(باب: الاستماع إلى الخطبة (١)).
(ومَثَلُ المهجِّر): أي: الذي (٢) يأتي في الهاجرة، وهو مما يدل (٣) لمالك (٤)، واحتمال أن يكون من هَجْرِ المنزلِ أيَّ وقتٍ كان، أو من الهِجِّيرَى (٥)؛ بمعنى: الدَّأْب (٦) والعادة، مما لا يخفى بعده.
(كمثل الذي أهدى (٧) بدنةً): خبر عن "مثلُ المهجر" (٨).
(ثم كالذي يهدي بقرة): لا يصحُّ عطفه على الخبر؛ لئلا يقعا معاً (٩) خبراً عن واحد، وهو مستحيل، وإنما هو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: ثم الثاني كالذي يهدي بقرة.
(ثم كبشاً): ليس معطوفاً على بقرة؛ لأن المعنى يأباه، وإنما هو معمولُ فعلٍ محذوف، والتقديرُ: ثم الثالثُ كالذي يهدي كبشاً، فحذف ما حذف؛ لدلالة المتقدم، واصنعْ مثلَ هذا في قوله: "ثم دجاجة، ثم بيضة".
стр. 984
(يكتبون الأولَ فالأولَ): بالنصب على الحال؛ أي: مرتبين (١)، وجاءت معرفة، وهو قليل.
(طَوَوا صحفَهم، ويستمعون الذكر): أتى بصيغة المضارع؛ لاستحضار (٢) صورة الحال اعتناءً بهذه المزِيَّة، وحملاً على الاقتداء بالملائكة، وهذا موضعُ الاستشهاد على الترجمة.
* * *
باب: إذا رأى الإمامُ رجلاً جاء وهو يخطب أمره أَنْ يصلِّيَ ركعتين
٥٨٩ - (٩٣٠) - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ عَمْرِو ابْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عبد الله، قَالَ: جَاءَ رَجُل، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: "أَصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "قُمْ فَارْكَعْ".
(جاء رجل والنبيُّ ﷺ يخطُب الناسَ يومَ الجمعة): هو سُلَيْكُ بنُ عَمْرو، وقيل: ابنُ هُدْبَةَ الغَطَفانيُّ، وقيل: هو النعمانُ بنُ قَوْقَل، ذكره الخطيب في "مبهماته".
(قال: قم فاركعْ): هو مما استدل به الشافعية على أن (٣) من دخل
стр. 985
المسجد في خلال الخطبة يركعُ تحيةَ المسجد، وقد قُدِحَ فيه: بأن المأمورَ به ليسَ التحية؛ لفواتها بالجلوس.
والبحثُ في ذلك طويل لا يحتمله هذا التعليق.
* * *
باب: رفعِ اليدينِ في الخطبةِ
٥٩٠ - (٩٣٢) - حَدَّثَنَا مُسَدَّد، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنسَ. وَعَنْ يُونسُ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنسَ، قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ قَامَ رَجُل، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكَ الْكُرَاعُ، وَهَلَكَ الشَّاءُ، فَادع اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا. فَمَدَّ يَدَيْهِ وَدَعَا.
(هلك الكُراع): - بضم الكاف -: اسم لجَمْعِ الخيل، وضبطه الأصيلي بالكسر، قال القاضي: وهو خطأ (١).
* * *
باب: الاستسقاءَ في الخُطبة يومَ الجمعةِ
٥٩١ - (٩٣٣) - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَليدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عبد الله بْنِ أَبي طَلْحَةَ، عَنْ أَنسِ ابْنِ مَالِكٍ، قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَبَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، قَامَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكَ الْمَالُ
стр. 986
وَجَاعَ الْعِيَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا. فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً، فَوَالَّذِي نفسِي بِيَدِهِ! مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الْجبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ ﷺ ، فَمُطِرْناَ يَوْمَنَا ذَلِكَ، وَمِنَ الْغَدِ وَبَعْدَ الْغَدِ، وَالَّذِي يَلِيهِ، حَتَّى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى. وَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ، أَوْ قَالَ: غَيْرُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ، وَغَرِقَ الْمَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا. فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا". فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّحَابِ إِلَاّ انْفَرَجَتْ، وَصَارَتِ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الْجَوْبَةِ، وَسَالَ الْوَادِي قَنَاةُ شَهْراً، وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَاّ حَدَّثَ بِالْجَوْدِ.
(حتى الجمعةِ الأخرى): -بالجر-؛ أي: إلى الجمعة الأخرى.
(مثل الجَوْبة): -بجيم مفتوحة (١) وواو ساكنة وباء موحدة-: هي الحفرة المستديرة؛ أي: خرجنا والغيمُ والسحابُ محيطان بآفاق (٢) المدينة.
قال القاضي: وصحَّفها بعضُهم بالنون، ثم فسرها بالشمس في سوادها حين تغيب، والمعنى: أن السحاب تقطَّعَ حولَ المدينة مستديراً، وانكشف عنها حتى باينت ما جاوزها مباينةَ الجونةِ (٣) لما حولها (٤).
(وسال الوادي قَناةُ): -بقاف مفتوحة فنون فالف فهاء تأنيث - مرفوعٌ
стр. 987
على البدل (١) من الوادي، وهو غيرُ منصرف للتأنيث والعلمية؛ إذ هو اسمٌ لوادٍ معين من أودية المدينة.
و (٢) قال صاحب "المفهم": رُوي خارج "الصحيح": سال وادي قناةَ، بالجر على الإضافة (٣).
(حدث بالجَود): - بفتح الجيم -: المطر الغزير.
* * *
باب: إذا نفرَ الناسُ عن الإمام في صلاة الجمعة، فصلاةُ الإمامِ ومن بقي جائزة
٥٩٢ - (٩٣٦) - حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عبد الله، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَاماً، فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا، حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَاّ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً، فَنَزَلَتْ هَذهِ الآيَةُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١].
(إذ أقبلت عِيرٌ): - بعين مهملة مكسورة -: هي الإبل تحمل الطعام أو التجارة.
وفي "مراسيل أبي داود" بيانُ القادم بالتجارة: أنه دحيةُ، وأن ذلك كان بعد أن صلى الجمعة، وقبل أن يخطب، وأن هذا كان في ابتداء
стр. 988
الإسلام يقدم صلاة الجمعة على الخطبة مثل العيدين، وذكره في حديث مقاتل، قال: فمن ذلك اليوم قُدمت الخطبة، وأُخرت الصلاة (١)، ويقال: إن صاحب العير عبد الرحمن بن عوف.
(حتى ما بقي مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلاً): جاء في "الصحيح (٢) " لما ذكر جابر: الإثني (٣) عشر، قال: وأنا منهم، وفي أفراد مسلم: ومنهم أبو بكر وعمر (٤).
وذكر السهيلي: أنه جاء ذكرُ أسماء الباقين في حديثٍ مرسلٍ رواه أسدُ بنُ عمرٍو والدُ موسى بنِ أسدٍ، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة، وبلال، وابن مسعود في رواية (٥).
وفي رواية (٦): عمار بن ياسر، وأهمل جابراً، وهو في "الصحيح" كما مر، وسالماً مولى أبي حذيفة، وذكره إسماعيل بن أبي زياد الشامي في تفسير ابن عباس.
(فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]):
стр. 989
حضرتُ (١) بالقاهرة في سنة سبع وثمانين وسبع مئة، أو سنة ثمان درساً بالشيخونية عند بعض حُذاق المالكية، فأفضى الكلام إلى أنه إذا ذُكر متعاطفان بأو، فإنه يعاد الضمير إلى أحدهما، فقال ذلك المدرس: وزعم بعض أصحابنا أن منه هذه الآية، وهو خطأ؛ لأنه لم يعد إلى أحدهما بعينه (٢)، بل إلى أحدهما معيناً، وهو التجارة، وليس البحث فيه.
فقلت له: يلزم إما الحذف، أو الإتيان بما لا فائدة فيه، والأولُ خلافُ الأصل، والثاني باطل؛ لأنك إما أن تقدر أو إليه، فيلزم الأول، أو لا تقدر شيئاً ألبتة، فيلزم الثاني؛ لأن ذكر اللهو يكون حينئذٍ ضائعاً.
فقال: تقدر أو إليه للدلالة عليه.
فقلت له: هذا ممكن، غير أن لنا عنه مندوحةً، فاستبعدَ ذلك، وكان يقطع باستحالته.
فقلت له (٣): يمكن أن يعود الضمير إلى مصدر الفعل المتقدم، وهو الرؤية؛ كأنه (٤) قيل: وإذا رأوا تجارةً أو لهواً، انفضوا إلى الرؤية الواقعة على التجارة أو اللهو، فاستحسنه.
ثم رأيته بعد ذلك بنحو (٥) عشرين سنة في "شرح الحاجبية (٦) " للرضي، وفي غيره، والله الموفق.
стр. 990
باب: قول الله تعالى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]
٥٩٣ - (٩٣٨) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبي مَرْيَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كَسَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ، قَالَ: كانَتْ فِينَا امْرَأَةٌ، تَجْعَلُ عَلَى أَرْبِعَاءَ فِي مَزْرَعَةٍ لَهَا سِلْقاً، فَكَانَتْ إِذَا كانَ يَوْمُ جُمُعَةٍ، تَنْزِعُ أُصُولَ السِّلْقِ، فَتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ، ثُمَّ تَجْعَلُ عَلَيْهِ قَبْضَةً مِنْ شَعِيرٍ تَطْحَنُهَا، فَتكُونُ أصُولُ السِّلْقِ عَرْقَهُ، وَكُنَّا نَنْصَرِفُ مِن صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، فَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فتقَرِّبُ ذَلِكَ الطَّعَامَ إِلَيْنَا، فَنَلْعَقُهُ، وَكُنَّا نَتَمَنَّى يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ لِطَعَامِهَا ذَلِكَ.
(تجعل): بالجيم والعين، وروي: "تحقل (١) " بالحاء المهملة والقاف.
(على أربِعاء): - بكسر الباء الموحدة والمد -: جمعُ ربيع، وهو النهر الصغير الذي يسقي المزارع (٢).
(في مزرعة لها): الزركشي (٣): هي مثلثة الراء، قاله ابن مالك (٤).
قلت: لكن الشأن في الرواية، فينبغي تحريرها.
(سِلْقاً): - بسين مهملة مكسورة فلام ساكنة فقاف - وهو منصوب على المفعولية، وعند الأصيلي: بالرفع، ووجهه القاضي بأنه مفعولٌ لم يُسَمَّ
стр. 991
فاعلُه، فيُجعل على أن تُضم الياءُ منه، أو يكون سلقٌ مبتدأ، وخبره: لها (١).
(قُبضة): بالضم والفتح، قال الجوهري: والقُبضة - بالضم -: ما قبضت عليه من شيء، يقال: أعطاه قُبضة من سَويق، أو تمر؛ أي: كَفًّا منه، وربما جاء بالفتح (٢).
(تطحَنهَا): - بفتح الحاء المهملة -؛ من الطحن، ولبعضهم: "تطبخها"- بالموحدة والخاء المعجمة -؛ من الطبخ.
(عَرْقَهُ): - بعين مهملة مفتوحة فراء ساكنة فقاف -: هو العظم الذي عليه اللحم، شبه به أصول السلق؛ أي: إن أضلاع (٣) السلق قامت في الطبخ مقامَ قطعِ اللحم، وقيده بعضهم: بالغين المعجمة والفاء؛ أي: مرقه الذي يُغْرَف، قال الزركشي: وليس بشيء (٤).
(فنلعَقه): بفتح العين المهملة.
باب: يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ
(باب: يحرس بعضهم بعضاً): ساق فيه حديثَ ابن عباس، ولم يذكر صالحَ بنَ خَوّاتٍ عمن شهدَ مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف يومَ ذاتِ الرقاع: أن طائفة صفت معه، وطائفة [وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائماً، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، فصفوا] (١) وجاه العدو (٢)، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً، وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم.
قال مالك: هذا أحسنُ ما سمعتُ في صلاة الخوف (٣).
وقال ابن المنير: وكأن البخاري كان قائلاً في صلاة الخوف بخلاف مذهب مالك المشهور، فلهذا لم يذكر حديثَ ابنِ خَوَّاتٍ في صلاة الخوف، وأَخَّره، وذكره في: المغازي، وذكر هنا ما يناسب مذهبَه من الأحاديث، وجعل هذه الترجمة كأنها مندرجةٌ في ترجمة صلاة المسايفة (٤)؛ كأنه يقول: إذا جازت هذه المنافيات من الركوب والمشي، والطعن والضرب؛ لأجل الخوف، فلا يُستكثر مجردُ الحراسة في الصلاة؛ كما في حديث ابن عباس الذي ساقه في هذا الباب.
قال: وإنما ساغ له إخفاءُ الحديث الذي هو حجةٌ (٥) عليه، وذكرَهُ في غير مَظِنته؛ لأنه رأى أن الأدلة التي دلت على جواز الحراسة في الصلاة
стр. 995
مبينةٌ لا يُترك العملُ بها، وكلُّ مجتهد يعتقد الصوابَ معه والخطأ مع غيره، على القول بأن المصيب واحد، وهو الصحيح، وكأنه (١) حَذِرَ على الواقف على حديث ابن خَوّات (٢) من الخطأ في اعتقاده مانعاً من هذه التي صححها حديثُ ابن عباس، والله أعلم.
* * *
باب: الصَّلَاةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الْحُصُونِ وَلقَاءَ الْعَدُوِّ
وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الْفَتْحُ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ، صَلَّوْا إِيمَاءً، كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الإِيمَاءَ، أَخَّرُوا الصَّلَاةَ، حَتَّى يَنْكَشِفَ الْقِتَالُ، أَوْ يَأْمَنُوا، فَيُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا، صَلَّوْا رَكَعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، لَا يُجْزِئُهُمُ التَّكْبِيرُ، وَيُؤَخِّرُوهَا حَتَّى يَأْمَنُوا. وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ.
وَقَالَ أَنسٌ: حَضَرْتُ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ حِصْنِ تُسْتَرَ عِنْدَ إِضَاءَةِ الْفَجْرِ، وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ الْقِتَالِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ، فَلَمْ نُصَلِّ إِلَاّ بَعْدَ ارْتفَاعِ النَّهَارِ، فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبي مُوسَى، فَفُتِحَ لَنَا، وَقَالَ أَنسٌ: وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.
(إن كان تهيأ الفتح): أي: اتفق، وتمكن، ورواه القابسي: "إن كان بها الفتح" (٣).
٥٩٦ - (٩٤٦) - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ النَبِيُّ ﷺ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: "لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَاّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ". فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ الْعَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نصُلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِداً مِنْهُمْ.
(ابن أسماءَ): بالفتح، غير منصرف.
(فأدركَ بعضَهم العصرُ): - بنصب الأول، ورفع الثاني - وهو مثل: "إِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ" (١).
(وقال بعضهم: بل نصلِّي، لم يردْ منَّا ذلك): بناء الفعل المجزوم للفاعل (٢)، وللمفعول (٣).
(فلم يعنف أحداً منهم): فدل على أن كلاًّ لم يعصِ (٤)، واستدل البخاري على مضمون (٥) الترجمة بفعل الطائفة التي صلَّت، وظهرَ له أنها لم تنزل؛ لأنه ﵇ أمرهم بالاستعجال إلى بني قريظة، والنزولُ ينافي مقصود الجِدِّ في الوصول (٦).
فمنهم: مَنْ بنى على (٧) أن النزولَ للصلاة معصية؛ للأمر الخاصِّ
стр. 999
بالجد، فتركها إلى أن فات وقتها؛ لوجود المعارض.
ومنهم: من جمعَ بين دليلَي (١) وجوب الصلاة، ووجوب الإسراع، فصلى راكباً.
ولو نزل (٢) للاشتغال بالصلاة، لكان ذلك مضادَّة لما أمر به ﵇ من الإسراع، وهذا لا يُظَنُّ بأحد من الصحابة على (٣) ثُقوب أفهامهم، و (٤) حسن اقتدائهم.
* * *
باب: التبكيرِ والغَلَسِ بالصبح، والصلاةِ عند الإغارةِ والحربِ
٥٩٧ - (٩٤٧) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، وَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، ثُمَّ رَكِبَ فَقَالَ: "اللَّهُ أكبَرُ! خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ". فَخَرَجُوا يَسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ وَبَقُولُونَ: مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ. قَالَ: وَالْخَمِيسُ: الْجَيْشُ، فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ، وَسَبَى الذَّرَارِيَّ، فَصَارَتْ صَفِيَّهُ لِدِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ، وَصَارَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، وَجَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا. فَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ لِثَابِتٍ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! أَنْتَ سَأَلْتَ أَنَسًا مَا أَمْهَرَهَا؟ قَالَ: أَمْهَرَهَا نَفْسَهَا، فَتبَسَّمَ.
стр. 1000
(البُناني): بموحدة مضمومة وبنونين (١) بينهما ألف وآخره ياء النسب.
(الله أكبر! خربتْ خَيبر): قال المهلب: فقال ﵇ لخيبرَ: الخرابُ (٢)؛ من اسمها على أهلها، فكان كذلك، فهذا (٣) من الفأل الحسن (٤)، لا من الطِّيرة التي كان يكرهها؛ إذ ليس هناك (٥) طِيرة بالخراب؛ لأن الخراب لخيبر سعادةٌ للنبي (٦) ﷺ وأصحابه.
وقال ابن المنير: إنما بَتَّ ﵇ القولَ بخراب خيبر ثقةً بوعد الله؛ حيث يقول: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] إلى قوله: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧]، فلما نزل جُندُ الله بخيبر مع الصباح؛ لزم الإيمانُ بالنصر وفاءً بالوعد، وإنما الفأل عند الاحتمال، وتتمةُ الحديث تبين ما قلناه، وهي قوله: "إنا إذا نَزَلْنا بساحة قوم فساءَ صباحُ المنذَرين" وكان ذلك تنبيهاً على مصداق الوعد بمجموع الأوصاف، وما يُتخيل من لزوم أن يوقن (٧) بالظفر كلُّ إمامٍ أو (٨) أميرٍ نزلَ بساحة العدو صباحاً بعدَ
стр. 1001
الإنذار، مندفعٌ (١) بأنه لا يقطع أحدٌ بأنه من جند الله إلا المعصوم.
(محمد والخميسُ): برفع الخميس ونصبه، وقد مر.
(لدحية): بفتح الدال وكسرها، وقد مر.
(ما أمهرها؟): ويروى: "مهرها"، وهما لغتان.
стр. 1002
مصابيح الجامع
وهو شرح الجامع الصحيح للإمام البخاري المشتمل على بيان تراجمه وأبوابه وغريبه وإعرابه
تأليف
الإمام القاضي بدر الدين الدماميني أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن عمر القرشي المخزومي الإسكندراني المالكي
المولود في الإسكندرية سنة ٧٦٣ هـ والمتوفى في الهند سنة ٨٢٧ هـ - رحمه الله تعالى -
اعتنى به تحقيقا وضبطا وتخريجا
نور الدين طالب
بالتعاون مع لجنة مختصة من المحققين
[المجلد الثالث]
إصدارات
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
إدارة الشؤون الإسلامية - دولة قطر
стр. 1003
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1004
مَصَابِيحُ الجَامِعِ
[٣]
стр. 1005
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
ردمك: ٠ - ١٢ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨ ISBN
قَامَت بعمليات التنضيد الضوئي والإخراج الفني والطباعة
دَار النَّوَادِر لصَاحِبهَا ومديرها نور الدّين طَالب
سوريا - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦
لبنان - بيروت - ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤
هَاتِف: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠١١
www.daralnawader.com
قلت: الظاهر أن الثاني مضارع مجزوم واقع في جواب الأمر] (١)، فإن (٢) تَبْتَعْها تتجملْ (٣)، وحذف منه إحدى التاءين، مثل: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، ويروى: "أَبتاعُ هذه تَجَمَّلُ (٤) بها؟ " (٥) - بالرفع - فيهما على الاستفهام.
* * *
باب: الحِرابِ والدَّرقِ يوم العيدِ
٥٩٩ - (٩٤٩) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرٌو: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَسَدِيَّ حَدَّثَهُ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءٍ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي، وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ؟! فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵇، فَقَالَ: "دَعْهُمَا". فَلَمَّا غَفَلَ، غَمَزْتُهُمَا، فَخَرَجَتَا.
(جاريتان): قيل: الجارية في النساء كالغلام في الرجال يقعان على مَنْ دونَ البلوغ فيهما.
(تغنيان (٦)): ترفعان أصواتهما بإنشاد العرب، وهو قريب من الحُداء.
стр. 1009
وروى ابن أبي الدنيا من طريق فُلَيْحِ بنِ سليمانَ، عن هشامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عائشةَ (١)، قالت: "دخلَ عليَّ أبو بكر، والنبي ﷺ متقنِّعُ، وحمامةُ وصاحبتها تغنيان (٢) عندي" (٣) الحديث، فهذا فيه تعيين إحداهما.
(بُعاث): بضم الموحدة وعين مهملة وثاء مثلثة.
قال مصعب: يجوز فيه الصرف وعدمه، وهو يوم كانت الأنصار اقتتلوا فيه، وقالوا فيه الأشعار، وكان للأوس (٤) على الخزرج، وبُعاث: اسمُ حصن (٥) للأوس.
(مزمارة الشيطان): بهاء التأنيث، وهذا من الصدِّيق ﵁ إنكارٌ (٦) لما سمع مُعتمداً (٧) على ما تقرَّر عنده من تحريم اللهو والغناء مطلقاً، ولم يعلم أن النبي ﷺ قررهن على هذا النزر اليسير، وأنه ليس من قبيل المنكر، وعند ذلك قال له النبي ﷺ : "دعهما"، ثم علل له الإباحة بأنه يوم عيد؛ أي: يوم سرور وفرح شرعي (٨)، فلا يُنْكَر فيه مثلُ هذا.
* * *
стр. 1010
٦٠٠ - (٩٥٠) - وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ، يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَإِمَّا قَالَ: "تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟ "، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ، خَدِّي عَلَى خَدَّهِ، وَهُوَ يَقُولُ: "دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ"، حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ، قَالَ: "حَسْبُكِ؟ ". قُلْتُ: نعَمْ، قَالَ: "فَاذْهَبِي".
(دونكَم): نصب على الظرف؛ بمعنى الإغراء، والمغرى به محذوف (١)؛ لدلالة القرينة الحالية عليه، والتقدير: دونكم اللعب.
(أَرْفدة): - بفتح الهمزة وإسكان الراء وفتح الفاء وكسرها، والكسر أشهر-: وهو جد الحبشة.
(ملِلتُ): بكسر اللام.
(قال: حسبك؟): أي: يكفيك، قال الزركشي: وهو محذوف همزة الاستفهام (٢).
قلت: حذف (٣) لا داعي إليه (٤) مع أن في جوازه كلاماً.
فإن قلت: قولها: "نعم" يقتضي فهمها الاستفهام.
قلت: ممنوع (٥)، فنعم (٦) تأتي لتصديق المخبر، ولا مانع من جعلها هنا كذلك، ولم يرد البخاري الاستدلال على أن (٧) حمل الحراب والدرق
стр. 1011
من سنن العيد (١) كما فهمه ابن بطال عنه (٢)(٣)، وإنما مراده (٤): الاستدلالُ على أن العيد يُغتفر فيه من اللهو واللعب ما لا يُغتفر في غيره، فهو استدلال على إباحة ذلك، لا على ندبه.
* * *
باب: سنَّةِ العيدينِ لأهل الإسلامِ
٦٠١ - (٩٥٢) - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الأَنْصَارِ، تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ، قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟! وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا أَبَا بَكْرٍ! إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيداً، وَهَذَا عِيدُنَا".
(قالت: وليستا بمغنيتين): قال المهلب: يعني: الغناء الذي فيه (٥) ذكرُ الخنا، والتعريض بالفواحش، والظاهر: أن عائشة ﵂ إنما عَنَتْ أنهما ليستا متصدِّيتين للغناء، ولا مشتهرتين به. والله أعلم.
(أمزاميرُ): - بالرفع - على أنه مبتدأ، وروي: بباء الجو داخلة عليه هكذا: "بمزامير الشيطان"؛ أي: أيُزْمر أو يُلعب بمزامير الشيطان؟!
٦٠٤ - (٩٥٥) - حَدَّثنَا عُثْمَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الْبَرَاءَ بْنِ عَازِبٍ ﵄، قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الأَضْحَى بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: "مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا، فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَلَا نُسُكَ لَهُ". فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ خَالُ الْبَرَاءِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَإِنِّي نَسَكْتُ شَاتِي قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي، فَذَبَحْتُ شَاتِي، وَتَغَدَّيْتُ قَبْلَ أَنْ آتيَ الصَّلَاةَ، قَالَ: "شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ". قَالَ: يا رَسُولَ اللهِ! فَإِنَّ عِنْدَنا عَنَاقاً لنَا جَذَعَةً، هِيَ أحَبُّ إلَيَّ مِنْ شاتَيْنِ، أفتجْزِي عَنِّي؟ قال: "نعمْ، ولَنْ تَجْزِيَ عَنْ أحَدٍ بَعْدَكَ".
(نسْكنا): هو بإسكان السين: العبادة -، وبضمها: جمع نسيكة (١)، وهي الذبيحة.
(وعرفت أن اليوم يوم أكل وشُرب): هو بضم الشين (٢)؛ من شرب.
قال الزركشي في "تعليق العمدة": ويجوز فتحُها كما قيل به في: "مِنَى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشَرْبٍ" (٣).
قلت: ليس هذا محل القياس، وإنما المعتمد فيه الرواية.
(شاتُك شاةُ لحم): قال الفاكهاني: ليس هذا من (٤) الإضافة اللفظية ولا المعنوية، أما الأول، فواضحٌ، وأما الثاني، فلأن المعنوية بتقدير
стр. 1014
اللام، أو "من"، أو "في"، ولا يصح شيء منها هنا، وهذا غير مسلَّم؛ إذ لا مانعَ أن يكون التقدير: شاتُك شاةٌ (١) منسوبةٌ للحم، لا للنسك (٢)، فاستُفيد من إضافتها إلى اللحم نفيُ الإجزاء، كما أنها لو أُضيفت إلى النسك، استُفيد الإجزاء (٣).
(ولن تَجْزي): - بفتح التاء وإسكان الجيم بلا همزة (٤) -؛ أي: تقضي، كذا ضبطه القاضي (٥).
قال الزركشي في "تعليق العمدة" نقلاً عن الجوهري: إن بني تميم تقول: "أجزأَتْ عنكَ شاةٌ" - بالهمز (٦) -، قال: وعلى هذا فيجوز في الحديث ضمُّ التاء، ولهذا جوزها (٧) ابن الأثير (٨).
قلت: إن كان تجويز الهمزة مستنداً إلى مجرد نقل الجوهري عن التميميين جوازُه، لا على رواية ثبتتْ فيه، فلا سمعَ ولا طاعةَ.
قال ابن المنير: فيه جوازُ تأخير البيان إلى وقت الحاجة؛ لأن الأُضحية كانت مضافة إلى اليوم، ولم يبين شرطُ تقدمِ ذبحِ الإمام قبلَ ذلك.
стр. 1015
وفيه: دليل على أن من تقرَّبَ بشيء مخصوص، فلم يصحَّ، لا يلزمُه فيه أصلُ القربة، بل يعود الأصل لملكه لأن قوله (١): "شاتُك شاةُ لحم"؛ أي: على عادة الذبح للأكل المجرد من القربة، فلم يلزمْ من بطلان كونها أضحيةً انتقالُ ملكه عنها، فيؤخذ منه أن من عَيَّنَ الأضحيةَ، فطرأ عليها عيبٌ لا تجزي معه، صنع بها ما شاء.
* * *
باب: الخروجِ إلى المُصلَّى بغير منبرٍ
٦٠٥ - (ذ ٩٥٦) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدٌ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عبد الله بْنِ أَبِي سَرْحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ، فَيَعِظُهُمْ، وَيُوصِيهِمْ، وَيَأْمُرُهُمْ، فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثاً، قَطَعَهُ، أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ، أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى خَرَجْتُ مَعَ مَرْوَانَ - وَهْوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ - فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ، فَلَمَّا أتيْنَا الْمُصَلَّى، إِذَا مِنْبَرٌ بَنَاهُ كثِيرُ ابْنُ الصَّلْتِ، فَإِذَا مَرْوَانُ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَقِيَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَجَبَذتُ بِثَوبِهِ، فَجَبَذَنِي، فَارْتَفَعَ فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ: غَيَّرْتُمْ وَاللَّهِ، فَقَالَ: أَبَا سَعِيدٍ! قَدْ ذَهَبَ مَا تَعْلَمُ، فَقُلْتُ: مَا أَعْلَمُ - وَاللَّهِ - خَيْرٌ مِمَّا لَا أَعْلَمُ، فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لنا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَجَعَلْتُهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ.
стр. 1016
(فجعلتها قبل الصلاة): كأن مروان حمل تقديم النبي ﷺ الصلاةَ على الخطبة على (١) الأولوية، وحمله أبو سعيد على التعيين والشرطية، واعتلَّ مروان في ترك الأَوْلى بتغير حال الناس، وأنهم لا يثبتون إن هو أَخَّرَها، فرأى أن المحافظة على أصل (٢) السنة (٣) أولى من المحافظة على هيئة فيها ليستْ من شرطها، على أن تقديم الخطبة على الصلاة فعلَه قبلَه عثمانُ، ومعاوية، رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٤).
* * *
باب: المشيِ والرُّكوبِ إلى العيدِ بغيرِ أذانٍ ولا إقامة
٦٠٦ - (٩٦١) - وعَنْ جَابِرِ بْنِ عبد الله، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ النبيَّ ﷺ قَامَ فَبَدَأَ بِالصَّلاةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ بَعْدُ، فَلَمَّا فَرَغَ نبيُّ اللهِ ﷺ ، نَزَلَ، فَأَتَى النِّسَاءَ، فَذَكَّرَهُنَّ، وَهْوَ يَتَوَوَكَأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ، وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ، يُلْقِي فِيهِ النِّسَاءُ صَدَقَةً. قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَتَرَى حَقًّا عَلَى الإِمَامِ الآنَ أَنْ يَأْتِيَ النِّسَاءَ فَيُذَكرَهُنَّ حِينَ يَفْرُغُ؟ قَالَ: إن ذَلِكَ لَحَقٌ عَلَيْهِمْ، وَمَا لَهُمْ أَنْ لَا يَفْعَلُوا.
(قلت لعطاء: أتَرى حَقًّا؟): - بفتح التاء - من ترى.
стр. 1017
باب: الخطبةِ بعد العيدِ
٦٠٧ - (٩٦٤) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلْنَّ يُلْقِينَ، تُلْقِي الْمَرْأةُ خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا.
(خُرصها): - بضم (١) الخاء المعجمة -: الحلقة الصغيرة من الحلي تعلَّق بالأُذُن، وحكي فيه كسر الخاء.
(وسِخابها): - بسين مهملة مكسورة (٢) وخاء معجمة وموحدة بعد الألف -: خيط فيه خَرَزٌ.
و (٣) قال البخاري: هي قِلادةٌ من طيبٍ، أو مسكٍ (٤)، وغيرِه، أو قَرَنْفُلٍ، ليس (٥) فيه من الجوهر شيء (٦).
* * *
٦٠٨ - (٩٦٥) - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ أَوَّلَ
(ولم يكن السلاح يُدخل الحرم): - بضم المثناة من تحت - في "يُدْخَل" على البناء للمفعول، وترجم البخاري أولاً على الحراب والدرق في العيد، وذكر حديث (١) لعب (٢) الحبشة، وترجم هنا على السلاح، وساق فيه ما يقتضي المنع؛ تنبيهاً على الفرق بين حمل الآلات الخفيفة للَّعِب والإدمان عليها، فيغتفر، وبين حمل السلاح الذي يجتمع الجندُ على حمله يومَ العيد، ويُفضي إلى العقر، ديالى الجرح عند الازدحام، فيُمنع.
* * *
باب: التَّبْكِيرِ إِلَى الْعِيدِ
وَقَالَ عبد الله بْنُ بُسْرٍ: إِنْ كنَّا فَرَغْنَا فِي هَذهِ السَّاعَةِ، وَذَلِكَ حِينَ التَّسْبِيح.
(باب: التبكير (٣) للعيد): بتقديم المثناة من فوق على الموحدة.
(عبد الله بن بُسْر): بضم الموحدة وسكون السين المهملة.
(إن كنا قد (٤) فرغنا في هذه الساعة): الزركشي: قيل: صوابه: لقد كنا فرغنا (٥).
стр. 1020
قلت: يريد هذا القائل: أن الإتيانَ باللام الفارقة لازمٌ، وإنما يكون ذلك عند خوف اللبس.
قال ابن مالك: فإن أُمن اللبس، لم يلزم؛ كقراءة أبي رجاء: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٥]- بكسر اللام -، ومنه: "إِنْ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ" (١)، "وَإِنْ كَانَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ" (٢)، وغير ذلك (٣).
* * *
٦١٠ - (٩٦٨) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الْبَرَاءَ، قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ، قَالَ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ عَجَّلَهُ لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ". فَقَامَ خَالِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَا ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أُصَلِّيَ، وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ، قَالَ: "اجْعَلْهَا مَكَانَهَا"، أَوْ قَالَ: "اذْبَحْهَا، وَلَنْ تَجْزِيَ جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ".
(إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلِّيَ): قال ابن المنير: إنما يدل هذا على البداءة بالصلاة، ثم الخطبة، ثم النحر، لا على التبكير الذي ترجم عليه، وإنما تمسَّك به بناء (٤) على أن المؤخر لصلاة العيد عن أول