وفيها حج بالناس ياقوت، وحج معه أبو المظفر يوسف بن قزأغلى سبط ابن الجوزى، وهى أولى حجاته (١).
وحج شيخ حرّان الفقيه فخر الدين أبو عبد الله محمد بن خضر بن محمد بن خضر بن على بن عبد الله بن تيمية الحرانى (٢).
وفيها مات إمام مقام إبراهيم الخليل أبو عبد الله محمد بن علوان ابن هبة [الله] (٣) التكريتى الحوطىّ - بفتح الحاء - فى يوم الأحد ثالث عشر شعبان.
والشيخ الزاهد أبو زيد عبد الرحمن بن أحمد الفاسى الأصفهانى، فى ليلة الثلاثاء رابع عشر شعبان (٤).
***
стр. 1192
«سنة خمس وستمائة»
فيها فى شعبان أنشئت الأعلام الثلاثة التى هى بين منتهى أرض عرفة ووادى عرفة، أمر بإنشائها المظفر كوكبرى بن على بن بكتكين صاحب إربل (١).
وفيها أنشأ المظفر صاحب إربل المذكور بئرين بعرفة - لا ماء فيهما الآن - وأصلح العقبة المعروفة بعقبة المتكأ بطريق التنعيم، وعمّر الموضع الذى يقال له المتكأ (٢).
وفيها عمّر السيد قتادة بن إدريس المشهد الذى به قبر الحسين ابن على بن الحسن الحسنى، صاحب وقعة فخّ ظاهر مكة بطريق العمرة (٣).
وفيها كان قاضيا بمكة عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن بن على ابن الحسين الشيبانى (٤).
وفيها حج بالناس ياقوت (٥).
стр. 1193
وفيها مات القاضى أبو عبد الله/محمد بن عبد العزيز بن الحسين بن الجبّاب فى ليلة سلخ المحرم (١).
ومحمد بن أبى بكر بن إبراهيم الطبرى - محرما - فى ليلة الجمعة خامس عشرى ربيع الآخر (٢).
***
«سنة ست وستمائة»
فيها حج بالناس ياقوت بن النجار حجته الثالثة (٣).
وفيها قتل قتادة إمام الحنفية، وإمام الشافعية بمكة، ونهب الحاج اليمنيين (٤).
***
«سنة سبع وستمائة»
فيها أصلح المظفر صاحب إربل العقبة التى بنى عليها باب الشبيكة واتسعت هذه المحجة (٥).
стр. 1194
وفيها كان مجاورا بمكة ابن النجار (١)، وقرأ على إمام الحنابلة نصر بن محمد الحصرى كثيرا (٢).
وفيها كانت بمنى وقعة بين الحاج العراقى وأهل مكة، قتل فيها عبد للشريف قتادة يسمى بلالا، وهذه السنة عند العرب تعرف بسنة بلال (٣).
وفيها حج بالناس محمد ولد الأمير مجاهد الدين ياقوت، وكان أبوه قد ولاّه الخليفة خوزستان، وجعله هو أمير الحاج، ومعه ابن أبى فراس الحلّى لأنه كان صبيا (٤).
***
«سنة ثمان وستمائة»
فيها حج بالناس من العراق علاء الدين محمد بن ياقوت - وهو صبى - نيابة عن أبيه، ومعه ابن أبى فراس يثقّفه ويدبره، وحج من الشام على حاج دمشق الصمصام إسماعيل أخو سياروج النجمى، وعلى حاج القدس الشجاع على بن سلار، وكانت ربيعة خاتون أخت
стр. 1195
العادل (١) فى الحج، فلما كان يوم النحر - بعد رمي الناس الجمرة - وقع بين الحاج العراقى وبين أهل مكة فتنة عظيمة قتل فيها الحجّاج العراقيون ونهبوا نهبا ذريعا، وكان معظم الفتنة بمنى؛ وسببها أن بعض الإسماعيلية من أهل العراق يسمّى الحشيشى (٢) وثب على رجل شريف من بنى عم قتادة يسمى هارون وكنيته أبو عزيز، وهو يشبه قتادة صاحب مكة، وظنّه إيّاه فقتله عند الجمرة. ويقال إن الذى قتله كان مع أم جلال الدين (٣)، فلما سمع قتادة ذلك قال:
ما كان المقصود إلا أنا/والله لا أبقيت من الحاج العراقى أحدا. واتّهم أمير الركب بذلك؛ فجمع الأشراف والعرب والعبيد وأهل مكة وقصدوا الحاج، وصعدوا على الجبلين بمنى وهلّلوا وكبّروا، وضربوا الناس بالحجارة والنبل والمقاليع والنشاب، فقتل بعض الأعيان وخلق كثير من الفريقين، وقتل الحشيشى القاتل، ونهب من الحاج من كان فى
стр. 1196
الطواف يوم العيد والليلة واليوم الثانى، وقتل من كان من الحاج بمكة وفعل فيهم مثل ما فعل بمنى، وبات الحاج بأسوأ حال؛ من شدة الخوف من القتل والنهب، فقال ابن أبى فراس لمحمد بن ياقوت:
ارحلوا بنا إلى منزلة الحاج الشامى. فأمر الناس بالرحيل؛ فرفعوا أثقالهم على الجمال واشتغلوا بذلك، فطمع العدوّ فيهم وتمكن من النهب كيفما أراد، وكانت الجمال تؤخذ بأحمالها؛ ونهب الحاج عن آخره، ولم يسلم منه إلا القليل، والتحق من سلم بحجاج الشام، وجاء محمد بن ياقوت أمير الحاج العراقى فدخل خيمة ربيعة خاتون مستجيرا بها، ومعه خاتون أم جلال الدين، ثم رحلوا إلى الزهراء ومنعوا من دخول مكة.
فبعثت ربيعة خاتون مع ابن السلار إلى قتادة تقول له: ما ذنب الناس؟! قد قتلت القاتل وجعلت ذلك وسيلة إلى نهب المسلمين، واستحللت الدماء والأموال فى الشهر الحرام والبلد الحرام، وقد عرفت من نحن، والله لئن لم تنته لأفعلن ولأفعلن. فجاء إليه ابن السّلاّر فخوفه وهدّده، وقال: ارجع عن هذا وإلا قصدك الخليفة من العراق، ونحن من الشام. فكفّ عنهم وطلب مائة ألف دينار، فجمعوا له ثلاثين ألفا من أمير الحاج العراقى، ومن خاتون أم جلال الدين، وأقام الناس ثلاثة أيام حول خيمة ربيعة خاتون بين قتيل وجريح ومسلوب وجائع وعريان (١).
стр. 1197
وقال قتادة: ما فعل هذا إلا الخليفة، ولئن (١) عاد/أحد (١) من بغداد إلى هنا لأقتلن الجميع. ويقال إنه أخذ من المال والمتاع وغيره ما قيمته ألف ألف دينار. وأذن للناس فى الدخول إلى مكة؛ فدخل الأصحاء الأقوياء فطافوا - وأى طواف!! - وتمموا حجهم، ومعظم الناس ما دخل.
ورحلوا إلى المدينة، ودخل الحاجّ بغداد على غاية الفقر والذل والهوان، ولم ينتطح فيها عنزان (٢).
وفيها أمر القاضى العباس بعمارة مولد على بن أبى طالب ﵁ (٣).
وفيها مات المحدث أبو محمد يونس بن يحيى بن الحسن بن أبى البركات بن أحمد الهاشمى البغدادى. فى يوم الخميس ثامن صفر، وقيل حادى عشر شعبان (٤).
стр. 1198
وأبو العباس خضر بن على بن محمد الإربلى الصوفى، فى يوم الاثنين ثانى عشر جمادى الأولى (١).
***
«سنة تسع وستمائة»
فيها حج بالناس حسام الدين بن أبى فراس نيابة عن محمد بن ياقوت.
وفيها وصل من الخليفة الناصر إلى أبى عزيز قتادة مع الركب العراقى مال وخلع وكسوة البيت على العادة، ولم يظهر الخليفة إنكارا على ما تقدم من نهب الحاج، وجعل أمير الركب حسام الدين يستدرجه ويخدعه بأنه لم يصحّ عند الديوان العزيز إلا أن الشرفاء وأتباعهم نهبوا أطراف الحاج، ولولا تلافيك أمرهم لكان اصطلام، وقال يقول لك مولانا الوزير: (٢) وليس كمال الخدمة الإمامية إلا بتقبيل العتبة (٢) ولا عز الدنيا والآخرة إلا بنيل هذه الرتبة. فقال: أنظر فى ذلك، ثم تسمع الجواب.
واجتمع ببنى عمه الأشراف وعرّفهم أن ذلك استدراج لهم وله؛ حتى يتمكن من الجميع. وقال: يا بنى الزهراء، عزكم إلى آخر
стр. 1199
الدهر مجاورة هذه البنية، والاجتماع فى بطاحها، واعتمدوا بعد اليوم أن تعاملوا هؤلاء القوم بالشر، (١) يوهنوكم من طريق الدنيا (١) والآخرة، ولا يرغّبوكم بالأموال والعدد والعدد؛ فإن الله قد عصمكم وعصم أرضكم بانقطاعها/وأنّها لا تبلغ إلا بشقّ الأنفس، ثم غدا أبو عزيز على أمير الركب وقال: اسمع الجواب. ثم أنشد ما نظمه فى ذلك، قصيدة أولها: -
بلادى وإن هانت علىّ عزيزة … ولو أننى أعرى بها وأجوع
ولى كفّ ضرغام أصول ببطشها … وأشرى بها بين الورى وأبيع
تظلّ ملوك الأرض تلثم ظهرها … وفى بطنها للمجدبين ربيع
أأجعلها تحت الرّحى ثم أبتغى … خلاصا لها إنى إذا لرقيع
وما أنا إلا المسك فى كلّ بلدة … أضوع وأما عندكم فأضيع
فقال له أمير الركب: يا شريف، أنت ابن بنت رسول الله ﷺ ، والخليفة ابن عمك، وأنا مملوك تركى لا أعلم من الأمور التى فى الكتب ما علمت، ولكنى قد رأيت أن هذا من شرف العرب الذين يسكنون البوادى، ونزعات قطّاع الطريق ومخيفى السبيل؛ حاش لله أن أحمل هذه الأبيات عنك إلى الديوان العزيز، فأكون قد جنيت على بيت الله وبنى بنت نبيّه ﷺ ما ألعن عليه فى الدنيا والآخرة،
стр. 1200
وأحرق بسببه فى الآخرة، والله لو بلغ هذا حيث أشرت لترك كلّ وجه وجعل جميع الوجوه إليك حتى يفرغ منك، ما لهذا ضرورة؛ إنه قد خطر لك أنهم استدرجوك لأن تسير إليهم، وتمكن من نفسك، فقل جميلا وإن كان فعلك ما علمت. فأصغى إليه أبو عزيز، وعلم أنه رجل عاقل ناصح ساع بخير لمرسله وللمسلمين، فقال له: كثّر الله فى المسلمين مثلك، فما الرأى عندك؟ قال: أن ترسل من أولادك من لا تهتم به إن جرى عليه ما تتوقعه - ومعاذ الله أن يجرى إلا ما تحبه - وترسل معه جماعة من ذوى الأسنان والهيئات من الشرفاء، فيدخلون مدينة السلام، وفى أيديهم أكفانهم منشورة، وسيوفهم مسلولة، ويقبّلون العتبة، ويتوسلون برسول الله ﷺ ، ويصفح أمير المؤمنين؛ وسترى/ما يكون من الخير لك وللناس، والله لئن لم تفعل هذا لتركبن الإثم العظيم، ويكون ما لا يخفى عنك. فشكره ووجّه صحبته ولده، وأشياخ الشرفاء، ودخلوا بغداد على تلك الهيئة التى رسم، وهم يضجون ويبكون ويتضرّعون، والناس يبكون لبكائهم، واجتمع الخلق كأنه المحشر، ومالوا إلى باب النوبى من أبواب مدينة الخليفة؛ فقبّلوا هنالك العتب، وبلغ الخبر الناصر؛ فعفا عنهم وعن مرسلهم، وأنزلوا فى الديار الواسعة، وأكرموا الكرامة التى ظهرت واشتهرت، وعادوا إلى أبى عزيز بما أحبّ. وكان بعد ذلك يقول: لعن الله أول رأى عند الغضب، ولا عدمنا عاقلا ناصحا يثنينا عنه. هذا كلام أبى سعيد المغربى (١).
стр. 1201
ويقال إن قتادة أرسل إلى الخليفة ولده راجح بن قتادة فى طلب العفو بأثر الفتنة. هكذا ذكر ابن الأثير (١) وابن محفوظ.
وقيل إن الخليفة كتب إلى قتادة يستدعيه، ويقول له: أنت ابن العم والصاحب، وقد بلغنى شهامتك وحفظك للحجاج، وغير ذلك، وشرف نفسك وعزّتك وعفّتك ونزاهتك؛ وقد أحببت أن أراك وأشاهدك وأحسن إليك. فكتب إليه الأبيات الأربعة (٢).
وفيها مات إسماعيل بن إبراهيم العسقلانى ليلة الأحد سابع جمادى الأولى (٣).
وإمام مقام إبراهيم أبو شجاع زاهر بن رستم بن أبى الرجاء الأصبهانى البغدادى، فى يوم الأربعاء تاسع القعدة (٤).
وفيها - وقيل فى سنة سبع عشرة، وقيل سنة تسع عشرة - مات التقى محمد بن إسماعيل بن على بن أبى الصيف اليمنى فى ذى الحجة (٥).
***
стр. 1202
«سنة عشر وستمائة»
فيها حج بالناس أبو فراس بن جعفر بن أبى فراس الحلّى نيابة عن أمير الحاج ابن/ياقوت، ومنع ابن ياقوت من الحج لصغره، ولما جرى على الحجاج فى ولايته (١).
وفيها جاء أبو الحسن على بن مظفر بن على الشهير بابن الحبير (٢) الهيتى لمشيخة الحرم، ولم يزل متوليها إلى أن مات فى سنة خمس وعشرين.
وفيها ماتت تاج بنت رستم بن أبى الرجاء بن محمد الأصبهانية المعروفة ببنت تاج (٣).
***
«سنة إحدى عشرة وستمائة»
فيها فى ثالث ذى القعدة قدم مكة الملك المسعود صلاح الدين
стр. 1203
يوسف بن الملك الكامل، وصحبته ألف فارس، ومن الجندارية (١) والرّماة خمسمائة، متوجها إلى اليمن، فخطب له، فلما خطب له نثر على الناس ألف دينار، وحمل إلى أمير مكة ألف دينار، وقماشا بألف دينار، ونوى الحج فخشى تفرّق الأجناد إذا جاء الموسم؛ فرحل من مكة إلى اليمن فى العشر الثانى من ذى القعدة، كذا ذكر بيبرس الدوادار. وذكر ابن خلكان والنويرى أنه توجه بعد الحج (٢).
وفيها حج المعظم عيسى بن العادل أبى بكر بن أيوب صاحب دمشق، ووصل إلى مكة يوم الثلاثاء سادس الحجة، والتقاه أبو عزيز قتادة أمير مكة، وحضر فى خدمته، فقال له المعظم: أين ننزل؟ فأشار بسوطه إلى الأبطح وقال: هناك. فنزل المعظم وبعث إليه قتادة بهدايا يسيرة. وتصدّق فى الحرمين صدقة جيّدة، وحج معه الشريف سالم بن قاسم بن مهنا الحسنى أمير المدينة، وهمّ به قتادة أن يلزمه فلم يتمكن من ذلك، وتوجّه الأمير سالم مع المعظم إلى الشام (٣).
стр. 1204
وفيها حج بالناس أبو الفوارس ابن أخى ورام (١) نائبا عن محمد ابن ياقوت، وعادوا سالمين شاكرين لصنيعهم، وكان فيهم الشيخ شهاب الدين عمر السّهروردىّ.
وفيها مات الشيخ الصالح الزاهد إمام مقام إبراهيم نجيب الدين أبو الفضل عباس بن الحسين بن العباس العباسى الطبرى، فى ليلة/الثلاثاء عشرى ذى الحجة (٢).
***
«سنة اثنتى عشرة وستمائة»
فيها فى تاسع صفر حاصر الشريف قتادة أمير مكة المدينة النبوية أياما (٣)، وقطع تمرها جميعه وكثيرا من نخلها، فقاتله من فيها، وقتل جماعة من أصحابه، ورحل عنها خاسرا. وكان أمير المدينة عند العادل بالشام، فبعث معه جيشا، واستخدم جماعة من التركمان، وسار من الشام فى ثالث شعبان إلى المدينة المنورة، فتوفى بالطريق، وقام ولد أخيه قاسم بن جمّاز بعده. واجتمع أهله على طاعته، فمضى بمن كان معه لقصد قتادة صاحب مكة، وجمع
стр. 1205
الشريف قتادة عسكرا كثيرا، والتقى عسكر قتادة وعسكر الشام الذى وصل به الأمير قاسم بوادى الصفراء فى القعدة، فكانت الغلبة لعسكر المدينة؛ فاستولوا على عسكر قتادة قتلا ونهبا، ومضى قتادة منهزما إلى ينبع؛ فتبعوه وحصروه بقلعته. وغنم صاحب المدينة شيئا كثيرا وحصل لحميد بن راجب من الغنيمة ما يزيد على مائة فرس، وهو واحد من جماعة كثيرة من العرب الطائيين (١) وعاد الأجناد الذين كانوا مضوا مع الأمير سالم من الشام - من التركمان وغيرهم - صحبة الناهض بن الجرخى خادم المعتمد (٢)، وفى صحبتهم كثير مما غنموه من [أعمال] (٣) قتادة ومن وقعة وادى الصفراء من نساء وصبيان، وظهر فيهم أشراف حسنيون وحسينيون فاستعيدوا منهم، وسلموا إلى المعروفين (٤) من أشراف دمشق ليكفلوهم، ويشاركوهم فى قسمهم من وقفهم.
وفيها حج بالناس أبو فراس بن أبى فراس نائبا على جارى العادة (٥) ***
стр. 1206
«سنة ثلاث عشرة وستمائة»
فيها - فى جمادى الأولى - صعد الشريف قتادة صاحب مكة للطائف لحرب ثقيف، /فظهر قتادة على ثقيف؛ فقتل جماعة من مشايخ ثقيف بدار بنى (١) يسار من قرى الطائف، ونهب الجيش البلاد، ففقد كتاب النبّى ﷺ (٢) لأهل الطائف، وكان عند شيخهم حمدان الثقفى العوفى. وفرّ من ثقيف طائفة، وتحصنوا فى حصونهم، فأرسل إليهم قتادة يستدعيهم للحضور إليه ويؤمنهم، وتوعّدهم بالقتل إن لم يحضروا، فتشاورت ثقيف فى ذلك، ومال أكثرهم إلى الحضور عنده خيفة أن يهلكهم إذا ظهر عليهم، فحضروا عند قتادة فقتلهم، واستخلف على بلادهم نوابا من قبله وعضّدهم بعبيد له؛ فلم يبق لأهل الطائف معهم كلمة ولا حرمة، فعمل أهل الطائف حيلة فى قتل جماعة قتادة؛ وهى أنهم يدفنون سيوفهم فى مجالسهم التى جرت عادتهم بالجلوس فيها مع أصحاب قتادة، ويستدعون أصحاب قتادة للحضور إليهم، فإذا حضروا إليهم وثب كل واحد من أهل الطائف بسيفه المدفون على جليسه فقتله به.
فلما فعلوا ذلك استدعوا أصحاب قتادة إلى الموضع الذى دفنوا فيه سيوفهم وأوهموهم أن استدعاءهم لهم بسبب كتاب ورد عليهم من
стр. 1207
قتادة، فحضر إليهم أصحاب قتادة بغير سلاح لعدم مبالاتهم بأهل الطائف؛ لما أوقعوه فى قلوبهم من الرعب منهم. فلما اجتمع الفريقان واطمأنت بهم المجالس وثب كل واحد من أهل الطائف على جليسه ففتك به، ولم يسلم من أصحاب قتادة إلا واحد - على ما قيل - هرب ووصل إلى قتادة - وقد تخبّل عقله لشدة ما رآه من الذبح فى أصحابه - وأخبر قتادة بالخبر فلم يصدقه، وظن أنه قد جنّ لما رأى فيه من الخبل (١).
وفيها حج بالناس حسام الدين أبو فراس/بن جعفر بن أبى فراس نيابة عن محمد بن ياقوت خادم أمير المؤمنين (٢).
وفيها - فى يوم النحر - كانت وقعة الحميمة (٣)، وكانت الكسرة على قاسم (٤).
وفيها ماتت - ليلا (٥) بنت قاضى القضاة مجير الدين الطبرى يوم الاثنين تاسع عشرى جمادى الأولى.
стр. 1208
وأبو الفضل عبد المجيد بن عبد الدايم بن عمر بن حسين الكنانى العسقلانى، ليلة حادى عشر شعبان (١).
وأبو بكر بن إبراهيم بن محمد الإربلى، يوم السبت تاسع الحجة يوم عرفة بالموقف (٢).
وأبو بكر بن محمد بن إبراهيم الطبرى بعرفات، يعرف بالأول لكن (٣) انقلب اسم أبى الأول (٣).
***
«سنة أربع عشرة وستمائة»
فيها بيع الحب بمكة - مدة شهرين - ربع مدّ بدينار ذهب (٤) وتعرف هذه السنة بسنة أم لحيم.
وفيها حج بالناس حسام الدين أبو فراس نيابة (٥).
стр. 1209
وفيها ولى إمامة المالكية أبو البركات عمر بن محمد بن عمر بن الحسن التوزرى القسطلانى بعد امتناعه منها وإكراهه عليها (١).
وفيها مات القاضى محيى الدين أبو جعفر أحمد بن أبى بكر بن محمد بن إبراهيم الطبرى المكى. يوم الثلاثاء رابع ربيع الآخر (٢).
والشيخ الزاهد أبو زيد عبد الرحمن بن أحمد الفاسى الصنهاجى فى ليلة الثلاثاء رابع عشر شعبان (٣).
***
«سنة خمس عشرة وستمائة»
فيها جدّد الشيخ الزاهد أحمد بن محمد بن إبراهيم باحوال الأصبهانى رباط الحافظ أبى عبد الله محمد بن مندة الأصبهانى، ويعرف الآن برباط بدر الدين الطاهر (٤).
وفيها حج بالناس الأمير الدويدار نور الدين آقباش الناصرى (٥).
وفيها ماتت أم محمود هندة بنت على بن يحيى بن تميم العراقى بالحرم الشريف، فى ليلة السبت ثالث ربيع الأول (٦).
стр. 1210
وأبو الفتوح محمد بن محمد بن محمد بن عمرك بن أبى سعيد القرشى البكرى النيسابورى، ليلة الحادى عشر من جمادى الأولى (١).
وهنية بنت سليمان/البانسى ليلة الجمعة، لعشرين ليلة خلت من جمادى الآخرة (٢).
***
«سنة ست عشرة وستمائة»
فيها عمّر العلمان اللذان هما حدّ الحرم من جهة عرفة من قبل المظفر صاحب إربل (٣).
وفيها حج بالناس آقباش الناصرى (٤).
«سنة سبع عشرة وستمائة»
فيها جمع قتادة جموعا كثيرة وسار عن مكة يريد المدينة، فنزل بوادى الفرع (٥) وهو مريض، وسير أخاه على الجيش ومعه ابنه الحسن بن قتادة.
стр. 1211
فلما أبعدوا بلغ الحسن أن عمّه قال لبعض الجند: إنّ أخى مريض وهو ميّت لا محالة، وطلب منهم أن يحلفوا ليكون هو الأمير بعد أخيه قتادة، فحضر الحسن عند عمّه واجتمع إليه كثير من الأشراف والمماليك الذين لأبيه، فقال الحسن لعمه، قد فعلت كذا وكذا. فقال: لم أفعل. فأمر الحسن الحاضرين بقتله، فلم يفعلوا وقالوا: أنت أمير وهذا أمير، ولا نمد أيدينا إلى أحدكما. وقال له غلامان لقتادة: نحن عبيدك فمرنا بما تشاء. فأمرهما أن يجعلا عمامة عمه فى حلقه، ففعلا، ثم قتله. فسمع قتادة الخبر فبلغ منه الغيظ كل مبلغ، وحلف ليقتلن ابنه - وكان على ما ذكر من المرض - فكتب بعض أصحابه إلى الحسن يعرّفه الحال، ويقول له: ابدأ به قبل أن يقتلك.
فعاد الحسن إلى مكة فى [زىّ] (١) أحد المجاورين، فلما وصلها قصد دار أبيه فى نفر يسير، فرأى على باب الدار جمعا كثيرا، فأمرهم بالانصراف إلى منازلهم؛ ففارقوا الدار وعادوا إلى مساكنهم، ودخل الحسن على أبيه، فلما رآه [أبوه] (٢) شتمه، وبالغ فى ذمّه وتهديده، فوثب إليه الحسن فخنقه لوقته.
وقيل إن الحسن واطأ جارية كانت تخدم أباه؛ فأدخلته ليلا عليه، واستعان بها وبغلام له فى إمساك يديه، ثم قتلهما بعد ذلك لئلا يخرج الخبر من قبلهما، وزعم للناس أنهما قتلا أباه (٣). وخرج
стр. 1212
الحسن إلى الحرم الشريف، وأحضر الأشراف، وقال [إن] (١) أبى اشتد مرضه/وقد أمركم على أن تحلفوا [لى] (١) على أن أكون أنا أميركم، فحلفوا له، ثم إنه أحضر تابوتا ودفنه ليظن الناس أنه قد مات - وكان دفنه - وولى الإمارة بالغلبة (٢).
فلما استقرت الإمارة بمكة له أرسل إلى أخيه الذى بقلعة ينبع على لسان أبيه يستدعيه، وكتم موت أبيه عنه، فلما حضر أخوه قتله. واستقر أمره وثبت قدمه (٣).
وكان له أخ اسمه راجح، باين أخاه حسنا (٤) لما ملك مكة، وأقام فى العرب (٤) بظاهر مكة يفسد وينازع أخاه فى ملك مكة، فلما قدم الحاج العراقى وصل مع أمير الحاج تقليد وخلعة لحسن بن قتادة بإمارة مكة عوض أبيه قتادة، فلما كان فى أيّام الموسم تعرّض راجح لقطع الطريق عن مكة وعرفة، فمسكه أمير الحاج العراقى آقباش الناصرى العباسى، وأقام معه تحت الحوطة؛ فأرسل إليه حسن صاحب
стр. 1213
مكة يقول: سلمه لى، وأسلّم إليك مالا جزيلا. فاتفقا على ذلك، ثم إن راجحا قال لأمير الحاج: أجمع لك أكثر مما دفع إليك وسلّم لى مكة. فأجابه إلى ذلك، وعزم آقباش على دخول مكة وتسليمها لراجح؛ فمنعهم حسن من دخول مكة، وأغلق أبوابها، فنزلوا الزاهر، فتقدم آقباش إلى مكة مقاتلا لصاحبها حسن - وكان حسن قد جمع جموعا كثيرة من العرب وغيرها - فخرج إليه حسن من مكة وقاتلهم، وتقدم أمير الحاج آقباش عن عسكره منفردا، وصعد جبل الحبشى؛ إدلالا بنفسه بأنه لا يقدم عليه أحد، فأحاط به العرب أصحاب حسن فقتلوه فى يوم الأربعاء خامس عشر ذى الحجة، وحملوا رأسه إلى حسن، فنصبوه على رمح بالمسعى عند دار العباس، ثم دفن بقية جسده بالمعلى، وانهزم عسكر أمير الحاج بعد قتله، وأحاط أصحاب حسن بالحاج لينهبوهم، فأرسل إليهم حسن عمامته أمانا للحاج، فعاد أصحابه عنهم ولم ينهبوا منهم شيئا (١).
وسكن الناس، وأذن لهم حسن فى دخول مكة، وفعلوا ما يريدون من المناسك والبيع والشراء، وغير ذلك، بعد أن أراد نهبهم فمنعه/أمير الحاج الشامى المبارز المعتمد والى دمشق، وخوّفه من الأخوين الكامل صاحب مصر، والمعظم صاحب دمشق، فأجابه وكفّ عن ذلك (٢).
стр. 1214
وهرب راجح إلى جهة اليمن، ثم توجّه إلى مسعود ملك اليمن (١).
وأقام الحاج بمكة عشرة أيام، وعادوا مع الركب الشامى؛ فوصلوا العراق سالمين، وعظم الأمر على الخليفة، وحزن على آقباش حزنا عظيما، ولم يخرج فى الموكب للقاء الحاج على العادة. ووصلت رسل حسن بن قتادة يعتذر، ويطلب العفو منه، فأجيب إلى ذلك (٢).
ويقال إن راجح بن قتادة قصد أمير حاج العراق آقباشا بعرفات وقال له: أنا أكبر ولد قتادة. وبذل له وللخليفة مالا ليساعده على ولاية مكة؛ فلم يجبه. وجاء معه، فظنّ حسن أن آقباشا قد وافقه عليه وولاّه؛ فأغلق أبواب مكة. فركب آقباش ليسكّن الفتنة ويصلح بين الأخوين، وقال: ما قصدى قتال. فلم يلتفتوا له، فثار العبيد الأشرار فحملوا عليهم فقاتلوه؛ فانهزم أصحابه عنه، وبقى وحده وعقرت فرسه، فسقط، فذبحوه وعلّقوا رأسه (٣).
ويقال إن الشريف حسن بن قتادة كان مهتما لهذه الفتنة؛ لأنه كان فى حاج الشام هذه السنة فخر الدين منصور بن عساكر، فجاء
стр. 1215
إليه الشريف حسن بن قتادة - وهو نازل داخل مكة - فقال له: قد أخبرت أنك خير أهل الشام، فأريد أن تصير معى إلى دارى؛ فلعل ببركتك تزول هذه الشدة عنا. فصار معه إلى داره مع جماعة من الدمشقيين، فأكلوا شيئا فما استتم خروجهم من عنده حتى قتل آقباش (١) وزال بذلك الاستيحاش (١).
وفيها قال أبو شامة فى ذيل الروضتين: لم يحج أحد من العجم بسبب التتار (٢).
وفيها مات جماعة من الحجاج بالمسعى من الزحام (٣).
وفيها ولّى الخليفة الناصر لدين الله أبو العباس أحمد العباسى إمرة الحرمين وإمرة الحاج آقباشا/فحج بالناس، وقتل بعد انقضاء أيام منى كما تقدم (٤).
فيها أوقف الأمير زين الدين قرامرز (٥) محمود بن قرامرز (٥) [الأفزرى] (٦) الفارسى الرّباط المعروف بالخوزى، وسبب شهرة
стр. 1216
هذا الرباط برباط الخوزى لسكنى أبى جعفر عمر بن مكى بن على الخوزى به، وجميع الدار المعروفة بدار المؤذنين بسوق الليل على الصوفية الغرباء المجردين.
***
«سنة ثمانى عشرة وستمائة»
فيها حج بالناس من العراق حسام الدين أبو فراس بن جعفر ابن أبى فراس، ولم يحج فيها أحد من بلاد الأعاجم ولا من همذان ولا أصفهان؛ لخوف الطرق من انتشار التتار الكفرة فى البلاد وما يليها (١).
وفيها حج بالناس من الشام كريم الدين الخلاطى، وحضر الملك المسعود صاحب اليمن بمكة، ومنع أعلام الخليفة من الطلوع إلى جبل عرفات، ومنع حاج العراق من دخول مكة يوما واحدا، ثم بعد ذلك لبس خلعة الخليفة [واتفق] (٢) الأمر، وفتح باب مكة، وحج الناس، وطابت قلوبهم، قاله ابن الأثير (٣). وسيأتى فى السنة بعدها.
وفيها مات قتادة بن إدريس العلوى أمير مكة، فى جمادى الآخرة على ما ذكر ابن الأثير فى الكامل (٤)، وذكر أبو شامة (٥)
стр. 1217
والذهبى (١). وابن كثير (٢) أنه مات فى السنة قبل هذه على ما تقدم، وولى بعده ابنه الحسن.
وأبو محمد حمزة بن محمد بن عبد الحكيم اليمنى، فى يوم السبت سادس عشر الحجة (٣).
وأبو بكر عتيق بن بدر بن هلال العمرى - نسبة إلى عمل العمر وبيعها - الزنجانى الأصل (٤).
وفيها - فى ذى القعدة؛ كما ذكره ابن نقطة (٥)، وقيل فى محرم التى بعدها؛ كما ذكره المقدسى، وجزم به [ابن] (٦) النجار فى تاريخه، والذهبى فى تاريخ الإسلام (٧). ويقال فى ربيع الآخر من السنة التى بعدها؛ كما ذكره المنذرى فى التكملة (٨)، وجزم به ابن
стр. 1218
مسدى - مات إمام الحنابلة بالمسجد الحرام أبو الفتوح نصر بن محمد بن على الحصرى (١) بالمهجم من بلاد اليمن (٢).
***
«سنة تسع عشرة وستمائة»
فيها - وقيل فى التى بعدها (٣) - سار صاحب اليمن المسعود يوسف بن الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيوب إلى مكة وصاحبها حينئذ حسن بن قتادة، وكان حسن قد أساء السيرة إلى الأشراف والمماليك الذين كانوا لأبيه، وقد تفرقوا عنه ولم يبق له غير أخواله من عنزة، فوصل المسعود ومعه راجح بن قتادة إلى مكة رابع ربيع الآخر - وقيل فى ربيع الأول - فلقيه حسن بن قتادة، وقاتله بالمسعى بين الصفا والمروة ببطن مكة، فلم يثبت حسن وولى منهزما؛ ففارق مكة فيمن معه، وملكها المسعود ونهبها عسكره إلى العصر، حتى أخذوا الثياب عن الناس. ثم صاحت صوائح المسعود بالأمان، وحرّم النهب وسفك الدماء، وأمر المسعود أن ينبش قبر قتادة ويحرق،
стр. 1219
فنبشوه فظهر التابوت الذى دفنه ابنه الحسن، والناس ينظرون إليه فلم يروا به شيئا، فعلموا حينئذ أن الحسن قتل أباه، ودفن التابوت فى قبره ليخفى أمره. وردّ المسعود على أهل الحجاز جميع أموالهم ونخلهم جميعا، وما كان أخذ من الوادى جميعه، ومن مكة من الدور (١).
وبدا منه تجبّر وقلّة دين؛ من ذلك أنه صعد قبة زمزم ورمى حمام مكة بالبندق، ومن ذلك ضرب غلمانه الناس بالمسعى بالسيوف فى أرجلهم وهم يسعون، ويقولون: اسعوا قليلا قليلا فإن السلطان نائم سكران فى دار السلطنة بالمسعى، والدم يجرى من سيقان الناس (٢).
ومن ذلك منعه دخول الحاج العراقى مكة يوما واحدا، وكان أميرهم ابن أبى فراس وهو مستقل. ثم بعد ذلك لبس خلعة الخليفة، واتفق الأمر، وفتح باب مكة، وحج الناس وطابت قلوبهم، ونصب راية صفراء، وأطلع علمه وعلم أبيه، ومنع إطلاع علم الخليفة الناصر لدين الله العباسى إلى جبل عرفة، ويقال إنه/أذن فى إطلاعه قبل الغروب لمّا ليم فى ذلك وخوّف (٢). وهمّ العراقى بقتاله فعجز عن ذلك لكثرة عسكره، وقدّم أعلام أبيه على أعلام الخليفة، وخرج بعد الحج من مكة متوجّها إلى اليمن، واستناب على مكة الأمير نور الدين عمر بن على بن رسول، ورتب معه ثلاثمائة فارس، وولّى المسعود
стр. 1220
راجحا حلي والسّرّين ونصف المخلاف (١). ثم إن حسن بن قتادة راح إلى ينبع وأخذ جيشا كثيرا، وجاء إلى مكة فخرج إليه نور الدين وكسره على الخربة. فقصد الشام؛ فلم يلتفت إليه فتوجّه إلى العراق، وذاق عاقبة قطيعة الرحم وعجّلت مقابلته؛ فقد باع دينه بدنياه، وزال عنه ما قتل أباه وعمه وأخاه لأجله، و ﴿خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ (٢) ولا جرم لم يمهله الله، ونزع ملكه وجعله طريدا شريدا خائفا (٣).
وعوتب الملك الكامل على منع ولده لطلوع علم الخليفة، فكتب أبوه يعاتبه على ذلك، وعلى ما أراق من دم الشرفاء، وكتب له: برئت يا أقسيز من ظهر العادل إن لم أقطع يمينك؛ فقد نبذت وراء ظهرك دنياك ودينك، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم. فغرم ديات الشرفاء، وأصابه شلل فى يده.
وفيها ولد الملك المظفر يوسف بن عمر بن على بن رسول (٤)، وذلك فى أيام ولاية أبيه لها نيابة عن الملك المسعود.
وفيها عمر المسعود مسجد الهليلجة بالتنعيم، وهو المسجد الذى اعتمرت منه أم المؤمنين عائشة عام حجها مع النبى ﷺ (٥).
стр. 1221
وفيها - فى جمادى الآخرة - عمّر نور الدين عمر بن على بن رسول المنقع (١) المعروف ببازان بأمر السلطان صلاح الدين يوسف ابن أبى بكر بن أيوب.
وفيها مات بالمسعى جماعة من الزحام؛ لكثرة الخلق الذين حجوا فى هذه السنة من العراق/والشام (٢).
***
«سنة عشرين وستمائة»
فيها - فى العشر الأوسط من شوال - أوقف أبو العباس أحمد ابن إبراهيم بن عبد الملك بن (٣) مطرف القنجيرى (٣) لجميع الرباط الشارع على المروة (٤) على جميع الفقراء من أهل الخير والفضل والدين - العرب والعجم - المتأهلين وغير المتأهلين، على ما يليق بكل واحد منهم فى المنازل فى هذا الرباط، وأوقف عليه الحمّام الذى بأجياد.
وفيها - فى منتصف القعدة - جاء سيل قارب دخول الكعبة ولم يدخلها (٥).
стр. 1222
وفيها حج بالناس ابن [أبى] (١) فراس، وحج الملك الجواد والملك الفائز من ديار مصر، وتأدبا مع أمير الحاج العراقى، وقدما علم الخليفة على علم الملك الكامل فى طلوع الجبل (٢).
وفيها عمّر الخليفة المستنصر العباسى (٣) مسجد البيعة بقرب منى على يسار الذاهب إليها.
وفيها مات القاضى عماد الدين أبو عمرو عثمان بن محمد بن أبى على بن عمر الكردى الحميدى (٤).
والشريف أبو الحديد على بن محمد بن محمد بن حديد الحسينى الحضرمى (٥).
***
стр. 1223
«سنة إحدى وعشرين وستمائة»
فيها حج بالناس ابن أبى فراس (١).
وفيها أخذ غز مصر ينبع من الأشراف، وكان الغز اشتروا القلعة من الأشراف بأربعة آلاف مثقال، وامتنع الأشراف عن تسليمها؛ فأخذوها قهرا، وأقاموا لهم فيها نائبا، ولم تزل تحت أيديهم إلى سنة ثلاثين وستمائة (٢).
***
«سنة اثنتين وعشرين وستمائة»
فيها جاء قاسم الحسينى إلى مكة بعسكر كثير، وحاصرها شهر زمان، وكان نواب الكامل فيها، وقتل (٣) قاسم الحسينى ولم يتمكن من أخذها.
وفيها هرب أمير الحاج العراقى حسام الدين أبو فراس الحلى وهو ابن أخى الشيخ ورّام، وكان عمه من الصالحين الأخيار من أهل
стр. 1224
الحلة السيفية (١)، فارق الحاج من مكة والمدينة، وسار إلى مصر، وحمله على ذلك الضائقة، وكثرة الخرج فى الطريق، وعدم الدخل.
ولما فارق الحاج خافوا خوفا شديدا فأمّن الله تعالى خوفهم/، ولم يذعرهم ذاعر فى جميع الطريق، ودخلوا آمنين، إلا أن كثيرا من الجمال هلكت وفنيت منهم، ولم يسلم منها (٢) إلا قليل.
وفيها مات أبو الحسن على بن نصر بن المبارك بن محمد الواسطى الأصل ثم البغدادى، المكى المولد والدار، الشهير بابن البناء، فى صفر - أو ربيع الأول - بمكة (٣).
وأبو الحسن على بن صهيب بن جابر بن عبد الرحمن الأسدى، يوم الجمعة ثالث عشر شعبان (٤).
***
стр. 1225
«سنة ثلاث وعشرين وستمائة»
فيها فى المحرم عمرّت الدار التى يقال لها دار سيدنا أبى بكر الصديق ﵁، أمر بعمارتها الأمير نور الدين عمر بن على بن رسول (١).
وفيها فى صفر عمّر بعض المجاورين مولد جعفر الصادق ﵁ (٢).
وفيها بيع الحب بمكة كل مدّ بجاير.
وفيها توجه المسعود من مكة، عن طريق عيذاب إلى مصر زائرا والده، فامتدحه البهاء زهير كاتب أخيه الصالح بقصيدة مطلعها:
لكم أينما كنتم مكان وإمكان … وملك له تعنوا الملوك وسلطان
ومنها:
ضربتم من العزّ [المنيع] (٣) سرادقا … وأنتم له بين السّماكين سكان
قدمت قدوم الليث والليث باسل … وجئت مجئ الغيث والغيث هتّان
وما برحت مصر إليك مشوقة … ومثلك من يشتاق لقياه بلدان (٤)
فحسبك قد وافاك يا مصر يوسف … وحسبك قد وافاك يا نيل طوفان
стр. 1226
ثم عاد المسعود إلى مكة (١).
وفيها وصل حسن بن قتادة إلى بغداد، فهمّ أهل بغداد بقتله قودا بآقباش الناصرى الذى قتله أصحاب حسن بمكة فى سنة سبع عشرة، فعاجلت المنية حسن بن قتادة قبل قتلهم له فى الجانب الغربى على دكة. فلما علم به غسل وجهّز وصلى عليه وحمل إلى مشهد (٢) موسى الكاظم (٢) فدفن هناك.
وفيها مات محمد بن محمد بن على الوخشى، المعروف بكش (٣) إسفهسلار (٤) [وخش] (٥) فى العشر الأول [من ربيع الأول] (٥).
ويحيى/بن موسى بن محمد الحجبى فى ثانى عشر جمادى الأولى (٦).
***
стр. 1227
«سنة أربع وعشرين وستمائة»
فيها حج بالناس شمس الدين قيزان (١) مملوك الخليفة، وحج من ميافارقين (٢) سلطانها الشهابى غازى بن العادل أبى بكر بن أيوب، وكان ثقله على ستمائة جمل، وبعث له الخليفة فرسين وبغلة وألفى دينار، وقال: هذه من ملكى أنفقها (٣) فى طريق الحج، وأوصى أمير الحاج بخدمته.
و [فيها مات] (٤) إمام الحرمين أبو طالب عبد المحسن بن [أبى] (٥) العميد بن خالد بن الشهيد الأبهرى الخفيفى، فى سابع صفر، وقيل فى ثامنه.
***
стр. 1228
«سنة خمس وعشرين وستمائة»
فيها - فى جمادى الثانية - كان أمير مكة حسام الدين ياقوت ابن عبد الله المسعودى (١).
وفيها - فى شهر ربيع الأول - أوقف الأمير الإسفهسلار فخر الدين أياز بن عبد الله البانياسى رباطه المعروف قرب الصفا، على يسار الذاهب إلى الصفا من المسجد الحرام، على الفقراء المعروفين بالدين والخير والصلاح (٢).
وفيها عمّر الخليفة المستنصر العباسى العين المعروفة بعين بازان (٣)، ومولد سيدنا على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه (٤).
وفيها لم يحج أحد من الشام (٥)، بل قال صاحب المرآة: فيها حج بالناس من الشام على بن السلار (٦).
стр. 1229
وفيها مات الإمام العابد شرف الدين عدىّ بن أبى البركات بن صخر الشامى يوم الثلاثاء سابع الحجة (١).
***
«سنة ست وعشرين وستمائة»
فيها قدم الملك المسعود من اليمن - بعد أن ظلم التجار - لما سمع بموت عمه المعظم صاحب دمشق طمعا فيها، ولم يصل إلى مكة إلا وقد فلج ويبست يداه ورجلاه، ورأى فى نفسه العبر، فلما احتضر بعث إلى رجل مغربى وقال: والله ما أرضى لنفسى من جميع ما معى كفنا أكفن فيه، فتصدّق علىّ بكفن. فبعث إليه شقتين بغدادى ومائتى درهم، واشتد مرضه بمكة، فمات بها فى يوم الاثنين الرابع والعشرين من جمادى الأولى، وأوصى ألا تهلب (٢) عليه الخيل، ولا تقلب عليه السروج، وأن يقبر بين الغرباء فى/مقبرة أهل مكة.
ودفن بالمعلاة، وبنى عليه بعد ذلك قبة هى مشهورة إلى الآن. وقد بنى القبة التى على مقام إبراهيم، والدراهم المسعودية المتعامل بها بمكة منسوبة إليه - فيما أظن - وولى بعده ولده الكامل (٣).
стр. 1230
وفيها حاصر الشريف قاسم أمير مكة، ولم يدخلها، وقتل ابن عمه هاشم الحسينى (١).
وفيها سال وادى وجّ أربعين مرة، فوقع فى الناس الوباء والحمّى والموت، ورخص الشعير حتى لم يقم الحمل بكرائه إلى مكة، وحزن الناس لرخص الشعير، وكثر من ثقيف الطّغيان والأشر.
وفيها عمّر الأمير جوبان بن تداون نائب السلطنة بالعراقين عين بازان (٢)، وحصل لأهل مكة بها نفع عظيم؛ لشدة احتياجهم إلى ذلك بسبب قلة الماء.
وفيها حج بالناس من العراق الأمير شمس الدين أصلان تكين الناصرى نيابة لا استقلالا.
وفيها لم يحج أحد من الشام (٣).