«سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة»
فيها حج بالناس قطز الخادم (١).
***
«سنة تسع وثلاثين وخمسمائة»
فيها حج بالناس قطز الخادم (٢).
وفيها كان بين أمير مكة هاشم بن فليتة وبين أمير الحاج العراقى قطز الخادم وحشة أفضت إلى نهب أهل مكة للحاج وهم فى المسجد الحرام يطوفون ويصلون، ولم يرقبوا فيهم إلاّ ولا ذمّة (٣).
وفيها وضع بالكعبة الشريفة ميزاب كان عمله أبو القاسم رامشت صاحب الرباط المشهور بمكة، وصل به بعد موته مع تابوته خادمه مثقال (٤).
وفيها حج (٥) أبو عبد الله محمد بن على بن محمد بن هذيل البليسى.
стр. 1122
وفيها مات إسحاق بن إبراهيم بن مكتوم بن أبى الخير بن كليب بن أحمد المخزومى فى يوم الأحد ثامن عشر صفر (١).
***
«سنة أربعين وخمسمائة»
فيها حج بالناس قايماز الأرجوانى صاحب أمير الحاج قطز، واحتج بأن بركه ودوابّه نهبا فى كسرة الحلة، وأن بينه وبين أمير مكة من الحرب مالا يمكنه معه الحج، كذا قال ابن الأثير (٢). وقال صاحب مرآة الزمان: إن الذى حج بالناس قطز الخادم.
وفيها مات المقرئ كامل بن أحمد بن محمد بن أحمد بن سلامة الدمشقى (٣).
***
«سنة إحدى وأربعين وخمسمائة»
فيها حج الوزير نظام الدين أبو نصر المظفر بن على بن جهير، وكان/فى الطريق متواضعا. وحج أبو نصر الكرخى. وأشرفت المواشى على العطب من قلة العشب، وظهر بالناس علة انتفاخ الحلق؛ فمات به خلق كثير، وغارت المياه من الآبار والأنهار (٤).
стр. 1123
وفيها حج (١) الحافظ أبو الفرج بن الجوزى ومعه زوجته والأطفال؛ وهى أولى حجاته.
وفيها حج بالناس قايماز الأرجوانى، كذا قال سبط ابن الجوزى. وقال ابن كثير (٢)، وعلى بن أنجب الخازن: حج بالناس قطز الخادم.
وفيها - أوفى التى بعدها - قلع الميزاب الذى عمله رامشت عن الكعبة الشريفة وعوض بميزاب أنفذه الخليفة المقتفى العباسى (٣).
***
«سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة»
فيها حج بالناس قايماز، ولم يزوروا قبر النبى ﷺ حذرا من قلّة الماء فى الطريق (٤).
وفيها عمر سقف الكعبة والدرجة التى فى باطنها وشئ من شاذروان الكعبة (٥).
стр. 1124
وفيها مات أبو بكر محمد بن أحمد بن أبى بكر الخراسانى النجار (١).
***
«سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة»
فيها حج بالناس قايماز، قاله سبط ابن الجوزى (٢). وقال على بن أنجب الخازن: حج بالناس قطز الخادم.
***
«سنة أربع وأربعين وخمسمائة»
فيها حج بالناس قايماز الأرجوانى؛ أقامه قطز أمير الحاج؛ لأنه كان قد سار بالحاج إلى الحلّة فمرض واشتدّ مرضه؛ فاستخلف على الحاج قايماز، وعاد قطز إلى بغداد فتوفى فى ذى القعدة (٣).
فلما وصل الحاج إلى مكة طمع أمير مكة فيهم واستزرى بقايماز، فطمعت العرب ووقفت فى الطريق، وبعثوا يطلبون رسومهم. فقال قايماز للحاج: المصلحة أن يعطوا ونستكفى شرهم.
فامتنع الحاج من ذلك، فقال لهم: إذا لم تفعلوا فلا تزوروا هذه السنة رسول الله ﷺ . فاستغاثوا عليه وقالوا: نمضى إلى سنجر فنشكوا
стр. 1125
منك. فسار بهم إلى مضيق (١) المدينة، فخرج عليهم العرب من بنى زغب بعد العصر يوم السبت رابع عشر المحرم/سنة خمس وأربعين فقاتلوهم، فكثرت العرب، وظهر عجز قايماز عنهم، فطلب لنفسه أمانا، واستولوا على الحاج؛ فأخذوا من الأموال والثياب والجمال ما لا يحصى، وأخذوا من الدنانير ألوفا كثيرة، فتحدث جماعة من التجار: أنه أخذ من هذا عشرون ألفا، ومن هذا ثلاثون ألفا، وأخذوا من خاتون أخت مسعود ما قيمته مائة ألف دينار. وتقطع الناس، وهربوا يمشون على أقدامهم فى البرية؛ فماتوا من الجوع والعطش والعرى، وقيل إن النساء طيّن أجسادهن لستر العورة. وما وصل قايماز إلى المدينة إلا فى نفر قليل، وتحملوا منها إلى البلاد، وأقام بعضهم مع العرب حتى يوصل إلى البلاد (٢).
***
«سنة خمس وأربعين وخمسمائة»
فيها حج بالناس قايماز الأرجوان (٣).
وفيها مات قاضى الحرمين أبو المظفر محمد بن على بن الحسين
стр. 1126
ابن على بن الحسين الشيبانى الطبرى (١).
***
«سنة ست وأربعين وخمسمائة»
فيها حج بالناس قايماز الأرجوان (٢).
وفيها مات الأمير الأوحد أبو إسحاق إبراهيم بن ولخشى المصرى يوم الجمعة لتسع بقين من صفر (٣).
***
«سنة سبع وأربعين وخمسمائة»
فيها حج بالناس قايماز الأرجوان (٤).
وفيها مات أبو على الحسن بن عبد الله بن محمد بن على بن خلف بن العرجاء القيروانى فى يوم الأحد ثامن رمضان (٥).
وأبو محمد طارق بن موسى بن يعيش المخزومى البلنسى (٦).
***
стр. 1127
«سنة ثمان وأربعين وخمسمائة»
فيها حج بالناس قايماز الأرجوان (١).
وفيها مات أبو الفتح عبد الملك بن عبد الله بن أبى سهل الهروى الكروخى (٢).
***
«سنة تسع وأربعين وخمسمائة»
فيها حج بالناس من العراق قايماز (٣).
وفيها وقع مطر بمكة، سال منه وادى إبراهيم، ونزل برد بقدر البيض، وزن مائة درهم (٤).
وفيها أرسل الوزير الجواد (٥) رجلا من جهته [يقال له الحاجب] (٦) ومعه خمسة آلاف درهم لعمل صفائح الذهب والفضة/فى داخل الكعبة وفى أركانها ففعل ذلك.
стр. 1128
وفيها فى الموسم - على ما ذكر ابن خلكان (١)، وقيل فى عصر يوم الثلاثاء حادى عشر المحرم سنة إحدى وخمسين وخمسمائة على ما وجد بخط البرهان الطبرى - مات أمير الحرمين هاشم بن فليتة بن قاسم بن محمد بن جعفر الحسنى (٢)، وولى بعده ولده قاسم، وأرسل عمارة اليمنى الشاعر إلى الفائز بن الظاهر، والوزير له الملك الصالح طلائع بن رزّيك، فقدم عمارة القاهرة فى ربيع الأوّل سنة خمسين [وخمسمائة] (٣) ثم عاد من مصر فى شوال من سنة خمسين.
***
«سنة خمسين وخمسمائة»
فيها حج بالناس قايماز (٤).
وفيها جدد الوزير جمال الدين المعروف بالجواد وزير صاحب الموصل بابا للكعبة الشريفة وحلاّه حلية حسنة بالفضة، وطلاه بالذهب، بحيث إنه كان يستوقف الأبصار بحسن حليته، وكتب عليه اسم الخليفة المقتفى لأمر الله أبى عبد الله، وورد أمر الخليفة ببغداد أمير المؤمنين المقتفى لأمر الله إلى أمير مكة قاسم بن هاشم أنه يركب
стр. 1129
الباب للكعبة، وأن يأخذ أمير الحرمين حلية الباب القديم - وكانت زنة خمسة عشر ألف درهم - ويسيّر إليه خشب الباب القديم ليجعله تابوتا يدفن فيه عند موته. فركب الباب على الكعبة فى السنة التى بعد هذه (١). وكان الجواد عمّر رخاما بالكعبة فى عشر الخمسين وخمسمائة.
وفيها - أو فى التى بعدها - جدد الوزير الجواد أبواب الحرم كلها (٢).
وفيها أفتى الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسين بن الحباب (٣) المالكى بمنع الصلاة لأئمة متعددة، وجماعات مرتبة بحرم الله الشريف، وعدم جوازها على مذاهب العلماء الأربعة
وفيها توفى الفقيه الزاهد عمر بن عبد الله بن سليمان بن السرى اليمنى (٤).
وفيها أو فى التى بعدها توفى أبو العباس أحمد بن معد بن عيسى التجيبى الأقليشى (٥).
***
стр. 1130
«سنة إحدى وخمسين وخمسمائة»
فيها حج بالناس من/العراق قايماز (١)، ومن الشام نجم الدين أيوب (٢).
وفيها أرسل أمير الحرمين قاسم بن هاشم بن فليته الفقيه عمارة الشاعر اليمنى إلى الملك الصالح بسبب جناية جناها خدمه على حاج مصر والشام - وهو مال أخذ منهم فى مكة - فخرج الأمر من عند الملك إلى الوالى بقوص أن يعوق الرسول بقوص ولا يأذن له بالرجوع ولا القدوم إلى باب السلطان حتى يرد أمير الحرمين ما أخذ من مال التجار (٣).
وفيها قام الناصر بن الصالح طلائع بن رزّيك عن الحاج بما يستأديه منهم أمير الحرمين، وسيدفع الأمير شمس الخلافة خمسة عشر ألفا أو دونها إلى أمير الحرمين قاسم بن هاشم برسم إطلاق الحاج (٤).
وفيها عمّر الوزير الجواد منارة العمرة.
وفيها حضر الموسم بمكة جماعة من الشافعية والحنفية والمالكية، منهم جعدة العطار الشافعى، والشريف الغزنوى الحنفى،
стр. 1131
وعمر المقدسى المالكى، وأنكروا صلاة الأئمة الأربعة فى صلاة المغرب فى وقت واحد (١).
وفيها - أو فى التى بعدها - جلب الوزير الجواد الماء إلى عرفات وقاطع عليه العرب بنى سعية سكان تلك الناحية المجلوب منها بقطيعة من المال كثيرة على ألا يقطعوا الماء عن الحاج (٢).
وفيها مات المحدث المتطبب بمكة شمس الدين أبو محمد الحسن ابن على بن محمد بن الحسن بن صدقة بن ميجال الواسطى فى ليلة الجمعة ثامن عشر القعدة (٣).
***
«سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة»
فيها فى ربيع الأول سار حجاج خراسان فلما رحلوا عن بسطام (٤) أغار عليهم جمع من الجند الخراسانية قد قصدوا طبرستان (٥) فأخذوا من أمتعتهم وقتلوا نفرا منهم، وسلم الباقون،
стр. 1132
فساروا من عندهم، فبينما هم سائرون إذ طلع عليهم الإسماعيلية فقاتلهم الحجاج قتالا شديدا، وصبروا صبرا عظيما، فقتل أميرهم؛ فخذلوا وألقوا بأيديهم، واستسلموا، وطلبوا الأمان، وألقوا أسلحتهم مستأمنين، فأخذهم الإسماعيلية وقتلوهم/قتلا ذريعا، ولم يبقوا منهم إلا شرذمة يسيرة، وقتل فيهم من الأئمة الأعلام والزهاد والصلحاء جمع كثير، فكانت مصيبة عظيمة عمت بلاد الإسلام وخصّت خراسان، ولم يبق بلد إلا وفيه مأتم، فلما كان الغد طاف شيخ إسماعيلى فى القتلى والجرحى ينادى: يا مسلمون يا حجاج ذهبت الملاحدة فأبشروا، وأنا رجل مسلم، فمن أراد الماء سقيته. فمن كلمه قتله وأجهز عليه، فهلكوا أجمعون إلا من ولّى هاربا، وقليل ماهم (١).
***
«سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة»
فيها حج أبو الفرج بن الجوزى، ووعظ بالمسجد الحرام مرتين، وفى المدينة الشريفة، وقال فى كتابه صيد الخاطر: فصل:
حججت إلى بيت الله الحرام، فدخل إلى قلبى من هيبة (٢) المكان
стр. 1133
ما لو [لم] (١) يمزجه الأنس به ما طابت عيشتى، فكنت تارة أنظر إليه بعين الهيبة (٢) فيشتد تعظيمى له، وتارة بعين لطف مالكه فآنس بالبيت أنس العبد ببيت سيّده، فرأيت من قلّة احترام ساكنى البلد للبيت عجائب؛ وما ذلك إلا لأنى أنا رأيته بعين الهيبة (٢) ورأوه بعين المادة؛ فهم يرون الحجارة، وأنا أرى الإضافة، وهذه كانت محنة إبليس فإنه نظر إلى المادة ونسى الاختصاص والأمر. فسبحان من أسكن حرمه مثل أولئك!! حتى إن منهم من يأخذون المكس على رءوس الحجاج، وما قلقت بشئ قط قلقى من فعلهم ذلك، وكان معنا شيخ بغدادى من التجار، يتولّى لهم أخذ المكس، فهجرته، ورأيت خلقا من أصحابنا لم يتغيروا عليه؛ فهم يؤاكلونه ويشاربونه، فعلمت أن الإيمان بارد فى قلوبهم. ورأيت من عبيد مكة من استلاب الأموال وقلّة الاحترام للمكان ما أزعجنى. ومن عجائب ما رأيت أنهم كانوا يمشون بين يدى الخطيب يوم الجمعة بمقارع (٣) تضرب على غفلة تزعج المكان والناس، فأنكرت هذا، فقيل: هذا شعارهم. فقلت: بئس الشعار؛ هذا/مكان يجب احترامه عن رفع الأصوات والأذان يكفى.
стр. 1134
وفيها دخلت هذيل إلى مكة ونهبوا.
وفيها حجّ بالناس قايماز وعادوا (١)، فلما وصلوا إلى المدينة النبوية أتاهم الخبر أن العرب قد اجتمعت وقعدوا على الطريق يرصدون الحاج ليأخذوهم، فتركوا الطريق وسلكوا طريق خيبر فوجدوا مشقة شديدة ونجوا من العرب (٢).
وفيها مات الزاهد أبو بكر أحمد بن على بن أحمد العلثى (٣) فى عشية تاسع الحجة بعرفة محرما، وصلى عليه أهل الموقف، وحمل إلى مكة وطيف به حول البيت، ودفن يوم النحر إلى جانب الفضيل بن عياض.
ومريم ابنة الأمير فليتة بن قاسم بن أبى هاشم الحسنى فى ليلة الثلاثاء سابع عشر شوال (٤).
***
«سنة أربع وخمسين وخمسمائة»
فيها حج بالناس قايماز (٥).
стр. 1135
وفيها مات قاضى الحرمين أبو القاسم عبد الرحمن بن على بن الحسين بن على بن الحسين الشيبانى الطبرى المكى فى يوم الثلاثاء لسبع بقين من ربيع الأول (١).
وأبو يعقوب على بن أحمد (٢).
***
«سنة خمس وخمسين وخمسمائة»
فيها حج أسد الدين شيركوه بن شادى مقدّم جيوش نور الدين محمود بن زنكى صاحب الرحبة، فتصدق وفعل كل خير، واعتنى بأهل الحرمين، وأمر ببناء رباطه بمدينة النبى ﷺ ، وأوصى أنه إذا مات أن يحمل فيدفن فيه (٣).
وحج زين (٤) الدين على كوجك نائب قطب الدين صاحب الموصل، وما فعل خيرا قط، ولا تصدّق بدرهم على كثرة ماله وبلاده.
стр. 1136
وفيها كان أمير الحاج برغش التركى (١) مقطع الكوفة، وكانت الوقفة الجمعة.
وفيها مات عمر بن عبد الله بن سليمان الرّيمىّ (٢).
والخطيب أبو جعفر أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد العزيز العباسى (٣).
وأبو القاسم على بن عبد الوهاب بن هبة الله البغدادى [المعروف با] بن الشيبى فى آخر الحجة (٤).
***
«سنة ست وخمسين وخمسمائة»
فيها لما سمع قاسم بن هاشم بن فليتة العلوى بقرب الحاج من مكة صادر المجاورين/وأعيان أهل مكة، وأخذ منهم كثيرا من أموالهم وهرب من مكة خوفا من أمير الحاج برغش (٥)، فلما وصل أمير الحاج المذكور إلى مكة رتب مكان قاسم بن هاشم بن فليتة عمه عيسى بن فليتة.
стр. 1137
وفيها حج السلطان نور الدين محمود بن زنكى الشهيد صاحب دمشق وغيرها (١). وزين الدين على بكتكين (٢) صاحب جيش الموصل، ومعه طائفة صالحة من العسكر.
وفيها مات الشيخ عمر اليماوى الخراسانى (٣).
والشريف أبو الحسن [على] (٤) بن عيسى بن حمزة بن وهّاس بن أبى الطيب الحسنى السليمانى.
***
«سنة سبع وخمسين وخمسمائة»
فيها جمع قاسم بن هاشم بن فليتة جمعا كثيرا من العرب، وأطمعهم بمال له بمكة، فاتبعوه؛ فسار بهم إليها. فلما علم عمه عيسى بذلك فارقها فى رمضان، ودخلها قاسم وأقام بها أميرا أياما، ولم يكن له مال يوصله إلى العرب. ثم إنه قتل قائدا كان معه حسن السيرة؛ فتغيرت نيّات أصحابه عليه، وكاتبوا عمّه عيسى، فقدم عليهم فهرب قاسم وصعد جبل أبى قبيس وسقط عن فرسه؛
стр. 1138
فأخذه أصحاب عيسى وقتلوه - وقيل إنما قتلوه بقلعته التى على جبل أبى قبيس - فسمع عيسى فعظم عليه قتله وأخذه وغسّله ودفنه بالمعلاة عند أبيه فليتة. واستقر الأمر لعيسى (١).
وفيها كان أمير الحج برغش (٢)، وكانت فتنة بمكة بين أهلها والحاج العراقى؛ سببها أن جماعة من عبيد مكة عاثوا بالحاج بمنى، فنفر عليهم بعض أصحاب أمير الحاج برغش (٢) فقتلوا منهم جماعة، ورجع من سلم إلى مكة، وجمعوا جمعا وأغاروا على جمال الحاج، وأخذوا منها قريبا من ألف جمل؛ فنادى أمير الحاج جنده فركبوا بسلاحهم، ووقع القتال بينهم؛ فقتل جماعة، ونهب جماعة من حاج أهل العراق وأهل مكة. وجمع أمير الحاج جنده ورجع ولم يدخل مكة بهم خوفا عليهم فلم يقدروا - من الحج - إلا على الوقوف بعرفة، ودخل الخادم ومعه الكسوة، فعلق أستار/الكعبة، ولم يقم الحاج بالزاهر غير يوم واحد، وعاد كثير من الناس رجالة. ثم إن أمير مكة بعث إلى أمير الحاج يستعطفه ليرجع فلم يفعل. ثم جاء أهل مكة بخرق الدم فضربت لهم الطبول ليعلم أنهم قد أطاعوا (٣).
стр. 1139
وفيها مات قاضى الحرمين عز الدين أحمد بن عبد الرحمن بن على بن الحسين الشيبانى الطبرى فى جمادى الأولى (١).
***
«سنة ثمان وخمسين وخمسمائة»
فيها كان أمير الحاج برغش الكبير المقتفوىّ (٢).
وفيها مات القائد أبو عمران موسى بن رشيد العيساوى فتى أمير الحرمين يوم الثلاثاء ثامن جمادى الآخرة (٣).
***
«سنة تسع وخمسين وخمسمائة»
فيها كان أمير الحاج برغش الكبير؛ حج بالناس ورجعوا ولقوا شدة، وانقطع منهم كثير فى فيد والثعلبية وواقصة وغيرها، وهلك خلق كثير فى البرّية لتعذر الظهر والمواد، ولم يمض الحاج إلى مدينة النبى ﷺ لهذه الأسباب، ولشدة الغلاء فيها وعدم ما يقتات. ووقع الوباء فى البادية فهلك منهم عالم كثير لا يحصون، وهلكت مواشيهم، وكانت الأسعار بمكة غالية جدا (٤).
стр. 1140
وفيها وصل، تابوت الجواد أبو جعفر محمد بن على بن [أبى] (١) منصور الأصبهانى الموصلى إلى عرفة، فخرج أهل مكة باكين عليه لما كان يصلهم من كثرة برّه، وطلعوا به الجبل ثم نزلوا به إلى منى ونحروا عنه جمالا، وطافوا به حول البيت، واشتغل [الناس] (٢) بالبكاء والصراخ عليه عن (٣) البيت، ثم حمل إلى المدينة ودفن بها.
***
«سنة ستين وخمسمائة»
فيها حج برغش الكبير، ولقى الحاج شدة من العرب، ورجعوا على غير الطريق خوفا من العرب (٤).
وفيها فى اليوم الثانى عشر من ذى القعدة دخل الأديب فخر الدين بن سيف العراقى - وكان يجاور بمكة - على أميرها عيسى بن فليتة - وكان نازلا بالمربع (٥) - فوجد عنده أخاه مالكا، فتذاكروا
стр. 1141
الحاج وتوجههم إلى مكة، فأنشد الفخر بن سيف قصيدة أولها:
حملت من الشوق عبئا ثقيلا … فأورث جسمى المعنّى نحولا
وصيّرنى كلفا بالغرا … م أندب ربعا وأبكى طلولا
نشدتكما الله يا صاحب … ىّ إن جزتما بلوا الطّلح ميلا
نسائل عن حيّهم بالعرا … ق هل قوّضت أم تراهم حلولا
فقال عيسى بن فليتة عند إنشاد هذا البيت: لا إن شاء الله قوّمت، وتوجّهت إن شاء الله بالسلامة. ثم أنشده إلى أن انتهى منها إلى أن قال:
كفاكم فخارا بأنّ الوص … ىّ جدّكم والطّهور البتولا
وحسبكم شرفا فى الأنا … م أن بعث الله منكم رسولا (١)
***
«سنة إحدى وستين وخمسمائة»
فيها كان أمير الحاج برغش الكبير (٢)، وأطلق الحاج من غرامة المكس إكراما لصاحب عدن عماد الدين أبى موسى (٣) عمران ابن محمد بن أبى حمير سبأ بن أبى السعود بن الزّريع (٤) بن العباس
стр. 1142
ابن موسى الكزّم اليامى (١) الهمدانى؛ فإنه حمل إلى مكة ميّتا فى هذه السنة لكونه كان مشغوفا بالحج، وأحضر تابوته فى عرفة والمزدلفة، وصلى عليه خلف المقام، ودفن بالمعلاة، وكان المتولى لذلك الأديب أبو بكر العبدى؛ فإنه لما مات السلطان طلاه ثم شدّه واحتمله إلى مكة، وهذا من صحة محبة العبدى وحسن وفائه.
ولما عاد العراقيون عادوا على [غير] (٢) الطريق خوفا من العرب لكنهم لقوا شدة.
***
«سنة اثنتين وستين وخمسمائة»
فيها لم يبع التجار فى مكة شيئا على عادتهم لأن حاج مصر لم يأتوا؛ لانشغالهم بما حدث عندهم من القتال بين نور الدين وشيركوه [وبين الفرنج والمصريين] (٣).
стр. 1143
ولما رجع الحاج خرج عليهم خفاجة فى طريق الحلة (١) فقطعوا قطعة من الحاج فأخذوا أموالهم وقتلوا جماعة (٢).
***
«سنة ثلاث وستين وخمسمائة»
فيها كان قاضيا على مكة أبو المعالى يحيى بن عبد الرحمن بن على الشيبانى، ولا أدرى هل هذه السنة ابتداء ولايته أم لا؟ وهل ولى/بعد والده قاضى الحرمين؛ فإنه توفى فى سنة أربع وخمسين وخمسمائة؟ (٣).
وفيها لم يحج المصريون لما فى ملكهم من الوباء والاشتغال بحرب أسد الدين [شيركوه] (٤).
وفيها مات إمام المقام الشريف أبو بكر بن أبى الحسن الطوسى فى ليلة الخميس غرة صفر (٥).
وقريش بن حسن بن على بن ديلم بن محمد بن إبراهيم بن شيبة بن إبراهيم القرشى العبدرى الشيبى فى يوم الأربعاء النصف من ذى الحجة (٦)
***
стр. 1144
«سنة أربع وستين وخمسمائة»
فيها كان أمير الحاج برغش (١).
وفيها مات سليمان بن محمد بن عبد الرحمن بن كرم العطار فى يوم الأربعاء لسبع بقين من رجب (٢).
وفاتح بيت الله الحرام عبد الرحمن بن ديلم بن محمد بن إبراهيم ابن شيبة بن إبراهيم بن عبد الله بن شيبة بن محمد بن شيبة بن عمر ابن طلحة بن أبى طلحة القرشى العبدرى الشيبى، كما نقلته من حجر قبره بالمعلاة، وذلك يوم السبت لخمس بقين من شهر رمضان (٣).
***
«سنة خمس وستين وخمسمائة»
فيها كان أمير الحاج برغش (٤)
وفيها حصل بين عيسى بن فليتة وأخيه مالك بن فليتة اختلاف فى أمر مكة، ولم يحج عيسى فى هذه السنة وتخلف بمكة، وحج مالك ووقف بعرفة، وبات الحاج بعرفة إلى الصبح متخوفين خوفا شديدا (٥).
***
стр. 1145
«سنة ست وستين وخمسمائة»
فيها فى يوم عاشوراء دخل الأمير مالك بن فليتة بن قاسم بن محمد بن جعفر الحسنى المعروف بابن أبى هاشم وعسكره إلى مكة، واستولى عليها مالك نحو نصف يوم، وجرى بين عسكره وعسكر أخيه عيسى فتنة إلى الزوال، ثم خرج الأمير مالك، واصطلحوا بعد ذلك، وسافر الأمير مالك إلى الشام، وجاء من الشام فى آخر ذى القعدة وأقام ببطن مرّ أياما، ثم جاء إلى مكة هو وعسكره، ونزل مالك/فى المربع (١) هو والسرايا وحاصروا مكة مدة أيام، ثم جاء هو والسرايا من المعلاة وجاء هذيل والعسكر من جبل أبى الحارث - وهو أحد أخشبى مكة المقابل لأبى قبيس - إلى صوب قعيقعان والشبيكة بأسفل مكة، فخرج عليهم عسكر الأمير عيسى فقاتلوهم فقتل من عسكر الأمير مالك جماعة وارتفع إلى خيف بنى شديد ومعه عساكره، وأقام هناك أياما ثم ارتحل إلى نخلة ولبث فيها أياما، ثم ارتحل إلى الطائف وتوصّل معه بعض العرب، ثم غدا إلى الشام (٢).
وفيها ملك خدّام الأمير مالك والأشراف بنو داود جدّة، وأخذوا جلبة (٣) وصلت إليها فيها صدقة من قبل شمس الدولة (٤)،
стр. 1146
وجميع ما مع التجار الذين وصلوا فى الجلبة المذكورة.
وفيها حج بالناس الأمير طاشتكين المستنجدى (١). وفيها حج أبو بكر بن محمد العبسى ثم الوعلىّ صحبة الشيخ محمد بن عثمان بن الحسين وحسان بن محمد بن موسى.
***
«سنة سبع وستين وخمسمائة»
فيها كان بمكة غلاء، ثم فرج الله على الناس بجلبتين مشحونتين بالحب صدقة من السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب (٢).
وفيها انتزع [من] (٣) الأمير مالك بن فليتة ما كان له بالعراق من الإقطاع والرسوم، ومات هو فى هذه السنة بتيماء من بلاد الشام، وهو متوجه إليها من المدينة.
وفيها مات الفقيه أبو هاشم محمد بن أبى محمد بن ظفر - بفتح (٤) الظاء المعجمة والفاء بعدها راء - المكى بحماة.
***
стр. 1147
«سنة ثمان وستين وخمسمائة»
فيها - أو فى التى بعدها - خطب بمكة للسلطان محمود بن زنكى صاحب دمشق وغيرها بعد استيلاء المعظم توران شاه بن أيّوب، أخى السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب على اليمن، واستيلائه عليه [فى هذه السنة] (١).
وفيها حج أبو بكر بن محمد بن ذاكر بن محمد بن عمر الأصبهانى الحرفى (٢).
وفيها مات الشيخ المقرئ أبو الحسن على بن عبد الله بن عيسار السوسى فى العشر الأخير من ذى/القعدة (٣).
***
«سنة تسع وستين وخمسمائة»
فيها كان بمكة غلاء كثير أكل الناس فيه الدم والجلود والعظام، ومات أكثر الناس، ثم فرج الله عنهم بصدقات وصلات من المستضئ يالله العباسى لأهل مكة والمجاورين (٤).
стр. 1148
وفيها وقع سيل عظيم كبير دخل من باب بنى شيبة، ودخل دار الإمارة، ولم ير سيل قبله مثله فى دخوله من هذه الجهة (١).
وفيها مات فاتح بيت الله الحرام: إسماعيل بن محمد بن إسماعيل ابن عبد الرحمن بن ديلم بن محمد بن شيوخ الشيبى فى رجب (٢).
***
«سنة سبعين وخمسمائة»
فيها دخل مكة أبو على ناصر بن عبد الله المصرى العطار، وأقام بمكة إلى أن مات (٣).
وفيها وقع بمكة أمطار كثيرة وسيول، سال فيها وادى إبراهيم خمس مرات (٤).
وفيها كان أمير الحاج العراقى طاشتكين (٥)، وتأخّر الناس عن الحج، ثم ساروا من الكوفة إلى عرفات فى ثمانية عشر يوما، وهذا شئ لم يسمع قبله بمثله، ووصلوا إلى عرفة فى يوم عرفة وباتوا بها، ثم وقع بين الحاج العراقى وأهل مكة، قتال يسير بعد الحج بالزاهر وذلك عند
стр. 1149
الوداع، قتل من أصحاب أمير الحاج رجلان، وجرح ناس من أهل الحجاز (١).
وفيها مات أمير مكة عيسى بن فليتة بن هاشم الحسنى فى ثانى شعبان (٢)، وكان قد عهد بالولاية لابنه داود، فولى بعده ابنه داود؛ فأحسن السيرة، وعدل فى الرعية (٣).
***
«سنة إحدى وسبعين وخمسمائة»
فيها فى ليلة النصف من رجب خرجت خوارج على داود بن عيسى ابن فليتة؛ ففارق منزله، وسار فى بقية ليلته إلى وادى نخله، وولى أخوه [مكثر] (٤) مكة عوضه فى الحال، ولم يتغير عليه أحد بشئ. فلما كان ليلة النصف من شعبان قدم من اليمن إلى مكة، شمس الدولة [توران شاه] (٤) بن أيوب أخو السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، قاصدا بلاد الشام، فاجتمع به الأمير داود/ والأمير مكثر بالزاهر ظاهر مكة، وأصلح بينهما.
فلما كان السابع من ذى الحجة وصل الخبر إلى مكة بأن أمير الحاج طاشتكين وصل بعسكر كثير، وعدد من المنجنيقات
стр. 1150
والنفاطين وغير ذلك، فجمع الأمير مكثر الشرفاء والعرب على قدر وسعه لضيق الوقت، ولم يحج من مكة إلا القليل، ولم يوفّ أكثرهم المناسك؛ لأنهم باتوا بعرفة ولم يبيتوا بمزدلفة، ولم ينزلوا بمنى، ولم يرموا الجمار، وإنما رمى بعضهم وهو سائر، ولا بات بها ليلة. ونزل الحاج فى يوم النحر بالأبطح، فخرج إليهم ناس من أهل مكة فحاربوهم فى بقية يوم النحر، وفى اليوم الثانى والثالث، وقوى القتال على أهل مكة، وقتل من الفريقين جماعة، ثم آل الأمر إلى أن صيح فى الناس:
الغزاة إلى مكة. فهجموا عليها فهرب أمير مكة مكثر فصعد إلى الحصن الذى بناه على جبل أبى قبيس - ويقال إنما بناه والده عيسى - فحصروه به، ففارقه وسار عن مكة؛ فآمر أمير الحاج بهدم الحصن، فعدا قوم لا خلاق لهم من الحاج بالنهب، فنهبوا كثيرا من الدور التى على أطراف البلد من ناحية المعلاة، وأخذوا من أموال التجار المقيمين بها شيئا كثيرا، وأحرقوا دورا كثيرة.
ومن أعجب ما جرى أن إنسانا زرّاقا بالنفط ضرب دارا بقارورة نفط فاحترقت هى وما فيها - وكانت تلك الدار لأيتام يستغلونها كل سنة إذا جاء الحاج - ثم أخذ قارورة أخرى فسواها ليضرب بها فجاءه حجر فكسرها فعادت عليه فاحترق هو بها، فبقى ثلاثة أيام بسفح الجبل يتعذب بالحريق ورأى بنفسه العجائب ثم مات.
وسلمت مكة ليد الأمير قاسم (١) ثلاثة أيام فظهر عجز
стр. 1151
قاسم عن إمرة مكة، وقال لأمير الحاج وللحجاج: إنى لا أتجاسر أن أقيم بمكة بعد خروج الحاج. فسلمت لداود بن عيسى، وأسقط جميع المكوس بمكة، ودخل الحاج بعد أن أخذ على/داود العهود والمواثيق ألاّ يغيّر شيئا مما شرط عليه من إسقاط المكوس وغير ذلك من الأرفاق.
ويقال: إن الخليفة أمر مولاه أمير الحاج طاشتكين بعزل مكثر بسبب بنائه القلعة على جبل أبى قبيس، وإقامة أخيه داود مقامه (١).
وفيها مات الشيخ الزاهد عمر بن الحسين النّسوىّ فى مستهل المحرم (٢).
وأبو الحسن على بن عبد [الله] (٣) بن حمود الفاسى المكناسى فى ليلة الاثنين فى العشر الأوسط من جمادى الآخرة.
***
«سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة»
فيها أبطل السلطان صلاح الدين بن أيّوب المكس المأخوذ من الحجاج فى البحر إلى مكة على طريق عيذاب، وكان سبعة دنانير
стр. 1152
مصرية ونصفا على كل إنسان، وكانوا يؤدون ذلك لعيذاب، ومن لم يؤد ذلك ولم يؤده بجدة [منع] (١) من الحج، وعذب بأليم العذاب؛ من تعليقه بالأنثيين وغير ذلك، وكان ذلك معلوما لأمير مكة؛ فعوضه السلطان صلاح الدين عن ذلك ألفى دينار، وألفى إردب قمح، وإقطاعات بصعيد مصر وجهة اليمن. وقيل إنه عوضه عن ذلك مبلغ ثمانية آلاف إردب قمح، تحمل إليه كل عام إلى ساحل جدة (٢). فالحمد لله الذى أزال هذه البدعة القبيحة على يد هذا السلطان السعيد ﵀ فما كان أكثر محاسنه وحسناته، وكان ذلك على يد الشيخ أبى عبد الله علوان بن الأستاذ عبد الله بن علوان الأسدى الحلبى كما ذكر ذلك الصاحب جمال الدين عمر بن العديم فى تاريخه لحلب، فى ترجمة المذكور، ونص ما ذكر: وهو الذى أبطل المكس عن أهل مصر والمغاربة، فإن العادة كانت جارية عندهم أنهم يخرجون إلى جدة ويأخذون على كل إنسان سبعة دنانير، ويهينونه (٣) سواء كان فقيرا أو غنيا. فلما بلغه ذلك قال للملك الناصر: سيّرنى فى مركب ومر (٤) صاحب المركب أنى متى قلت له ارجع يفعل ذلك. فسيّره فى مركب صغير، فلما وصلوا إلى المرسى
стр. 1153
جاءهم إنسان أسود من مكة ومعه ميزان، وطالبهم بذلك المعهود/ من المكس، وقال: أدّوا الحقّ. فقال له علوان: ويلك، ما الحق؟ فقال: الحق على كل رأس سبعة دنانير. فلطمه وقال: ويلك تسمون المظالم حقا!! وقال لصاحب المركب: ارجع. فعاد، فاستغاثوا إليه:
على رسلك حتى نعلم أمير مكّة. فوقف إلى أن طالعوا صاحب مكة بأمره، فقال: أطلقوه، وجميع من معه فى المركب. ففعلوا ذلك، فلما وصل مكة اجتمع به صاحب مكة، واعتذر إليه، وقال: نحن قوم ضعفاء، وما لنا إلا هذه الجهة، والملوك قد استولوا على البلاد، ولا يؤدون (١) لنا شيئا. فعند ذلك كتب الشيخ إلى الملك الناصر - يعنى صلاح الدين بن أيوب - فشفع فيهم، وطلب لهم منه شيئا؛ فأقطعهم الأقطاع المعروفة لهم بمصر، وبطل ذلك المكس الذى كان يؤخذ من الحاج، ولله الأمر - انتهى.
وفيها كان أمير مكة مكثر (٢).
وفيها كان أمير الحاج العراقى طاشتكين (٢).
وفيها مات عمارة بن جيّاش بن أبى تامر المبارك القاسمى فى يوم الأربعاء ثانى رجب (٣).
***
стр. 1154
«سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة»
فيها حج الشيخ موفق الدين عبد الله بن محمد بن أحمد بن قدامة (١).
وحج القاضى الفاضل (٢) من مصر وعاد إلى الشام.
وفيها كان أمير الحاج (٣).
وفيها أمر أمير المؤمنين المستضئ بالله بعمارة الأميال الخضر التى بالمسعى المعظم.
وفيها كان أمير الحاج العراقى طاشتكين (٤).
وفيها مات الشريف أبو عبد الله محمد بن حمزة العباسى (٥).
***
«سنة أربع وسبعين وخمسمائة»
فيها كان من حج على خطر، ورجعت طائفة فنزلت عليهم
стр. 1155
عرب فأخذوا أكثر الأموال، ووصل جماعة، وكان أمير الحاج العراقى طاشتكين (١).
وفيها ولد صدر الدين الحسن بن محمد بن محمد بن عمروك البكرى فى المحرم بمكة (٢).
وفيها مات عبد الرحيم بن أحمد بن عبد الخالق بن أحمد اليوسفى (٣).
***
«سنة خمس وسبعين وخمسمائة»
فيها كان قاضى مكة أبو المعالى يحيى بن عبد الرحمن الشيبانى (٤).
وفيها أوقف القاضى صدر الدين أبو بكر محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم المراغى الرّباط الذى على باب الجنائز، المعروف ببيت الكيلانى (٥)، على الصوفية الغرباء الواصلين إلى مكة النازلين فيه،
стр. 1156
والمجتازين وغيرهم من العرب والعجم (١).
وفيها كان أمير الحاج العراقى طاشتكين (٢).
وفيها حجّ القاضى الفاضل من دمشق، وعاد إلى مصر؛ فقاسى فى الطريق أهوالا (٣).
وفيها مات القائد أبو حسن تامر بن جياش بن أبى تامر المبارك القاسمى فى يوم السبت تاسع رمضان (٤).
وإمام الحنابلة بالمسجد الحرام الحافظ أبو محمد المبارك بن على ابن الحسين بن الطباخ البغدادى فى يوم السبت ثانى شوال (٥).
وعبد الله بن عثمان بن حسين العسقلانى فى ليلة الخميس ثامن عشر شوال (٦).
وعلى بن يحيى بن عبد العليم الجندى (٧).
***
стр. 1157
«سنة ست وسبعين وخمسمائة»
فيها فرش الحجر - بكسر الحاء - بالرخام بأمر أمير المؤمنين الناصر الدين الله أبى العباس أحمد بن المستضئ بالله أبى محمد الحسن ابن المستنجد بالله أبى المظفر يوسف العباسى (١).
وفيها كان أمير الحاج العراقى طاشتكين (٢).
وفيها مات أبو الحسن على بن حميد بن عمّار الطرابلسى فى شوال (٣).
***
«سنة سبع وسبعين وخمسمائة»
فيها أوقفت الشريفة فاطمة بنت الأمير أبى ليلى محمد بن أنوشروان الرباط الذى على باب السلام خارج المسجد الحرام، المعروف الآن ببيت محمود على الصوفية: الرجال الصالحين من العرب والعجم (٤).
وفيها كان أمير الحاج طاشتكين (٥).
стр. 1158
وفيها مات همام الدين تامر صاحب قلعة تكريت بالمزدلفة، وحمل إلى المعلاة ودفن بها (١).
***
«سنة ثمان وسبعين وخمسمائة»
فيها أوقف الأمير قايماز بن عبد الله السلطانى - سلطان الروم والأرمن/أبى الفتح قليج أرسلان - رباطا بقرب المجزرة من أعلاها، يعرف الآن برباط أبى سماحة - لسكناه به - على المجاورين والمقيمين والمنقطعين بمكة من أصحاب الإمام أبى حنيفة (٢).
وفيها كان أمير الحاج طاشتكين (٣).
وفيها نحر بمنى - كما تنحر البدن - رجلان من الإفرنج، وهما من الإفرنج الذين توجّهوا إلى المدينة المنورة (٤).
***
«سنة تسع وسبعين وخمسمائة»
فيها فى يوم الأربعاء ثالث شهر رمضان قدم مكة الأمير سيف
стр. 1159
الإسلام طغتكين بن أيوب بن شادى أخو السلطان صلاح الدين الأيوبى قاصدا؛ لاختلاف وقع فيها وفتنة حدثت مؤامرتها. وضرب أبنيته بالزاهر، ودخل مكة فطاف بالبيت، ودعى له على قبة زمزم، وسعى وهو ماش على قدمية شوطين من السّعى وهرول بين الميلين الأخضرين، ثم قيّده الإعياء فركب وأكمل السعى راكبا، ثم دخل المسجد وفتح له باب الكعبة الشريفة، ودخل وحده مع زعيم الشيبيين محمد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن ديلم الشيبى (١)، وأغلق الباب، وتمادى مقامهما فى البيت مدّة طويلة، ثم خرج، وفتح الباب للكافة من أصحابه، وكان قدم صحبته جماعة من حجاج (٢) مصر وغيرها اغتناما لطريق البرّ والأمن، منهم القاضى أبو إسحاق إبراهيم بن أبى الأغرناطى المتحاقر - ثم ركب الأمير سيف الدين وخرج إلى مضرب أبنيته. ثم فى يوم الخميس خلع الأمير سيف الدين على الأمير مكثر خلعة حسنة، وهى خلعة ذهب وعمامة شرب رقيق سحابى اللون مصفحة بالذهب ومن (٣) الخليفة خلعتان من الديبق المرقوم البديع الصنعة. ثم فى يوم الجمعة وصل الأمير سيف الإسلام أوّل الوقت، وفتح له باب البيت، فدخله مع الأمير مكثر، وأقام به مدة طويلة ثم خرجا، وتزاحم الناس للدخول تزاحما عظيما، حتى أزيل الكرسى/الذى يصعد عليه، فلم يغن ذلك شيئا وأقاموا
стр. 1160
على الازدحام فى الصعود لا يسأل (١) بعضهم عن بعض، وداموا على هذا الحال إلى أن وصل الخطيب فخرجوا لاستماع الخطبة، وأغلق باب البيت، وصلى الأمير سيف الإسلام مع الأمير مكثر فى القبة الشامية (٢)، فلما انقضت الصلاة خرجا على باب الصفا، وركبا إلى أبنيته. ثم فى يوم الأربعاء عاشر رمضان خرج الأمير سيف الإسلام بجنوده إلى اليمن (٣).
وفيها نال أهل مكة الجهد وأضرّ بهم القحط، وأهلك المواشى الحرّ؛ فإنهم لم يمطروا فى الربيع ولا الخريف ولا الشتاء إلا مطرا طلاّ، غير كاف ولا شاف، فوعظ (٤) القاضى الناس وحرضهم على صيام ثلاثة أيام. ثم فى يوم الثلاثاء ثانى عشر شوال نودى بالصلاة جامعة، فاجتمع الناس كافة للاستقساء بالمسجد الحرام، وفتح البيت الشريف وأخرج مقام إبراهيم من جوف الكعبة، ووضع على عتبة باب البيت، وأخرج مصحف عثمان بن عفان، ونشر بإيزاء المقام، ثم نودى فى الناس بالصلاة جماعة، فصلى القاضى بهم خلف المقام ركعتين قرأ فى الأولى (سبح) وفى الثانية بالغاشية، ثم صعد المنبر - وقد ألصق إلى جانب الركن الشامى من الكعبة الشريفة - فخطب خطبة بليغة والى فيها الاستغفار، ووعظ الناس وذكّرهم وخشّعهم وحضّهم على التوبة والإنابة، وحوّل رداءه وحوّل الناس أرديتهم، ثم انفض الجمع. وتمادى استسقاؤه بالناس ثلاثة أيام متوالية على هذه الصفة.