← История

История · id 1670

إتحاف الورى بأخبار أم القرى

النجم ابن فهد المكي

Полный текст (2 503 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

جمع كثير من العرب وعمل حتى النساء، إلى أن جرى الماء بمكة بين الصفا والمروة، فى ثامن عشرى جمادى الأولى من هذه السنة، وكانت مدة العمل أربعة أشهر، وكثر النفع بهذه العين وعمّ وعظم، وصرفه أهل مكة إلى مزارع الخضر. وكان جملة ما صرف عليها فى هذه العمارة مائة ألف درهم وخمسين ألف درهم. فلما فرغ بازان من عمارة العين قدم إلى مصر واجتمع بالسلطان وعرّفه خبر العين؛ فشقّ عليه ذلك وقال له على لسان النائب (١): من أذن لك فى هذا ولم لا شاورتنى؟ فقال للنائب: عرّف السلطان أن جوبان فعل ما فعل من الخير وبقى الأمر للسلطان، إن شاء يخرب أو يعمر، فهذا شيء قد فعله (٢) من فعله وخرج عنه، /والأمر إليكم: فلما بلغ قوله للسلطان سكت. واتفق فى إجراء هذه العين قضية أذكرها لغرابتها. قال الشيخ نجم الدين خليفة بن محمود الكيلانى (٣) مباشر عمارة العين: إنه لما وصل فى الحفر إلى موضع ذكره كان الماء يفور فلا ندرى أين يذهب ولا نرى عينا ولا أثرا، ثم فى بعض الأيام خرج أحد الحفارين من تحت الحفر مصروعا لا يتكلم، فمكث كذلك طويلا فسمعناه يقول: يا مسلمين (٤)، لا يحل لكم أن تظلمونا. قلت له أنا: وبأى شيء

стр. 1367

ظلمناكم؟ قال: نحن سكان هذه الأرض، ولا والله ما فيهم مسلم غيرى، وقد تركتهم ورائى مسلسلين وإلا كنتم لقيتم منهم شرا، وقد أرسلونى إليكم يقولون: لا ندعكم تمرون بهذا الماء فى أرضنا حتى تبذلوا لنا حقنا. قلت: وما حقكم؟ قال: تأخذون ثورا وتزينونه بأعظم زينة وتلبسونه وتزفونه من داخل مكة حتى تنتهوا به إلى هنا فاذبحوه، ثم اطرحوا لنا دمه وأطرافه ورأسه فى بئر عبد الصمد، وشأنكم بباقيه، وإلا فلا ندع الماء يجرى فى هذه الأرض أبدا. قلت له: نعم أفعل ذلك. وإذا بالرجل قد أفاق يمسح وجهه وعينيه ويقول: لا إله إلا الله، أين أنا؟ وقام الرجل ليس به قلبة (١). فذهبت إلى بيتى، فلما أصبحت ونزلت أريد المسجد إذا برجل على الباب لا أعرفه، فقال لى: الحاج خليفة ها هنا؟ قلت: وما تريد به؟ قال: حاجة أقولها له. قلت: قل لى الحاجة، وأنا أبلغه إياها فإنه مشغول. قال لى: قل له إنى رأيت البارحة فى النوم ثورا عظيما قد زيّنوه بأنواع الحلى واللباس وجاءوا به يزفونه حتى مروا به على دار خليفة فوقفوه إلى أن خرج ورآه وقال نعم هو هذا، ثم أقبل به يسوقه والناس خلفه يزفونه حتى خرج من مكة، فذبحوه وألقوا رأسه وأطرافه فى بئر. قال: فتعجبت من منامه وحكيت الواقعة والمنام لأهل مكة وكبرائهم، /فاشتروا ثورا وزينوه وألبسوه وخرجنا به نزفه حتى انتهينا به إلى موضع الحفر فذبحناه وألقينا رأسه وأطرافه ودمه فى البئر التى

стр. 1368

سماها، قال فما هو إلا أن طرحنا ذلك فى البئر وكأن من أخذ بيدى وأوقفنى على مكان وقال: احفرواها هنا. فحفرنا فإذا بالماء يموج فى ذلك الموضع وإذا طريق منقورة فى الجبل يمر تحتها الفارس بفرسه، فأصلحناها فجرى الماء فيها يسمع خريره، فلم يكن إلا نحو أربعة أيام وإذا بالماء بمكة، وأخبرنا من حول البئر أنهم لم يكونوا يعرفون فى البئر ماء يردونه، فما هو إلا أن امتلأت وصارت موردا (١). وفيها قدم السيد رميثة إلى الديار المصرية، وكان السيد عطيفة [منفردا] (٢) بإمرة مكة فوصل إليه مرسوم من السلطان بتبطيل مقام الزيدية، والإنكار عليه فى ذلك، وفى أمور حدثت بمكة، فدخل السيد عطيفة المسجد عند وصول المرسوم وأخرج إمام الزيدية إخراجا عنيفا، ونادى بالعدل فى البلاد، وحصل بذلك سرور عظيم للمسلمين (٣). وفيها حج أرغون الدوادار نائب السلطنة بمصر، وولده ناصر الدين محمد (٤)، وأبو الحسن أحمد [بن] (٥) الفقيه على الجنيد بن الفقيه أحمد بن محمد بن منصور بن الجنيد.

стр. 1369

«سنة سبع وعشرين وسبعمائة» فيها كان الحاج المصرى قليلا جدا، وكان أميرهم جمال الدين آقوش نائب الكرك (١). وصلى الحجاج الشاميون بمنى خمس صلوات أوّلها الظهر من يوم التروية، وآخرها الصبح من يوم عرفة، وساروا إليها بعد طلوع الشمس؛ وأحيوا هذه السّنّة بعد تركها (٢). وفيها أرسل السلطان علاء الدين على بن هلال الدولة لعمارة حرم مكة لأنه قد بلغه أن سقوفه قد تشعثت وتهدم فيه عدة جدر، وجهز كل ما يحتاج إليه من المال والصناع والآلات، /وكتب للشريف ١٤٤ بمساعدته (٣). وفيها - أو فى التى بعدها - حج العراقيون ومعهم تابوت جوبان نائب السلطنة بالعراق، وحضروا به المواقف، وطافوا به حول البيت ليلا، وذهبوا به إلى المدينة ليدفنوه بالتربة التى بناها بمدرسته عند باب الرحمة - أحد أبواب المسجد النبوى - فلم يمكن من الدفن بها، ودفن بالبقيع (٤).

стр. 1370

وفيها ماتت زينب بنت الضياء محمد بن عمر بن محمد بن عمر ابن الحسن القسطلانى فى صفر (١). ومسعود بن قاسم الصبحى فى يوم الجمعة تاسع ربيع الأول (٢). والشيخ أبو بكر بن عمر بن عثمان بن الحاج إسماعيل صاحب مقدشوه، لثلاث بقين من ربيع الآخر (٣). والشهاب أحمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن أبى بكر الطبرى، فى ثالث الحجة ببيت المقدس (٤). ومحمد بن أخت قاضى دمشق نجم الدين ميسر الشافعى، فى ثامن الحجة يوم التروية (٥). والشيخ الصالح العارف بالله أفضل بن محمود بن محمود السّروى بمنى فى أيام التشريق (٦). وعلم الدين عبد الله بن عبد الحق المصرى المعروف بالوراب (٧). ***

стр. 1371

«سنة ثمان وعشرين وسبعمائة» فيها كان بمكة رخاء، بيع فيه القمح كل إردب بأربعين درهما، والدقيق كل ويبة بثمانية دراهم، وكان الرخاء أيضا فى اللحم والسمن والعسل (١). وفيها عمّر ابن هلال الدولة الشبابيك الحديد المطيفة بمقام إبراهيم الخليل من جوانبه الأربعة، وكانت خشبا قبل ذلك، وجدّد سطح المسجد الحرام وأبوابه، والمطهرة المعروفة بالناصرية عند باب بنى شيبة، وأوقفها عن الملك الناصر صاحب مصر، وأجرى عين جبل ثقبة فى مجرى عين بازان، وجملة المصروف عليها خمسة آلاف درهم. وزرع بها البطيخ والذرة والخضروات وغيرها، وامتلأت البرك (٢). وفيها حج بالركب المصرى الأمير شهاب الدين أحمد بن المهمندار، وحج أيضا طقزدمر، والفخر ناظر الجيش، وست حدق، وعملت معروفا كبيرا، وكانت الوقفة/الجمعة (٣). ١٤٥ وفيها مات الناخوذة صلاح الدين خضر بن قرامرز الكازرونى، فى يوم الاثنين لثلاث بقين من صفر (٤).

стр. 1372

والموفق أبو الحسن على بن أبى بكر [محمد] العقيلى نسبا الزيلعى، فى يوم الثلاثاء سابع عشرى الحجة (١). *** «سنة تسع وعشرين وسبعمائة» فيها مات الشمس محمد بن عبد الله بن على بن يوسف بن شاهد القيّمة الدمشقى المصرى، فى أوائلها (٢). والكمال أبو الطاهر محمد بن عبد الرحمن بن أبى الفتح العمرى المصرى، المؤذن بالمسجد الحرام، فى يوم الاثنين رابع عشرى رجب (٣). *** «سنة ثلاثين وسبعمائة» فيها حضر الأمير عطيفة على العادة، ولبس خلعة السلطان، ولم يحضر أخوه رميثة، ولا اجتمع مع الأمراء، ولا حضر (٤) الموقف مع أخيه.

стр. 1373

وفيها فى يوم الجمعة رابع عشر ذى الحجة قتل الأمير الجندار (١) ألدمر بن عبد الله الناصرى بمكة، وكان من خبر ذلك أن أمير الركب العراقى هذه السنة كان من أهل توريز ويعرف بمحمد الحجيج، تقرب من أولاد جوبان فترقى بهم إلى معرفة السلطان أبى سعيد فعظم أمره، وجعله من ندمائه، وبعثه رسولا إلى مصر غير مرة؛ فأعجب به السلطان ولاق بخاطره إلى أن بلغه عنه أنه تعرض فى مجلس أبى سعيد بشيء ذكره مما يكرهه السلطان، فتنكّر له وأسرّ ذلك فى نفسه، فلما بلغه أنه سار أمير الركب العراقى كتب إلى الشريف عطيفة بن أبى نمى سرّا أن يتحيل فى قتله. فلم يجد بدا من امتثال ما أمر به، وأطلع ولده مبارك بن عطيفة ومن يثق به على ذلك، وتقدم إليهم بإعمال الحيلة فيه، فلما قضى الحاج النسك عاد منهم الأمير علم الدين سنجر الجاولى إلى مصر، ومعه جماعة فى يوم الأربعاء ثانى عشر ذى الحجة، وتأخر الأمير سيف الدين خاص ترك أمير الحاج، والأمير سيف الدين/ألدمر الجندار (٢)، والأمير أحمد بن خالة ١٤٦ السلطان ليصلّوا بمكة صلاة الجمعة، ومعهم بقية حجاج مصر. فلما حضروا للجمعة وصعد الخطيب المنبر أراد الشريف عمل ما رسم به. فأخذ العبيد فى إثارة الفتنة بين الناس ليحصل الغرض بذلك، وأوّل ما بدءوا به عبثوا ببعض حاج العراق، وخطفوا شيئا من

стр. 1374

أموالهم بباب المسجد الحرام؛ باب إبراهيم. وكان الشريف عطيفة جالسا إلى جانب الأمير خاص ترك أمير الركب، فصرخ الناس بالأمير ألدمر - وليس عنده علم بما كتب به السلطان إلى الشريف عطيفة، وكان مع ذلك شجاعا حاد المزاج قوى النفس - فنهض ومعه جماعة من المماليك، وقد تزايد صراخ الناس، وأتى الشريف وسبّه وقبض بعض قواده وأخرق به، فلاطفه الشريف فلم يسكن، واشتد صياح الناس. فركب الشريف مبارك بن عطيفة فى قواد مكة بآلة الحرب، وركب جند مصر. فبادر خليل ولد الأمير ألدمر ليطفئ الفتنة، وضرب أحد العبيد، فرماه العبد بحربة قتله. فلما رأى أبوه ذلك اشتد غضبه وحمل بنفسه لأخذ ثأر ولده. فرمى الآخر بحربة فمات. ويقال: بل صدف الشريف مبارك بن عطيفة وقد قصد أمير العراق وعليه آلة حربه، فقال له: ويلك!! تريد أن تثير فتنة؟ وهمّ أن يضربه بالدبوس، فضربه مبارك بحربة كانت فى يده أنفذها من صدره؛ فخرّ صريعا وقضى الله معهما بالشهادة لجماعة آخرين، منهم مملوك الأمير ألدمر وأمير عشرة يعرف بابن التاجى (١)، وجماعة نسوة وغيرهم من الرجال. فركب أمير الركب عند ذلك ونجا بنفسه. ورمى مبارك ابن عطيفة بسهم فى يده فشلّت. وركب أهل مكة سطح الحرم ورموا الأمير أحمد ومن معه

стр. 1375

بالحجارة، وقد أفرغ نشابه بين يديه هو ومن معه، ورمى بها/حتى ١٤٧ خلص أيضا. وفرّ أمير ركب العراق، ودخلت الخيل المسجد الحرام، وفيهم جماعة من بنى حسن ملبسين غائرين، واختبط الناس بأسرهم، وتفرّق الناس وركب بعضهم بعضا، ونهبت الأسواق، وقتل من الخلق جماعة، ومن الحجاج وغيرهم؛ قتلهم عبيد الأشراف وغوغاء أهل مكة، ونهبت للناس أموال كثيرة، وجرت أمور عجيبة، وصلى الناس الجمعة والسيوف تعمل، وخرجوا إلى المنزلة والخيل فى أثرهم يضربون بالسيوف يمينا وشمالا، وما وصلوا إلى المنزلة وفى العين قطرة، ودخل الأمراء بعد الهزيمة إلى مكة لطلب بعض الثأر، وخرجوا فارين مرّة أخرى، ثم بعد ساعة جاء الأمراء خائفين، وبنو حسن وغلمانهم أشرفوا على ثنية كدى من أسفل مكة، وتحيّر الشريف عطيفة فى أمره، وما زال يداوى الأمر حتى خرج الحجاج بأجمعهم من مكة وأمروا بالرحيل، وتوجهوا إلى بلادهم، ولولا [أن] (١) سلم الله كانوا نزلوا عليهم، ولم يبق من الحجاج مخبر. فوقف [أمير] (٢) المصريين فى وجوههم يأمر بالرحيل. فاختبط الناس وجعل أكثر الناس يترك ما ثقل من أحمالهم، ونهب الحاج بعضهم بعضا. وكان من غريب الاتفاق أن فى يوم الجمعة الذى قتل فيه ألدمر

стр. 1376

كأنما نودى فى القاهرة ومصر وقلعة الجبل بقتل ألدمر فى فتنة كانت بمكة فى هذا اليوم، وتحدّث الناس بذلك حديثا فاشيا إلى أن بلغ السلطان وأمراء الدولة، فلم يعبئوا به وجعلوه من ترهات العامة. وأغرب من ذلك أن الأمير علم الدين سنجر الخازن كان كاشفا بالغربية من نواحى القاهرة، فلما عاد إلى منزله بعد صلاة عيد الأضحى وافاه أحد غلمانه - وقد حضر إليه من القاهرة - فأخربه أنه أشيع بالقاهرة أن فتنة كانت بمكة قتل فيها الأمير ألدمر أمير جندار؛ ١٤٨ فسخر من قوله/وقال: هذا كلام لا يقبله عاقل. وأخذ الخبر ينتشر حتى تحدث به كل أحد (١). وفيها حج العراقيون ومعهم فيل بعثه أبو سعيد بن خربندا ملك العراق لحمل المحمل؛ فتشاءم الناس به. وقالوا: هذا عام الفيل. فكانت الفتنة بمكة، وقتل ألدمر [وكان] (٢) ما كان. وحضروا بالفيل المواقف كلها، وساروا به إلى المدينة. فلما وصل إلى الفريش (٣) - بالتصغير - قبيل البيداء التى ينزل فيها إلى ذى الحليفة

стр. 1377

وقف وتقهقر، وصار كلما أرادوا أن يقدم رجلا تأخر مرة بعد مرة، فضربوه ليسير وهو يأبى إلا الرجوع إلى القهقرى، وكلما أرادوا أن يتقدم إلى جهة المدينة تأخر إلى ورائه، وهم يضربونه وهو يتأخر إلى أن سقط ميتا فى يوم الأحد رابع عشرى الحجة. ويقال إن المصروف عليه من حين خروجه من العراق إلى أن هلك زيادة على ثلاثين ألف درهم. ولم يعرف مقصد أبى سعيد فى بعثه الفيل إلى مكة (١). وفيها قدم مكة الشيخ على بن محمد بن داود البيضاوى الشهير بالزمزمى (٢). وفيها - فى ليلة الأربعاء سادس عشر الحجة - جاء سيل عظيم بلا مطر، امتلأت منه البرك التى فى المعلاة وعند المولد النبوى، وخرّب البساتين، وملأ المسجد الحرام بالأوساخ (٣). وفيها مات قاضى مكة نجم الدين أبو حامد محمد بن القاضى جمال الدين محمد بن المحب الطبرى، ضحوة يوم الجمعة ثانى جمادى الآخرة، وولّى الشريف عطيفة بن أبى نمى ولده الشهاب أحمد عوضا عنه، ووصلته الولاية فى سابع جمادى الآخرة، ثم فوض المجاهد (٤) إليه ذلك، وكتب له عند ذلك تقليد حسّن فيه من مدحه.

стр. 1378

كم من أب قد علا بابن فشرفه … كما علا برسول الله عدنان (١) وفيها مات الزين محمد بن محمد بن محمد القسطلانى فى سابع صفر (٢). وخضر بن محمد بن على الإربلى (٣) الصوفى. والشيخ سعادة المغربى (٤). *** ١٤٩ «سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة» فيها - فى ثالث المحرم - لما وصل القاصد من مكة وأخبر بصحة قتل ألدمر تعجّب الناس من صحة ما أشيع من قتله فى يوم قتله، فشقّ على السلطان ذلك، وكتب بإحضار الشريف عطيفة أمير مكة وولده وقواده (٥). فلما قدم الحاج أخبروا بكثرة الفتن بمكة بين الشريفين عطيفة ورميثة، وقوّة رميثة على عطيفة، ونهبه مكة، وخروجه عن الطاعة،

стр. 1379

وأنه لم يلق ركب الحجاج. فكتب بإحضارهما؛ فلما ورد المرسوم بطلب الشريفين إلى مصر اتفقا وخرجا عن الطاعة، فشقّ ذلك على السلطان وعزم على إخراج بنى حسن من مكة. وتقدم إلى الأمير أيتمش: أمير مائة مقدم ألف (١)، أن يخرج بعسكر إلى مكة، وعين معه من الأمراء: الأمير طيدمر الساقى، والأمير آقبغا آص، والأمير آق سنقر، والأمير طرقش [والأمير] (١) طقتمر الأحمدى، والأمير طقتمر الصلاحى. وأربعة عشر من مقدمى الحلقة، وعدة من أعيان أجناد الحلقة. ثم استدعى [السلطان] (٢) الأمير أيتمش بدار العدل، وقال له بحضرة القضاة: لا تدع فى مكة أحدا من الأشراف، ولا من القواد، ولا من عبيدهم، وناد بها: من أقام منهم حلّ دمه، ثم احرق جميع وادى نخلة، وألق فى نخلها النار حتى لا تدع شجرة مثمرة ولا دمنة عامرة، وخرّب ما حول مكة من المساكن، وأخرج حرم الأشراف منها، وأقم بها بمن معك حتى يأتيك عسكر آخر. فقام فى ذلك قاضى القضاة جلال الدين [محمد] (٢) القزوينى ووعظ السلطان، وذكّره بوجوب تعظيم الحرم، إلى أن استقر الأمر على أن

стр. 1380

كتب لرميثة أمان وتقليد بإمرة مكة. وسار العسكر من ظاهر القاهرة فى نصف صفر، وعدتهم ستمائة (١) فارس، فوصلوا مكة فى العشر الأول من ربيع الآخر، ولم يروا فى طريقهم أحدا من العرب ولا من غيرهم، ووجدوا الشريفين عطيفة ورميثة وأولادهما وعسكرهما لما سمعوا ١٥٠ بوصول العسكر إلى مكة هربوا/إلى جهة اليمن، وهرب الناس من مكّة إلى نخلة وغيرها. وكان الشريف رميثة قد جمع عربا كثيرا يريد محاربة الأمراء، فكتب إليه الأمير أيتمش يعرّفه بأمان السلطان له، وتقليده إمرة مكة، ويحثه على الحضور إليه، ويرغّبه فى الطاعة، ويحذره عاقبة الخلاف، ويهدده على ذلك، ويعرفه بما أمر به السلطان من إجلاء بنى حسن وأتباعهم عن مكة. فلما وقف على ذلك اطمأن إلى الأمير أيتمش، وأجابه بما كان قد عزم عليه من الحرب لو أن غيره قام مقامه، وطلب منه أن يحلف له هو ومن معه ألا يغدروه، وأن يقرضه خمسين ألف درهم يتعوضها من إقطاعه. فتقرر الحال على أن بعث إليه الأمير أيتمش خيرا كثيرا، من الزاد والدقيق والشعير والبقسماط والكعك والرقاق والسكر وغير ذلك، ومبلغ أربعين (٢) ألف درهم، فقدم حينئذ، فلما قارب مكة ركب الأمير أيتمش ومن معه إلى لقائه، فإذا عدة من قواده مع وزيره قد تقدموه ليحلّفوا له العسكر،

стр. 1381

فعادوا بهم إلى الحرم واجتمع المشايخ والصلحاء والأعيان، وحلّفوا الأمراء للشريف رميثة أيمانا مؤكدة على أنه إذا جاء إلى مكة لا يؤذونه؛ فسيّروا له أمانا: وهو خاتم ومنديل. فلما أن جاء الأمان ركب إلى مكة، ولاقاه الأمراء، وقابلوه بما يليق به من الإكرام؛ فلبس تشريف السلطان وتقلّد إمارة مكة وحده دون أخيه عطيفة، وقرئ تقليده وأمان السلطان. وعزم على تقدمة شيء للأمراء، فامتنعوا أن يقبلوا منه هدية. وكتبوا إلى السلطان بعود الشريف إلى الطاعة، وأقاموا بمكة واحدا وثلاثين يوما، ثم توجهوا منها إلى المدينة، ثم إلى القاهرة، بعد أن تأخر منهم بمكة خمسون نقيبا بسبب الحج، ويعودون مع الركب. وحصل خير كثير؛ فالحمد لله لم يرق بسببهم محجمة دم/ولا آذوا أحدا من الخلق. فلما وصل العسكر إلى القاهرة فى سابع جمادى الآخرة دخل الأمير أيتمش على السلطان، فشكره على ما كان منه، وكان قاضى القضاة جلال الدين القزوينى حاضرا؛ فأكثر من الثناء على أيتمش وقال: هذا الذى فعله هو الإسلام. فكانت مدة غيبتهم أربعة أشهر تنقص ثمانية أيام (١). وأرسل السيد رميثة رسولا إلى السلطان صاحب مصر، وتوجه الرسول من القاهرة إلى مكة فى سادس عشر جمادى الآخرة (٢).

стр. 1382

وفيها حج الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى، ومات فى رجوعه فى سابع عشر المحرم من السنة بعد هذه، بسطح عقبة أيلة، فصبّر وحمل إلى القاهرة (١). وفيها مات إمام الحنابلة بالمسجد الحرام القاضى جمال الدين محمد بن عثمان بن موسى بن عبد الله الآمدى ثم المكى الحنبلى، ضحوة يوم الأحد عشرى جمادى الآخرة، وولى بعده الإمامة ولده محمد (٢). وفيها مات علم الدين أبو ذرّ محمد بن عثمان بن يوسف النّويرى المالكى يوم الأربعاء سابع عشر شوال (٣). والشرف يعقوب بن محمد بن هارون الإربلى (٤). *** «سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة» فيها حج السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب

стр. 1383

مصر، ومعه نحو سبعين أميرا، وصاحب حماة الأفضل (١)، والقاضى جلال الدين محمد القزوينى، وعز الدين بن جماعة، وموفق الدين الحنبلى، وعز الدين بن الفرات الحنفى، وفخر الدين النويرى المالكى، وجماعة من الأعيان وغيرهم. وكان القاضى عز الدين بن جماعة والثلاثة بعده ينزلون فى خيمة (٢) واحدة، فإذا قدمت إليهم فتوى كتبوا عليها. فلما أن وصل السلطان إلى ينبع تلقّاه الأشراف من أهل المدينة بحريمهم، وقدم عليه الشريف أسد الدين رميثة من مكة ومعه قواده وحريمه، فأكرمهم السلطان وأنعم عليهم، وساروا معه إلى أن نزلوا خليص، ففر نحو ثلاثين/مملوكا إلى العراق. ١٥٢ فلما قدم مكة أكثر بها من الإنعام على الأمراء وأنفق فى جميع من معه من الأجناد والمماليك ذهبا كثيرا، وعمّ بصدقاته أهل الحرم (٣)، وفوّض للقاضى شهاب الدين الطبرى قضاء مكة، وأهدى القاضى شهاب الدين للسلطان تمرا وكعكا فى أطباق الخوص؛ فاستحسن منه ذلك السلطان، وقال: هذا قاض فقير (٤).

стр. 1384

واجتمع القاضى شهاب الدين الطبرى بالسلطان فسأله عن المراسيم التى تصل إلى مكة من جهته، فقال له: كثير منها لا أعرفه، وذكر له الناصر أمارة يعرف بها الصحيح من ذلك. وأن القاضى شهاب الدين قطّع بسبب ذلك نيّفا وأربعين مرسوما (١). واجتمع القاضى شهاب الدين والملك الناصر وشخص من أعيان الدولة يقال له ابن هلال فى الكعبة الشريفة، فقال ابن هلال الدولة للناصر: يا مولانا السلطان هذه الأساطين التى فى جوف الكعبة من سفينة نوح. فقال الناصر للقاضى شهاب الدين: هذا صحيح؟ فقال له القاضى شهاب الدين: كذا قيل. فعرف الناصر أنه أراد السّتر وألا يظهر لابن هلال الدولة منه سوء، فعاتبه ابن هلال الدولة بعد ذلك على كونه لم يصرّح بتصديقه، وقال له: هؤلاء ملوك ولا بد من الترويح عليهم فى القول (٢). وسأل السلطان الناصر القاضى شهاب الدين الطبرى فقال: سمعنا أن بمكة فسقا من اللهو وغيره. فقال القاضى شهاب الدين للسلطان: بلدنا هذه كسائر بلاد الله، بها البرّ والفاجر. وفيها فى آخر ذى الحجة وقع بمكة أمطار وصواعق: منها صاعقة على أبى قبيس قتلت رجلا، وصاعقة بمسجد الخيف (٣) قتلت رجلا، وأخرى بالجعرانة قتلت رجلين.

стр. 1385

وفيها كان أمير الحاج المصرى، عز الدين أيدمر الخطيرى (١). وفيها مات الخطيب بالمسجد الحرام/بهاء الدين محمد بن ١٥٣ عبد الله بن أحمد بن عبد الله الطبرى، فى يوم الجمعة سادس عشرى ربيع الأول، ووليها بعده أخوه التاج على، وخطب فى رابع عشر ربيع الآخر، ويقال إن القاضى شهاب الدين الطبرى استنجز بها توقيعا وترك التاج يخطب (٢). *** «سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة» فيها قتل ياسور (٣) أحد ملوك المغل وقت رمى الجمرات؛ وكان من خبره أن ملك التتر (٤) أبا سعيد بن خربندا لما قتل (٥) جوبان أراد إقامة ياسور (٦) لأنه من عظماء القان؛ فخوّف من شجاعته (٦) وأن جوبان كان يريد إقامته على الملك، فنفر منه أبو سعيد. ثم إنه

стр. 1386

استأذنه فى الحج فأذن له، وقام له بما يليق به، ثم طلب أبو سعيد المجد السلامى وكتب إلى السلطان يعرفه بأمر ياسور، ويخوفه منه أن تجتمع عليه المغل، ويسأل قتله. فدفع السلامى كتاب أبى سعيد إلى مملوكه قطلوبك السلامى، فقدم إلى السلطان أول ذى القعدة، فأركبه النجب فى عاشره إلى مكة، ومعه كتاب إلى الأمير برسبغا الحاجب - وقد حجّ من مصر - لطلب الشريف رميثة وموافقته [سرّا] (١) على قتل ياسور. فقدم قطلوبك مكة أول ذى الحجة، فلم يوافق رميثة على ذلك، واعتذر بالخوف من غائلته. فأعد برسبغا بعض نجابته من العربان لذلك، ووعده بما ملأ عينه. فلما قضى الحاج النسك من الوقوف والنحر ركب ياسور فى ثانى يوم النحر لرمى (٢) الجمار، وركب برسبغا أيضا. فعندما قارب الجمرة وثب عليه النجاب وضربه فألقاه إلى الأرض، وهرب نحو الجبل؛ فتبعه مماليك برسبغا وقتلوه أيضا، خشية من أن يعترف عليه. فاضطرب حجاج العراق وركب (٣) فرسانهم وأخذوا ياسور ١٥٤ قتيلا فى دمائه وصاروا إلى برسبغا منكرين ما حلّ بصاحبهم؛ فتبرأ/ من ذلك، وأظهر الترحم له، وقرر عندهم أن هذا الذى قتله إنما هو ممن له عليه ثأر، أو قاصد أحد غرمائه، وإنكم قد كفيتم أمره؛ فإنى أخذت لكم بثأره وقتل قاتله. فانصرفوا عنه وفى نفوسهم منه شيء،

стр. 1387

وما زالوا له بالمرصاد - وهو يتحرز منهم - حتى افترق ركب الحجاج العراقيين من الحجاج المصريين بالمدينة [النبوية] (١) الشريفة، فأمن برسبغا على نفسه، وتقدم الحاج إلى السلطان مع المبشرين. وفيها عمل الناصر محمد بن قلاوون بابا للكعبة الشريفة من السنط الأحمر وحلاه (٢) بخمسة وثلاثين ألف درهم وثلاثمائة درهم، وركب عليها بعد ما قلع الباب الذى عمله المظفر صاحب اليمن فى ثامن عشر ذى القعدة. وكان على الباب الذى جعله المظفر صفائح فضة زنتها ستون رطلا، صارت لبنى شيبة بعد قلعه (٣). وفيها مات على بن عرفة بن سليمان المكى فى رابع رجب (٤). وفيها مات القاضى جمال الدين عبد الله بن عمر بن أبى جرادة ابن العديم الحلبى الحنفى، فى رابع عشر الحجة (٥). وعمر بن محمد المسجدى اليمنى، فى ثامن عشر الحجة (٦). وأبو محمد بلال بن عبد الله الحبشى [عتيق] ابن العجمى فى ذى الحجة (٧).

стр. 1388

وقاسم بن عبد المعطى بن أحمد بن عبد المعطى بن مكى بن طراد الأنصارى بفاس من بلاد المغرب (١). *** «سنة أربع وثلاثين وسبعمائة» فيها قدم القاضى عز الدين بن جماعة مكة مع أهله وجاور بها (٢). وفيها جاء الشريف عطيفة من مصر متوليا نصف مكة، ونزل أم الدمن ثم دخل مكة، وأخذ نصف البلاد من أخيه الشريف رميثة. فلما كان ليلة النفر من منى أخرجه السيد رميثة من مكة بلا قتال؛ فتوجه عطيفة إلى مصر صحبة الحاج، وأقام بها إلى أن جاء مع الحاج فى السنة الآتية (٣). وفيها مات الشيخ عفيف الدين عبد الله بن شهاب الدين المرسى فى رابع جمادى الآخرة (٤). ***

стр. 1389

«سنة خمس وثلاثين وسبعمائة» فيها قدمت الرجبية من مصر إلى مكة المشرفة، وفيها خلق كثير منهم الشيخ شهاب الدين الهكارى وجاور، وأخبرت الرجبية أن الشريف عطيفة بمصر ملزوما هو وولده مبارك، ثم قدما مكة صحبة الحاج - والشريف عطيفة متوليا لنصف البلاد - ومعه خمسون مملوكا شراء ومستخدمين، وأخذ نصف البلاد بلا قتال، وتوافق هو وأخوه (١). وكانت الوقفة فى هذه السنة يوم الجمعة (٢). وفيها مات الجمال محمد بن الصفى أحمد بن محمد بن إبراهيم الطبرى، فى ليلة الجمعة حادى عشرى صفر (٣). *** «سنة ست وثلاثين وسبعمائة» فيها لم يحج العراقيون؛ لموت سلطانهم أبى سعيد بن خربندا، واختلاف الكلمة بعده، ودام انقطاعهم سنين كثيرة (٤).

стр. 1390

وفيها جرت بين الشريفين عطيفة ورميثة وحشة ومباعدة؛ فأقام الشريف عطيفة بمكة ومعه المماليك، ورميثة بالجديد من وادى مرّ، فتسلط مبارك بن عطيفة على المجاورين، وأخذ مال التجار. فلما كان فى اليوم الثامن والعشرين من رمضان ركب السيد رميثة فى جميع عسكره، ودخل مكة على السيد عطيفة بين الظهر والعصر، وكان الشريف عطيفة برباط أم الخليفة (١)، والخيل والدروع والتجافيف فى العلقمية، فلم يزل رميثة وأصحابه قاصدين إلى باب العلقمية (٢) ولم يكن معهم رجالة، فوقف على باب العلقمية من حماها إلى أن أغلقت، والموضع ضيق لا مجال للخيل فيه، وحمت ذلك الغزّ والعبيد من غلمان عطيفة، فلم يحصل فى [ذلك] (٣) اليوم للشريف رميثة ظفر، وقتل فى ذلك اليوم من أصحاب رميثة وزيره واصل بن عيسى الزباع، وابن عمه حشيفة، ويحيى بن ملاعب، ثم ولوا راجعين إلى الجديد. ولم يقتل من أصحاب عطيفة غير عبد واحد أو اثنين - فيما قيل - والله أعلم (٤).

стр. 1391

ولم يحج/أحد من الشريفين فى هذه السنة؛ لأن رميثة أقام ١٥٦ بالجديد، وعطيفة أقام بمكة. ولم يحج الركب العراقى (١). وفيها جعلت الأساطين التى حول المطاف (٢)، وجعل بعضها بالحجارة المنحوتة الدقيقة، والباقى آجر مجصص، وجعل بين كل من الأساطين خشبة ممدودة راكبة عليها وعلى المقابلة لها؛ لأجل القناديل التى تعلق للاستضاءة حول الكعبة، عوض الأخشاب التى كانت فى هذا المكان على صفة الأساطين (٣). وفيها مات جدى القاضى جمال الدين محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن فهد الهاشمى، فى يوم الأربعاء - وقيل يوم الثلاثاء - رابع شعبان (٤). وعبد الله بن عبد الرحمن بن الضياء محمد بن عمر القسطلانى المكى المالكى، يوم عيد النحر (٥). *** «سنة سبع وثلاثين وسبعمائة» فيها اصطلح الشريفان رميثة وعطيفة على المشاركة فى الإمرة،

стр. 1392

وأقاما مدة، ثم توجها إلى ناحية اليمن بالواديين، وترك عطيفة ولده مباركا بمكة، وترك رميثة ولده مغامسا بالجديد، وحصل بين مبارك ومغامس منافرة، فركب مبارك إلى الجديد لقتال مغامس فى يوم السبت سابع عشرى رجب، وكان مع مبارك أصهاره الأعراب المعروفون ببنى عمير؛ أصحاب الخيف المعروف بخيف بنى عمير بوادى نخلة - وكان تزوج منهم فى هذه السنة بامرأة وبنى بها - وجماعة من أهل مكة؛ فالتقى عسكره وعسكر ابن عمه، فقتل من أصحاب مبارك خمسة أنفار، ومن أصحاب مغامس نفر واحد، وأخذت لأصحاب مغامس خيول، وهرب مغامس إلى الخيف. فلما كان اليوم العاشر من شعبان خرج مبارك بن عطيفة ومعه جماعة من أهل مكة فمنع عمه رميثة من دخول مكة لما توجّه إليها من اليمن مع النجاب الذى وصل من صاحب مصر لاستدعائه واستدعاء عطيفة للحضور إلى صاحب مصر، ومنع مبارك رميثة من دخول ١٥٧ مكة، ثم تراسلا؛ فمكنه/مبارك من دخول مكة، فدخلها ومكث فيها إلى ليلة الثالث عشر من شعبان، ثم خرج منها إلى الوادى. وفى صبيحة الليلة التى خرج فيها رميثة من مكة دخلها عطيفة مودعا وسافر إلى مصر بعد أخيه رميثة بمقدار خمسة أيام، وترك ابنه مباركا نائبا بمكة، ومعه أخوه مسعود بن عطيفة. وكان أخوهما محمد بن عطيفة فى اليمن بمن معه من الأشراف الذين لايموا عطيفة بعد أن كانوا مع أخيه رميثة لما فارق القواد عطيفة ولايموا رميثة، بعد قتل مبارك للقائد محمد بن عبد الله بن عمر بن مسعود العمرى؛ لأنه

стр. 1393

رماه بسهم بظاهر مكة فمات فى موضعه؛ لموجدة وجدها عليه، لكون القائد محمد خرج فيمن خرج من أهله وغيرهم مع رميثة بن أبى نمى لاستخلاص محمد بن الزين القسطلانى من مبارك لما قبض عليه مبارك، وذهب به إلى ساية (١)، وشاع بمكة أن مباركا قصده نهب بيوت التجار حتى بيت قاضى مكة شهاب الدين الطبرى، ولما بلغ مباركا ذلك أعلن بالنداء بالأمان، وحلف فى يوم جمعة من شوال هذه السنة عند مقام إبراهيم أنه ما همّ بهذا، ولا يفعل ذلك، بمحضر من جماعة من الفقهاء، ثم أرسل أخاه مسعودا إلى الوادى لقطع نخيل القواد ذوى عمر (٢)، فقطع منها نخلا كثيرا. ثم أرسل مبارك أربع رواحل لاستعلام أخبار الحاج - ولم يكن بلغه خبر عن أبيه وعمه من حين توجها إلى مصر - فلما كان فى ليلة رابع عشر القعدة من هذه السنة خرج مبارك بن عطيفة إلى وادى المبارك لقطع نخيل بعض أهلها بسبب حمشتهم (٣) له؛ فإنه كان قطع حسبا بينهم على أنهم لا يقتتلون إلى مدة حدّها لهم، فقتل بعض الفريقين من الفريق الآخر رجلين غدرا؛ فقطع/على القاتل وأصحابه نحو ستين نخلة، وأعطى ١٥٨

стр. 1394

أربعة أفراس، فقبض بعضها، ثم جاءه الخبر بأن الذين أرسلهم إلى ينبع قبض عليهم الترك الذين وصلوا إليها، ولم يفلت منهم غير رجل واحد، وصل إلى مكة وأخبر بذلك؛ فوصل مبارك إلى مكة فى ليلة الثلاثاء السابع عشر من ذى القعدة، ثم خرج منها ومعه حاشيته ليلة الجمعة عشرى ذى القعدة، ونزل بالمزدلفة. وفى وقت أذان الجمعة من اليوم المذكور دخل مسعود بن عطيفة وبعض غلمانهم ففتحوا بيتا لشخص يقال له عمر الزيدى، ودار الإمارة، وأخذوا بعض من صدفوه فى الطريق، ثم خرجوا من مكة، ولحق بأخيه مبارك بالمزدلفة. ودخلها رميثة ومعه ابناه عجلان ومغامس، فى يوم الخميس عشرى ذى القعدة؛ متوليا مكة بمفرده، بعد القبض على أخيه عطيفة بالقاهرة، ولم يزل عطيفة بمصر إلى أن مات سنة ثلاث وأربعين، فأمن الناس بمكة، وقطع بعض نخيل إخوته الملايمين لأخيه عطيفة. وبعد خروج مبارك من مكة بقليل؛ فى آخر القعدة التقى أخوه مسعود والقواد العمرة، ومعهم ثقبة بن رميثة فى جهة اليمن، وكانوا هناك يرعون؛ فقتل مسعود بن عطيفة واثنا عشر رجلا من أصحاب مبارك، ولم يحضر مبارك هذا الحرب؛ لأنه كان فى ناحية عنهم. ولما سمع بما تم على أصحابه من القتل ولّى منهزما مع صاحب له على فرسين؛ فسيق خلفهما فلم يلحقا (١).

стр. 1395

وفيها كان أمير الحاج المصرى الأمير آق سنقر السّلاّرى (١). وفيها مات الشهاب أحمد بن عبد العزيز بن القاسم النويرى، فى عصر يوم الأحد سادس عشر المحرم بالمدينة النبوية (٢). والفخر عثمان بن شجاع بن عيسى الدمياطى فى رابع عشر ذى الحجة (٣). *** «سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة» فيها تعرّض مبارك بن عطيفة بن أبى نمى للجلاب الصادرة من مكة، وأخذ جميع ما فيها من الأموال، وصرفها على زبيد وكنانة، واستنجد بهما على أحمد بن سالم صاحب حلي، فحضر إليهم مبارك والتقوا مع صاحب حلي؛ فكسر صاحب حلي، ونهب مبارك ومن معه بيته وحلى، واستنجد صاحب حلي برميثة، فأنجده ومكنه من البلاد فسكنها (٤).

стр. 1396

وفيها - فى نصف ليلة الخميس عاشر جمادى الأولى - حصل غيم ورعود مزعجة، وبروق مخيفة، ومطر كأفواه القرب، ثم دفعت السيول من كل جهة، وكان معظم السيل من جهة البطحاء، فدخل المسجد الحرام من جميع الأبواب التى تليه، من باب بنى شيبة إلى باب إبراهيم، وأخذ السيل الكرانيف (١) التى حول باب إبراهيم ودخل بها المسجد، وحفر فى الأبواب وجعل حول الأعمدة خورا مقدار قامتين وأكثر [ولو] (٢) لم تكن أساسات الأعمدة محكمة لكان رماها، وقلع من أبواب الحرم عدة؛ فرمى بابا (٣) من أبواب الصفا وأربعة درف من باب على، وأربعة درف من باب العباس، وكسر الفرع الأيمن من باب إبراهيم، وأخذ درفة من باب الشيخ الدلاصى، وكسر باب درجة زمزم، وموضع الأذان، وكسر باب قبة الحاصل وقلعه وأخذه، وطاف الماء بالأبواب والمنابر كل واحد إلى جهة، وبلغ عند الكعبة المعظمة قامة وبسطة، ودخل الكعبة الشريفة من خلل الباب، وعلا الماء فوق عتبتها أكثر من نصف ذراع بل شبرين، ووصل إلى قناديل المطاف وغمر (٤) بعضها من فوقها فأطفأها،

стр. 1397

وامتلأت بئر زمزم، وابتلت المصاحف والختمة العثمانية والمغربية والرباع، وسلمت الختمة التكرورية، وما أخرج المصاحف من القبة إلا العوامون، وامتلأت قناديل المقامات الأربعة، وأخذ من مقام/إبراهيم ١٦٠ قنديل الصبح، وعام به إلى مقام الحنفى، وعام بدرجة الكعبة إلى زيادة على، وغرّق ثمانية أنفس من العجائز المجاورات، والزيالع الضعفاء اللواتى فى المساطب، وأربعة أنفس خارج المسجد، وخرّب من قبور المعلاة كثيرا، وخرب باب المعلاة ودرفته، وخرب الدرب اليمانى، وخرب بيوتا كثيرة مقدار ثمانين بيتا كانت فى مسيله بعد المطر تشققت، وغرق بعض أهلها، وبعضهم مات تحت الردم. فكان من البيوت التى خربت بيت أبى رباح كان فى وسطه، وبروضه نجىّ وحرمتان عنده، سقطت الدار وهلك المذكورون. ودخل السيل بيت الشريفة أم دوان نصف قامة، وتعلق المجاورون بشباك البيت المذكور. وكان طول الماء بالحرم من خارجه قامة ونصفا. وكان أمرا مهولا: قدرة قادر يقول للشيء كن فيكون، ولو دام ذلك النوء (١) إلى الصباح لغرقت مكة - والعياذ بالله تعالى - ويعرف هذا السيل بسيل القناديل. ودخل المسجد الحرام قاضى مكة شهاب الدين الطبرى ومعه الضياء الحموى (٢)، وبنو شيبة، والشيخ غانم (٣)

стр. 1398

وأخوه (١)، وجماعة الفراشين، وأمر بإخراج الرّباع والمصاحف فأخرجها العوّام، ثم بعد صلاة الفجر اجتمع القاضى شهاب الدين الطبرى والضياء الحموى وبنو شيبة، والشيخ غانم وأخوه محمد بن يوسف، وأبو الفضل، ويحيى بن بجير (٢) والوجيه، وغيرهم من الأعيان، ودخلوا البيت العتيق، وغسلوه بماء المطر، وأخرجوا التراب والماء، ودخلوا مقام إبراهيم فوجدوا المقام الشريف غاطسا فى الماء فحملوه وأدخلوه البيت العتيق. ثم طافوا أسبوعا لله تعالى وهم يعومون. ثم خرجوا إلى باب إبراهيم فوجدوا ثمّ مصرف الماء مسدودا ١٦١ ففتحوه/. وجمعوا الزبل الذى دخل الحرم بالأخشاب وأخرجوه بالماء وداروا [على] (٣) الأبواب يتفقدون ما تخرب، وجمعوا الكتب التى ابتلّت، وحملوها ودخلوا بها إلى المدرسة الحنفية المظفرية، ونشروا الكتب والمصاحف الشريفة بالسطح والمجلس والإيوان، فلما كان فى صبح يوم الجمعة اجتمع أهل الحرم كافة والمجاورون والقاضى شهاب الدين وجمعوا الطين الذى فى الطريق ونقلوه، واجتمعوا على المنبر الذى للخطبة وردّوه إلى موضعه، وخطب عليه الخطيب شهاب الدين أحمد بن الإمام رضى الدين الطبرى [أو] (٤) نائب الخطيب،

стр. 1399

وصلى الناس، واجتمع المجاورون وأهل مكة أهل الحرم، واجتهدوا على تنظيف ما فى الحرم الشريف وإخراج التراب والحجارة. وكان مجاورا فى هذه السنة جوهر بن عبد الله المؤيدى المجاهدى، خادم الحرم الشريف النبوى؛ فاشتغل هو وغلمانه، فجمع التراب من مقام إبراهيم إلى المقام المالكى وإلى باب الصفا، وفرشت البطحاء من مقام إبراهيم إلى دائر المقام الحنفى. ثم جاء المطر يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى وأخذ البطحاء التى فرشت، ونزل [من] (١) وادى أجياد ووادى إبراهيم قليل (٢) ولم يضر الحرم بشيء (٢). وفيها فى اليوم السادس والعشرين من جمادى الأولى دخل حميضة بن رميثة مكة من حلي (٣). وفيها حج أهل المغرب مع الحرة أم (٤) السلطان أبى الحسن على

стр. 1400

ابن عثمان بن يعقوب المرينى صاحب فاس، ومعها خلق عظيم من المغاربة، وكانت فى ركب لها بمفردها قدام المحمل، وكان فى خدمتها جمال الدين والى الجيزة. وحج كثير من أهل مصر وأميرهم سيف الدين طيبغا المحمدى، وحصل لهم العطش فى الوجه (١)، ومات به عدة من ١٦٢ الخلق/ونحو أربعمائة حمار (٢). وكانت الوقفة الاثنين، وكانت البلاد رخية؛ بيعت الويبة الدقيق العلامة الفاخرة بتسعة دراهم، والسمن خمسة أرطال بدرهم، والعسل أربعة أرطال بدرهم، واللحم أربعة أرطال بدرهم، والعجوة اثنا عشر رطلا بدرهم (٣). *** «سنة تسع وثلاثين وسبعمائة» فيها توجّه الشريف مبارك بن عطيفة إلى القاهرة بخيله (٤)، فسجن مع أبيه لكثرة فساده بالحجاز.

стр. 1401

وفيها حج سيف الدين بشتك الناصرى، وصحبته عدة من الأمراء، منهم: الأمير ناصر الدين محمد بن بكتمر الحاجب، وتصدّق بشتك على الحاج والمشاة من مصر إلى مكة، ومن مكة إلى مصر بالماء والكعك، وجعل لهم خيمة يستظلون بها، فلما قدم مكة فرّق فى الأمراء مالا كثيرا؛ فبعث إلى كل من الأمراء المقدمين ألف دينار، وإلى كل من أمراء الطبلخانات خمسمائة دينار، وفرق فى الأجناد، وبعث إلى بيوت الأمراء بمال كثير، ثم استدعى المجاورين جميعهم، والأشراف وغيرهم من أرباب البيوت من أهل مكة، صغارا وكبارا، وغيرهم من الزيالعة، وفرق فيهم من الأموال ما لا يعلمه إلا الله فلم يبق بمكة أحد حتى أسدى إليه معروفا، فكان جملة ما فرقه ثلاثين ألف دينار وأربعمائة ألف درهم سوى ما وصل إليه فى المراكب من الغلال. فلما قدم المدينة الشريفة - بعد قضاء نسكه - فعل فيها خيرا كثيرا (١). وكانت هذه السنة طيبة رخية كثيرة الخير، وكانت الوقفة الجمعة (٢). وفيها عمّر الملك المجاهد على بن داود بن يوسف بن عمر بن على بن رسول صاحب اليمن مدرسته بالجانب اليمانى من المسجد

стр. 1402

الحرام، وأوقفها فى ذى القعدة على الشافعية وأرباب وظائفها (١). وفيها مات أبو طيبة محمد بن أحمد بن الأمين الآقشهرى (٢). والحافظ علم الدين القاسم بن محمد بن يوسف البرزالى محرما بخليص فى رابع الحجة (٣). *** «سنة أربعين وسبعمائة» ١٦٣ فيها كان أمير/الحاج المصرى الأمير بكا الخضرىّ (٤)؛ وكان خروج الحاج من القاهرة فى رابع عشرى شوال، وكانت العادة أن يرحل من القاهرة فى سادس عشر شوال، فقصد السلطان ألا تطول إقامة الحاج بمكة رفقا بأهلها؛ فأخّر الرحيل إلى رابع عشرية ليوافى الحاج مكة أول ذى الحجة، واستمر ذلك فيما بعد.

стр. 1403

وفيها حج الأمير سيف الدين آقبغا عبد الواحد بأهله، وفعل بمكة خيرا قليلا، ورجع بالملامة (١). وفيها حج الشيخ سراج الدين البلقينى مع والده (٢). وفيها مات أبو عبد الله عيسى بن عبد الله بن عبد العزيز الحجّى النّخلى فى المحرم بوادى نخلة (٣). وأبو العباس أحمد بن محمد بن محمد بن أبى بكر بن مرزوق، ثانى عشرى شوّال (٤). وعبد المؤمن بن خليفة بن عبد الملك الدّكالى فى ليلة الأحد عشر شوال (٥). وست الأهل بنت الشيخ عبد الله الدلاصى (٦).

стр. 1404

. (١) *** «سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة» فيها فى ربيع الأول أفرج عن الشريف مبارك بن عطيفة (٢). وفيها توجه المجاهد صاحب اليمن إلى مكة [وفى خدمته الشريف ثقبة بن صاحب مكة] (٣) رميثة بن أبى نمى، فلما بلغ يلملم - ميقات الإحرام من ناحية اليمن - يوم الاثنين سلخ القعدة أمر بنصب الأحواض وملئت ماء وطرح فيها من السويق والسكر ما

стр. 1405

شاء الله، وسبلها للناس؛ فشرب منها الصغير والكبير والقاصى والدانى، وتصدّق على الناس يومئذ بدراهم كثيرة، وثياب كثيرة للإحرام، ووصل إليه فى يلملم أمير مكة الشريف رميثة بن أبى نمى، ومعه سائر الأشراف وأعيان أهل مكة، فلما حضروا بين يدى المجاهد تصدّق عليهم أجمعين على قدر مراتبهم، وأعطى/رميثة من النقد ١٦٤ أربعين ألف درهم جددا مجاهدية، وأعطاه من الكسوة وأنواع الطيب والمسك والعنبر والعود ما يحمله أربعة من الحمالين، وأعطاه عدة من الخيل والبغال كوامل العدد والآلات، وخلع عليه وعلى من معه من الأشراف، ثم سار إلى مكة فدخلها عشاء ليلة الأربعاء ثانى ذى الحجة - وقيل فى ليلة هلال ذى الحجة - فطاف وسعى، ودخل الكعبة الشريفة بعد سعيه، فلما خرج من الكعبة الشريفة دخل مدرسته المجاهدية، ثم خرج إلى المخيم فى آخر ليلته، فلما أصبح صلّى الصبح، ثم دخل مكة؛ فأقام فى مدرسته نهار الأربعاء وليلة الخميس ويوم الخميس، وهو يشاهد الكعبة ومن يطوف بها من الناس (١). وفى يوم الجمعة رابع ذى الحجة وصل أمير الركب المصرى وكسا الكعبة كسوة حسنة (٢). وفى يوم السبت خامس الشهر وصل أمير الركب الشامى ومن معه من الصفديين والحلبيين وغيرهم، وكسا أمير الركب الشامى البيت كسوة فاخرة (٢).
следующие страницы →