كِتابُ الجُمُعَةِ
(كتاب: الجمُعة): الزركشي: بضم الميم وفتحها وإسكانها (١)، فالأولان؛ لكونها جامعة، والثالث لجمعهم فيها؛ فإن فُعَلَة -بالتحريك- للفاعل؛ كهُمَزَة، وفُعْلَة للمفعول؛ كهُزْأة (٢).
قلت: ظاهره (٣) أن الثلاثة ثابتة في البخاري، وما أظن ذلك، والظاهر أن الذي فيه هو المشهور الذي قرأ به السبعة، وهو ضم الميم، فإن ثبت من جهة الرواية بالثلاثة (٤) هنا، فلا كلام.
* * *
باب: فرضِ الجمعةِ
٥٥٥ - (٨٧٦) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّناَدِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ،
стр. 950
حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَاناَ اللَّهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ؛ الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ".
(نحن الآخِرون): أي: زمانًا في الدنيا.
(السابِقون): أي: منزلةً وكرامةً يومَ القيامة في القضاء لهم قبل الخلائق، وفي دخول الجنة.
قال ابن المنير: وموقعُ ذكر يوم الجمعة عَقيبَ (١) قوله: "نحن الآخِرون السابقون" تحقيقُ أن هذه الأمة تأخرتْ زمانًا، وسبقتْ فضلًا؛ لأن يومَهم الجمعةُ، وهو سابق على السبت والأحد، وكونه مسبوقًا بسبتٍ قبلَه مثلًا يندفع بفرض الكلام (٢) في أول سبت عظموه، ففاتهم تعظيمُ يومِ الجمعة الذي قبله قطعًا.
(بَيْدَ أنهم): بفتح الموحدة وسكون المثناة من تحت وفتح الدال المهملة.
في "الصحاح": بَيْدَ بمعنى: غير، يقال: إنه كثيرُ المال، بَيْدَ أنه بخيلٌ (٣).
واختار ابن مالك كونَه حرفَ استثناء (٤)، وسيأتي فيه كلام، والضمير
стр. 951
من قوله: "أنهم" عائدٌ على اليهود والنصارى؛ لقرينةٍ (١) قامت عليه.
(فاختلفوا فيه، فهدانا الله له): قال ابن المنير: فيه دليل لطيف على أن الإجماع يخصُّ هذه الأمة؛ خلافًا لمن زعم (٢) أن غيرهم مثلُهم، ووجهُ الدليل: أن كل واحدة (٣) من الأمتين أجمعت على تفضيل يوم، وأخطأت.
قال: والسر في اختصاص هذه الأمة بالصواب في الإجماع: أنهم الجماعة بالحقيقة؛ لأن نبينا ﵊ بُعث إلى الناس كافة، وغيره من الأنبياء (٤) إنما كان يُبعث لقومه (٥) -وهم بعضٌ من كُلٍّ- فتصدُق على كل أمة أن المؤمنين غيرُ منحصرين فيهم في عصر واحد، وأما هذه الأمة، فالمؤمنون منحصرون فيهم، ويد الله مع الجماعة.
(اليهود غدًا، والنصارى بعدَ غد): أي: يُعَيِّدُ اليهود غدًا، وتُعَيِّدُ النصارى بعد غد، و (٦) كذا قدَّره ابن مالك؛ ليسلم من الإخبار بظرف الزمان عن الجُثَّة، وقيل: التقدير: اليهودُ يعظِّمون غدًا، والنصارى يعظِّمون بعدَ غد، فليس ظرفًا، و (٧) إنما هو مفعول به.
стр. 952
قلت: قوله بعد ذلك في رواية أخرى: "فَغَدًا اليَهُودُ (١)، وَبَعْدَ غَدٍ النصارى (٢) " يرجِّح (٣) الأول. وفيه بحث.
* * *
باب: فَضْلِ الغُسلِ يومَ الجمعةِ
٥٥٦ - (٨٧٨) - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جُويرِيَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم بْنِ عبد الله بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ فِي الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَادَاهُ عُمَرُ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ قَالَ: إنِّي شُغِلْتُ، فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ التَّأْذِينَ، فَلَمْ أَزِدْ أَنْ تَوَضَّأْتُ. فَقَالَ: وَالْوُضُوءُ أَيْضًا، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ؟!
(إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين): هو عثمان بن عفان ﵁، وهو المراد أيضًا بالمبهَم الذي ذكره بعدُ في باب: فضل الجمعة، عن أبي هريرة.
(إني شُغِلْتُ): بالبناء للمفعول.
(فقال: والوضوء أيضًا؟!): إنكار آخر على ترك السنة المؤكدة التي
стр. 953
هي الغسل، وجوزوا فيه الرفعَ والنصب، فالرفع على أنه مبتدأ، والخبر محذوف، تقديره: والوضوءُ مقتَصرٌ عليه، ولو قدروا (١): الوضوءُ أيضًا مما يُنكر؛ أي: وإفراد (٢) الوضوء، فحذف المضاف؛ لأن قوله: فلم أزد على أن توضأت يدل على أنه اقتصر على الوضوء؛ لكان حسنًا.
قال الزركشي: والنصب على أنه مفعول بإضمار فعل تقديره: أتخصُّ الوضوءَ دونَ الغسل؟! والواو عوض من همزة الاستفهام؛ كما قرأ ابن كثير: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٣].
قلت: تخفيف الهمزة بإبدالها واوًا صحيح؛ لوقوعها مفتوحة بعد ضمة، وأما في الحديث، فليس كذلك؛ لوقوعها مفتوحة بعد فتحة، فلا وجه لإبدالها فيه واوًا، ولو جعله على حذف الهمزة؛ أي: أَوَ تخصُّ الوضوءَ أيضًا؟ لجرى على مذهب الأخفش في جواز حذفها قياسًا عند أَمْنِ اللَّبْس، والقرينةُ الحاليةُ المقتضيةُ للإنكار شاهدةٌ بذلك، فلا لَبْس.
ثم نقلُ الزركشي عن ابن السِّيد: أنه روي (٣) بالرفع، على لفظ الخبر، والصواب: آلوضوءُ -بالمد- على لفظ الاستفهام؛ كقوله تعالى: ﴿ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: ٥٩] (٤).
قلت: نقلُ كلامِ ابن السِّيدِ بقصدِ (٥) توجيهِ ما في البخاري به غلطٌ؛
стр. 954
فإن كلام ابن السيد في حديث "الموطأ"، وليس فيه واو، إنما (١) هو: "فقالَ له عمرُ: الوضوءُ أيضًا" (٢)، وهذا يمكن فيه المدُّ بجعل همزة الاستفهام داخلةً على همزة (٣) الوصل، [وأما في حديث البخاري، فالواو داخلة على همزة الوصل] (٤)، فلا يمكن الإتيان بعدها بهمزة الاستفهام على ما هو معروف في محله.
* * *
باب: الطِّيبِ للجمعةِ
٥٥٧ - (٨٨٠) - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبي بَكْرِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَأَنْ يَسْتَنَّ، وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا إِنْ وَجَدَ".
قَالَ عَمْرٌو: أَمَّا الْغُسْلُ، فَأَشْهَدُ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَأَمَّا الاِسْتِنَانُ وَالطِّيبُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَوَاجِبٌ هُوَ، أَمْ لَا؟ وَلَكِنْ هَكَذَا فِي الْحَدِيثِ.
قَالَ أَبُو عبد الله: هُوَ أَخُو مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَلَمْ يُسَمَّ أَبُو بَكْرٍ
стр. 955
هَذَا، رَوَاهُ عَنْهُ بُكَيْرُ بْنُ الأَشَجِّ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ، وَعِدَّةٌ. وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ يُكْنَى بِأَبِي بَكْرٍ، وَأَبي عبد الله.
(واجب على كل محتلم): أي: بالغ، وخَصَّه بالذكر؛ لأن الاحتلام أكثرُ ما يبلغ به الذكر؛ لقوله (١): "لا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ" (٢)؛ لأن الحيض أغلُب (٣) ما يبلغُ به الإناثُ، وهذا صريحٌ في وجوب غُسل الجمعة، وما (٤) يأتي من قوله: "إِذَا رَاحَ أَحَدُكُمْ إِلَى الجُمُعَةِ، فَلْيَغْتَسِلْ" ظاهرٌ فيه.
فقال بعض الناس بالوجوب تمسكًا بذلك، وخالف الأكثرون، وهم محتاجون إلى الاعتذار.
وأقول: مما عارضوا به حديث: "مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَبِهَا وَنِعْمَتْ (٥)، وَمَنِ اغْتَسَلَ، فَالغُسْلُ أَفْضَلُ" (٦).
قال ابن المنير: الوجوبُ لغةً: السقوطُ، فكأَن (٧) الخطابَ عبءٌ ثقيلٌ
стр. 956
سقطَ على (١) المخاطَب، فكل (٢) خطابٍ فيه تكليفٌ مؤكَّد ينبغي بالأصالة أن يسمَّى واجبًا، فيدخل فيه الفرضُ والسننُ المؤكَّدة، وتخصيصُ الواجب بالفرض (٣) اصطلاحٌ حادثٌ، فلا دليل (٤) في الحديث على فرضية الغسل. انتهى. وفيه نظر.
* * *
باب: فَضلِ الجمعةِ
٥٥٨ - (٨٨١) - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ. "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ، حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ".
(السَّمَّان): نسبة إلى بيع السمن.
стр. 957
(من اغتسل يومَ الجمعة غُسلَ الجنابة): أي: غُسلًا مثلَ غسل الجنابة.
(ومن راح في الساعة الثانية): اختُلف هل الأفضلُ التبكيرُ (١) إلى الجمعة، وهو مذهب الشافعي، أو التهجيرُ (٢)، وهو مذهب مالك؛ تمسكًا بأن الرواحَ لا يكون إلا بعد الزوال، والساعةُ في اللغة: الجزءُ من الزمان، وحملُها على الأجزاء الزمانية التي يُقسم النهار فيها إلى اثني (٣) عشر جزءًا تبعد إحالة الشرع عليه؛ لاحتياجه إلى حسابٍ ومراجعةِ آلات تدلُّ عليه.
(دِجاجة): بفتح الدال وكسرها، والفتح هو الفصيح، وعكس بعضهم، وقد حكي فيه (٤) التثليث.
* * *
باب: الدُّهنِ للجُمعةِ
٥٥٩ - (٨٨٣) - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبي، عَنِ ابْنِ وَدِيعَةَ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ، فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ
سيراء؛ لما فيها من الخطوط التي تشبه السيور (١)؛ كما يقال: ناقة عُشَرَاء (٢).
قال السفاقسي: يريد أن عُشراء مأخوذٌ (٣) من عشرة؛ أي: إذا كمل حملُ الناقة عشرةَ أشهر، سميت عشراء، كذلك سميت الحلة سيراء؛ لأنها مأخوذة من السيور.
وفي "الصحاح (٤) ": هي بُرْدٌ فيه خطوط صُفْر (٥).
(في حلة عطارد): هو ابنُ حاجب (٦) التميميُّ، قدمَ في وفد تميم، ولعل (٧) المراد بحلة عطارد هذه: ما وقع في "مسلم"، ولفظه: رأى (٨) عمرُ عطاردَ التميميَّ يُقيم بالسوق (٩) [حلة سيراء، وكان رجلًا يغشى الملوك، ويصيب منهم] (١٠)، فقال عمر (١١): يا رسول الله (١٢)! إني رأيت عطاردًا يقيم
стр. 960
في السوق (١) حلة سيراء، فلو اشتريتَها فلبستَها لوفود العرب إذا قدموا عليك، فقال: "إِنَّمَا يَلْبَسُ الحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ" (٢) الحديث، وأسلمَ عطارد (٣)، وله صحبةٌ.
(لم أكسكها لتلبسَها): فيه دليل على أنه يقال: كساه: إذا أعطاه كسوة، لبسَها أو لا، ويؤخذ من ذلك أن فرض الكفارة يتأدَّى بإعطائه الكسوةَ، لبسها أو لا، وكذا (٤) الطعام.
(فكساها عمرُ أخًا له بمكةَ مشركًا): قال ابن المنير (٥): هو أخوه لأمه (٦) عثمانُ بنُ حكيم. قال: وأما زيد بن الخطاب أخو (٧) عمر، فإنه (٨) أسلمَ قبلَ عمرَ.
وقال الدمياطي: الذي أرسل إليه عمرُ الحلَة لم يكن أخاه، إنما هو أخو أخيه زيدٍ لأمه أسماءَ بنتِ وهبٍ.
стр. 961
باب: السِّواكِ يومَ الجمعةِ
٥٦١ - (٨٨٧) - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، أَوْ عَلَى النَّاسِ، لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ".
(لولا أن أشق على أمتي، أو على الناس، لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة): في ظاهره إشكال، وذلك لأن القاعدة في لولا الامتناعية أن تدخل على اسمية ففعلية (١)؛ لربط امتناع الثانية بوجود الأولى (٢)، وهنا العكس، فإن الممتنعَ المشقةُ، والموجودَ الأمرُ؛ إذ قد ثبت أمره بالسواك.
وجوابه: أن التقدير لولا مخافةُ (٣) أن أشقَّ (٤) لأمرتُهم أمرَ إيجاب.
* * *
٥٦٢ - (٨٨٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ وَحُصَيْنٍ، عَنْ أَبي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، يَشُوصُ فَاهُ.
стр. 962
(ابن كثير): بالثاء (١) المثلثة.
(وحُصَيْن): بالتصغير.
(يَشُوص فاهُ): -بفتح الياء المثناة من تحت وضم الشين المعجمة وبالصاد المهملة-؛ أي: يدلُكُ أسنانهَ بالسِّواك عرضًا، وقيل: هو غسلُها، وقيل: تنقيتُها (٢).
وقال ابن دريد: هو الاستياكُ من سُفْلٍ (٣) إلى عُلْوٍ، ومنه سمي هذا الداء: الشوصة؛ لأنها ريح تخرج ترفع القلب عن موضعه (٤).
* * *
باب: من تسوَّكَ بسواكِ غيرِه
٥٦٣ - (٨٩٠) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، قَالَ: قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبي بَكْرٍ، وَمَعَهُ سِوَاكٌ يَسْتَنُّ بِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ: أَعْطِنِي هَذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْطَانِيهِ، فَقَصَمْتُهُ، ثُمَّ مَضَغْتُهُ، فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَنَّ بِهِ، وَهْوَ مُسْتَنِدٌ الَى صَدْرِي.
باب: المَشِي إِلَى الجُمْعَةِ وَقَولُ اللهِ ذِكْرُهُ -: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] .
وَمَنْ قَالَ: السَّعيُ: العَمَلُ، والذَّهابُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩]. وقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄: يَحْرُمُ البَيْعُ حِينئِذٍ. وقَالَ عَطَاءٌ: تَحْرُمُ الصِنَاعَاتُ كُلُّهَا. وقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهْوَ مُسَافِرٌ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ.
(باب: المشي إلى الجمعة، وقول الله : ﴿فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩] إلى آخر الترجمة): وأورد فيها قولَ ابن عباس بحرمة البيع، وقولَ عطاء: بتحريم الصناعات.
٥٧٤ - (٩٠٧) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عبد الله، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبي مَرْيَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ، قَالَ: أَدْرَكَنِي أَبُو عَبْسٍ، وَأَناَ أَذْهَبُ إِلَى الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ".
(يزيد بن أبي مريم): وقع على الصواب في الأكثر: بمثناة من تحت وزاي.
قال الزركشي: ووقع في (١) أصل كريمة: بُرَيْد -بضم الموحدة وبالراء-، وهو غلط (٢).
(عَباية): بعين مهملة مفتوحة فموحدة فمثناة من تحت بعد الألف.
стр. 971
(ابن رِفاعة): براء مكسورة وفاء وعين مهملة.
(أبو (١) عَبْس): -بعين مفتوحة فموحدة (٢) ساكنة-: هو عبد الرحمن ابن جبر (٣).
* * *
٥٧٥ - (٩٠٨) - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: عَنْ سَعِيدٍ وَأَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَحَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تَمْشُونَ، عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا".
(عليكم السكينةُ): إما برفع السكينة على أنه مبتدأ أُخبر (٤) عنه بما قبله، والجملة حال من ضمير: "وَأْتوها تمشون"، وإما بالنصب على الإغراء، وقد مر.
قال ابن المنير: ووجهُ المطابقة لتحريم الصناعات والبيع، ولإيجاب
стр. 972
شهود المسافر لها: أن (١) الله قابلَ بينَ الأمر بالسعي، والنهي (٢) عن البيع، فدل على أن المراد به سعي الآخرة؛ لأنه الذي يقابل سعيَ الدنيا؛ كالبيع [والصناعة والسفر، فلما كانت هذه الأعمال كلُّها داخلةً تحت النهي عن البيع] (٣)؛ من حيث إن الجميع (٤) يجمعه سعيُ الدنيا، دلَّ على أن السعيَ المأمورَ به سعيُ الآخرة، وهو العملُ لها (٥)، لا الجريُ، ويؤكده تظافرُ الأوامر بالسكينة.
وإنما أدخل حديث أبي عبس؛ لدلالته على أن الذي أدركه أبو عبس لم يكن يجري؛ لأنه لو كان كذلك، لما أدركه غالبًا، ولما احتمل الوقت المحادثة؛ لأنها كالمتعذرة (٦) مع الجري.
* * *
باب: لَا يُفَرَّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
(باب: لا يفرّقْ بين اثنين)؛ "لا" ناهية، والفعل من التفريق: مبني للفاعل والمفعول، يريد: النهيَ عن التخطِّي، والتفرقةُ تتناول أمرين:
стр. 973
أحدُهما: التخطِّي، والثاني: أن يزحزحَ كلًّا منهما عن مكانه، ويجلسَ بينهما، وكلاهما (١) ممنوع؛ فإن السابق استحق مجلسَه، فليس للطارئ أن يحول بينَه وبينه.
وقول مالك ﵀: يجوز التخطِّي قبل جلوس الإمام على المنبر إلى الفُرَج، فصحيح (٢)؛ فإنه (٣) لولا ذلك، لأمضينا للمتعدِّي (٤) تعديه، ألا ترى لو أن صفًّا انتظم في مؤخَّر المسجد بحيث لا يدخل إلى مقدَّمه إلا بتخطيهم، أكان (٥) ذلك ممتنعًا، ويبقى المسجد خاليًا، والصف حائلًا؟ هذا ما لا سبيل إليه.
* * *
باب: لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ أَخَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَقْعُدُ فِي مَكَانِهِ
(باب: لا يقيم): "لا" نافية، والفعل مرفوع، والخبر في معنى النهي.
٥٧٦ - (٩١١) - حَدَّثَنَا مُحَمَّد، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ أَخَاهُ مِنْ مَقْعَدِهِ، وَيَجْلِسَ فِيهِ. قُلْتُ لِنَافِعٍ: الْجُمُعَةَ؟ قَالَ: الْجُمُعَةَ وَغَيْرَهَا.
(باب: الاستماع إلى الخطبة (١)).
(ومَثَلُ المهجِّر): أي: الذي (٢) يأتي في الهاجرة، وهو مما يدل (٣) لمالك (٤)، واحتمال أن يكون من هَجْرِ المنزلِ أيَّ وقتٍ كان، أو من الهِجِّيرَى (٥)؛ بمعنى: الدَّأْب (٦) والعادة، مما لا يخفى بعده.
(كمثل الذي أهدى (٧) بدنةً): خبر عن "مثلُ المهجر" (٨).
(ثم كالذي يهدي بقرة): لا يصحُّ عطفه على الخبر؛ لئلا يقعا معاً (٩) خبراً عن واحد، وهو مستحيل، وإنما هو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: ثم الثاني كالذي يهدي بقرة.
(ثم كبشاً): ليس معطوفاً على بقرة؛ لأن المعنى يأباه، وإنما هو معمولُ فعلٍ محذوف، والتقديرُ: ثم الثالثُ كالذي يهدي كبشاً، فحذف ما حذف؛ لدلالة المتقدم، واصنعْ مثلَ هذا في قوله: "ثم دجاجة، ثم بيضة".
стр. 984
(يكتبون الأولَ فالأولَ): بالنصب على الحال؛ أي: مرتبين (١)، وجاءت معرفة، وهو قليل.
(طَوَوا صحفَهم، ويستمعون الذكر): أتى بصيغة المضارع؛ لاستحضار (٢) صورة الحال اعتناءً بهذه المزِيَّة، وحملاً على الاقتداء بالملائكة، وهذا موضعُ الاستشهاد على الترجمة.
* * *
باب: إذا رأى الإمامُ رجلاً جاء وهو يخطب أمره أَنْ يصلِّيَ ركعتين
٥٨٩ - (٩٣٠) - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ عَمْرِو ابْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عبد الله، قَالَ: جَاءَ رَجُل، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: "أَصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "قُمْ فَارْكَعْ".
(جاء رجل والنبيُّ ﷺ يخطُب الناسَ يومَ الجمعة): هو سُلَيْكُ بنُ عَمْرو، وقيل: ابنُ هُدْبَةَ الغَطَفانيُّ، وقيل: هو النعمانُ بنُ قَوْقَل، ذكره الخطيب في "مبهماته".
(قال: قم فاركعْ): هو مما استدل به الشافعية على أن (٣) من دخل
стр. 985
المسجد في خلال الخطبة يركعُ تحيةَ المسجد، وقد قُدِحَ فيه: بأن المأمورَ به ليسَ التحية؛ لفواتها بالجلوس.
والبحثُ في ذلك طويل لا يحتمله هذا التعليق.
* * *
باب: رفعِ اليدينِ في الخطبةِ
٥٩٠ - (٩٣٢) - حَدَّثَنَا مُسَدَّد، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنسَ. وَعَنْ يُونسُ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنسَ، قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ قَامَ رَجُل، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكَ الْكُرَاعُ، وَهَلَكَ الشَّاءُ، فَادع اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا. فَمَدَّ يَدَيْهِ وَدَعَا.
(هلك الكُراع): - بضم الكاف -: اسم لجَمْعِ الخيل، وضبطه الأصيلي بالكسر، قال القاضي: وهو خطأ (١).
* * *
باب: الاستسقاءَ في الخُطبة يومَ الجمعةِ
٥٩١ - (٩٣٣) - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَليدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عبد الله بْنِ أَبي طَلْحَةَ، عَنْ أَنسِ ابْنِ مَالِكٍ، قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَبَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، قَامَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكَ الْمَالُ