والمجتازين وغيرهم من العرب والعجم (١).
وفيها كان أمير الحاج العراقى طاشتكين (٢).
وفيها حجّ القاضى الفاضل من دمشق، وعاد إلى مصر؛ فقاسى فى الطريق أهوالا (٣).
وفيها مات القائد أبو حسن تامر بن جياش بن أبى تامر المبارك القاسمى فى يوم السبت تاسع رمضان (٤).
وإمام الحنابلة بالمسجد الحرام الحافظ أبو محمد المبارك بن على ابن الحسين بن الطباخ البغدادى فى يوم السبت ثانى شوال (٥).
وعبد الله بن عثمان بن حسين العسقلانى فى ليلة الخميس ثامن عشر شوال (٦).
وعلى بن يحيى بن عبد العليم الجندى (٧).
***
стр. 1157
«سنة ست وسبعين وخمسمائة»
فيها فرش الحجر - بكسر الحاء - بالرخام بأمر أمير المؤمنين الناصر الدين الله أبى العباس أحمد بن المستضئ بالله أبى محمد الحسن ابن المستنجد بالله أبى المظفر يوسف العباسى (١).
وفيها كان أمير الحاج العراقى طاشتكين (٢).
وفيها مات أبو الحسن على بن حميد بن عمّار الطرابلسى فى شوال (٣).
***
«سنة سبع وسبعين وخمسمائة»
فيها أوقفت الشريفة فاطمة بنت الأمير أبى ليلى محمد بن أنوشروان الرباط الذى على باب السلام خارج المسجد الحرام، المعروف الآن ببيت محمود على الصوفية: الرجال الصالحين من العرب والعجم (٤).
وفيها كان أمير الحاج طاشتكين (٥).
стр. 1158
وفيها مات همام الدين تامر صاحب قلعة تكريت بالمزدلفة، وحمل إلى المعلاة ودفن بها (١).
***
«سنة ثمان وسبعين وخمسمائة»
فيها أوقف الأمير قايماز بن عبد الله السلطانى - سلطان الروم والأرمن/أبى الفتح قليج أرسلان - رباطا بقرب المجزرة من أعلاها، يعرف الآن برباط أبى سماحة - لسكناه به - على المجاورين والمقيمين والمنقطعين بمكة من أصحاب الإمام أبى حنيفة (٢).
وفيها كان أمير الحاج طاشتكين (٣).
وفيها نحر بمنى - كما تنحر البدن - رجلان من الإفرنج، وهما من الإفرنج الذين توجّهوا إلى المدينة المنورة (٤).
***
«سنة تسع وسبعين وخمسمائة»
فيها فى يوم الأربعاء ثالث شهر رمضان قدم مكة الأمير سيف
стр. 1159
الإسلام طغتكين بن أيوب بن شادى أخو السلطان صلاح الدين الأيوبى قاصدا؛ لاختلاف وقع فيها وفتنة حدثت مؤامرتها. وضرب أبنيته بالزاهر، ودخل مكة فطاف بالبيت، ودعى له على قبة زمزم، وسعى وهو ماش على قدمية شوطين من السّعى وهرول بين الميلين الأخضرين، ثم قيّده الإعياء فركب وأكمل السعى راكبا، ثم دخل المسجد وفتح له باب الكعبة الشريفة، ودخل وحده مع زعيم الشيبيين محمد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن ديلم الشيبى (١)، وأغلق الباب، وتمادى مقامهما فى البيت مدّة طويلة، ثم خرج، وفتح الباب للكافة من أصحابه، وكان قدم صحبته جماعة من حجاج (٢) مصر وغيرها اغتناما لطريق البرّ والأمن، منهم القاضى أبو إسحاق إبراهيم بن أبى الأغرناطى المتحاقر - ثم ركب الأمير سيف الدين وخرج إلى مضرب أبنيته. ثم فى يوم الخميس خلع الأمير سيف الدين على الأمير مكثر خلعة حسنة، وهى خلعة ذهب وعمامة شرب رقيق سحابى اللون مصفحة بالذهب ومن (٣) الخليفة خلعتان من الديبق المرقوم البديع الصنعة. ثم فى يوم الجمعة وصل الأمير سيف الإسلام أوّل الوقت، وفتح له باب البيت، فدخله مع الأمير مكثر، وأقام به مدة طويلة ثم خرجا، وتزاحم الناس للدخول تزاحما عظيما، حتى أزيل الكرسى/الذى يصعد عليه، فلم يغن ذلك شيئا وأقاموا
стр. 1160
على الازدحام فى الصعود لا يسأل (١) بعضهم عن بعض، وداموا على هذا الحال إلى أن وصل الخطيب فخرجوا لاستماع الخطبة، وأغلق باب البيت، وصلى الأمير سيف الإسلام مع الأمير مكثر فى القبة الشامية (٢)، فلما انقضت الصلاة خرجا على باب الصفا، وركبا إلى أبنيته. ثم فى يوم الأربعاء عاشر رمضان خرج الأمير سيف الإسلام بجنوده إلى اليمن (٣).
وفيها نال أهل مكة الجهد وأضرّ بهم القحط، وأهلك المواشى الحرّ؛ فإنهم لم يمطروا فى الربيع ولا الخريف ولا الشتاء إلا مطرا طلاّ، غير كاف ولا شاف، فوعظ (٤) القاضى الناس وحرضهم على صيام ثلاثة أيام. ثم فى يوم الثلاثاء ثانى عشر شوال نودى بالصلاة جامعة، فاجتمع الناس كافة للاستقساء بالمسجد الحرام، وفتح البيت الشريف وأخرج مقام إبراهيم من جوف الكعبة، ووضع على عتبة باب البيت، وأخرج مصحف عثمان بن عفان، ونشر بإيزاء المقام، ثم نودى فى الناس بالصلاة جماعة، فصلى القاضى بهم خلف المقام ركعتين قرأ فى الأولى (سبح) وفى الثانية بالغاشية، ثم صعد المنبر - وقد ألصق إلى جانب الركن الشامى من الكعبة الشريفة - فخطب خطبة بليغة والى فيها الاستغفار، ووعظ الناس وذكّرهم وخشّعهم وحضّهم على التوبة والإنابة، وحوّل رداءه وحوّل الناس أرديتهم، ثم انفض الجمع. وتمادى استسقاؤه بالناس ثلاثة أيام متوالية على هذه الصفة.
стр. 1161
ففى يوم الجمعة خامس عشرى الشهر وصل السّرو (١) اليمنيون فى عدد كثير قاصدين زيارة قبر رسول الله ﷺ وجلبوا ميرة إلى مكة على عادتهم فاستبشر الناس بقدومهم استبشارا كثيرا حتى إنهم أقاموه عوض نزول المطر، ولطف الله بسكان/حرمه الشريف.
وفيها فى يوم الجمعة رابع عشر ذى القعدة بعث الأمير مكثر بالقبض على زعيم الشيبيين محمد بن إسماعيل بن عبد الرحمن ديلم الشيبى وانتهاب منزله، وصرفه عن حجابة البيت الحرام؛ لهناة نسبت إليه لا تليق بمن نيطت به سدانة البيت العتيق، وصولح (٢) بخمسمائة دينار مكية استقرضها. ثم أعيد فى يوم الثلاثاء ثامن عشرى الشهر.
وفيها فى يوم الاثنين خامس ذى الحجة وصل صاحب عدن الأمير عثمان بن على الزنجيلى، خرج منها فارا أمام سيف الإسلام المتوجّه إلى اليمن، وركب البحر بموضع يعرف بالصريف (٣) لحقت
стр. 1162
جلبته حراريق (١) الأمير سيف الإسلام فأخذت جميع ما فيها من الأثقال، وكان استصحب الخفّ النفيس الخطر مع نفسه إلى البر، وهو فى جملة من رجاله وعبيده، فسلم به، ووصل مكّة بعير موقورة متاعا ورجالا، دخلت على أعين الناس إلى داره التى ابتناها بها، بعد أن قدّم نفيس ذخائره وخاصّ ماله، وجملة رقيقه وخدمه ليلا. وبالجملة فماله لا يوصف كثرة؛ رأسا وكراعا. والذى انتهب له كثير؛ لأنه كان - فى ولايته - موصوفا بسوء السيرة مع التجار، كانت المنافع التجارية كلها راجعة إليه، والذخائر الهندية المجلوبة واصلة إلى يديه؛ فأنشب سحتا عظيما، وحصل على كنوز قارونية، وأوقف مدرسته التى عند باب العمرة للحنفية، وتعرف الآن بدار السلسلة، والرّباط المقابل لها، ويعرف برباط الهنود، والمدرسة هى الآن بأيدى بعض الأشراف من أولاد أمراء مكة (٢).
وفيها فى يوم الخميس ثامن ذى الحجة بكّر الناس بالصعود إلى منى وغدوا منها إلى عرفات، وتركوا المبيت بها لخوف الأعراب المغيرة على الحجاج/فى طريقهم إلى عرفات، واجتهد الأمير عثمان الزّنجيلى فى حفظ الحجاج وإبلهم اجتهادا يرجى له به المغفرة لجميع خطاياه؛ وذلك أنه تقدم بجميع أصحابه شاكين السلاح إلى المضيق الذى بين
стр. 1163
مزدلفة وعرفة، فضرب قبته فى المضيق بين الجبلين بعد أن قدم بعض أصحابه، فصعد بناسه إلى رأس الجبل الذى على يسار المار إلى عرفات، فأمر جميع الناس بالصعود، واتصل صعود الناس ذلك اليوم كله والليلة كلها إلى يوم الجمعة كله، فاجتمع بعرفات من البشر مالا يحصى عدده إلا الله .
وفيها فى الثلث الأخير من ليلة الجمعة ثامن الحجة وصل أمير حاج العراق طاشتكين إلى عرفات، فى جمع لم يصل قط مثله، من أمراء العجم الخراسانيين، ومن النساء العقائل المعروفات بالخواتين ثلاث، إحداهن ابنة الأمير مسعود، والثانية أم معز الدين صاحب الموصل زوج بابك أخى نور الدين صاحب الشام، والثالثة ابنة الدقوسى صاحب أصبهان من بلاد خراسان، ومن السادات الأمراء ومن سائر الأعاجم، فضربوا أبنيتهم مما يلى الجانب الأيمن من جبل الرحمة فى استقباله الليلة، فأصبح يوم الجمعة فى عرفات جمع لا شبيه له إلا المحشر؛ زعم الكبار من مشايخ أهل مكة والمجاورين أنهم لم يعاينوا - قط - فى عرفات جمعا أحفل منه. وحج فى هذه السنة جمع كثير من السوريين واليمنيين (١).
وفيها فى يوم السبت عاشر ذى الحجة شيعت كسوة الكعبة الشريفة من محلة الأمير العراقى إلى مكة على أربعة جمال، يقدمها قاضى مكة وخطيبها العماد أبو جعفر محمد بن جعفر بن أحمد
стр. 1164
العباسى (١)، وكان وصل مع الحاج العراقى وهو لابس كسوة الخليفة السوداوية، والرايات على رأسه، والطبول تهرّ وراءه/، وابن عم الشيبى محمد بن إسماعيل معها؛ لأنه ذكر أن أمر الخليفة نفذ بعزله عن حجابة البيت لهناة اشتهرت عنه، وابن عمّه كان أثبت طريقة منه، فوضعت الكسوة - وكانت خضراء ناصعة تخطف الأبصار حسنا وطرازها أحمر - فى سطح الكعبة الشريفة فى اليوم الثالث عشر من ذى الحجة (٢) فأسبلت فيه على الكعبة وشمرت أذيالها.
وفيها فى يوم الثلاثاء الثالث عشر من ذى الحجة وقع بين سودان أهل مكة وبين الأتراك العراقيين جفلة وهوشة، وقعت فيها جراحات، وسلت السيوف، وفوقت القسى، ورميت السهام، وانتهب بعض أمتعة العراقيين والتجار، ثم سكنت الهوشة سريعا (٣). وسافر الحاج العراقى صبحة يوم الخميس خامس (٤) عشر ذى الحجة.
وفيها كان يخطب للخليفة الناصر العباسى، ثم لمكثر صاحب مكة، ثم للسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب (٥).
стр. 1165
وفيها وقفت زمرّد خاتون التركية أم الخليفة الناصر لدين الله العباسى رباطا على الفقراء الصوفية، ويعرف هذا الرباط بالعطيفية (١).
وفيها مات على بن يحيى بن محمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن حمزة بن بركات الشيبى فى يوم الجمعة سادس شهر رمضان (٢).
***
«سنة ثمانين وخمسمائة»
فيها حج أبو العتيق أبو بكر بن الشيخ يحيى الغيانى (٣)، وطاف بالكعبة راكبا على بغلة وحوله نحو ثلاثمائة فقيه، يمشون بمشيه ويطوفون بطوافه، ولم يستطع زيارة النبى ﷺ ، فبقى تعبانا لذلك، وقلق باطنه، فرأى النبى ﷺ فى المنام يقول له: يا أبا بكر إن لم تزرنا زرناك. فقال: يا رسول الله بكرمك ذلك (٤) فادع الله لى.
فدعا له، فقال: ولإخوانى وأولادى وأولاد أولادى حتى - عدّ سبعة بطون منهم - والنبى ﷺ يدعو/لكل بطن عند ذكره.
وفيها حج بالناس من العراق طاشتكين (٥)، وفيها حج سيف السنة أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الله بن سلمة البرهى (٦)
стр. 1166
السلسكى، وأخذ عن عبد الله محمد بن عبد الله بن الحسين الهروى.
إمام الحنابلة بالمسجد الحرام (١)، والشيخ عبد الله بن عمر الوراقى وأجاز له (٢).
وفيها فى شعبان أوقفت طاب الزمان الحبشية عتيقة المستضئ العباسى مدرسة على عدة (٣) فقهاء من الشافعية، وتعرف هذه المدرسة اليوم بدار زبيدة.
***
«سنة إحدى وثمانين وخمسمائة»
فيها فى رمضان قدم الملك العزيز سيف الإسلام طغتكين بن أيّوب صاحب اليمن أخو السلطان صلاح الدين مكة، فاستولى عليها وخطب لأخيه صلاح الدين، وضرب الدراهم والدنانير باسم أخيه، وقتل جماعة من العبيد كانوا يؤذون الناس، وشرط على العبيد ألا يؤذوا الحاج، ومنع من الأذان فى الحرم بحىّ على خير العمل، وكان أمير مكة طلع إلى أبى قبيس، وأغلق باب البيت، وأخذ المفتاح معه، فأرسل سيف الإسلام يطلبه منه، فامتنع من إرساله، فقال سيف الإسلام، لرسوله: قل لصاحبك إن الله قد نهانا عن أشياء فارتكبناها،
стр. 1167
وقال النبى ﷺ : لا تأخذوا المفتاح من بنى شيبة، فنأخذه ونستغفر الله تعالى، فبعث إليه بالمفتاح (١).
وفيها حج بالناس من العراق طاشتكين (٢).
وفيها مات أربعة وثلاثون نفسا فى الكعبة الشريفة من الزحام (٣).
وفيها مات على بن محمد بن إبراهيم بن قلاوة الجعدى فى ذى القعدة (٤).
وجعفر بن عيسى بن فليتة بن القاسم بن محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن أبى هاشم الحسنى يوم الاثنين ثامن ذى الحجة (٥).
***
«سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة»
فيها حج بالناس طاشتكين (٦).
стр. 1168
وفيها مات الفقيه الزاهد. /عبد الله بن مقبل العجينى فى مستهل صفر (١)
والحسن بن سيف بن الحسن بن على الشهراباى فى ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى (٢).
***
«سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة»
فيها وقعت فتنة بعرفة فى يوم عرفة بين العراقيين والشاميين، وكان قد اجتمع حاج عظيم بالشام من بلاد العراق والموصل وديار الجزيرة وخلاط وبلاد مصر وغيرها ليجمعوا بين زيارة القدس ومكة، وجعل الأمير عليهم شمس الدين محمد بن عبد الملك بن محمد المعروف بابن المقدم أحد أكابر الأمراء الصلاحية بعد طلبه الإذن من صلاح الدين، فساروا حتى وصلوا عرفات سالمين ووقفوا فى تلك المشاعر، وأدّوا الواجب والسنة، فلما كان عشية عرفة تجهز هو وأصحابه ليسيروا من عرفات، فأمر بضرب كوساته التى هى أمارة الرحيل، فضربها أصحابه ورفع علم السلطان صلاح الدين، فأرسل إليه أمير الحاج العراقى مجير الدين طاشتكين ينهاه، عن الإفاضة من عرفات (٣) قبله، ويأمره بكف (٣) أصحابه عن ضرب كوساته، وقال: هذا موضع لا يرفع
стр. 1169
فيه إلا علم الخليفة. فقال ابن المقدم: فالسلطان مملوك أمير المؤمنين، ونحن مماليك السلطان، وليس لى (١) معك تعلق؛ أنت أمير الحاج العراقى، وأنا أمير الحاج الشامى، وكل منا يفعل ما يراه ويختاره. وأمر غلمانه فأطلعوا العلم وساروا، ولم يقفوا ولم يسمع قوله.
فلما رأى طاشتكين إصراره على مخالفته ركب فى أصحابه وأجناده، وتبعه من غوغاء الحاج العراقى وبطّاليهم وطمّاعتهم العالم الكثير والجمّ الغفير، وقصدوا الحاج الشامىّ مهوّلين عليه، فلما قربوا منه ركب ابن المقدم أيضا فيمن معه من الشاميين؛ فالتقوا وقتل من الفريقين جماعة، وخرج الأمر بينهم من الضبط (٢)، وعجزا عن تلافيه، فهجم طماعة العراقيين على الحاج/الشامى وفتكوا بهم، وقتلوا منهم جماعة، ونهبت أموالهم، وسبى جماعة من نسائهم إلا أنهن رددن عليهم، وجرح ابن المقدم عدة جراحات، وكان يكف أصحابه عن القتال، ولو أذن لهم لانتصف منهم وزاد لكنه راقب الله تعالى وحرمة المكان واليوم، وأثخن بالجراحة وأصابه سهم فى عينه فخر صريعا فأخذه طاشتكين إلى خيمته وأنزله عنده؛ ليمرضه ويستدرك الفارط فى حقه. وساروا تلك الليلة من عرفات، فلما كان الغد يوم الخميس يوم عبد الله الأكبر مات ابن المقدم بمنى، وصلّى عليه بمسجد الخيف، وحمل إلى المعلاة فدفن بها؛ ورزق الشهادة بعد الجهاد، وشهود فتح بيت المقدس، رحمه الله تعالى.
стр. 1170
وأخذ طاشتكين شهادة الأعيان أن الذنب لابن المقدم، وقرئ المحضر فى الديوان. وأقام الحاج الشامى بمنى على أسوأ حال (١).
وحج فى هذه السنة القاضى بهاء الدين بن شدّاد (٢).
وفيها مات أبو حفص عمر بن عبد المجيد بن عمر الميانشى، فى ظهر يوم الخميس تاسع المحرم (٣).
وشيخ الفتيان ببغداد عبد الجبار بن صالح (٤).
***
«سنة أربع وثمانين وخمسمائة»
فيها حج بالناس طاشتكين (٥).
***
«سنة خمس وثمانين وخمسمائة»
فيها حجت زمرد خاتون والدة الناصر لدين الله فى تجمل
стр. 1171
هائل، وسار فى خدمتها صندل الخادم وطاشتكين وطغربل صاحب البصرة، وأسدت إلى الناس معروفا كثيرا، ويقال: إنه لم تحجّ والدة خليفة فى حياته إلا هى، وأرجوان أم المقتدى، وزبيدة أم الأمين (١).
وفيها مات أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن وهبان، المعروف (٢) بابن أفضل الزمان أبى العباس (٢) فى صفر.
وسليمان بن محمد بن يحيى بن عبيد بن حمزة بن بركات الشيبى فى يوم الأحد رابع ربيع الأول (٣).
ومريم بنت القائد على بن سعد الدين القاسمى فى يوم الأربعاء رابع جمادى/الأولى (٤).
***
«سنة ست وثمانين وخمسمائة»
فيها حج بالناس طاشتكين (٥).
стр. 1172
وفيها - وقيل فى التى بعدها - أخذ أمير مكة داود بن عيسى ما فى الكعبة من الأموال، وطوقا كان يمسك الحجر الأسود لتشعثه إذ ضربه ذلك الباطنى بعد الأربعمائة بالدبوس؛ فلما قدم الركب عزل أمير الحاج داود، وولّى أخاه مكثرا، وذهب داود إلى نخلة، وأقام بها إلى أن مات (١).
***
«سنة سبع وثمانين وخمسمائة»
فيها حج بالناس من بغداد طاشتكين بن على على عادته (٢).
***
«سنة ثمان وثمانين وخمسمائة»
فيها كان أمير الحاج فلك الدين إيليا، وحج بالناس من الشام درباس الكردى (٣)، وجهزّ السلطان صلاح الدين السبل للحاج على العادة.
وفيها فى رجب عمر المسجد الذى بقرب المجزرة من أعلاها على يمين الهابط إلى مكة، ويسار الصاعد منها، يقال إن النبى ﷺ المغرب فيه (٤).
стр. 1173
وفيها مات القائد معمر بن جياش بن أبى تامر المبارك القاسمى فى جمادى الأولى (١).
وأخوه يحيى بن جياش فى الاثنين فى [آخر] (٢) جمادى الآخرة.
ونجم الدين أبو عبد الله محمد بن الرضى محمد بن عبد الله بن عثمان العسقلانى المكى، فى يوم الاثنين ثانى ذى القعدة (٣).
***
«سنة تسع وثمانين وخمسمائة»
فيها حج بالناس سنجر مملوك الخليفة، ووقف دهمش للحاج وسلم (٤).
وانفردت إمرة مكة لمكثر بعد موت أخيه داود فى يوم الاثنين رابع عشر شعبان.
وفيها مات أمير مكة داود بن عيسى بن فليتة بنخلة (٥).
وفيها [مات] (٦) صبيح مولى السلطان أبى السّداد يحيى بن
стр. 1174
أبى السّداد [الموفق] الثّغرى الإسلامى، يوم الاثنين ثالث عشر ذى الحجة (١).
***
«سنة تسعين وخمسمائة»
فيها وقعت بمكة أمطار كثيرة وسيول، سال فيها وادى إبراهيم خمس مرات (٢).
وفيها أوقفت الأختان أم عيسى مريم، وأم خليل خديجة، بنتا القائد أبى ثامر مبارك بن عبد الله القاسمى الرّباط المعروف برباط/ابن السوداء (٣)، على الصوفيّات المتديّنات الخاليات عن الأزواج، الشافعيات المذهب.
وفيها - أو بعدها بيسير - مات إمام الحنابلة بالمسجد الحرام أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الحسين بن على بن طلحة البرمكى المكى الهروى (٤).
***
«سنة إحدى وتسعين وخمسمائة»
فيها أوقف العفيف عبد الله بن محمد الأرسوفى الرباط المعروف
стр. 1175
برباط أبى رقيبة؛ لسكناه به، ويقال له رباط العفيف الأرسوفى، عن نفسه وموكله شريك له القاضى الفاضل عبد الرحيم بن على البيسانى، على الفقراء والمساكين العرب والعجم، الرجال دون النساء، القادمين إلى مكة والمجاورين بها، على ألا يزيد الساكن فى السكنى فيه على ثلاث سنين، إلا أن يقطع إقامته (١) وسكناه السفر إلى مسافة تقصر فيها الصلاة.
وفيها حج بالناس سنجر الناصرى (٢).
وفيها مات الشهاب أبو الحسن على بن عبد الله بن عثمان العسقلانى فى يوم السبت سادس عشرى شعبان (٣).
***
«سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة»
فيها - بعد خروج الحاج من مكة - هبت ريح سوداء عمت الدنيا، ووقع على الناس رمل أحمر، ووقع من الركن اليمانى قطعة، وتجرّد البيت الحرام مرارا (٤).
стр. 1176
وفيها حج بالناس ألب قرا مملوك طاشتكين (١).
وحج بالناس من مصر الشريف إسماعيل بن تغلب (٢).
وفيها كان قاضى مكة أبو المعالى الشيبانى (٣).
وفيها مات أحمد بن عشائر بن اللبان البغدادى منحورا بعرفة (٤).
***
«سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة»
فيها فى ثامن صفر حصل بمكة سيل دخل الكعبة الشريفة فبلغ قريبا من الذراع، وأخذ فرضتى (٥) باب إبراهيم وسال بهما، وحمل المنبر ودرج الكعبة (٦). وطاف الناس وهم يعومون.
وفيها حج بالناس شمس الدين أمية (٧).
стр. 1177
وفيها مات حسين بن عمر بن حسين العسقلانى (١) المكى يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من المحرم.
***
«سنة أربع وتسعين وخمسمائة»
فيها كان قاضى مكة أبو المعالى الشيبانى (٢).
وفيها فى العشر الأوسط من ذى الحجة أوقف ربيع بن عبد الله ابن محمود الماروانى/عن السلطان الملك الأفضل على بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب دمشق الرباط الذى بأجياد المعروف برباط ربيع على الفقراء المسلمين الغرباء (٣). ووقف الملك الأفضل كتبا بالرباط المذكور منها المجمل فى اللغة لابن فارس، والاستيعاب لابن عبد البرّ.
وفيها - أو فى التى بعدها - عمّر المظفّر صاحب إربل عين عرفة، والبركة التى بها، وكان نائبه فى ذلك الشيخ أبو العباس الحضرمى بن على الإربلى (٤).
стр. 1178
وفيها حج بالناس إيليا (١).
وفيها مات أبو بكر بن عشائر بن اللبان بن الحرمين يوم الاثنين خامس المحرم وحوّل إلى مكة (٢).
***
«سنة خمس وتسعين وخمسمائة»
فيها حج بالناس مظفّر الدين وجه السبع (٣).
وفيها كان قاضيا على مكة أبو المعالى يحيى بن عبد الرحمن بن على الشيبانى، ولا أدرى هل هذه آخر ولايته لمكة أم لا.
وفيها كان إمام المالكية بالمسجد الحرام أبو على منصور بن حمزة ابن عبيد الله المكناسى (٤).
وفيها مات قاضى مكة وخطيبها عماد الدين أبو جعفر محمد ابن جعفر بن أحمد بن محمد بن عبد العزيز العباسى فى ليلة التاسع من جمادى الآخرة ببغداد (٥).
стр. 1179
وعلى بن يحيى بن عبد العليم الجندى اليمنى (١).
***
«سنة ست وتسعين وخمسمائة»
فيها حج بالناس من العراق سنقر الناصرى ويعرف بوجه السبع، قاله سبط ابن الجوزى فى مرآته، وقال: على بن أنجب الخازن حجّ بالناس الأمير قطب الدين سنجر الناصرى.
وفيها عمّر الناصر العباسى مولد النبى ﷺ (٢).
***
«سنة سبع وتسعين وخمسمائة»
فيها - على ما ذكر الميورقى نقلا عن القاضى فخر الدين بن عثمان بن عبد الواحد العسقلانى، أو فى السنة التى بعدها على ما ذكر الذهبى فى العبر، أو فى السنة التى بعدها على ما ذكر ابن محفوظ - انقرضت دولة الهواشم بنى فليتة، وانتزع مكة من مكثر أبو عزيز قتادة بن إدريس. وسبب انتزاعه ما كان عليه أمراؤها الهواشم من الانهماك/على اللهو، وتبسطهم فى الظلم، وإعراضهم عن صونها ممن يريدها بسوء؛ اغترارا منهم بما هم فيه [من العز] (٣)، والعسف
стр. 1180
لمن عارضهم فى مرادهم، وإن كان ظلما أو غيره؛ فتوحش عليهم لذلك خواطر جماعة من قوادهم. ولما عرف ذلك منهم قتادة استمالهم إليه وسألهم المساعدة على ما يرونه من الاستيلاء على مكة، وجرّأه على المسير إليها - مع ما فى نفسه - أنّ بعض الناس فزع إليه مستغيثا به فى ظلامة ظلمها بمكة، فوعده بالنصر، وتجهّز إلى مكة فى جماعة من قومه، فما شعر به أهل مكة إلا وهو بها معهم - وولاتها على ما هم عليه من الانهماك فى اللهو - فلم يكن لهم بمقاومته طاقة، فملكها دونهم. وقيل - على ما ذكر ابن محفوظ -: إنه لم يأت إليها بنفسه فى ابتداء ملكه لها، وإنما أرسل إليها ابنه حنظلة فملكها، وخرج منها مكثر بن عيسى بن فليتة إلى نخلة (١) فأقام بها إلى أن مات.
وكان قد كتب السلطان صلاح الدين إلى الأمير مكثر كتابا ينهاه فيه عن الجور، ونصّ الكتاب: -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اعلم أيها الأمير الشريف، أنه ما أزال نعمة عن أماكنها، وأبرز الهمم عن مكامنها، وأثار سهم النوائب عن كنائنها كالظّلم الذى لا يعفو الله عن فاعله، والجور الذى لا يفرق فى الإثم بين قائله
стр. 1181
وقابله، فإما رهبت ذلك الحرم الشريف، وأجللت ذلك المقام المنيف، وإلا قوّينا العزائم، وأطلقنا الشكائم، وكان الجواب ما تراه لا ما تقرأه، وغير ذلك؛ فإنا نهضنا إلى ثغر مكة المحروسة فى شهر جمادى الأخرى، طالبين الأولى والأخرى، فى جيش قد ملأ السهل والجبل، (١) وكظم على أنفاس الرياح (١)، فلم يتسلسل بين الأسل، وذلك لكثرة الجيوش وسعادة الجموع، وقد صارت عوامل الرماح تعطى فى بحر الدر - انتهى.
وفيها كان قاضى مكة الجمال أبو محمد عبد الله بن القاضى أبى المعالى يحيى بن عبد الرحمن بن على بن الحسين الشيبانى الطبرى (٢).
وفيها حج بالناس الأمير مجير الدين طاشتكين المستنجدى (٣). /
وفيها مات الشيخ الصالح أبو حفص عمر بن محمد المعيدى فى ثالث رجب (٤).
والشيخ الصالح أبو الخير إقبال بن عبد الله فى رمضان (٥).
***
стр. 1182
«سنة ثمان وتسعين وخمسمائة»
فيها كان قاضيا بمكة الجمال عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن الشيبانى (١).
وفيها حج بالناس طاشتكين، وقال صاحب المرآة: فيها حج بالناس وجه السبع (٢).
وفيها مات القاضى مجد الدين عبد الرحيم بن محسن بن محمد ابن على بن الحسين بن على الشيبانى الطبرى، يوم الخميس سابع عشر جمادى الأولى (٣).
وإمام مقام الخليل محمد بن أبى بكر الطوسى، فى يوم الجمعة ثامن عشر رجب (٤).
***
«سنة تسع وتسعين وخمسمائة»
فيها - من أول رجب إلى رمضان - حلّ الوباء بالطائف حتى ما بقى فيها ساكن (٥)، وكان الطاعون الذى نزل بهم إذا ظهرت
стр. 1183
علامته فى أبدانهم لا يتجاوزون خمسة أيام، ومن جاوز خمسة أيام لم يهلك، وامتلأت مكة بأهل الطائف، وبقيت ديارهم مفتحة وأقمشتهم مطروحة، ودوابهم فى مراعيها. وكان الغريب فى تلك المدة إذا مر بأرضهم فتناول شيئا من أموالهم ودوابهم وطعامهم أصابه الطاعون من ساعته، وإذا مرّ ولم يأخذ شيئا سلم من ذلك؛ فحمى الله أموالهم فى تلك المدة لمن بقى منهم ولمن ورثهم، وتابوا إلى الله وسكنت الفتن التى كانت بينهم فى تلك السنة، وورثوا البنات وكانوا من قبل لا يورثونهن (١)، فلما نجاهم الله من ذلك الطاعون ورفعه عنهم واستمر لهم الأمان عادوا إلى ما كانوا عليه من الإدبار.
وفيها حج بالناس طاشتكين المستنجدى (٢).
وفيها مات - محرما شهيدا - محمد بن صالح بن أبى حرمى فتوح بن بنين المكى العطار، فى يوم الاثنين ثانى عشر جمادى الأولى (٣).
***
«سنة ستمائة»
فيها أوقف الملك العادل ملك الجبال والغور والهند بهاء الدين
стр. 1184
محمد بن أبى على الرباط (١) المعروف بابن غنايم/ [القريب] (٢) من الدريبة، على الصوفية الرجال العرب والعجم، على أن يكون عدد الساكنين فيه عشرة لا غير سواء كانوا مجاورين، أو مجتازين، أو بعضهم مقيم وبعضهم مجتاز، ويعرف هذا الرباط الآن ببيت على ابن يوسف البزاز وهو يسكنه.
وفيها - فى رجب وشعبان - كان طاعون بالطائف (٣) يشابه طاعون مصر إلا يسيرا (٣).
وفيها حج بالناس الأمير مجير الدين طاشتكين المستنجدى (٤).
***
стр. 1185
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدّمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين:
سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد:
فهذا هو الجزء الثالث من كتاب «إتحاف الورى بأخبار أم القرى» للنجم عمر بن فهد الهاشمى القرشى المكى، وهو يعالج أخبار الحقبة التاريخية من سنة إحدى وستمائة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وينتهى بنهاية أخبار سنة ثلاثين وثمانمائة.
وقد أشرنا فى تقديمنا للجزء الثانى من الكتاب أنه قد عدل عن التجزئة التى وردت فى نسخة «ت» إلى تجزئة اقتضتها أصول الطباعة.
واستمر العدول عن التجزئة المذكورة فى هذا الجزء أيضا، لكننا أشرنا إليها فى تعليقاتنا بين سنتى عشرين وثمانمائة، وإحدى وعشرين وثمانمائة.
ويعتبر هذا الجزء تاريخا وافيا لمساحة عريضة من دولة الحسنين بمكة وأعمالها، والتى أسسها الشريف أبو عزيز قتادة بن إدريس الحسنى سنة سبع وتسعين وخمسمائة - فيما ترجح من الأقوال - بعد انتزاعه لمكة من يد الشريف مكثر الهاشمى، آخر أمراء دولة الهواشم بنى فليتة.
стр. 1186
وقد استقصى فيه المؤلف مادونه المؤرخون من أخبار مكة فى تلك الحقبة؛ بحيث أصبح جامعا لكل ما ينشده الراغب فى تاريخ دولة بنى الحسن من الحوادث والأخبار.
ولا شك فى أنه سيسهم فى إثراء المكتبة التاريخية، ويبوئ مؤلفه المنزلة اللائقة به، والتى أهّلته لأن يكون عمدة مؤرخى مكة المكرمة بعد التقى الفاسى.
والله أسأل أن يفيض عليهما من رحماته، وأن يجزيهما عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء؛ إنه سميع مجيب الدعاء رب العالمين.
المحقق
فهيم محمد شلتوت
مكة المكرمة فى يوم الثلاثاء ٢١ من شعبان سنة ١٤٠٤
الموافق ٢٢ من مايو سنة ١٩٨٤ م
اتحاف الورى بأخبار امّ القرى
стр. 1187
«سنة إحدى وستمائة»
فيها زحف أبو عزيز قتادة من مكة، وحاصر صاحب المدينة سالم بن قاسم الحسينى وألحّ فى حصاره، ثم إن سالما قصد الحجرة الشريفة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - فصلّى عندها ودعا، وسار فلقيه، فانهزم قتادة، وجاء المدد لسالم من بنى لأم، فأتبعه سالم وأنشب الحرب بينهما ببدر - وقيل بذى الحليفة - وهلك كثير من الفريقين، وانهزم أبو عزيز، وأسر سالم سليمان بن عبد المحسن التميمى الدارمى وزير قتادة - وكان سليمان أسود اللون، ضخم الجثة، قبيح الصورة - فلما حضر سليمان بين يدى سالم قال سالم لسليمان: من كان مدبّر رأيه من هذه صورته فيجب على خصمه ألا يمسكه عنه متى حصل بيده، فاذهب إلى صاحبك. فقال سليمان لسالم: ضاع الشكر أيها الأمير بحسن البادرة. فقال سالم: وتوريتك أحسن منها. ثم أحسن سالم لسليمان وخلّى سبيله.
فلما عاد سليمان إلى الشريف أبى عزيز سأله: ما كان من فعل سالم معكم؟ فقال له سليمان: يا أمير، الفاطميون يحسنون إلى الناس، ويسئ بعضهم إلى بعض!! فطرب أبو عزيز لذلك لما سمعه، وجعل يعيد ما قاله سليمان، وظهر له أنه وفّق فيه للصواب (١).
واتبع سالم أبا عزيز إلى مكة فحاصره مثل أيّام حصاره بالمدينة،
стр. 1188
فأرسل قتادة إلى من مع سالم من الأمراء فأفسدهم عليه؛ فمالوا إليه وحالفوه. فلما علم سالم ذلك/رحل عنه عائدا إلى المدينة، وعاد أمر قتادة يقوى (١).
وقيل إن أبا عزيز هجم من مكّة على المدينة فخرج له صاحب المدينة سالم بن قاسم الحسينى، فكسره أبو عزيز وحصره أياما، وكان سالم فى أثناء ذلك يحسن سياسة الحرب ويستميل أصحاب أبى عزيز إلى أن خرج عليه وهو مغتر متهاون؛ فكسره سالم وأسر جمعا من أصحابه، وتبعه إلى مكة، فحصره فيها على عدد أيام حصاره بالمدينة، وكتب إليه: يا ابن العم كسرة بكسرة، وأيّام حصار بمثلها، والبادئ أظلم؛ فإن كان أعجبكم عامكم فعودوا ليثرب فى القابل (٢).
وفيها حج بالناس الأمير مظفّر الدين سنقر الناصرى، المعروف بوجه السبع (٣).
***
стр. 1189
«سنة اثنتين وستمائة»
فيها حج بالناس الأمير مظفر الدين سنقر الناصرى ويعرف بوجه السبع (١).
***
«سنة ثلاث وستمائة»
فيها حج برهان الدين صدر جيهان محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن مازة البخارى رئيس الحنفية ببخارى، وهو كان صاحبها على الحقيقة، يؤدى الخراج إلى الخطا (٢) وينوب عنهم فى البلد، فلما حج لم تحمد سيرته فى الطريق، ولم يصنع معروفا، وسمّاه الحاجّ صدر جهنم، وكان قد أكرم ببغداد عند قدومه من بخارى، فلما عاد لم يلتفت إليه لسوء سيرته مع الحجاج (٣).
وفيها فارق أمير الحاج مظفر الدين سنقر - مملوك الخليفة - المعروف بوجه السبع الحاجّ بموضع يقال له المرحوم، ومضى فى طائفة من أصحابه إلى الشام. وسار الحاج ومعهم الجند، فوصلوا سالمين،
стр. 1190
وأميرهم مجاهد الدين ياقوت الرومى، ووصل هو إلى الملك العادل أبى بكر بن أيّوب، فأقطعه أقطاعا كثيرة بمصر، وأقام عنده إلى أن عاد إلى بغداد فى جمادى الأولى سنة ثمان (١) وستمائة؛ فإنه لما قبض الوزير (٢) أمن على نفسه، وأرسل يطلب العود؛ فأجيب/إليه، فلما وصل أكرمه الخليفة وأقطعه الكوفة.
***
«سنة أربع وستمائة»
فيها أوقف القاضى أبو الحسن على بن عبد الوهاب بن محمد ابن أبى الفتوح الإسكندرى الرباط الذى بأسفل مكة على فقراء العرب - بفتح العين والراء - الغرباء المتعبدين ذوى الحاجات المتجّردين، ليس للمتأهّلين فيه حظ ولا نصيب (٣).
وفيها عمر المظفر صاحب إربل البئر المعروفة ببئر ميمون بن الحضرمى، أخى العلاء بن الحضرمى، بأعلى مكة، وهى البئر التى فى السبيل المعروف بسبيل الست - المعروف الآن بسبيل ابن مزنة (٤).
стр. 1191
وفيها حج بالناس ياقوت، وحج معه أبو المظفر يوسف بن قزأغلى سبط ابن الجوزى، وهى أولى حجاته (١).
وحج شيخ حرّان الفقيه فخر الدين أبو عبد الله محمد بن خضر بن محمد بن خضر بن على بن عبد الله بن تيمية الحرانى (٢).
وفيها مات إمام مقام إبراهيم الخليل أبو عبد الله محمد بن علوان ابن هبة [الله] (٣) التكريتى الحوطىّ - بفتح الحاء - فى يوم الأحد ثالث عشر شعبان.
والشيخ الزاهد أبو زيد عبد الرحمن بن أحمد الفاسى الأصفهانى، فى ليلة الثلاثاء رابع عشر شعبان (٤).
***
стр. 1192
«سنة خمس وستمائة»
فيها فى شعبان أنشئت الأعلام الثلاثة التى هى بين منتهى أرض عرفة ووادى عرفة، أمر بإنشائها المظفر كوكبرى بن على بن بكتكين صاحب إربل (١).
وفيها أنشأ المظفر صاحب إربل المذكور بئرين بعرفة - لا ماء فيهما الآن - وأصلح العقبة المعروفة بعقبة المتكأ بطريق التنعيم، وعمّر الموضع الذى يقال له المتكأ (٢).
وفيها عمّر السيد قتادة بن إدريس المشهد الذى به قبر الحسين ابن على بن الحسن الحسنى، صاحب وقعة فخّ ظاهر مكة بطريق العمرة (٣).
وفيها كان قاضيا بمكة عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن بن على ابن الحسين الشيبانى (٤).
وفيها حج بالناس ياقوت (٥).
стр. 1193
وفيها مات القاضى أبو عبد الله/محمد بن عبد العزيز بن الحسين بن الجبّاب فى ليلة سلخ المحرم (١).
ومحمد بن أبى بكر بن إبراهيم الطبرى - محرما - فى ليلة الجمعة خامس عشرى ربيع الآخر (٢).
***
«سنة ست وستمائة»
فيها حج بالناس ياقوت بن النجار حجته الثالثة (٣).
وفيها قتل قتادة إمام الحنفية، وإمام الشافعية بمكة، ونهب الحاج اليمنيين (٤).
***
«سنة سبع وستمائة»
فيها أصلح المظفر صاحب إربل العقبة التى بنى عليها باب الشبيكة واتسعت هذه المحجة (٥).
стр. 1194
وفيها كان مجاورا بمكة ابن النجار (١)، وقرأ على إمام الحنابلة نصر بن محمد الحصرى كثيرا (٢).
وفيها كانت بمنى وقعة بين الحاج العراقى وأهل مكة، قتل فيها عبد للشريف قتادة يسمى بلالا، وهذه السنة عند العرب تعرف بسنة بلال (٣).
وفيها حج بالناس محمد ولد الأمير مجاهد الدين ياقوت، وكان أبوه قد ولاّه الخليفة خوزستان، وجعله هو أمير الحاج، ومعه ابن أبى فراس الحلّى لأنه كان صبيا (٤).
***
«سنة ثمان وستمائة»
فيها حج بالناس من العراق علاء الدين محمد بن ياقوت - وهو صبى - نيابة عن أبيه، ومعه ابن أبى فراس يثقّفه ويدبره، وحج من الشام على حاج دمشق الصمصام إسماعيل أخو سياروج النجمى، وعلى حاج القدس الشجاع على بن سلار، وكانت ربيعة خاتون أخت
стр. 1195
العادل (١) فى الحج، فلما كان يوم النحر - بعد رمي الناس الجمرة - وقع بين الحاج العراقى وبين أهل مكة فتنة عظيمة قتل فيها الحجّاج العراقيون ونهبوا نهبا ذريعا، وكان معظم الفتنة بمنى؛ وسببها أن بعض الإسماعيلية من أهل العراق يسمّى الحشيشى (٢) وثب على رجل شريف من بنى عم قتادة يسمى هارون وكنيته أبو عزيز، وهو يشبه قتادة صاحب مكة، وظنّه إيّاه فقتله عند الجمرة. ويقال إن الذى قتله كان مع أم جلال الدين (٣)، فلما سمع قتادة ذلك قال:
ما كان المقصود إلا أنا/والله لا أبقيت من الحاج العراقى أحدا. واتّهم أمير الركب بذلك؛ فجمع الأشراف والعرب والعبيد وأهل مكة وقصدوا الحاج، وصعدوا على الجبلين بمنى وهلّلوا وكبّروا، وضربوا الناس بالحجارة والنبل والمقاليع والنشاب، فقتل بعض الأعيان وخلق كثير من الفريقين، وقتل الحشيشى القاتل، ونهب من الحاج من كان فى