← История

История · id 1670

إتحاف الورى بأخبار أم القرى

النجم ابن فهد المكي

Полный текст (2 503 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وفيها مات يوسف بن الحسن بن على قاضى سنجار، فى آخر شوال (١). وأبو الحسن على بن يعلى بن على بن عبيد بن حمزة (٢) التميمى البغدادى العراقى [المعروف] بالسختيلى. *** «سنة ثلاث وخمسين وستمائة» فيها جمع الشريفان أبو نمىّ وإدريس/جمعا عظيما وقصدوا مكة ومعهم جماز بن شيحة صاحب المدينة، فحاصروا الأمير مبارز الدين بن برطاس حصارا شديدا، ودخلوا عليه مكة من رءوس الجبال فى يوم السبت لأربع ليال بقين من المحرم، وتقاتلوا فى وسط مكة، وكسر ابن برطاس، وقتل جماعة من أصحابه وأسروه، ففدى نفسه. وسفكت الدماء بالحجر من المسجد الحرام، وامتلأ الناس رعبا، ولم يصلّ بالحرم والمقام إمام ممن حضر إلا الشيخ أبو مروان معلّم قرن ميقات نجد، وعاد ابن برطاس هو والجند الذين كانوا معه إلى اليمن (٣).

стр. 1262

وفيها تنافر أمير الركب العراقى وأمير مكة، وركب أمير الركب العراقى للقتال، ثم سكنت الفتنة، بسعي الناصر داود بن المعظم عيسى بن العادل صاحب الكرك، وأحضر أمير مكة لأمير الحاج - وفى عنقه عمامته - فرضى عليه أمير الحاج وزاده فى الموسم الذى جرت (١) العادة به، وشكر الناس للناصر صاحب الكرك صنعه هذا (٢). وفيها حج نجم الدين أبو الثناء مظفّر بن محمود بن أحمد بن عساكر الدمشقى، فأدركه الأجل بعرفات فى يومها، ودفن بها قريبا من الصخرات (٣). *** «سنة أربع وخمسين وستمائة» فيها توجه إدريس بن قتادة إلى أخيه راجح بالسّرّين، فتغلب أبو نمى على مكة، ثم جاء إدريس مع أخيه راجح إلى مكة وأصلح بين إدريس وأبى نمى، واشتركا فى الإمرة كما كانا (٤).

стр. 1263

وفيها حج الركب العراقى ووقع المطر بعرفة (١). وفيها مات أبو بكر عبد الله بن خليل بن إبراهيم بن يحيى العثمانى (٢). وراجح بن قتادة بن إدريس بن مطاعن (٣). *** «سنة خمس وخمسين وستمائة» فيها لم يحج من الآفاق ركب سوى حجّاج الحجاز، ولم ترفع راية الملك من الملوك وقت الوقوف بعرفة (٤). وفيها مات القاضى أبو العلاء ماجد بن سليمان بن عمر القرشى الفهرى فى جمادى الثانية (٥). وأشبة بنت عبد الغفار بن عبد الكريم النهاوندى فى يوم الجمعة رابع عشر القعدة (٦).

стр. 1264

والجلال/أبو عبد الله محمد بن عبد السلام بن أبى المعالى الكازرونى، فى ليلة الثامن والعشرين من ذى القعدة (١). *** «سنة ست وخمسين وستمائة» فيها جاء أولاد حسن بن قتادة إلى مكة ولزموا إدريس بن قتادة وأخذوا مكة (٢)، وأقاموا بها ستة أيام، ثم جاء أبو نمى وأخرجهم منها من غير قتال بينهم (٣). وفيها حج القاضى بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكنانى مع والده من طريق البحر لعدم تيسر الحج فى البر، وحضر وفاة الشيخ أبى الحسن الشاذلى بحميترا من صحراء (٤) عيذاب، وصلى عليه البدر بن جماعة (٥).

стр. 1265

وفيها مات قاضى مكة كمال الدين أبو المحامد عبد الكريم بن يحيى بن عبد الرحمن بن على بن الحسين بن على الشيبانى الطبرى فى شهر ربيع الأول (١). وأم محمد آمنة بنت عنان بن حسن بن عنان العذرية (٢)، والدة القطب القسطلانى فى يوم الخميس النصف من صفر. *** «سنة سبع وخمسين وستمائة» فيها تولى الملك المظفر يوسف بن المنصور عمر أمر الحرم الشريف وعمارته، وإقامة مناره، وخدمته وجوامك خدمه (٣). وفيها لم يحج الركب العراقى (٤). وفيها مات أبو محمد صالح بن محمود بن محمد بن إبراهيم الأصبهانى الكرومى فى العشر الأوسط من المحرم (٥).

стр. 1266

ومحمود بن تلميس بن أفنان الأقسانى (١) يوم الجمعة سادس عشرى صفر. والشيخ عبد الله الكراكى فى ثالث عشر رمضان (٢). *** «سنة ثمان وخمسين وستمائة» و «سنة تسع وخمسين وستمائة» فيها حج الملك المظفر يوسف بن المنصور صاحب اليمن، وكان له فى طريقه من الصدقات - فى البر والبحر - ما لا يعلمه إلا الله، وكان يسير فى البر والمراكب تسير فى البحر مسايرة له بالعلوفات والأطعمة، فلما قارب مكة خرج عنها الشريفان إدريس بن قتادة، وأبو نمى بن أبى سعد خوفا منه، ثم دخل مكة فى عساكره وجنوده داعيا ملبيا، خاشعا متضرعا، عارى الرأس/والجنب (٣) حتى قضى حقّ الطواف، ثم تقدمت العساكر والجيوش فحطّت (٤) فى

стр. 1267

الحجون، ولم يزل بمكة إلى أن قضى ما يجب عليه من الوقوف بعرفة، فوقف عند الصخرات، وطلعت أعلامه مضمومة مع أعلام صاحب مصر، فقال له الأمير عز الدين بن الإمام: هلاّ أطلعت أعلامك يا مولانا قبل أعلام المصريين؟ فقال: أترانى أؤخر أعلام ملك (١) كسر عساكر التتر بالأمس وأقدّم أعلامى لأجل حضورى ومغيبه؟! لا أفعل هذا أبدا. ثم مضى فى حجه حتى أتمه، ثم قصد البيت الشريف، وحلّ له ما حرم عليه، ولم يزل مدة إقامته بمكة يصلى المغرب على قبة زمزم، ثم يطوف واردا وصادرا، وتخالف هو والوزير القاضى البهاء فى مقام إبراهيم وخدمة البيت الشريف، وأخذ المكسحة فكسحه، وتأبط القربة وغسله وغسله، ثم ضمخه بالغوالى الفاخرة، فقال فيه الشاعر عند ذلك: مقام يحق لذى الكبريا … ء به أن يذلّ له بالخضوع رأينا به الملك رب الفخار … أبا عمر [ذا] (٢) النوال الهموع خشوعا مروعا لتقوى الإله … وما كان [من] (٢) قبله بالمروع

стр. 1268

وكسا الكعبة الشريفة من داخلها، ولم يكسها ملك قبله بعد الخلفاء العباسيين ببغداد، واستمر يكسوها عدة سنين مع ملوك مصر، وإنما تجعل كسوته على الكعبة بعد سفر الحاج المصرى من مكة؛ مراعاة لصاحب مصر، وانفرد بكسوتها بعض السنين. وأقام مع ذلك بمصالح الحرم وأهله، ثم أقام فى مكة عشرة أيام يفرّق الصدقات حتى ملأت صدقاته كل منزل بمكة، وعمّت جميع الحاج على اختلاف أنواعهم، وجهز حاج مصر بالأنعام والمراكب والأزواد. وكسا رؤساء الحرم الشريف، ونثر على البيت الذهب والفضة. ولما عزم على الرحيل تقدمت أثقاله إلى البئر المعروفة بالبيضاء، ثم ودّع البيت/باكيا مستعيرا عائدا على بلاده. وفى غالب مدة سلطنته كان يخطب له على منبر مكة، وخطب له فيها، ومن بعده لجماعة من ولده ملوك اليمن، بعد الخطبة لصاحب مصر، وعمل للكعبة بابا، وأقام بها حتى أبدل فى آخر سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة (١) بالباب الذى بعث به الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر، وأخذ بنو شيبة حليته، وكانت ستين رطلا فضة، والقفل الذى على باب الكعبة الآن منسوب إليه (٢). وفيها قرر المستنصر بالله أبو القاسم أحمد بن الظاهر محمد بن

стр. 1269

الناصر العباسى الخليفة بمصر (١) للوجيه عبد الرحمن بن عبد المعطى بن مكى بن طراد الأنصارى الخزرجى (٢) وابن أخيه الشرف عبد المعطى بن أحمد بن عبد المعطى (٣) النظر فى مصالح المسجد الحرام، وأمر الأوقاف والربط بمكة، وإظهار شعار خلافته بمكة، وغيرها. ونص التوقيع: وبعد فإنه لما رد [الله] (٤) إلينا أمور المسلمين، وأقامنا أئمة للخلق أجمعين، وجعلنا خلفاء بلاده، ونوابه فى عباده، ألهمنا الله العدل المزلف لديه، ووفقنا للعمل المقرب إليه؛ بفضله وكرمه، ولما وصل الشيخان الأجلان الأمينان الصدران الكبيران العدلان المرتضيان، وليّا دولتنا، ومجيبا بيعتنا؛ وجيه الدين عبد الرحمن بن عبد المعطى، وابن أخيه شرف الدين عبد المعطى بن أحمد بن عبد المعطى الأنصاريان (٥) إلينا، وحضرا إلينا، أرانا الله الصواب أن يقلّد أمر الحرم الشريف بمكة - شرفها الله تعالى - إليهما، ويعتمد عليهما فى الاهتمام بمصالحه، والقيام بعمارته، وكذلك أمر الرّبط والمدارس

стр. 1270

والأوقاف بمكة - شرفها الله تعالى - وحضورهما للخطبة لنا، والسكة باسمنا، والسبيل والمحمل، وصعود الأعلام العباسية المنصورة (١) إلى جبل عرفات قبل أعلام زعماء البلاد من جميع الجهات، وأذنّا لهما أن يستنيبا من شاءا، وأن يكاتبا زعماء الحجاز واليمن وسائر/البلاد بالطاعة لله ورسوله ولأمير المؤمنين - أعز الله أنصاره - بإجابة بيعته وطاعته وعونه وأخذ البيعة له، وعلى من يليه من الرعايا، وإقامة الخطبة، وضرب السكة باسمه - والحمد لله وحده. وفيها - فى منتصف شعبان - جاء سيل هائل دخل الكعبة شرفها الله (٢). وكانت الوقفة فى هذه السنة يوم الجمعة (٣). وفيها مات الصاحب الوزير تقى الدين حسين بن على القاشانى فى ربيع الأول (٤). ***

стр. 1271

«سنة ستين وستمائة» فيها لم ترفع راية لملك من الملوك وقت الوقوف بعرفة (١). وفيها مات التاج أبو الحسن عبد الوهاب بن الحسن بن محمد ابن الحسن بن عساكر الدمشقى، فى يوم الاثنين حادى عشرى جمادى الأولى (٢). وأبو عبد الله محمد بن على بن الحسين بن عبد الملك بن أبى النضر الطبرى المكى [المعروف بابن] النجار، فى يوم الثلاثاء ثانى رجب (٣). وأبو محمد القاسم بن على بن أحمد بن عبد المعطى الأنصارى الأندلسى فى ذى الحجة (٤). *** «سنة إحدى وستين وستمائة» فيها كسا الملك الظاهر بيبرس الصالحى (٥) الكعبة الشريفة وهو أول من كساها من ملوك الترك بمصر (٦).

стр. 1272

وفيها حج القاضى بدر الدين بن جماعة مع والده من طريق البحر (١). وفيها توفى إمام مقام إبراهيم الخليل بالمسجد الحرام، وخطيب المسجد الحرام أبو الربيع سليمان بن خليل بن إبراهيم العسقلانى، فى ليلة الأربعاء رابع عشر (٢) أو خامس عشر (٢) المحرم، وولى بعده الإمامة والخطابة الجمال محمد بن يوسف بن مسد (٣). وفيها مات إسماعيل بن عبد الله بن الحاج أحمد فى صفر (٤). *** «سنة اثنتين وستين وسبعمائة» فيها - وقيل فى سنة أربع وستين - مات أبو عبد الله محمد بن أبى البركات بن أبى الخير بن حمد الهمدانى (٥). ***

стр. 1273

«سنة ثلاث وستين وستمائة» فيها مات أمير الحاج المصرى إلى الحرمين علم الدين قيصر، عتيق شمس الدين/إلدقز (١) أستاذ دار (٢) الملك العادل، فى يوم الثلاثاء خامس عشر ربيع الثانى. والحافظ محمد بن يوسف بن موسى بن مسدى يوم السبت عاشر شوال (٣). والضياء أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن عمر القسطلانى يوم الاثنين ثامن عشرى شوال (٤). وشيخ الصوفية بحلب مخلص الدين راجح بن أبى بكر العبدرى الميورقى فى شوال (٥). وأحمد بن حسين بن حسن بن سند الجزرى (٦). ***

стр. 1274

«سنة أربع وستين وستمائة» فيها - فى آخر رمضان - بلغ السعر بمكة [الشعير] (١) ربع مدّ وثلثه بدينار. وفيها كان أمير الحاج المصرى جمال الدين نائب دار العدل (٢). وفيها مات شيخ الحرمين عفيف الدين منصور بن محمد بن منعة الزعفرانى فى خامس عشرى القعدة (٣). *** «سنة خمس وستين وستمائة» فيها بلغ السعر بمكة ربع وشطر بدينار، ولم يقع بالطائف مطر إلا بعد ستة أشهر - نصف عام - وانقطعت عين وجّ عن أرضه، وغارت مياه الآبار غاية الغور. وفيها حج الأمير الحلى من قبل الظاهر [بيبرس] وتصدق على أهل مكة (٤).

стр. 1275

وفيها مات أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عليات بن فضالة العثمانى فى ليلة الخميس ثامن عشر صفر (١). والشريفة حسنة ابنة محمد الحسنى والدة الرضى الطبرى فى أحد الربيعين (٢). والقاضى جمال الدين يعقوب بن أبى بكر بن محمد بن إبراهيم الطبرى فى سلخ شعبان (٣). وواعظ مكة نور الدين مسعود بن أحمد العجمى (٤). ومفتى الحرمين سبأ بن شعيب اليمنى بالمهجم من اليمن (٥). *** «سنة ست وستين وستمائة» فيها أرسل المظفر للبيت المعظم كسوة وللحجرة الشريفة النبوية (٦).

стр. 1276

وفيها وجّه المظفر يوسف بن عمر، على بن التعزى بنحو مائة ألف لعمارة الحرم، وحلية باب الكعبة بالذهب والفضة، فأخذ منها الشرفاء - فى جمادى الآخرة - نحو خمسة وثلاثين ألفا، فحلى الباب بصفائح فضة زنتها ستون رطلا (١). وفيها عمر المظفر مولد الرسول ﷺ (٢). وفيها توجه الحاج العراقيون من بغداد إلى مكة، وهى أوّل سنة حجوا فيها بعد غلبة التتار على بغداد فى سنة خمس وخمسين (٣). وفيها مات عبد الرحمن بن موسى بن إبراهيم الدستارى فى رابع جمادى الأولى (٤). والشيخ ذو الكرامات خلوف بن على المغربى (٥). ***

стр. 1277

«سنة سبع وستين وستمائة» فيها وقع بين أبى نمىّ وعمه إدريس خلف، فأخرج أبو نمى عمه إدريس من مكة؛ وانفرد بالإمرة، وخطب لصاحب مصر الظاهر بيبرس البندقدارى الصالحى، وكتب إليه أبو نمىّ يذكر: أنه لما شاهد من عمه إدريس ميلا إلى صاحب اليمن وتحاملا على دولته أخرجه من مكة، وانفرد بالإمرة، وخطب له، وسأل مرسومه إلى أمراء المدينة ألا ينجدوا عمه عليه. فاشترط عليه صاحب مصر تسبيل بيت الله للعاكف والباد، وألا يؤخذ عنه حقّ ولا يمنع زائر فى ليل أو نهار، وألاّ يتعرض إلى تاجر ولا حاج بظلم، وأن تكون الخطبة والسكة له، ولأبى نمى على ذلك عشرون ألف درهم [نقرة] (١) فى كل سنة. فلما ورد جواب أبى نمى إلى صاحب مصر بالتزام ذلك كتب له تقليدا بالإمرة بمفرده، وبعد أن خرج إدريس بن قتادة من مكة جمع جندا ورجع إلى مكة، ثم اصطلح مع أبى نمى، واتفقا على طاعة صاحب مصر، وكتب إليه إدريس يعرفه بذلك، فسلمت الأوقاف لنوابها (٢). وفيها التحم الشنآن بين علماء مكة وعبد الحق بن سبعين، وبغّضه أصحابه إلى الفضلاء؛ لتغاليهم فيه مع حمقهم فى أنفسهم وأنه ليس بقرشى (٣).

стр. 1278

وفيها حج السلطان الملك الظاهر بيبرس صاحب مصر، وصحبه جماعة من الأمراء، منهم الأمير بدر الدين [بيليك] (١) الخازندار (٢)، وقاضى القضاة صدر الدين سليمان بن عبد الحق الحنفى، وفخر الدين [إبراهيم] (٣) بن لقمان، وتاج الدين/بن الأثير ونحو ثلاثمائة مملوك، وأجناد من الحلقة (٤)، ولم يصحب غلمانا ولا عكامين (٥) إلا الأمراء والخاصة الذين معه، وقال: الصغير يخدم الكبير، وكل من يعرف صنعة يفعلها فى سفرنا هذا. وسار وكان توجّهه إلى مكة بعد مضى خمسة وعشرين يوما أو نحوها من ذى القعدة بحيث لم يبق بينه وبين يوم عرفة إلا خمسة عشر يوما، وكان قدّم فى

стр. 1279

المنازل إقامة وكلف المئونة وإبلا وخيلا يركبون عليها، فإذا وصل المنزلة الأخرى تركوا ذلك وركبوا الموجود لهم فى المنزلة التى وصلوا إليها، وكان سفرهم على حكم البريد، كلما وصل إلى بريد ركب الخيل التى فيه، ونزل عن التى ركبها إلى ذلك المكان، وتبقى الخيل والجمال مبرّكة (١) تنعلف كل شئ فى منزله ومكانه إلى أن يأتوا إلى ذلك المكان بعد الفراغ من الحج ورجوعهم إليه من مكة والمدينة. والسلطان طول طريقه يستفتى قاضى القضاة صدر الدين ويتبعه فى أمر دينه، فسار إلى مكة فى سبع عشرة مرحلة، فلما وصلوا إلى مكة ركب السلطان هو وجميع الأمراء كلهم الخيل البلق، وكان وصولهم إلى مكة فى ثامن ذى الحجة، وقد طلع الناس كلهم إلى عرفة، ولم يبق إلا أمير مكة وبعض غلمانه، فاستنكر ذلك وقال: ما يأتى فى هذا الوقت إلا من يريد أن يدرك الحج قبل أن يفوته، وفى هذا اليوم، ما جرت العادة أن يقدم فيه أحد إلى مكة إلا غريب ما له عادة بالحج. فسألهم: هل أنتم من العراق أو من العجم أو من الترك؟ فقال السلطان: قولوا له: الذى قلت له لا يجيئنى إلا على البلق؛ فقد جئناه على البلق، ونحن محرمون كلنا، هذا صاحب مصر، ومعه الأمراء الذين فى مصر والشام. قال له: هذا الأمير فلان - وذكر له كل أمير باسمه - فإن شئت أن تقتل الكل فاقتلهم. وكان صاحب مكة قد كتب إلى الظاهر يهدّده، ويتكلم بما لا يخاطب به أحد/من الملوك، ويقول

стр. 1280

له: لا تجئنى إلا على البلق، وأنه ما يبالى به. فاستغفر وقال: العفو يا مولانا. ثم ركب وسعى معهم، وأشهد على نفسه أنه قد ترك جميع ما كان يأخذه من جميع الحاج القادمين فى البر من طريق الركب المصرى والشامى وأعمالهما؛ إكراما للسلطان، وأنه ترك ذلك الجباء إلى يوم القيامة؛ فلا يأخذ أحد من المتولّين مكة من أحد من سائر الحجاج المصريين والشاميين شيئا، لا من تجّارهم ولا من أغنيائهم ولا من فقرائهم. واستقرا الحال على ذلك إلى هذا الزمان، وما بعده - إن شاء الله - وكان يأخذ الجباء والمكس من التاجر من كل ما يكون معه، ومن الحاج الذى ليس يتّجر، كان يأخذ منه جباء على كل جمل؛ يوقف الركب عند قبر أبى لهب، وما يتعدى منه جمل إلا بعد أن يأخذ منه الجباء (١) الذى كان مقررا عليه فى ذلك الزمان الماضى قبل حج الملك الظاهر. وصار الحاج طلقا؛ ليس أحد يطالب أحدا بشئ من سائر الأشياء لا التاجر ولا الفقير ولا المشاة كلهم. واستقام أمر الناس فى السفر من طريق مصر إلى مكة بغير جباء، وبطل ما كان يأخذه صاحب مكة من حاج مصر والشام وجميع الركوب التى تصل إلى مكة المشرفة [من] (٢) الديار المصرية والشامية، واستقر بطلان المكس والجباء عن الحاج إلى آخر الزمان - إن شاء الله - وكان الحاج المصرى والشامى قد انقطع عن مكة فلم يحج من شدة الظلم والخوف الذى يجده الناس من متولى مكة فى تلك السنين الماضية.

стр. 1281

وتصدّق السلطان بمال عظيم فى الحرم الشريف على الفقراء والمجاورين، وفرق كساوى على أهل الحرم، وأعطى خواصه جملة من المال ليفرقوها سرّا، وصار كواحد من الناس لا يحجبه أحد، ولا يحرسه إلا الله، وهو منفرد يصلى ويطوف ويسعى، وغسل الكعبة الشريفة، وسار فى وسط الخلائق، وكل من رمى إليه إحرامه غسله وناوله إيّاه، وجلس على باب البيت، وأخذ بأيدى الناس ليطلعهم/إلى البيت، فتعلق بعض العامة بإحرامه ليطلع فقطعه، وكاد يرمى السلطان إلى الأرض، وهو مستبشر بجميع ذلك. وعلّق كسوة الكعبة بيده وخواصه، وتردد إلى من بالحرمين من الصالحين، وسبّل الكعبة الشريفة فى كل سنة، وأحسن كثيرا إلى أمراء الحجاز إلا صاحب المدينة جماز بن شيحة وابن أخيه مالك بن صيف؛ لفرارهما منه. وزاد أميرى مكة مالا وغلالا فى كل سنة بسبب تسبيل الكعبة الشريفة للناس. ولم يغفل - مع ذلك - عن تدبير الممالك، وكتّاب الإنشاء تكتب عنه فى المهمات. وكتب كتابا إلى صاحب اليمن ينكر عليه أمورا، ويقول فيه: سطرته (١) من مكة المشرفة وقد أخذت طريقها فى سبع عشرة خطوة - يعنى بالخطوة المنزلة - ويقول: الملك هو الذى يجاهد فى الله حق جهاده، ويبذل نفسه فى الذّبّ عن حوزة الدين؛ فإن كنت ملكا فاخرج والتق التتار. وأحسن إلى أميرى مكة وإلى أمير ينبع وأمير خليص؛ وأكابر الحجاز، وكتب منشورين لأميرى

стр. 1282

مكة إدريس وأبى نمى، وسألاه فى أن يؤمر عليهما أميرا من جهته نائبا بمكة تقوى به نفسهما ويرجع أمرهما إليه، ويكون الحلّ والعقد على يده؛ فولّى الأمير شمس الدين مروان نائب الأمير عز الدين أمير جندار (١). وطلب الظاهر عبد الحق بن سبعين غاية الطلب فاختفى، وقضى السلطان مناسك الحج، وسار عن مكة فى ثالث عشر الحجة (٢). وقال ابن محفوظ: لم يحج فيها أحد من مصر لا فى البر ولا فى البحر. ولعله غير ذلك (٣). وكانت الوقفة يوم الجمعة (٤). وفيها مات طاووس الحرمين التقى أبو العباس أحمد بن عبد الواحد ابن مرى بن عبد الواحد الحورانى فى سابع عشرى رجب بالمدينة المنورة (٥). ***

стр. 1283

«سنة ثمان وستين وستمائة» فيها - فى رمضان - أخرج الشريف أبو نمى وعمه إدريس الأمير (١) مروان نائب [الأمير عز الدين أمير] جندار (١) بأمر الظاهر بيبرس، وجاء أمير يقال له التنيسى وكسا الكعبة من قبل الظاهر، وحج بالناس (٢). وفيها غارت مياه الآبار بوجّ إلى حد أنه لم يتحدث أحد من مشايخنا أنه رأى ذلك. *** «سنة تسع وستين وستمائة» فيها - فى ربيع الأول - قتل ولد لأبى نمى، ووقع بين أبى نمى وعمه إدريس خلف؛ فاستظهر إدريس على أبى نمى، وخرج أبو نمىّ هاربا من بين يدى عمه، وتوجه إلى ينبع واستنجد بصاحبها، وجمع جندا وقصد مكة - بعد أربعين يوما من قتل ولده - فالتقى هو وعمه إدريس بخليص وتحاربا، فطعن أبو نمى إدريس ألقاه عن جواده ونزل إليه وجزّ رأسه، واستبد بالإمرة؛ وذلك فى ربيع الأول أو جمادى الأولى (٣).

стр. 1284

وفيها - فى ليلة النصف من شعبان - جاء سيل إلى مكة المشرفة لم يسمع بمثله فى هذه الأعصار، ودخل وسط الكعبة، وألقى كل زبالة كانت فى المعلاة فى الحرم، وعظم خوف الناس بسببه من الهدم والغرق، ومات منهم عالم عظيم؛ حملهم، وبعضهم طاحت الدور عليهم، وكان ذلك بعد صلح ثقيف على قسمة العيون بأشهر (١). وفيها عريت الكعبة وقاسى الناس شدّة من العري؛ فجاءت الكسوة بعد حج الناس. وفيها لم يحج أحد من مصر لا فى البر ولا فى البحر، وحج ركب كبير من بغداد (٢). وفيها - فى يوم القرّ (٣) بمنى - خطب خطيب مكة ابن الأعمى وذكر رمى الجمار قبل الصلاة. وفيها مات العفيف عبد الرحمن بن صهيب بن جابر بن عبد الرحمن الأسدى يوم الخميس ثامن عشرى المحرم (٤).

стр. 1285

والأمين أبو عبد الله محمد بن حمود بن أحمد بن سعيد العدنى المكى، يوم السبت خامس عشر جمادى الأولى بزبيد (١). وعبد الحق بن سبعين فى ثامن عشرى شوال (٢). *** «سنة سبعين وستمائة» فيها - فى آخر صفر - وصل/الأمير جمّاز بن شيحة ١٠٣ صاحب المدينة، وغانم بن إدريس بن حسن بن قتادة وأخذا مكة؛ وخرج الشريف أبو نمى، ثم بعد أربعين يوما - فى ربيع الآخر - رجع أبو نمى إلى مكة، وهزم جمّاز بن شيحة ومن معه وملك مكة (٣). وفيها زرع من الأراضى ما لم يعهد. وفيها لم يتّفق للكعبة الشريفة كسوة؛ لنفرة الملوك من الجور الذى وقع بمكة (٤). وفيها - فى أوائلها - مات هارون بن الزين (٥).

стр. 1286

وفيها - فى آخرها، أو فى أول التى بعدها - وقع المرض بمكة والطائف وليّة (١). *** «سنة إحدى وسبعين وستمائة» فيها بعث المظفر بكسوة البيت المعظم على يد قاسم بن محفوظ (٢) وفيها كان بمكة فناء عظيم، بلغت الموتى فى بعض الأيام اثنتين وعشرين جنازة، [وفى] (٣) بعضها خمسين، وعدّ أهل مكة ما بين العمرتين من أول رجب إلى السابع والعشرين منه ألف جنازة. وفيها نهب العرب حاج المغاربة (٤). وفيها ولى إمامة المالكية بالمسجد الحرام البهاء عبد الرحمن بن الضياء محمد بن عمر بن محمد التّوزرىّ القسطلانى بعد أخيه أحمد (٥). وفيها مات الشهاب أحمد بن محمد بن عمر بن عمر بن حسن القسطلانى (٦).

стр. 1287

وخديجة (١) ومريم (٢) بنتا على بن أبى بكر بن محمد بن إبراهيم الطبرى. *** «سنة اثنتين وسبعين وستمائة» فيها توفى الفقيه إبراهيم بن أحمد بن محمد بن حجر بن أحمد ابن على الأزدى الحضرمى [الهجرى] (٣)، يوم الثلاثاء ثامن عشر شوال. وفيها حج فقيه علماء اليمن الفقيه سليمان بن محمد بن الزبير (٤). *** «سنة ثلاث وسبعين وستمائة» فيها - فى شعبان - جاء جمّاز بن شيحة الحسينى لإخراج أبى

стр. 1288

نمى؛ فأعطاه أبو نمى (١) فرجع وخلى بينه وبين قتلة ابنه أبى سعيد، وهم أولاد حسن بن قتادة ومنهم إدريس. وفيها مات/القاضى عمران بن ثابت الفهرى فى صفر (٢)، وولى بعده قضاء مكة الجمال محمد بن المحب الطبرى (٣). وولى الخطابة التقى عبد الله بن المحب أحمد بن عبد الله الطبرى (٤). *** «سنة أربع وسبعين وستمائة» فيها أقام الحجاج المصريون بمكة ثمانية عشر يوما، وبالمدينة عشرة أيام، وهذا شئ لم يعهد (٥). وفيها عمّر المظفر صاحب اليمن منارة مسجد الخيف، وما شعث فى مسجد الخيف (٦). وفيها مات إمام الحنابلة موفق الدين عثمان بن موسى بن عبد الله الطائى الإربلى، فى يوم الخميس ثانى عشرى المحرم (٧).

стр. 1289

وعبد الرحمن بن عبد الله بن علوان فى ثانى عشر ربيع الأول (١). ومفتى الحرمين الفقيه جمال الدين أبو أحمد محمد بن عيسى بن سالم الشهير بابن خشيش (٢) الشريشى فى رجب بالمدينة. *** «سنة خمس وسبعين وستمائة» فيها - فى تاسع عشر ربيع الآخر - كانت وقعة بمر الظهران بين أبى نمى صاحب مكة وبين جمّاز بن شيحة صاحب المدينة، وبين صاحب ينبع إدريس بن حسن بن قتادة، فظهر عليهما أبو نمى، وأسر إدريس، وهرب جمّاز. وكان عدد من مع أبى نمى مائتى فارس ومائة وثمانين راجلا، ومن مع إدريس وجمّاز مائتين وخمسة عشر فارسا وستمائة راجل (٣). وفيها - فى شوال - خرق الشرفاء هيبة الرضىّ محمد بن أبى بكر عبد الله بن خليل العثمانى (٤) بسبب إنكاره المنكر، وسجنه الشريف أبو نمى؛ فرأى أبو نمى فيما يرى النائم كأن الكعبة - شرفها الله تعالى - تطوف بالمحل الذى سجن فيه الرضى بن خليل، فوجه إليه

стр. 1290

وأطلقه، واستعطفه واعتذر إليه وسأله المغفرة، فراح للزيارة. واشتد الغلاء بعده (١)، وتخوف الشرفاء من ملك مصر. وفيها - فى آخرها - وصل كتاب من الملك الظاهر بيبرس إلى صاحب مكة الشريفة أبى نمى ونسخة الكتاب: من بيبرس سلطان مصر إلى الشريف/الحسيب النسيب أبى نمى محمد بن [أبى] (٢) سعد. أما بعد فإن الحسنة فى نفسها حسنة، وهى من بيت النبوة أحسن. والسيئة فى نفسها سيئة، وهى من بيت النبوة أسوأ (٣). وقد بلغنا عنك أيها السيد أنك أبدلت حرم الله بعد الأمن بالخيفة وفعلت ما يحمر به الوجه وتسود به الصحيفة، ومن القبيح كيف تفعلون القبيح وجدّكم الحسن، وتقاتلون فى الحرم حتى تكون العبر. هذا وأنت من أهل الكرم وسكان الحرم!! فكيف آويت المجرم، واستحللت دم المحرم ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ (٤) فإن لم تقف عند حدك أغمدنا (٥) فيك سيف جدك والسلام. فكتب إليه أبو نمى:

стр. 1291

من محمد بن أبى سعد إلى بيبرس سلطان مصر، أما بعد فإن المملوك معترف بذنبه تائب إلى ربه؛ فإن تأخذ فيدك الأقوى وإن تعف فهو أقرب للتقوى. والسلام (١). وفيها غلت الأسعار. وكانت الوقفة الجمعة؛ قال الميورقى: زعم الشيخ شكران بن شهوان، والشيخ عبد الجليل: أنها تمام مائة وقفة جمعة من بعد رسول الله ﷺ ، وكان غيرهما قد ادّعى ذلك فى وقفة الجمعة سنة العطش وموت الجمال عام أحد وخمسين وستمائة؛ فى العام الذى قتل فيه أمير مكة الشريف الحسنى (٢) قتله بنو عمه. وقالا: الجمعتين كان فيهما العطش الشديد، وزادت هذه بالقحط والغلاء؛ سعرها ربع وشطر بدينار (٣). وفيها حج تاج الدين بن الصاحب بهاء الدين (٤). ونهبت عصبة اليمن لنفورهم من منى فى عقبة الهدا، والذين نهبوهم بنو زهير. وفيها عزل الجمال محمد بن المحب الطبرى نفسه (٥) عن قضاء

стр. 1292

مكة، وولى عوضه القاضى بهاء الدين أبو المحامد سلطان بن عيسى ابن موسى بن يحيى بن عبد الرحمن بن على بن الحسين الشيبانى الطبرى (١). قال الميورقى: ورجع. وجاء أمر سلطان اليمن للمحب الطبرى أن يتوجه إليه، فحج وتوجه إليه. / وفيها مات عبد الرحمن بن عبد المعطى العطار، فى آخر شعبان ببلاد ثقيف من وادى الطائف (٢). *** «سنة ست وسبعين وستمائة» فيها لم تحج عصبة اليمن. وفيها كان غلاء بمكة، وكان سعر الطائف مدّان بدينار، وبيع الدخن مدّ وربع بدينار، والشعير المدّ بدينار ملكى، وبلغ السعر بمكة فى آخر ربيع الآخر ربع مدّ بدينار (٣). وفيها أعيد الجمال محمد بن المحب الطبرى إلى قضاء مكة فى رمضان (٤).

стр. 1293

وفيها حج الصاحب فخر الدين بن الخليلى (١). وفيها مات القاضى شهاب الدين أحمد بن جعفر بن فضل القفطىّ (٢). *** «سنة سبع وسبعين وستمائة» فيها حج بالناس من مصر الأمير علم الدين السنجر الخياط المصرى (٣) وكان الحاج المصرى أربعين ألفا سوى الشامى والعراقى، وكانت الوقفة يوم السبت (٤). وفيها فى يوم الخميس رابع عشر الحجة حصلت المزاحمة (٥) بين

стр. 1294

الحاج عند خروجهم إلى العمرة من باب المسجد الحرام المعروف بباب العمرة بعد صلاة الصبح، واعترض جمل فى فم الزقاق فى آخره، وهو زقاق ضيق، فدفع منهم بعضا، وزحم الباقى الواقف، وترادف عالم لا ينحصر إلى أن دهك الناس الجمل، وأوائل الناس حوله، فخرج منهم القليل وبقى الآخرون يموج بعضهم فى بعض، فمات الجمل ومات حوله جمع كثير، ما بين رجل وامرأة؛ فقيل اثنان وثلاثون، ويقال أربعة وثلاثون، ويقال ستة وثلاثون، ويقال خمسة وأربعون، ويقال ثمانية وأربعون، وقيل اثنان وخمسون ويقال خمسة وسبعون، وقيل سبعة وسبعون، ويقال نحو الثمانين. ووجد فى موضع منفرد اثنا عشر ميتا لم يدفنهم أحد إلى آخر النهار. وأما من نقل إلى منزله وفيه الروح ومات عند أهله فكثير جدا، وبقى منهم أقوام بحشاشة الروح إلى أن مات بعيدا من الناس، ومنهم من حمل فى أول الأمر قبل/أن يأتى أعوان أمير مكة، وقال بعض من خرج من تحت الموتى: عددت خمسين ميتا إلا اثنين. وتعجب أهل مكة من هذه الواقعة، وقالوا: ما سمعنا بمثل هذا فى الخروج إلى العمرة قط، وما هذه الكائنة إلا إشارة من الله تعالى تدل على جهل عظيم وقع فى الأمة ويقتضى أمرا وبيلا بلغ فى [الناس] (١) الغاية وكان أبلغه [فى] (١) المصريين. وفى كل شئ حكمة بالغة، وتكلم الناس فى حقهم: هل فرطوا فى أنفسهم؟ وعلى من ديتهم؛ أو دمهم هدر؟ قال مفتى مكة أبو محمد عبد الله

стр. 1295

ابن حمّو البجائى (١) فى هؤلاء الأموات: ماتوا عصاة، وهم شهداء النار، من يعمل منهم الدحول فى زحمة يغلب فيها الهلاك فقد مات لا دنيا ولا آخرة. وقال المحب الطبرى: هم شهداء ودمهم هدر، ومن قتل منهم بالزحمة صاحبه فهو قتل خطأ. وقال ابن مسعود: من ظهر له التغرير فركبه فهو عاص، والأول مطيعون، والمتوسطون يحتمل حالهم القولين. وفيها حج نفر قليل من عصبة اليمن (٢).

стр. 1296

وفيها وقع على الحاج الشامى ما بين تبوك والعلى برد مثل بيض النعام، تقع الواحدة على آنية النحاس فتكسرها، وكان الناس فى معطشة سقاهم الله بذلك. وسال واد حلّ فيه بعضهم (١). وفيها مات حسن بن مختار بن حماد بن أحمد فى يوم الأحد ثامن عشرى الحجة (٢). *** «سنة ثمان وسبعين وستمائة» فيها حج بالناس من مصر جمال الدين آقوش (٣) الباخلى، وكان قاضى الركب فخر الدين عثمان بن بنت أبى سعد. وفيها مات أبو العباس أحمد بن على بن أبى بكر بن عيسى العبدرى الميورقى فى يوم الثلاثاء حادى عشر الحجة بوجّ الطائف بعد أن حج هذه السنة (٤). ***

стр. 1297

«سنة تسع وسبعين وستمائة» فيها حج بالناس [من مصر] (١) أمير يقال له السابقى. *** «سنة ثمانين وستمائة» فيها عمر رخام فى جوف الكعبة من قبل المظفر يوسف/بن ١٠٨ المنصور عمر بن على بن رسول صاحب اليمن؛ وهو أول ملك كتب اسمه فى الكعبة (٢). وفيها حج بالناس الأمير العزى (٣)، ووقف الناس بعرفة يومين احتياطا لاختلاف وقع بالوقفة (٤). *** «سنة إحدى وثمانين وستمائة» فيها أمر السلطان قلاوون الصالحى (٥) أن يحلف الشريف

стр. 1298

أبو نمى، فحلف، وصفة يمينه: أخلصت نفسى وأصفيت طويتى، وساويت بين باطنى وظاهرى فى طاعة مولانا السلطان الملك المنصور وولده السلطان الملك الصالح، وطاعة أولادهما، وإنى لا أضمر لهم سوءا ولا غدرا فى نفس ولا مال ولا سلطنة، وإننى عدوّ لمن عاداهم، وصديق لمن صادقهم، حرب لمن حاربهم، سلم لمن سالمهم، وإننى لا يخرجنى عن طاعتهم طاعة أحد غيرهما، ولا ألتفت فى ذلك إلى جهة غير جهتهما، ولا أفعل أمرا مخالفا لما استقرّ من هذا الأمر، ولا أشرك فى تحكيمهما علىّ ولا على مكة المشرفة وحرمها وموقف حلها زيدا ولا عمرا، وإننى ألتزم ما اشترطته لمولانا السلطان وولده فى أمر الكسوة الشريفة المنصورية، الواصلة من مصر المحروسة، وتعليقها على الكعبة الشريفة فى كل سنة وألا يتقدم علمه علم غيره، وإننى أسبّل زيارة البيت الحرام أيّام موسم الحج، وغيرها للزائرين والطائفين والبادين والعاكفين اللائذين بحرمه، والحاجين والواقفين، وإننى أجتهد فى حراستهم من [كل] (١) عاد بفعله وقوله ﴿وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ (٢) وإننى أؤمّنهم وأعذب لهم مناهل شربهم، وإننى - والله - أستمر مفرد الخطبة والسّكّة بالاسم الشريف المنصورى، وأفعل فى الخدمة فعل المخلص الولى، وإننى - والله - أمتثل مراسيمه

стр. 1299

امتثال التائب للمستتيب، وأكون لداعى أمره أوّل سامع مجيب، وإننى ألتزم بشروط هذه اليمين من أوّلها إلى آخرها لا أنقضها (١). وفيها حج بالناس ناصر الدين/ألطنبغا الخوارزمى، ومعه ١٠٩ كسوة الكعبة؛ وسار بالسّبل حسام الدين مظفّر أستادار الفارقانى، وحجّ الأمير علاء الدين البندقدارى أستادار الملك الظاهر فى ركب كبير (٢). وفيها مات إمام المقام وخطيب المسجد الحرام أبو الحسن على ابن صالح بن أبى على محمد بن يحيى بن إسماعيل العلوى الحسينى فى نصف رجب (٣). *** «سنة اثنتين وثمانين وستمائة» فيها تزوّج أمير المدينة جمّاز بن شيحة خزيمة بنت أبى نمى، وبنى بها فى ليلة السابع والعشرين من جمادى الآخرة (٤). وفيها حج علاء الدين الأعمى وكان الحاج قليلا والرخاء كثيرا (٥)

стр. 1300

«سنة ثلاث وثمانين وستمائة» فيها كانت فتنة بين أبى نمى وبين قتادة، وكان يؤخذ من الحاج اليمنى على كل جمل مبلغ ثلاثين درهما، ومن حاج مصر على الجمل مبلغ خمسين درهما - مع كثرة النهب والعسف فى جبايته (١) - فأزاله الظاهر بيبرس حتى صار يؤخذ من حاج مصر مبلغ ثلاثين درهما على كل جمل. فجرد المظفر صاحب اليمن [إلى مكة] (٢) عسكرا عليه أسد الدين جغريل فملكها بعد حرب؛ فجمع قتادة وأبو نمى العرب لحربه، فوقع الاتفاق بينهما أن تكون مكة نصفين، ثم اختلفا بعد مدة، وانفرد أبو نمى وحده، وأخرج عسكر اليمن. واشتد على الحاج فى الجباية؛ فرسم السلطان بسفر ثلاثمائة فارس صحبة أمير الحاج علم الدين سنجر الباشقردى، وأنفق فى كل فارس ثلاثمائة درهم، وكتب بخروج مائتى فارس من الشام: فتوجهوا صحبة الحاج، وكان أمير حاجهم الأمير عز الدين يوسف بن عز الدين القيمرى، فوقع كلام بين الشريف أبى نمى وبين أمير الحاج المصرى علم الدين الباشقردى؛ فغلّق الشريف أبو نمى أبواب مكة، وصدّ الحاج عن دخول مكة، فنقب الحجاج السور وأحرقوا باب المعلاة، ودخلوا مكة هجما بعد/فرار أبى نمى وجمعه منها. وكان ذلك فى يوم التروية، ثم وقع الصلح بين الفريقين على يد الصاحب بدر الدين السنجارى. وكانت الوقفة الجمعة، وكان الحاج كثيرا، ووقع الغلاء بمكة.
следующие страницы →