وفيها مات أبو العباس أحمد بن أبى طالب بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الزانكى البغدادى يوم الخميس سلخ جمادى الآخرة (١).
***
«سنة عشر وسبعمائة»
فيها حج من الديار المصرية عسكر قوى فيه أمراء طبلخانات (٢) يريدون لزم الشريفين حميضة ورميثة، فلما علما بذلك هربا من مكة، ولم يحصل العسكر على قبضهما، فلما توجه العسكر إلى الديار المصرية عادا إلى مكة (٣).
وفيها حج من القاهرة القاضى بدر الدين بن (٤) جماعة وابنه عز الدين (٥).
стр. 1332
وفيها مات أبو عبد الله محمد بن على بن محمد بن على بن قطرال الأندلسى، فى سادس جمادى الأولى (١).
وعز الدين عمر بن أحمد بن أحمد بن مهدى الشامى، فى العشر الأخير من ذى القعدة - وقيل فى ثانى ذى الحجة (٢).
***
«سنة إحدى عشرة وسبعمائة»
فيها حج الشاميون وأميرهم الأمير علاء الدين طنبغا (٣) ومعهم المحمل السلطانى، ومحمل لأمير الحاج، ومحمل لبيت الأمير سيف الدين كجكن، ومحمل للأمير علاء الدين أمير عقبة (٤).
***
«سنة اثنتى عشرة وسبعمائة»
فيها فعل حميضة ورميثة ما لا ينبغى من نهب التجار (٥).
стр. 1333
وفيها حج الناصر محمد بن قلاوون من الكرك (١)، ومعه نحو أربعين أميرا، وستة آلاف مملوك على الهجن، ومائة فارس، وطاف بالكعبة وعليه ثياب إحرام صوف، وهو يعرج فى مشيه، وحوله جماعة من الأمراء. بأيدى كثير منهم الطّبر (٢) من أمامه ومن خلفه وجوانبه. فلما فرغ من طوافه رجع خلف المقام، ثم دخل الحجر فصلى فيه، ثم جاءه/قاضى مكة نجم الدين الطبرى، ثم الشيخ رضى ١٢٤ الدين الطبرى. وكان دخوله مكة بعد دخول الركب المصرى، وكان أمير الركب المصرى مظفر الدين قيدان الرومى. وكان الملك الناصر توجّه إلى مكة فى ذى القعدة، وسافر فى أيام يسيرة، وحج وانصرف راجعا قبل الركب إلى القاهرة. وهذه أوّل حجات الملك الناصر.
وكان أميرا مكة حميضة ورميثة عدلا عن مكة لما قدمها الناصر تخوفا منه أن يقبض عليهما، ثم عادا إليها بعد ذهاب الناصر (٣).
وفيها مات شيخ الحجبة مجد الدين أبو العباس أحمد بن ديلم ابن محمد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن ديلم بن محمد الشيبى الحجبى، فى غرة ذى القعدة - ويقال فى سلخ شوال (٤).
стр. 1334
وأبو أحمد محمد بن أحمد بن محمد بن عمر التحيوى اليمنى، فى يوم الخميس تاسع عشر القعدة (١).
والبهاء عبد الرحمن بن الضياء محمد بن عمر بن محمد التوزرى المالكى (٢).
وأبو الحسن على بن الحسين بن محفوظ القرينى الرفاعى (٣).
***
«سنة ثلاث عشرة وسبعمائة»
فيها اتصل بالسلطان شكوى المجاورين والحجاج من أميرى مكة حميضة ورميثة، فندب السلطان إلى مكة عسكرا جرّارا، فيهم من المماليك الأتراك ثلاثمائة وعشرون فارسا وخمسمائة فارس من أشراف المدينة، خارجا عما يتبع هؤلاء من المتخطفة والحرامية، وفيهم جماعة من الأمراء، وفيهم سيف الدين طقصبا (٤) الناصرى والى قوص، وهو المقدم على الجيش، وسيف الدين بكتمر، وصارم الدين صاروجا الحسامى، وعلاء الدين أيدغدى الخوارزمى، وجهز أبا الغيث بن أبى نمى معه، وتوجهوا فى شوال فى جملة الركب، وجرّد
стр. 1335
من دمشق الأمير سيف الدين بلبان البدرى (١). فلما علم حميضة ورميثة بأمرهم هربوا إلى صوب حلى بنى يعقوب، فلما انقضى الموسم وخرج الحاج توجه جميع الأمراء المجردين صحبة أمير الحاج المصرى بلبان الشمسى. وكان كثير الطمع، مفرطا فى أمر الحاج، سيئ السيرة. وأقام/الأمير طقصبا بالعسكر حتى رتّب الشريف ١٢٥ أبا الغيث فى إمارة مكة وأقام معه (٢).
وفيها مات الفخر عثمان بن محمد بن عثمان بن أبى بكر بن محمد التّوزرى، ظهر يوم الأحد حادى عشر ربيع الآخر (٣).
***
«سنة أربع عشرة وسبعمائة»
فيها - فى المحرم - سار أبو الغيث والأمير طقصبا إلى صوب حلى بنى يعقوب بسبب حميضة ورميثة؛ فسارا قدر مرحلتين ولم يجدا خبرا عنهما؛ لأنهما لحقا ببلاد السّراة. ووصل أبو الغيث وطقصبا إلى حلى بنى يعقوب ولم يدخلها طقصبا وقال: هذه أوائل
стр. 1336
بلاد المؤيد، ولا أدخلها إلا بمرسوم الناصر، فعاد على عقبه (١)، فقصر أبو الغيث فى حق العسكر وضاق بهم (٢) ونفر منهم، وأظهر لهم الاستغناء عنهم؛ فأخذوا خطّه بذلك، وعادوا وتوجهوا من عنده فى ربيع الأول.
وقيل إن الجلب قل وصوله إلى مكة، ولم تمطر مكة، فكثرت كلف العسكر، واحتاجوا إلى السفر، فأشهد عليهم أبو الغيث أنه أذن لهم فى السفر، وكتب بذلك إلى السلطان (٣).
فلما علم حميضة، بمفارقة الجيش لمكة عاد إليها بجمع وقاتل أخاه أبا الغيث، وقتل من أصحاب أبى الغيث نحو خمسة عشر نفرا ومن الخيل أكثر من عشرين فرسا، وملك مكة فانهزم أبو الغيث ولجأ إلى أخواله من هذيل بوادى نخلة مكسورا. ثم إن حميضة أرسل رسولا وخيلا تقدمة للسلطان؛ فحبس رسوله، ولم يرض عنه، وأرسل بعده (٤) أبو الغيث هدية فوعده السلطان بنصره وإرسال عسكر - ويقال إنه أمر صاحب المدينة بنصره (٥).
وفيها - فى يوم الثلاثاء رابع ذى الحجة - وقعت حرب بين
стр. 1337
حميضة وأبى الغيث بالقرب من مكة، وجرح أبو الغيث ثم ذبح بخيف بنى شديد بأمر أخيه حميضة، وكان جماعة أبى الغيث أكثر عددا ولكن رزق حميضة النصر واستقر بمكة (١).
وفيها توفى شرف الدين أبو الفتح أحمد بن محمد بن أحمد بن على بن محمد القيسى القسطلانى فى ليلة/الثلاثاء سادس عشر ١٢٦ صفر بالقاهرة (٢).
والصفى أبو العباس أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبى بكر الطبرى فى يوم السبت حادى عشر شوال (٣).
***
«سنة خمس عشرة وسبعمائة»
فيها تجهز السيد رميثة إلى الأبواب السلطانية بالقاهرة، وأظهر التوبة والتنصل والاعتذار بسالف ذنوبه، وأنهى أنه استأنف الطاعة، وسأل العفو عنه وإنجاده على أخيه عز الدين حميضة. فقبل السلطان عذره وعفا عن ذنوبه، وجرّد طائفة من العسكر مقدمهم الأمير مجد الدين دمرخان بن قرمان، والأمير سيف الدين طيدمر الجمدار،
стр. 1338
فتوجّها هما والأمير أسد الدين [رميثة] (١) إلى الحجاز فى ثانى شعبان، ورحلوا من بركة الحاج فى رابعه. وكان السيد حميضة مرض فى شعبان، وتغيّر سمعه، وحضر إلى بيت الله الحرام وتاب، وذكر عنه أنه ما يتعرض لأحد من المجاورين ولا التجار ولا غيرهم، ثم بلغ الشريف حميضة بن أبى نمى وصول العسكر مع أخيه رميثة وأنهم قاربوا مكة؛ فنزح قبل وصولهم بستة أيام وأخذ المال النقد والبزّ - وهو مائة حمل - وأحرق الباقى الذى فى الحصن الذى فى الجديد بوادى مرّ، وقطع ألفى نخلة، ثم توجّه إلى الخلف والخليف - وهو حصن بينه وبين مكة ستة أيام - والتجأ حميضة إلى صاحبه، وصاهره لعله يحتمى به، ثم وصل العسكر إلى مكة يوم السبت منتصف رمضان وأقاموا بها ثلاثة عشر يوما، وتوجهوا إلى الخلف والخليف، وأخذ جميع أموال حميضة وخزائنه، ونهب الحصن وأحرقه، وأسر ولد حميضة (٢) ابن اثنتى عشرة سنة، وسلّم إلى عمّه رميثة. ثم رجع الجيش إلى مكة فوصلوها فى خامس عشر ذى القعدة واستقرّوا إلى أن حضروا/الموقف ورجعوا مع المصريين. واستقر الأمير رميثة بمكة ونجا حميضة بنفسه، ولحق بالعراق (٣).
стр. 1339
وفيها حج الركب المصرى مع الأمير سيف الدين أرغون النائب، والقاضى بدر الدين بن جماعة، ولم يكن صحبته القاضى عز الدين، وإنما كان صحبة ولده عبد الرحيم، وكان أمير الركب عز الدين أيدمر الكوكندى (١). وكانت الوقفة يوم الجمعة (٢).
وفيها مات حسين بن عبد الله بن موسى بن عباس بن عون بن رزق الله الهاشمى يوم الخميس خامس عشر صفر (٣).
***
«سنة ست عشرة وسبعمائة»
فيها لحق الشريف حميضة بن أبى نمى الحسنى بخربندا ملك التتار، وأقام ببلاده أشهرا، وطلب منه جيشا يغزو به مكة، وساعده جماعة من الرافضة على ذلك، وجهزوا له جمعا من خراسان، وكانوا مهتمين بذلك، وكان مقدمهم درقندى - وقيل دقلندى - وهو رافضى من أعيان دولة التتار، وكان قد قام بنصر الشريف حميضة، وجمع له من الأموال والرجال على أن يأخذ له مكة ويقيمه بها، وأنهم ينقلون الشيخين أبا بكر وعمر ﵄ من جوار النبى ﷺ .
стр. 1340
[ثم] (١) إن الأمير محمد بن عيسى أخا مهنا بلغه الخبر - وكان له مدة ببلاد التتار قد خرج من طاعة السلطان - فجمع من العربان نحو أربعة آلاف فارس وقصدهم فى ذى الحجة وقاتلهم ونهبهم، وكسب العسكر منهم أموالا عظيمة من الذهب والدراهم؛ حتى إن فيهم جماعة حصل للواحد منهم نحو ألف دينار غير الدواب والسلاح وغير ذلك، وأخذوا الفئوس والمجاريف التى كانوا قد هيئوها لنبش الشيخين أبى بكر وعمر ﵄ (٢).
وفيها حج أرغون الدوادار نائب السلطان بمصر، وعظمت صدقته بالحرمين (٣).
وفيها ماتت ست الكل بنت القطب/محمد بن أحمد القسطلانى، فى سحر يوم الاثنين تاسع عشرى ذى الحجة (٤).
***
«سنة سبع عشرة وسبعمائة»
فيها قدم الشريف حميضة من بلاد العراق على فرس واحد ساقه
стр. 1341
عشرين ليلة، ومعه اثنان من أعيان التتار، وهما درقندى وملكشاه، ومعهم ثلاثة وعشرون راحلة، وأقاموا بنخلة، وكانوا قد لقوا فى طريقهم شدة من العراق إلى الحجاز، وكتب حميضة إلى أخيه رميثة يستأذنه فى دخول مكة؛ فمنعه من ذلك إلا بعد إذن السلطان، وأرسل إلى السلطان كتابا يخبره بذلك؛ فكتب السلطان إلى حميضة أنه إن حضر إلى الديار المصرية على عزم الإقامة بها قابله بالأمان وسامحه بذنوبه السالفة، وأما الحجاز فلا يقيم به. وكتب إلى درقندى وملكشاه بالأمان وأن يحضرا. وأرسل الأميرين سيف الدين أيتمش المحمدى، وسيف الدين بهادر السعدى أمير علم (١)، وأمرهما أن يستصحب كل منهما عشرة من غلمانه، وجرّد معهما من كل أمير مائة جنديين، ومن كل أمير طبلخانة جنديا واحدا، وتوجّها إلى مكة لإحضار حميضة ومن حضر من التتار؛ فتوجّها فى يوم السبت سادس عشر ربيع الأول بمن معهما، فوصلا إلى مكة وأرسلا إلى حميضة فى معاودة الطاعة، وأن يتوجه معهما إلى الأبواب السلطانية، فاعتذر أنه ليس معه من المال ما ينفقه على نفسه ومن معه فى سفره، وطلب منهما ما يستعين به على ذلك فأعطياه، فلما قبض المال تغيب، وعاد الأميران إلى القاهرة، فوصلا فى يوم السبت سادس عشرى جمادى الآخرة (٢).
стр. 1342
وفيها - أو فى التى بعدها - بعد عود الحاج من مكة وثب الأمير عز الدين حميضة على أخيه أسد الدين رميثة بموافقة العبيد وأخرجاه من مكة، فتوجه رميثة إلى نخلة واستولى حميضة على مكة، وقطع الخطبة السلطانية، وخطب لملك العراقين أبى سعيد بن/ خربندا بن أرغون بن أبغا بن هولاكو، وأخذ أموال التجار (١).
وفيها كان أمير الحاج المصرى سيف الدين قجليس، ومعه من الأمراء شرف الدين أمير حسين بن حيدر (٢)، وغزلوا الجوكندار، وسيف الدين ألجاي الساقى، وسيف الدين طقصبا (٣) الظاهرى، وشمس الدين سنقر المرزوقى. وحج أيضا الأمير شرف الدين عيسى بن مهنّا، وأخوه محمد فى عدة من عرب آل فضل، بلغت عدتهم نحو اثنى عشر ألف راحلة.
وفيها مات النجم عبد الله بن محمد بن أبى المكارم الحموى (٤).
وشيخ الحجبة رضى الدين على بن بجير بن على بن ديلم العبدرى الشيبى (٥).
стр. 1343
كلاهما فى يوم الخميس ثامن صفر.
وشرف الدين محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن سالم بن الحسن بن عبد الله بن صصرى الثعلبى الدمشقى فى سابع ذى الحجة (١).
وحسن بن محمد بن أسيد بن نجم الدين اليمنى (٢).
***
«سنة ثمانى عشرة وسبعمائة»
فيها - فى صفر - اتصل العلم بالسلطان الناصر صاحب مصر بفعل الشريف حميضة؛ فأمر السلطان بتجريد جماعة من أقوياء العسكر، فجرّد الأمير صارم الدين أزبك الجرمكى، والأمير سيف الدين بهادر الإبراهيمى، والأمير بدر الدين عيسى بن التركمانى، وجماعة من الحلقة، وأجناد الأمراء من كل أمير مائة فارسين، ومن كل أمير طبلخانة جنديا؛ فاجتمع ثلاثمائة فارس فأمرهم بالمسير إلى مكة، وألا يعودوا إلى الديار المصرية حتى يظفروا بحميضة. فتوجهوا فى العشر الأخير من ربيع الأول ووصلوا إلى مكة ومنعوا العبيد من حمل السلاح بمكة، وأخرجوا المفسدين، ونادوا بالعدل.
فلما توجّه الإبراهيمى لمحاربة حميضة والقبض عليه ركب إليه
стр. 1344
وتقاربا من بعضهما وباتا على ذلك. ولم يقدم الإبراهيمى على مواجهة حميضة والقبض عليه؛ فاقتضى رأي أمير الحاج المصرى الأمير علاء الدين مغلطاى/الجمالى القبض على الإبراهيمى وعلى رميثة ونسب إليه مباطنته مع أخيه حميضة، وأن الذى يفعله حميضة من التشعيث (١) باتفاق رميثة، وكان القبض عليهما فى يوم الثلاثاء رابع عشر ذى الحجة بعد انقضاء أيام التشريق، وحمل إلى مصر تحت الاحتفاظ، فسار بهما إلى القاهرة، وحصل للناس مشقة بكثرة عجلته فى السير؛ فإنه دخل المحمل إلى القاهرة فى ثانى عشر المحرم، وكانت العادة أوّلا بقدوم المحمل فى ثانى عشرى المحرم. (٢) ثم استقر دخوله فى الأيام الناصرية يوم الرابع أو الخامس والعشرين منه (٢).
فأنكر عليه السلطان ما فعله، وجهز محمد بن الردينى بمائتى جمل عليها الزّاد والماء، برسم حمل من انقطع من الحاج؛ فسافر من يومه.
وفيها حج من العراق محمل، وكان المقدم عليه رجلا شجاعا؛ فلم تتمكن العربان من أن تأخذ شيئا من الحجاج، وبعث معهم الوزير على شاه وزير السلطان أبى سعيد بن خربندا ملك التتار على يد الحاجى بولاواج نائب السلطنة بالعراق حلقتين من ذهب مرصعتين
стр. 1345
باللؤلؤ والبلخش، كل حلقة وزنها ألف مثقال، وفى كل حلقة ست لؤلؤات فاخرات، وبينها ست قطع بلخش فاخر ليعلقا فى الكعبة، فعارض أمير الركب المصرى ومنع من تعليق ذلك، وقال: هذا لا يمكن إلا بإذن السلطان صاحب مصر. فقال الحاجى بولاواج: إن الوزير على شاه كان نذر متى ظفر بخواجا رشيد الدين (١) وقتله أن يعلق على باب الكعبة حلقتين. فيقال إنه أذن له فى تعليقهما زمنا قليلا، ثم رفعتا، وأخذهما أمير مكة إذ ذاك رميثة بن أبى نمى (٢).
وفيها قتل - ظلما - الجمالى محمد بن القاضى بهاء الدين أبى سعد على بن عبد الله بن عمر بن أبى المعالى يحيى بن عبد الرحمن بن الحسين الشيبانى الطبرى ليلة الاثنين سادس محرم (٣).
وفيها مات القاضى أبو غمر السائب بن عبد الله بن السائب الأنصارى الخزرجى الطنجى فى رمضان (٤).
والشرف أحمد بن الأمين محمد بن القطب محمد بن أحمد بن على القسطلانى/فى ذى القعدة (٥).
стр. 1346
وعائشة بنت إبراهيم بن أحمد بن غدير بن القواس الطائى، فى يوم الأحد سادس ذى القعدة (١).
***
«سنة تسع عشرة وسبعمائة»
فيها - فى يوم الخميس سابع المحرم - وصل الأمير شمس الدين آق سنقر الناصرى، أحد الأمراء من أرض الحجاز الشريف إلى قلعة الجبل، ووردت الأخبار معه أنه قبض على الأمير أسد الدين رميثة أمير مكة فى رابع عشر الحجة، وعلى الأمير سيف الدين بهادر الإبراهيمى؛ بسبب ما تقدم، واتصل بالسلطان أيضا أن الإبراهيمى ارتكب فواحش عظيمة بمكة، فرسم بالقبض عليهما، ووصل الأمير أسد الدين رميثة ورسم عليه بالأبواب السلطانية أياما، ثم حصلت الشفاعة فيه فرفع عنه الترسيم، وأكرمه السلطان، وأجرى عليه فى كل شهر ألف درهم، وأقام يتردد إلى الخدمة السلطانية مع الأمراء إلى أثناء ربيع الآخر، فحضر إلى الخدمة فى يوم الاثنين رابع عشر، ثم ركب فى عشية النهار على هجن أعدت له وهرب نحو الحجاز. فعلم السلطان بذلك فى يوم الثلاثاء، فجرد خلفه جماعة من عربان العايد، فتوجهوا خلفه فوصلوا إلى منزلة حقل - وهى بقرب أيلة مما يلى الحجاز - فأدركوه بالمنزلة، فقبضوا عليه وأعادوه إلى الباب السلطانى
стр. 1347
فكان وصولهم فى يوم الخميس خامس عشرى الشهر. فرسم السلطان باعتقاله فى الجب، فاعتقل (١).
ويقال إن السلطان لما علم بهروب (٢) السيد رميثة كتب إلى شيخ آل حرب يقول له: هذا هرب على بلادك معتمدا عليك ولا أعرفه إلا منك. فركب شيخ آل حرب بالهجن السّبق، وسار خلفه مجدا فأدركه نائما تحت عقبة أيلة فجلس عند رأسه وقال: اجلس يا أسود الوجه. فانتبه رميثة وقال: صدقت، والله لو لم أكن/أسود ١٣٢ الوجه لما نمت هذه النومة المشئومة حتى أدركتنى. فقبض عليه وحمله إلى حضرة السلطان؛ فألقاه فى السجن وضيّق عليه، فوجع فى السجن ورمى الدم (٣).
وفيها - فى المحرم - ولى السلطان الناصر عطيفة بن أبى نمى إمرة مكة، وجهز عسكره مع أميرين هما عز الدين … (٤) وعز الدين أيدمر الملكى وتوجهوا من القاهرة فى المحرم، فلما وصل العسكر إلى مكة أجلسوا بها عطيفة، وتوجّه الذين كانوا بها من العام الماضى منهم الأمير بدر الدين محمد بن التركمانى. وكتب الشريف عطيفة إلى
стр. 1348
السلطان: أن القواد فى طاعته، وأن حميضة نزح إلى اليمن وفارقه بنو شعبة (١) وغيرهم، وكثر بمكة الأمن والعدل، ورخصت الأسعار بحيث إنه بيعت غرارة القمح فى هذه السنة بمائة وعشرين درهما.
وفيها حج صاحب مصر الملك الناصر محمد بن قلاوون حجته الثانية، ومعه صاحب حماة المؤيد (٢). ونحو خمسين أميرا وجماعة من أهله وأعيان دولته، وقاضى القضاة بدر الدين بن جماعة وابنه القاضى عز الدين، وكان بروزه بعد سفر الركب بنصف شهر وذلك فى تاسع ذى القعدة. وقدم مكة بتواضع وذلة، وبالغ فى التواضع بحيث قال للأمير بدر الدين جنكلى بن البابا: لا زلت أعظم نفسى إلى أن رأيت الكعبة فذكرت بوس الناس الأرض لى، فدخل فى قلبى مهابة عظيمة ما زالت حتى سجدت لله تعالى (٣).
وحسن له بدر الدين بن جماعة أن يطوف راكبا كما فعل النبى ﷺ ، فقال له: ومن أنا حتى أتشبه بالنبى ﷺ ؟! والله لا طفت
стр. 1349
إلا كما يطوف الناس. ومنع الحجّاب من منع الناس أن يطوفوا معه، وصاروا يزاحمونه وهو يزاحمهم كواحد من الناس فى مدة (١) طوافة وفى تقبيله الحجر.
وبلغه أن جماعة من المغل ممن حجّ قد اختفى خوفا منه؛ فأحضرهم وأنعم عليهم، وبالغ/فى إكرامهم (٢).
وغسل الكعبة بيده، وأخذ أزر إحرام الحجاج وغسلها لهم بنفسه (٢).
وأبطل سائر المكوس من الحرمين، وعوض أمير مكة والمدينة عنها إقطاعات بمصر والشام، وأحسن إلى أهل الحرمين، وأكثر من الصدقات، وفعل معروفا كثيرا فى الحرمين (٢).
وذكر للسلطان بمكة أن العادة كان يحمل مال إلى خليص ليجرى الماء من عين بها إلى البركة، يردها الحاج، وقد انقطع ذلك مدة سنين، وصار الحاج يجد شدّة من قلّة الماء بخليص، فرسم السلطان [بمبلغ] (٣) خمسة آلاف درهم لإجراء الماء من العين إلى البركة، وجعلها مقررة فى كل سنة لصاحب خليص، فأجرى الماء قبل وصول السلطان إلى خليص فى رجوعه، واستمر حمل المال إليه فى كل سنة، ووجد الماء فى البركة دائما (٤).
стр. 1350
ولما أخرجت كسوة الكعبة لتعمل على البيت صعد كريم الدين الكبير إلى أعلى الكعبة بعد ما صلى بجوفها، ثم جلس على العتبة ينظر إلى الخياطين، فأنكر الناس استعلاءه على الطائفين، فبعث الله عليه - وهو جالس - نعاسا سقط منه على أم رأسه من علوّ البيت، فلو لم يتدراكه [الناس] (١) من تحته لهلك. وصرخ الناس فى الطواف تعجبا من ظهور قدرة الله سبحانه فى إذلال المتكبرين.
وانقطع ظفر كريم الدين فتصدّق بمال كثير (٢).
وسأل المجاورون بمكة، ومن بها من التجار السلطان أن يخلّف عندهم عسكرا تمنع حميضة بن أبى نمى إن هو قصد أهل مكة بسوء، فجرّد - ممن كان معه - الأمير شمس الدين آق سنقر شاد العمائر (٣)، ومعه مائة فارس (٤).
وفيها كان أمير الحاج المصرى سيف الدين طرجى (٥) أمير مجلس (٦).
стр. 1351
وفيها حج الركب العراقى، فخرج العرب عليه ونهبوه، وأخذوا من الحاج شيئا كثيرا، فسأل أبو سعيد بن خربندا: كم قدر ما أخذوا من الركب؟ فقيل له: نحو ثلاثين ألف دينار. فرتب لهم ستين ألف دينار (١).
وفيها/مات الشريف أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن على الحسنى الفاسى، فى يوم الجمعة سابع عشرى صفر، وقيل ثامن عشريه بالقاهرة (٢).
ومحيى الدين [يحيى] (٣) بن سليمان بن محمود الذهبى، فى ثالث رمضان بمكة.
***
«سنة عشرين وسبعمائة»
فيها - فى جمادى الآخرة - قصد حميضة مكة بجيش يريد أخذها، وقتل جماعة من أهل مكة، والمجاورين بها؛ فخرج إليه أخوه عطيفة [وأخوه] (٤) عطّاف وآخر من إخوتهما بعسكر ضعيف؛
стр. 1352
فنصرهم الله عليه وكسروه، وهرب من مماليك الأمراء ثلاثة ولجئوا إلى حميضة (١).
وفيها لما وصل السلطان إلى قلعة الجبل بعد الحج خرج الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب - وكان هو من الأمراء مقدمى الألوف - ببعض عدته وخرج معه مائة فارس من المماليك السلطانية ليقيموا بمكة بدل الأمير آق سنقر الذى استخلفه بمكة، وخرج من القاهرة يوم الأربعاء سادس ربيع الأول، ووصل إلى مكة وأقام بها ومنع أهلها من حمل السلاح - السكين فما فوقها - وبعث إلى حميضة - وكان بقرب نخلة - يستميله إلى الطاعة والتوجّه إلى الأبواب السلطانية، فسأل رهينة عنده من الأمير ركن الدين تكون عند أهله ويحضر؛ فأجاب الأمير ركن الدين إلى ذلك وجهّز أحد أولاده وهو الأمير علىّ، وجهز معه هدية لحميضة، ولم يبق إلا أن يتوجه فأتاه فى ذلك اليوم رجل من العرب وأخبره بقتل حميضة، فأنكر وقوع ذلك وظن ذلك مكيدة لأمر ما، لكنه توقف عن إرسال ولده حتى يتبين له الحال، فلما كان فى مساء ذلك اليوم طرق باب المعلاة بمكة ففتح فإذا مملوك اسمه، أسندمر، وهو أحد المماليك الثلاثة الذين كانوا قد التحقوا بحميضة وهو راكب حجرة حميضة التى تسمى جمعة - وكان السلطان قد طلبها من حميضة فشح بإرسالها - وأخبر أسندمر أنه قتل/حميضة؛ اغتاله وهو نائم، وجرّد سيفه فإذا به أثر الدم،
стр. 1353
وذلك فى جمادى الآخرة. وسبب قتلهم له أنهم خافوا من دخوله فى الطاعة، وأنه يرسلهم إلى حضرة السلطان فقتلوه؛ وتوجّهوا فى وادى شعبة وحضروا إلى مكة. وجهز الأمير ركن الدين من توجّه لإحضار سلب حميضة والمملوكين اللذين بقيا معه، فأحضر السلب وأحد المملوكين، وقيل إن الثالث مات - وهو مملوك الأمير سيف الدين بكتمر الساقى - فألزم صاحب نخلة بإحضاره، وتوعده إن تأخر عن حضوره [فأحضره] (١).
وأرسل ركن الدين ولديه ناصر الدين محمد وشهاب الدين أحمد إلى الأبواب السلطانية بهذا الخبر، فوصلا إلى السلطان، فأنعم عليهما، وعاد الجواب إلى الأمير ركن الدين بطلبه؛ فتوجه من مكة فى مستهل شعبان، وصحبته المماليك الثلاثة الذين كانوا هم سبب قتل حميضة، ووصلوا إلى الأبواب السلطانية فى العشر الأول من شهر رمضان، فلما وصل شمله الإنعام الشريف، وأمر السلطان بقتل أسندمر قاتل حميضة قودا به فى شوال (٢).
وفيها أطلق السيد رميثة مع جماعة من الأمراء من الجب بالقاهرة، وتوجّه إلى مكة وصحبته الأمير سيف الدين أرغون الدوادار نائب السلطنة بمصر هو وبنوه وأولاده ومماليكه، فوصلوا مكة فى ثالث عشرى ذى القعدة، فتألم أهل مكة لوصول السيد رميثة إلى مكة؛
стр. 1354
لأن الناس مجتمعون على حب عطيفة، لكن أمر مكة إلى أخيه عطيفة، وقيل إن رميثة لما قدم كان أميرا على مكة شريكا لأخيه عطيفة (١).
وفيها قدمت مكة رجبية (٢).
وفيها كان حاج مصر ستة (٣) ركوب، رحل أولهم من القاهرة يوم الاثنين سادس عشر شوال، ورحل آخرهم يوم الجمعة تاسع عشر شوال، وسار الأمير أرغون النائب أوّل القعدة فى جماعة، ثم توجّه الفخر/ناظر الجيش فى جماعة، وسار من القاهرة إلى مكة فى مدة اثنى عشر يوما، وركب البحر خلائق. وصلّوا بمنى الصلوات الخمس أولها الظهر من يوم التروية، وآخرها الصبح من يوم عرفة، وساروا إلى عرفة بعد طلوع الشمس، وأحيوا هذه السنة بعد تركها.
وحج أرغون الدوادار النائب ماشيا من مكة إلى عرفة كهيئة الفقراء، وحضر الموقف عالم كثير من جميع الأقاليم والبلاد، حتى إنه اجتمع بها ما يزيد على ثلاثين ركبا، ووقف محمل العراق خلف محمل مصر، ومن خلفه محمل اليمن (٤).
стр. 1355
واعتنى أبو سعيد بن خربندا بأمر حاج العراق عناية تامة، وحلّى المحمل بالحرير، ورصّعه بالذهب وباللؤلؤ والياقوت وأنواع الجوهر؛ فقوم ذلك بمائة تومان ذهب. قال الذهبى: وحسبنا ذلك بمائتى ألف دينار وخمسين ألف دينار من الذهب المصرى، وجعل للمحمل جترا (١) ينصب عليه إذا وضع. فلما مر ركب العراق بعرب البحرين خرج عليهم ألف فارس يريدون أخذهم، فتوسط الناس بينهم على أن يأخذوا من أمير الركب ثلاثة آلاف دينار. فلما قيل لهم إنما جئنا من العراق بأمر الملك الناصر صاحب مصر وكتابه إلينا بالمسير للحجاز أعادوا المال وقالوا: لأجل السلطان الملك الناصر نخفركم بغير شئ. ومكنوهم من المسير، فبلغ ذلك السلطان فسرّ به وبالغ فى الإنعام على العربان، وكان السلطان قد بعث إلى أمراء المغل وأعيانهم الخلع، فلما انقضى الحج خلع عليهم الأمير أرغون، ودعا لأبى سعيد بعد الدعاء للسلطان بمكة (٢).
وكان أمير الركب المصرى بهاء الدين أصلم (٣)، وكانت الوقفة يوم الجمعة (٤).
стр. 1356
وكانت مكة فى هذه السنة طيّبة من كثرة المياه والخير والأمن، وأرسل إليها من الغلال ما له قيمة كثيرة، وجاء فى/هذه السنة من اليمنيين و [تجار] (١) الكارم خلق كثير إلى مكة؛ بسبب عدل عطيفة (٢).
وتصدّق الفخر ناظر الجيش فى الحرمين بعشرة آلاف دينار (٣).
وفيها عمّر رخام الحجر من قبل الناصر محمد بن قلاوون (٤).
وفيها عمّر مسجد الإجابة، وهو على يسار الذاهب إلى منى فى شعب بقرب ثنية أذاخر، ويقال إن النبى ﷺ صلى فيه (٥).
وفيها عمّر الشهاب أحمد بن عمر بن أبى بكر الهمدانى الأصل المعروف بابن المرجانى (٦) ما شعث من مسجد الخيف بمنى بشئ كثير من ماله يزيد على عشرين ألف درهم ويقال على خمسين ألف درهم.
***
стр. 1357
«سنة إحدى وعشرين وسبعمائة»
فيها - فى أولها - حلف بنو حسن لرميثة، وأظهر رميثة مذهب الزيدية، وكتب عطيفة أمير مكة، ومملوك كان معه لنائب السلطان، يذكران للسلطان ذلك. فوصلت الكتب للسلطان فى ربيع الآخر - أو فى جمادى الأولى - فانجرح (١) السلطان من هذا الأمر واشتد غضبه على رميثة.
وفيها كان بمكة وما حولها غلاء شديد فى الحبّ والسمن واللحم، وعدم التّمر بالكلية (٢).
وفيها حجت خوند طغاي جارية الناصر أمّ ولده آنوك، وجعل أرغون لخوند ثمان عربات كعادة بلاد الترك، فأعجب السلطان ذلك، فسافرت فيها، ورفعت عليها العصائب السلطانية، ودقّت الكوسات وراءها، وحملت الخضروات والبقول والرياحين فى المحاير (٣) مزروعة فى الطين، ولم يعهد سفر امرأة من نساء الملوك مثل سفرها.
وسافر معها الأمير قجليس، والقاضى كريم الدين الكبير، وخرج النائب (٤) والحجاب فى خدمتها إلى بركة الحاج، حتى رحلت فى يوم
стр. 1358
الأربعاء سابع عشرى شوال، فحجت وعادت إلى القاهرة؛ فخرج السلطان إلى لقائها ببركة الحاج، ومدّ سماطا عظيما، وخلع على سائر الأمراء وأرباب الوظائف وجميع القهرمانات مثل الست حدق المعروفة بالست (١) مسكة، ونساء الأمراء/ودخلوا إلى منازلهم، ولم يسمع بمثل هذه الحجة فى كثرة خيرها وسعة العطاء، ويقال إنه أنفق على حجة طغاى مبلغ ثمانين ألف دينار وستمائة وثمانين دينارا سوى كراء الحمول وثمن الجمال ومصروف الجوامك (٢)، وسوى ما حمل [من] (٣) أمير الشام ومن أمراء مصر.
وفيها حج نائب دمشق تنكز الناصرى (٤).
وفيها مات العارف بالله العفيف أبو محمد عبد الله [بن عبد الحق] (٥) بن عبد الله القرشى المخزومى الدّلاصى، فى ليلة الجمعة رابع عشر المحرم.
стр. 1359
وفاطمة بنت القطب محمد بن أحمد القسطلانى فى صفر أو ربيع الأول (١).
والقاضى عبد الله بن القاضى سليمان بن محمد بن عبد الله الشيبانى فى جمادى الأولى (٢).
والشيخ نجم الدين عبد الله بن محمد بن محمد بن على الأصبهانى ليلة الاثنين سادس عشر جمادى الآخرة (٣).
والشيخ الصالح برباط رامشت محمد الزيلعى (٤).
والمجد أحمد بن إبراهيم بن يعقوب بن أبى بكر الطبرى (٥).
***
«سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة»
فيها توجه صاحب مكة الشريف عطيفة بن أبى نمى إلى القاهرة، وأخبر بقحط الحجاز لعدم المطر، وأنهم استقوا ثلاثا فلم
стр. 1360
يسقوا، ووصل القمح مائتين وخمسين درهما الإردب، فرسم السلطان أن يحمل إلى مكة ألفا إردب، وحمل النائب ألف إردب، والحاج آل ملك ألف إردب. فلما وصلت الغلال تصدّق بها؛ [فانحل السعر] (١)(٢) وأبيع الإردب القمح بمائة درهم (٢)، فأغيثوا بعد ذلك.
وفيها أسقط الناصر المكس المتعلق بالمأكول بمكة فقط، وعوّض صاحب مكة الشريف عطيفة بن أبى نمى عن ذلك ثلثى بلد (دماميل) (٣) من صعيد مصر.
وفيها حج أبو العباس أحمد بن على الظفارى مع ابن الفقيه أبى بكر محمد الصّبرى [التعزى] (٤) والذى صار إليه بها القضاء.
وفيها مات إمام المقام الرضى إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الطبرى، فى يوم السبت ثامن المحرم/، وقيل ثامن صفر، وقيل ثامن ربيع الأول (٥).
стр. 1361
وأبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن الحداد الصنهاجى فى يوم التروية (١).
***
«سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة»
فيها حج القاضى بدر الدين بن جماعة، وابنه عز الدين، والأمير سيف الدين آل ملك، وتوجهوا إلى مكة فى ثانى شوال، والأمير بيبرس الدوادار نائب السلطنة، وتوجه إلى مكة فى حادى عشر شوال، ومعه حاج كثير، ورحل المحمل صحبة الحاج فى ثامن عشر شوال من البركة، وتوجّه الفخر ناظر الجيش فى ثانى عشرى (٢) شوال إلى القدس ثم توجه منه إلى الحج، وكانت عدة ركوب حجاج مصر ستة ركوب على كل ركب أمير. وحج فى هذه السنة الأمير سيف الدين طشتمر حمّص أخضر الساقى. ووصل القاضى بدر الدين بن جماعة والأمير آل ملك يوم الأحد عشرى القعدة.
وكانت الوقفة يوم الجمعة (٣).
وفيها مات القطب محمد بن الشيخ عبد الله [بن عبد الحق] الدلاصى فى مستهل صفر (٤).
стр. 1362
والجمال أحمد بن عمر بن عمر بن داود الأرجانى فى نصف رجب (١).
وأحمد بن أحمد المازنى الواسطى فى سابع عشر رمضان (٢).
***
«سنة أربع وعشرين وسبعمائة»
فيها بيعت الغرارة الحب الشامية فوق ألف وثلاثمائة درهم (٣).
وفيها حج ملك التكرور موسى بن أبى بكر الأسود، ومعه أكثر من خمسة عشر ألفا من التكاررة، ودخل إلى السلطان بالقاهرة فسلم ولم يجلس، ثم أركب حصانا، وأهدى هو إلى السلطان أربعين ألف مثقال، وإلى نائبه عشرة آلاف، ونزل سعر الذهب بالقاهرة درهمين (٤).
стр. 1363
وثارت فتنة بين التكاررة والترك بالمسجد الحرام، شهرت فيها السيوف فى المسجد، وكان ملك التكرور نازلا بالشباك المشرف على المسجد الحرام بجانب رباط الخوزى، فأشرف من الشباك على أصحابه وأشار إليهم بالرجوع عن القتال، فكفوا عن ذلك؛ وذلك من رجحان عقله، إذ لا ملجأ له ولا ناصر فى غير/وطنه وأهله. ثم رجع ملك التكرور فخلع عليه السلطان خلعة الملك؛ عمامة مدورة وجبة سوداء وسيفا مذهبا.
وفيها كان أميرا على مكة رميثة وعطيفة ابنا أبى نمى. وكان أمير الركب المصرى أيتمش المحمدى (١).
وفيها مات محمد بن أحمد بن عثمان بن عجلان - بكسر العين - القيسى الإشبيلى (٢).
***
«سنة خمس وعشرين وسبعمائة»
فيها وصل عسكر من مصر متوجها إلى اليمن ومقدمه نائب السلطان بيبرس الحاجب؛ نجدة للملك المجاهد بن الناصر صاحب اليمن، وعند وصولهم خرج إمام الزيدية من مكة وأقام بوداى مرّ، وما رجع إليها إلى وقت الحاج، وعاد بعد الموسم إلى ما كان يفعله.
стр. 1364
وإمام الزيدية المشار إليه رجل شريف كان يصلى بالزيدية بين الركنين: اليمانى والحجر الأسود، فإذا صلّى صلاة الصبح دعا بدعاء مبتدع وجهر به صوته وهو: اللهم صل على محمد وعلى آل بيته المصطفين الأطهار، المنتخبين الأخيار، الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهرهم تطهيرا. اللهم انصر الحق والمحقين، واخذل الباطل والمبطلين؛ ببقاء ظل أمير المؤمنين، ترجمان البيان، وكاشف علوم القرآن، الإمام محمد بن المطهر بن يحيى بن رسول الله ﷺ ، الذى بالدين أحيا، إمام المتقين وحجاب الضالين. اللهم انصره، وشعشع أنواره، واقتل حسّاده، واكبت أضداده. مع زيادات على هذا. وكان إذا صلى صلاة المغرب دعا أيضا بهذا الدعاء، وجهر به صوته فى هاتين الصلاتين (١).
وأقام العسكر بمكة إلى أن وصلت إقاماتهم من مصر إلى جدة؛ فأبيع الشعير بثلاثين درهما الإردب، والدقيق بعشرين درهما الويبة. ثم رحلوا فى خامس جمادى الأولى ثم عادوا إلى مكة فى حادى عشر رمضان بعد مشقة زائدة، وساروا من مكة يوم عيد الفطر إلى القاهرة (١).
وفيها كان بمكة رخاء؛ بيع الإردب القمح المصرى بثمانية عشر درهما، وذلك/بساحل جدة (٢).
стр. 1365
وفيها وقف الناس بعرفة يومين. السبت والأحد؛ لاختلاف فى هلال ذى الحجة. وكان الركب المصرى قليلا والعراقى كثيرا (١).
***
«سنة ست وعشرين وسبعمائة»
فيها عمّر بازان رسول الأمير جوبان بن تلك بن تداون نائب السلطنة بالعراقين عن السلطان أبى سعيد بن خربندا ملك التتر عين عرفة، وكان الناس فى جهد عظيم بسبب قلة الماء بمكة، فإن الراوية كانت تباع بها فى الموسم بعشرة دراهم مسعودية (٢)، وفى غير الموسم من ستة دراهم إلى سبعة، فقصد الأمير جوبان عمل خير بمكة، فدلّه بعض الناس على عين كانت تجرى فى القديم ثم تعطلت. فندب لذلك بعض ثقاته وأعطاه خمسين ألف دينار وجهزه فى الموسم سنة خمس وعشرين، فلما قضى حجه تأخّر بمكة، واشتهر أمره بها، فأعلم بعين فى عرفة؛ فنادى بمكة: من أراد العمل فى العين فله ثلاثة دراهم فى كل يوم. فهرع إليه العمال، وخرج بهم (٣) إلى العمل فلم يشقّ على أحد منهم ولا استحثه، وإنما كانوا يعملون باختيارهم؛ فأتاه
стр. 1366
جمع كثير من العرب وعمل حتى النساء، إلى أن جرى الماء بمكة بين الصفا والمروة، فى ثامن عشرى جمادى الأولى من هذه السنة، وكانت مدة العمل أربعة أشهر، وكثر النفع بهذه العين وعمّ وعظم، وصرفه أهل مكة إلى مزارع الخضر. وكان جملة ما صرف عليها فى هذه العمارة مائة ألف درهم وخمسين ألف درهم. فلما فرغ بازان من عمارة العين قدم إلى مصر واجتمع بالسلطان وعرّفه خبر العين؛ فشقّ عليه ذلك وقال له على لسان النائب (١): من أذن لك فى هذا ولم لا شاورتنى؟ فقال للنائب: عرّف السلطان أن جوبان فعل ما فعل من الخير وبقى الأمر للسلطان، إن شاء يخرب أو يعمر، فهذا شيء قد فعله (٢) من فعله وخرج عنه، /والأمر إليكم: فلما بلغ قوله للسلطان سكت.
واتفق فى إجراء هذه العين قضية أذكرها لغرابتها. قال الشيخ نجم الدين خليفة بن محمود الكيلانى (٣) مباشر عمارة العين: إنه لما وصل فى الحفر إلى موضع ذكره كان الماء يفور فلا ندرى أين يذهب ولا نرى عينا ولا أثرا، ثم فى بعض الأيام خرج أحد الحفارين من تحت الحفر مصروعا لا يتكلم، فمكث كذلك طويلا فسمعناه يقول: يا مسلمين (٤)، لا يحل لكم أن تظلمونا. قلت له أنا: وبأى شيء
стр. 1367
ظلمناكم؟ قال: نحن سكان هذه الأرض، ولا والله ما فيهم مسلم غيرى، وقد تركتهم ورائى مسلسلين وإلا كنتم لقيتم منهم شرا، وقد أرسلونى إليكم يقولون: لا ندعكم تمرون بهذا الماء فى أرضنا حتى تبذلوا لنا حقنا. قلت: وما حقكم؟ قال: تأخذون ثورا وتزينونه بأعظم زينة وتلبسونه وتزفونه من داخل مكة حتى تنتهوا به إلى هنا فاذبحوه، ثم اطرحوا لنا دمه وأطرافه ورأسه فى بئر عبد الصمد، وشأنكم بباقيه، وإلا فلا ندع الماء يجرى فى هذه الأرض أبدا. قلت له: نعم أفعل ذلك. وإذا بالرجل قد أفاق يمسح وجهه وعينيه ويقول: لا إله إلا الله، أين أنا؟ وقام الرجل ليس به قلبة (١).
فذهبت إلى بيتى، فلما أصبحت ونزلت أريد المسجد إذا برجل على الباب لا أعرفه، فقال لى: الحاج خليفة ها هنا؟ قلت: وما تريد به؟ قال: حاجة أقولها له. قلت: قل لى الحاجة، وأنا أبلغه إياها فإنه مشغول. قال لى: قل له إنى رأيت البارحة فى النوم ثورا عظيما قد زيّنوه بأنواع الحلى واللباس وجاءوا به يزفونه حتى مروا به على دار خليفة فوقفوه إلى أن خرج ورآه وقال نعم هو هذا، ثم أقبل به يسوقه والناس خلفه يزفونه حتى خرج من مكة، فذبحوه وألقوا رأسه وأطرافه فى بئر. قال: فتعجبت من منامه وحكيت الواقعة والمنام لأهل مكة وكبرائهم، /فاشتروا ثورا وزينوه وألبسوه وخرجنا به نزفه حتى انتهينا به إلى موضع الحفر فذبحناه وألقينا رأسه وأطرافه ودمه فى البئر التى
стр. 1368
سماها، قال فما هو إلا أن طرحنا ذلك فى البئر وكأن من أخذ بيدى وأوقفنى على مكان وقال: احفرواها هنا. فحفرنا فإذا بالماء يموج فى ذلك الموضع وإذا طريق منقورة فى الجبل يمر تحتها الفارس بفرسه، فأصلحناها فجرى الماء فيها يسمع خريره، فلم يكن إلا نحو أربعة أيام وإذا بالماء بمكة، وأخبرنا من حول البئر أنهم لم يكونوا يعرفون فى البئر ماء يردونه، فما هو إلا أن امتلأت وصارت موردا (١).
وفيها قدم السيد رميثة إلى الديار المصرية، وكان السيد عطيفة [منفردا] (٢) بإمرة مكة فوصل إليه مرسوم من السلطان بتبطيل مقام الزيدية، والإنكار عليه فى ذلك، وفى أمور حدثت بمكة، فدخل السيد عطيفة المسجد عند وصول المرسوم وأخرج إمام الزيدية إخراجا عنيفا، ونادى بالعدل فى البلاد، وحصل بذلك سرور عظيم للمسلمين (٣).
وفيها حج أرغون الدوادار نائب السلطنة بمصر، وولده ناصر الدين محمد (٤)، وأبو الحسن أحمد [بن] (٥) الفقيه على الجنيد بن الفقيه أحمد بن محمد بن منصور بن الجنيد.
стр. 1369
«سنة سبع وعشرين وسبعمائة»
فيها كان الحاج المصرى قليلا جدا، وكان أميرهم جمال الدين آقوش نائب الكرك (١).
وصلى الحجاج الشاميون بمنى خمس صلوات أوّلها الظهر من يوم التروية، وآخرها الصبح من يوم عرفة، وساروا إليها بعد طلوع الشمس؛ وأحيوا هذه السّنّة بعد تركها (٢).
وفيها أرسل السلطان علاء الدين على بن هلال الدولة لعمارة حرم مكة لأنه قد بلغه أن سقوفه قد تشعثت وتهدم فيه عدة جدر، وجهز كل ما يحتاج إليه من المال والصناع والآلات، /وكتب للشريف ١٤٤ بمساعدته (٣).
وفيها - أو فى التى بعدها - حج العراقيون ومعهم تابوت جوبان نائب السلطنة بالعراق، وحضروا به المواقف، وطافوا به حول البيت ليلا، وذهبوا به إلى المدينة ليدفنوه بالتربة التى بناها بمدرسته عند باب الرحمة - أحد أبواب المسجد النبوى - فلم يمكن من الدفن بها، ودفن بالبقيع (٤).
стр. 1370
وفيها ماتت زينب بنت الضياء محمد بن عمر بن محمد بن عمر ابن الحسن القسطلانى فى صفر (١).
ومسعود بن قاسم الصبحى فى يوم الجمعة تاسع ربيع الأول (٢).
والشيخ أبو بكر بن عمر بن عثمان بن الحاج إسماعيل صاحب مقدشوه، لثلاث بقين من ربيع الآخر (٣).
والشهاب أحمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن أبى بكر الطبرى، فى ثالث الحجة ببيت المقدس (٤).
ومحمد بن أخت قاضى دمشق نجم الدين ميسر الشافعى، فى ثامن الحجة يوم التروية (٥).
والشيخ الصالح العارف بالله أفضل بن محمود بن محمود السّروى بمنى فى أيام التشريق (٦).
وعلم الدين عبد الله بن عبد الحق المصرى المعروف بالوراب (٧).
***