه مذكر (٥).
وروي: "الوُسُط" -بواو وسين مضمومتين- جمعُ واسط؛ كبازل، وبزل (٦)، على أنه لو قيل هنا (٧): الوسَط -بفتح السين- جمعُ وسطى؛ لكان حسنًا.
(وإني نَسِيتها): روي بفتح النون وكسر السين المخففة.
стр. 914
وروي بضم النون وتشديد السين.
(في العشر الأواخر): جمع آخرة، وهذا جارٍ على القياس.
قال ابن الحاجب: ولا يقال هنا الأُخَر جمعٌ لأُخرى (١)؛ لعدم دلالتها على التأخير (٢) الوجودي، وهو مراد.
وفيه بحث.
(قَزَعَة): -بقاف وزاي وعين مهملة مفتوحات-: قطعة من الغيم.
(على جبهة رسول الله ﷺ وأرنبته): هي طَرَفُ الأنف.
[قال ابن بطال: فيه (٣) حجة لمن أوجب السجود على الأنف] (٤) والجبهة (٥).
واعترضه ابن المنير: بأن الفعل لا يدل على الوجوب، فلعله أخذ بالأكمل، وأخذه من قوله: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُوني أُصَلِّي" (٦)، يعارض بأن المندوبَ في أفعال الصلاة أكثرُ من الواجب، فعارض الغالبُ ذلك الأصلَ.
وفيه نظر.
فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ للهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّها النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّكمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا، أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ للهِ صَالحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ".
(وعلي (١) عباد الله الصالحين؛ فإنكم إذا قلتموها، أصابت كلَّ عبدٍ [للهِ] صالح): فيه دليل على أن للعموم صيغة، وأن هذه الصيغةَ منها، وهو مذهب الفقهاء؛ خلافًا لمن توقف في ذلك من الأصوليين.
* * *
باب: الدعاءِ قَبلَ السَّلامِ
٥٢٨ - (٨٣٢) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ بْنُ الزبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِي ﷺ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ: "اللَّهُمَ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيح الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأثَم وَالْمَغْرَمِ". فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أكثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ؟ فَقَالَ: "إِن الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ، حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ".
(من المأثم): الأمر الذي يأثم به الإنسان، أو هو الإثمُ نفسُه؛ وضعًا للمصدر موضعَ الاسم.
стр. 921
(والمغرم (١)): أي: الدَّيْن (٢) الذي يحمل على الغرم (٣)، والمراد به: دَين استُدين في أمر غير جائز، أو جائز، ثم عجز عن أدائه، فأما دين احتيج إليه، وهو قادر على وفائه، فلا (٤) يستفاد منه.
* * *
٥٢٩ - (٨٣٤) - حَدَّثَنَا قُتَيْبةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ ابْنِ أَبي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عبد الله بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁: أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي. قَالَ: "قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ".
(ظلمًا كثيرًا): بمثلثة أو (٥) بموحدة، روايتان.
(مغفرة من عندك): إشارة إلى التوحيد؛ كأنه قال: لا يفعل هذا إلا أنت، فافعل (٦) أنت، أو هو (٧) إشارة إلى طلب مغفرةٍ متفضَّل بها من
стр. 922
عند الله، لا (١) يقتضيها سببٌ من العبد من عمل حسن (٢) ولا غيره، فهي رحمة من عنده، وهذا (٣) تَبَرُّؤ من الأسباب، والإدلالِ بالأعمال، وهو حسن.
* * *
باب: مَا يُتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ
(باب: ما يتخير من الدعاء): ببناء يُتَخَيَّر للمفعول.
٥٣٠ - (٨٣٥) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ الأَعْمَشِ، حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، عَنْ عبد الله، قَالَ: كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ، قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى اللهِ مِنْ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَى اللهِ؛ فَإِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ للهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ، أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ، أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءَ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُو".
(ثم ليتخير من الدعاء أعجبَه إليه): قال ابن المنير: الدعاءُ بأمور الدنيا في الصلاة خطر، وذلك أنه قد يلتبس عليه الدنيا الجائزة بالمحظورة،
стр. 923
فيدعو بالمحظور (١)، فيكون عاصيًا متكلمًا في الصلاة، فتبطل صلاته وهو لا يشعر.
ألا ترى أن العامة يلتبس عليها الحقُّ بالباطل، فلو حكم حاكمٌ على عاميٍّ بحق، فظنه باطلًا، [فدعا على الحاكم باطلًا] (٢)، بَطَلَت صلاتُه، وتمييزُ الحظوظ الجائزة من المحرمة عسرٌ (٣) جدًّا، فالصواب أن لا يدعوَ (٤) بدنياه إلا على ثبتٍ من الجواز.
* * *
باب: مَنْ لَمْ يَمْسَحْ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ حَتَّى صَلَّى
(باب: من لم يمسح جبهتَه وأنفَه حتى صلَّى): ساق فيه حديث أبي سعيد، قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ سَجَدَ (٥) فِي المَاءِ وَالطِّينِ حَتَّى رَأَيْتُ أثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ"، يحتمل (٦) أن يكون تركه لذلك؛ لكونه آية وعلامة على ليلة القدر، وقد تقدمت الآثارُ بذلك، فقصد (٧) إبقاءه لذلك ليراه النَّاس، فيستدلوا على عين تلك الليلة.
شَاءَ اللهُ". فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ، بَعْدَ مَا اشتَدَّ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ: "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أصُلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟ "، فَأشَارَ إِلَيْهِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي أَحَبَّ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، فَقَامَ، فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ، وَسلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ.
(تَحُول): -بحاء مهملة مضمومة-؛ أي: تكون حائلة تصدُّني عن الوصول إلى مسجد قومي.
* * *
باب: الذِّكرِ بعد الصَّلاةِ
٥٣٤ - (٨٤١) - حَدَّثَنَا إسْحَاقُ بْنُ نصرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَني عَمْرٌو: أَنَّ أَبَا مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَفع الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ، حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ، كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ.
(كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته): قد (١) يحتمل أن يقال في هذا: إن (٢) "إذا" الأولى وقعت مفعولًا به لأعلم؛ أي: أعلم وقتَ انصرافهم،
стр. 926
لا سيما في وقت انصرافهم (١)؛ كقوله (٢) ﵇: "إِنِّي لأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى" (٣).
ويجاب عنهما: بأن التقدير (٤): أعلم شأنهم، أو شأنك (٥)، ونحو هذا، والإشارةُ إذا (٦) راجعة إلى رفع الأصوات.
وقال الزركشي: إنها راجعة إلى الانصراف (٧).
والظاهرُ الأولُ.
* * *
٥٣٥ - (٨٤٣) - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنا مُعْتَمِرٌ، عَنْ عبيد الله، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالح، عَن أَبِي هُرَيْرةَ ﵁، قَالَ: جَاءَ الْفُقَرَاءُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ مِنَ الأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَا وَالنَّعِيم الْمُقِيم: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أَمْوَالٍ، يَحُجُّونَ بِهَا، وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ. قالَ: "أَلَا أُحَدِّثُكُمْ إِنْ أَخَذْتُمْ، أَدْركْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَلَمْ
стр. 927
يُدْرِكْكُمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ، وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانيهِ، إِلَّا مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ؟ تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثَلاثِينَ". فَاخْتَلَفْنا بَيْنَنا، فَقَالَ بَعْضُنَا: نُسَبِّحُ ثَلاثًا وثَلاثِينَ، ونَحمَدُ ثلاثًا وثَلاثِينَ، وَنُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: "تَقُولُ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَاللَّهُ أكبَرُ، حَتَّى يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ".
(الدُّثُور): -بضم الدال المهملة وضم الثاء المثلثة،-: جمعُ دَثْر -بفتح الدال وسكون الثاء-، وهو المال الكثير.
(وكنتم خيرَ مَنْ أنتم بين ظهرانيهِ إلا من عملَ مثلهِ): في ظاهره إشكال؛ إذ كيف تثبت (١) الأفضلية مع التساوي في العمل؟ فيتأول (٢) إلا من عمل مثله، وزاد بغيره من فعل البر؛ بدليل سياق الحديث، هكذا وقع لبعضهم.
قلت: فهم هذا القائل أن المعنى إلا من عمل مثلَه فهو خير منكم، فورد الإشكال، فاحتيج إلى التأويل، وهذا غير مستقيم؛ إذ القاعدة لا تقتضي هذا الذي فهمه وبنى الإشكال عليه (٣)، وإنما تقتضي أن يكون المعنى: إلا من عمل مثلَه، فلستم خيرًا منه؛ ضرورةَ أن هذا هو نقيضُ الحكم الثابت للمستثنى منه، وانتفاءُ (٤) خيريةِ المخاطبين بالنسبة إلى من
стр. 928
عمل مثلَ عملهم صادقٌ بمساواتهم لهم (١) في الخيرية، وهذا حق لا يتوجه معه الإشكال المذكور ألبتة، فتأمله.
قال المهلب: وفي حديث أبي هريرةَ فضلُ الغنى نصًّا (٢) لا تأويلًا، إذا استوت أعمالهم المفروضة، فللغنيِّ حينئذ من فضل عملِ البر ما لا سبيلَ للفقير إليه.
واعترضه ابن المنير: بأن الفضل المذكور فيه خارجٌ عن محل الخلاف؛ إذ لا يختلفون في أن الفقير لم يبلغ فضل الصدقة، وكيف يختلفون فيه، وهو لم يفعل الصدقة، وإنما الخلاف إذا قابلنا مزية الفقير بثواب (٣) الصبر على مصيبة السَّغَب والشَّظَف (٤)، ورضاه بذلك، بمزية الغني بثواب الصدقات، أيهما يكون أكثر ثوابًا؟
وقولهم: ذهب أهلُ الدثور بالدرجات العلا، يعنون: المستحَقَّةَ بالصدقة، ولعل هناك ما هو أعلى منها للصابرين على البأساء والضراء.
(تسبحون وتحمدون وتكبرون خلفَ (٥) كلِّ صلاة ثلاثًا وثلاثين): هذه الأفعال [الثلاثة تنازعت في الظرف والمصدر.
(حتى يكون منهن كلِّهن): -بكسر اللام- تأكيد] (٦) للضمير المجرور.
стр. 929
(ثلاثًا وثلاثين): كذا ثبت في الروايات، وروي: "ثلاث وثلاثون" (١).
قال الزركشي: وهو الوجه (٢).
قلت: مقتضاه أن الروايات الآخر لا وجه لها مع ثبوتها، وهو قريب من التصريح بالتلحين، وليس كذلك، فوجه الرفع ظاهر، وهو أن يكون "ثلاث وثلاثون" هو (٣) اسمها، "ومنهن كلهن" خبرها، ولا ضمير حينئذ في يكون، ووجه النصب أن يكون في "يكون" (٤) ضمير مستتر عائد على العدد المتقدم، "وثلاثًا وثلاثين" هو الخبر، والمعنى: حتى يكون العددُ منهن ثلاثًا وثلاثين، ولا إشكال، والله الموفق.
* * *
٥٣٦ - (٨٤٤) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فِي كتَابٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ".
وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، بِهَذَا، وَعَنِ الْحَكَم، عَنِ الْقَاسِم بْنِ
стр. 930
مُخَيْمِرَةَ، عَنْ وَرَّادٍ، بِهَذَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: الْجَدُّ: غِنًى.
(اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطيَ لما منعت): أجاز البغداديون تركَ تنوين الاسم المطول، فأجازوا: لا طالعَ جبلًا، أَجْرَوه في ذلك مجرى المضاف؛ كما أُجري مجراه في الإعراب، قال ابن هشام: وعلى ذلك يتخرج الحديث (١).
وتبعه الزركشي في "تعليق العمدة".
قلت: بل يتخرج على قول البصريين أيضًا: بأن يجعل "مانع" (٢) اسمَ لا مفردًا مبنيًّا معَها، إما لتركيبه معها تركيبَ خمسةَ عشرَ، وإمَّا لتضمُّنِه معنى الاستغراقية (٣)، على الخلاف المعروف في المسألة، والخبر محذوف؛ أي: لا مانعَ لما أعطيت، واللام للتقوية، فلك أن تقول: تتعلق، ولك أن تقول: لا يتعلق.
وكذا القولُ في: ولا معطيَ لما منعت، وجَوَّزَ الحذفَ ذكر (٤) مثل المحذوف (٥)، وحسنه (٦) دفعُ التكرار، فظهر بذلك أن التنوين على رأي البصريين ممتنع.
стр. 931
ولعل السر في العدول عن تنوينه إرادةُ التنصيص على الاستغراق، ومع التنوين يكون الاستغراق ظاهرًا لا نصًّا.
فإن قلت: [إذا نون الاسمُ كان مطولًا، "ولا" عاملة، وقد تقرر أنها عند العمل ماضية على الاستغراق.
(قلت)] (١): خَصَّ بعضُهم الاستغراقَ بحالة البناء، أو (٢) من جهة تضمُّن معنى من الاستغراقية، ولو سلم ما قلته، لم يتعين عملُها في هذا الاسم المنصوب حتى يكون النص على الاستغراق (٣) حاصلًا (٤)؛ لاحتمال (٥) أن يكون منصوبًا بفعل محذوف؛ أي: لا (٦) نجد، أو لا (٧) نرى مانعًا ولا معطيًا، فعدل إلى البناء؛ لسلامته من هذا الاحتمال.
(ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ): الصحيح المشهور فيه فتح الجيم (٨)، وهو الحظ، والمعنى: لا ينفع ذا الحظ والمال والغنى (٩) غناؤه، ويروى: بكسر الجيم، وهو الإسراع في الهرب؛ أي: لا ينفعه
(بالحديبية): بالتشديد والتخفيف.
(على إِثْر): -بكسر الهمزة وإسكان الثاء المثلثة وبفتحها-؛ أي: عقب، وقد مر.
(سماء): أي: مطر.
(كانت): بضمير التأنيث عائدًا (١) إلى سماء؛ لأنها تؤنث وتذكر أيضًا.
(أصبح من عبادي مؤمن بي (٢) وكافر): قال الزركشي: الإضافة في عبادي للتغليب؛ فإنها للتشريف، والكافر ليس من أهله.
قلت: التغليب على خلاف الأصل، ولم لا (٣) يجوز أن يكون الإضافة لمجرد الملك؟
ثم قال: ومعنى الكفر هنا: الكفر (٤) الحقيقي؛ لأنه قابله بالإيمان حقيقة، وذلك في حق من اعتقد أن المطر من فعل الكواكب، فأما من اعتقد أن الله هو خالقه ومخترعه، ثم تكلم بذلك القول، فهو مخطئٌ غيرُ كافر (٥)(٦).
(وكانت من صواحباته): هو من جمع الجمع المكسر (١) جمع سلامة، وهو مسموع (٢) في هذه اللفظة.
(الزُّبيدي): بضم الزاي وبالدال المهملة.
(مَعْبد): بميم مفتوحة فعين ساكنة فموحدة (٣) فدال مهملة.
(حَليف): بحاء مهملة مفتوحة.
* * *
باب: من صلَّى بالنَّاس فذكر حاجةً فتخطَّاهم
٥٤١ - (٨٥١) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونسُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ، قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا، فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَرَأَى أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ، فَقَالَ: "ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَناَ، فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ".
(فذكرت شيئًا من تبر عندنا): فيه: أن عروضَ الذكر في الصلاة في أجنبيٍّ عنها من وجوه الخير، وإنشاء العزم في أثنائها (٤) على الأمور المحمودة، لا يبطلها، ولا يقدح في كمالها.
стр. 936
باب: الانفتالِ والانصرافِ عن اليمين والشِّمالِ
٥٤٢ - (٨٥٢) - حَدَّثَنا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَن سُلَيمانَ، عَن عُمَارَةَ بنِ عُمَيرٍ، عَنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: قَالَ عبد الله: لا يَجْعَلْ أَحَدُكُمُ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ، يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ.
(يَرى أن حقًّا عليه): بفتح الياء من يرى.
(إلَّا (١) ينصرف إلا عن يمينه): فيه: أن المندوب ربما انقلب مكروهًا إذا خيف على الناس أن يرفعوه عن رتبته.
وقد قال أبو عبيدة لمن انصرف عن يساره: هذا أصاب السنة. يريد - والله أعلم -: حيث لم يلزم (٢) التيامن [على أنه سنة مؤكدة، أو واجب، وإلا فما يظن أن التياسُرَ (٣) سُنَّةٌ حتى يكون التيامن] (٤) بدعةً، إنما (٥) البدعةُ في رفع التيامن عن رتبته، وإليه ينظر (٦) مالكٌ من كراهيةِ صيامِ الأيام الستةِ.
стр. 937
باب: مَا جَاءَ فِي الثُّومِ النِّيءِ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ أَكَلَ الثُّومَ أَوِ الْبَصَلَ، مِنَ الْجُوعِ أَوْ غَيْرِهِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجدَناَ ".
(باب ما جاء في الثُّوم): بضم الثاء المثلثة.
(النِّيْء): -بنون مكسورة فمثناة من تحت ساكنة فهمزة-: الذي لم يُطبخ، أو طُبخ ولم (١) ينضج.
(وقولِ النبي ﷺ ): بجر القول.
(فلا يقربَنَّ مسجدنا): قال ابن المنير: قد قيل عندنا: يُمنع المجذومُ والأبرص وأصحاب الصنائع الكريهة الرائحة؛ كالسمَّاك (٢)، وتاجر الكتان، والغزل، كل هؤلاء يكره لهم دخولُ المسجد لتلك الرائحة.
واستدلوا بنهي أكل الثوم. وهو عندي تقصير في الاحتجاج؛ فإن آكلَ الثوم هو الذي أدخلَ على نفسه باختياره هذا المانعَ؛ بخلاف المجذوم، فكيف يُلحق المضطرُّ بالمختار (٣)، ولكن في بعض الطرق: "من جوع أو غيره"، فيتأتى (٤) حينئذ الاستدلال، ويمكن التمسكُ أيضًا بعموم: "من أكل"؛ لشموله (٥) المضطرَّ والمختار.
стр. 938
وقول ابن بطال: إن قوله: "من أكل" يدل على إباحة الأكل (١)، غيرُ متجه؛ بدليل "مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا" (٢)؛ إذ (٣) هذه الصيغةُ إنما تدل على الوقوع من حيث هو لا يفيد كونَه مباحًا، وله مندوحة عن هذا بقوله: "كُلْ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لا تُنَاجِي".
* * *
٥٤٣ - (٨٥٥) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: زَعَمَ عَطَاءٌ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عبد الله زَعَمَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا، فَلْيَعْتَزِلْنَا". أَوْ قَالَ: "فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجدَناَ، وَلْيقْعُدْ فِي بَيْتِهِ". وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَسَأَلَ، فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبُقُولِ، فَقَالَ: "قَرِّبُوهَا" إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ كَانَ مَعَهُ، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا، قَالَ: "كُلْ؛ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي".
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ بَعْدَ حَدِيثِ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: وَهْوَ يُثْبِتُ قَوْلَ يُونسُ.
(بقِدر): بقاف مكسورة، ومقتضاه الكراهيةُ، وإن طبخ، ويحتمل أن يكون ذلك محمولًا على أن الطبخ لم يُمِتْ رائحته، فكأنه نيءٌ.
قال في "المطالع": والصواب: "ببدر" يعني: -بباء موحدة-؛ أي:
ويروى: "يُؤْذِنُهُ" -بمثناة من تحت مضمومة وهمزة ساكنة- مضارع آذَنَ، بالمد.
* * *
٥٤٧ - (٨٦٠) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ ابْنِ عبد الله بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتُهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، فَقَالَ: "قُومُوا فَلأُصَلِّيَ بِكُمْ". فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْيَتِيمُ مَعِي، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ.
(قوموا فلأصلي بكم): قال ابن مالك: روي بحذف الياء وثبوتها ساكنة ومفتوحة، واللام عند ثبوت الياء مفتوحة (١) لامُ كي، والفعلُ بعدها منصوب بأن مضمرة، وأن والفعل (٢) في تأويل مصدر (٣)، واللامُ ومصحوبُها خبرٌ لمبتدأ، والتقدير: قوموا فقيامُكم لأصلِّيَ لكم.
قلت: أو ليس بخبر، والتقدير: قوموا، فلأصليَ لكم أمرتُكم بالقيام.
قال: ويجوز على مذهب الأخفش أن تكون (٤) الفاء زائدة، واللام متعلقة بقوموا، واللام عند حذف الياء لامُ الأمر (٥)، ويجوز فتحُها على لغة
стр. 942
سُليم، وتسكينُها بعد الفاء والواو وثم على لغة قريش.
وأما رواية مَنْ أثبتَ الياءَ ساكنةً، فيحتمل أن يكون لام كي، وأسكنت الياء تخفيفًا، وهي لغة مشهورة؛ أعني: تسكين الياء المفتوحة، ومنه قراءة الحسن: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨].
ويحتمل أن يكون لام الأمر، وثبتت (١) الياء في الجزم إجراءً للمعتل مجرى الصحيح؛ كقراءة قُنبل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] (٢).
وقال صاحب "المفهم": ويروى: بفتح اللام وإثبات الياء، قال: وهذه أسدُّها؛ لأن اللام تكون جوابَ قسم محذوف، وحينئذ تلزمها النون في الإعراب (٣).
قلت: فيرِدُ عليه عدمُ تأكيد الفعل بالنون، فكيف يكون هذا الوجهُ مع جريانه (٤) على غير الأعرف (٥) أشد الوجوه؟ ولو قال: إن جواب القسم جملة اسمية حذف مبتدأها؛ أي: فلأن أصلي لسلم، على بحث فيه.
قال الزركشي: وإنما قال: لكم -باللام- مع أن الأصل أصلي (٦) بكم؛ لأنه أراد من أجلكم ليقتدوا بي (٧).
стр. 943
(والعجوز من ورائنِا): -بالكسر- على الأشهر على أن "من" جارة، وجوز (١) فيه الفتح على أن "من" موصولة.
* * *
٥٤٨ - (٨٦٢) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَعْتَم النَّبِيُّ ﷺ .
وَقَالَ عَيَّاشٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْعِشَاءِ، حَتَّى ناَدَاهُ عُمَرُ: قَدْ ناَمَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ يُصَلِّي هَذ الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ". وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ يُصَلِّي غَيْرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
(وقال عياش): بمثناة من تحت وشين معجمة.
(ليس أحدٌ من أهلِ الأرض يصلِّي هذه الصلاةَ غيرُكُم): برفع "غير" ونصبه؛ مثل: ما جاءني أحد غيرُ زيد، وكذا قوله: غير أهل المدينة.
* * *
٥٤٩ - (٨٦٣) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄: قَالَ لَهُ رَجُلٌ: شَهِدْتَ الْخُرُوجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ،
(فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأولِ): بجر "الأول" على أنه صفة لثلث.
فإن قلت: لا يضاف بين إلا إلى (١) متعدِّدٍ (٢)، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: فيما بين أن يغيب الشفق وثلثِ الليل، بالواو، لا بإلى.
قلت: المضاف إليه الدال على التعدد محذوف؛ أي: فيما بين أزمنة الغيبوبة إلى الثلث الأول.
* * *
باب: انتظارِ الناسِ قيامَ الإمامِ العالم
٥٥١ - (٨٦٧) - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ (ح). وَحَدَّثَنَا عبد الله بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ.
(قالت: إِنْ كان): بكسر الهمزة وتخفيف النون، وهي المخففة من الثقيلة.
(لَيصلِّي): اللام هي الفارقة عند البصريين بين النافية والمخففة، والكوفيون يجعلونها بمعنى إلا، و "إن" نافية.
стр. 946
٥٥٢ - (٨٦٩) - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ، لَمَنَعَهُنَّ كمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ. قُلتُ لِعَمْرَةَ: أَوَ مُنِعْنَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ.
(قالت: لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهنَّ): فيه أنه يحدُث للناس فتاوى بقدر ما أحدثوا كما قاله الإمام مالك ﵁، وليس هذا من التمسك بالمصالح المرسَلة المباينة للشريعة كما تخيله بعضُهم، وإنما مراده كمراد (١) عائشة ﵂؛ أي: يحدثون أمرًا تقضي (٢) أصول الشريعة فيه غير ما اقتضته قبل حدوث ذلك الأمر، ولا غرر في تبعية الأحكام للأحوال.
* * *
باب: صلاةِ النساءَ خلفَ الرجالِ
٥٥٣ - (٨٧٠) - حَدَثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ، قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَيَمْكُثُ هُوَ فِي مَقَامِهِ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ. قَالَ نَرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَن ذَلِكَ كَانَ لِكَي يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ.
كِتابُ الجُمُعَةِ
(كتاب: الجمُعة): الزركشي: بضم الميم وفتحها وإسكانها (١)، فالأولان؛ لكونها جامعة، والثالث لجمعهم فيها؛ فإن فُعَلَة -بالتحريك- للفاعل؛ كهُمَزَة، وفُعْلَة للمفعول؛ كهُزْأة (٢).
قلت: ظاهره (٣) أن الثلاثة ثابتة في البخاري، وما أظن ذلك، والظاهر أن الذي فيه هو المشهور الذي قرأ به السبعة، وهو ضم الميم، فإن ثبت من جهة الرواية بالثلاثة (٤) هنا، فلا كلام.
* * *
باب: فرضِ الجمعةِ
٥٥٥ - (٨٧٦) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّناَدِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ،
стр. 950
حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَاناَ اللَّهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ؛ الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ".
(نحن الآخِرون): أي: زمانًا في الدنيا.
(السابِقون): أي: منزلةً وكرامةً يومَ القيامة في القضاء لهم قبل الخلائق، وفي دخول الجنة.
قال ابن المنير: وموقعُ ذكر يوم الجمعة عَقيبَ (١) قوله: "نحن الآخِرون السابقون" تحقيقُ أن هذه الأمة تأخرتْ زمانًا، وسبقتْ فضلًا؛ لأن يومَهم الجمعةُ، وهو سابق على السبت والأحد، وكونه مسبوقًا بسبتٍ قبلَه مثلًا يندفع بفرض الكلام (٢) في أول سبت عظموه، ففاتهم تعظيمُ يومِ الجمعة الذي قبله قطعًا.
(بَيْدَ أنهم): بفتح الموحدة وسكون المثناة من تحت وفتح الدال المهملة.
في "الصحاح": بَيْدَ بمعنى: غير، يقال: إنه كثيرُ المال، بَيْدَ أنه بخيلٌ (٣).
واختار ابن مالك كونَه حرفَ استثناء (٤)، وسيأتي فيه كلام، والضمير