← История

История · id 1670

إتحاف الورى بأخبار أم القرى

النجم ابن فهد المكي

Полный текст (2 503 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وفيها حج سيف الدين بشتك الناصرى، وصحبته عدة من الأمراء، منهم: الأمير ناصر الدين محمد بن بكتمر الحاجب، وتصدّق بشتك على الحاج والمشاة من مصر إلى مكة، ومن مكة إلى مصر بالماء والكعك، وجعل لهم خيمة يستظلون بها، فلما قدم مكة فرّق فى الأمراء مالا كثيرا؛ فبعث إلى كل من الأمراء المقدمين ألف دينار، وإلى كل من أمراء الطبلخانات خمسمائة دينار، وفرق فى الأجناد، وبعث إلى بيوت الأمراء بمال كثير، ثم استدعى المجاورين جميعهم، والأشراف وغيرهم من أرباب البيوت من أهل مكة، صغارا وكبارا، وغيرهم من الزيالعة، وفرق فيهم من الأموال ما لا يعلمه إلا الله فلم يبق بمكة أحد حتى أسدى إليه معروفا، فكان جملة ما فرقه ثلاثين ألف دينار وأربعمائة ألف درهم سوى ما وصل إليه فى المراكب من الغلال. فلما قدم المدينة الشريفة - بعد قضاء نسكه - فعل فيها خيرا كثيرا (١). وكانت هذه السنة طيبة رخية كثيرة الخير، وكانت الوقفة الجمعة (٢). وفيها عمّر الملك المجاهد على بن داود بن يوسف بن عمر بن على بن رسول صاحب اليمن مدرسته بالجانب اليمانى من المسجد

стр. 1402

الحرام، وأوقفها فى ذى القعدة على الشافعية وأرباب وظائفها (١). وفيها مات أبو طيبة محمد بن أحمد بن الأمين الآقشهرى (٢). والحافظ علم الدين القاسم بن محمد بن يوسف البرزالى محرما بخليص فى رابع الحجة (٣). *** «سنة أربعين وسبعمائة» ١٦٣ فيها كان أمير/الحاج المصرى الأمير بكا الخضرىّ (٤)؛ وكان خروج الحاج من القاهرة فى رابع عشرى شوال، وكانت العادة أن يرحل من القاهرة فى سادس عشر شوال، فقصد السلطان ألا تطول إقامة الحاج بمكة رفقا بأهلها؛ فأخّر الرحيل إلى رابع عشرية ليوافى الحاج مكة أول ذى الحجة، واستمر ذلك فيما بعد.

стр. 1403

وفيها حج الأمير سيف الدين آقبغا عبد الواحد بأهله، وفعل بمكة خيرا قليلا، ورجع بالملامة (١). وفيها حج الشيخ سراج الدين البلقينى مع والده (٢). وفيها مات أبو عبد الله عيسى بن عبد الله بن عبد العزيز الحجّى النّخلى فى المحرم بوادى نخلة (٣). وأبو العباس أحمد بن محمد بن محمد بن أبى بكر بن مرزوق، ثانى عشرى شوّال (٤). وعبد المؤمن بن خليفة بن عبد الملك الدّكالى فى ليلة الأحد عشر شوال (٥). وست الأهل بنت الشيخ عبد الله الدلاصى (٦).

стр. 1404

. (١) *** «سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة» فيها فى ربيع الأول أفرج عن الشريف مبارك بن عطيفة (٢). وفيها توجه المجاهد صاحب اليمن إلى مكة [وفى خدمته الشريف ثقبة بن صاحب مكة] (٣) رميثة بن أبى نمى، فلما بلغ يلملم - ميقات الإحرام من ناحية اليمن - يوم الاثنين سلخ القعدة أمر بنصب الأحواض وملئت ماء وطرح فيها من السويق والسكر ما

стр. 1405

شاء الله، وسبلها للناس؛ فشرب منها الصغير والكبير والقاصى والدانى، وتصدّق على الناس يومئذ بدراهم كثيرة، وثياب كثيرة للإحرام، ووصل إليه فى يلملم أمير مكة الشريف رميثة بن أبى نمى، ومعه سائر الأشراف وأعيان أهل مكة، فلما حضروا بين يدى المجاهد تصدّق عليهم أجمعين على قدر مراتبهم، وأعطى/رميثة من النقد ١٦٤ أربعين ألف درهم جددا مجاهدية، وأعطاه من الكسوة وأنواع الطيب والمسك والعنبر والعود ما يحمله أربعة من الحمالين، وأعطاه عدة من الخيل والبغال كوامل العدد والآلات، وخلع عليه وعلى من معه من الأشراف، ثم سار إلى مكة فدخلها عشاء ليلة الأربعاء ثانى ذى الحجة - وقيل فى ليلة هلال ذى الحجة - فطاف وسعى، ودخل الكعبة الشريفة بعد سعيه، فلما خرج من الكعبة الشريفة دخل مدرسته المجاهدية، ثم خرج إلى المخيم فى آخر ليلته، فلما أصبح صلّى الصبح، ثم دخل مكة؛ فأقام فى مدرسته نهار الأربعاء وليلة الخميس ويوم الخميس، وهو يشاهد الكعبة ومن يطوف بها من الناس (١). وفى يوم الجمعة رابع ذى الحجة وصل أمير الركب المصرى وكسا الكعبة كسوة حسنة (٢). وفى يوم السبت خامس الشهر وصل أمير الركب الشامى ومن معه من الصفديين والحلبيين وغيرهم، وكسا أمير الركب الشامى البيت كسوة فاخرة (٢).

стр. 1406

فلما كان يوم التروية وهو يوم الثلاثاء ثامن الشهر ركب السلطان فى عساكره إلى منى، وأمسى بها ليلة الأربعاء تاسع الحجة، فلما أصبح سار إلى الموقف فى تواضع وخشوع وتأدب وخضوع، فلما أذّن الظهر صلى بصلاة الإمام، وركب والأشراف والقواد فى خدمته وغيرهم من المصريين، ووقف عند الصخرات بنواحى موقف النبى ﷺ ، فلم يزل واقفا بين يدى الله تعالى فى تسبيح وتهليل وتقديس وتبجيل إلى آخر النهار. وفى آخر النهار وصل إليه أمير الركب المصرى وأمير الركب الشامى وسألاه المثول بين يديه لتقبيل ١٦٥ كفه/، فأذن لهما، فوصلا وقبّلا كفّه مرارا، وأكثرا من الدعاء له. فلما غربت الشمس سألاه أن يأذن لهما فى المسير فى خدمته، فأمرهما أن يسيرا فى عساكرهما ومحاملهما. فقبلا يده وانصرفا. وتوقف هو ومن معه من عسكره وخواصه؛ فلم يزل فى بكاء وخشوع ودعاء وخضوع والحاضرون يبكون لبكائه ويؤمنون على دعائه، فلما غشيه الليل سار فى عساكره إلى الموقف بمزدلفة ولم يزل بها إلى أن صلى الصبح وأخذ الحصى لرمى الجمار، ثم سار إلى منى وقد حفّت به العساكر وأحاطت به الفرسان، ولم يزل سائرا إلى الجمرة الكبرى فرماها هنالك، وسار إلى الخيمة، وسارت عساكر الشام ومصر بين يديه، فأقام يومه ذلك وهو يوم الخميس العاشر، فلما كان صبح يوم الجمعة سار إلى مكة، فطاف بها طواف الزيارة، ثم رجع إلى منى فرمى الجمار الثلاث، وبات ليلة السبت الثانى عشر بمنى، فلما أصبح وزالت الشمس رمى الجمار أيضا، وأقام بمنى إلى صبح يوم

стр. 1407

الاثنين الرابع عشر، ثم تقدم إلى مكة فطاف بها طواف الوداع، وخرج وأشعر العسكر بالتأهب للسفر، وسار آخر يومه، فأصبح على بئر آدم وهى التى تسمى بئر على، وإنما هى بئر الحسين بن سلامة، فأقام هناك إلى يوم الخميس سابع عشر الحجة - وقيل إلى يوم السبت تاسع عشر، وقيل للعشرين - وسافر وهو متغير الخاطر على بنى حسن لكونهم لم يمكنوه من كسوة الكعبة وتركيب باب عليها من عنده. وكانت الأشراف والقواد فى خدمته طول إقامته بمكة إلى أن سافر (١). وكان حاج مصر فى هذه السنة قليلا (٢)، /وحج الناس حجة ١٦٦ طيبة. وفيها مات زين الدين أبو الطاهر أحمد بن محمد بن المحب أحمد ابن عبد الله الطبرى، فى رابع المحرم (٣). وصاحب الحلّة الشريف أحمد بن رميثة بن أبى نمى الحسنى، قتله المغل فى ثامن عشر رمضان (٤).

стр. 1408

وقاضى تعز محمد بن يوسف بن على بن محمود بن أبى المعالى النزارى الصّبرى فى آخر يوم عرفة شهيدا مبطونا، وغسّل بمنى ودفن بالأبطح، وكان وصل مع المجاهد (١). ومقبل بن أبى نمى بن أبى سعد الحسنى المكى ليلة الأربعاء لليلتين بقيتا من ذى الحجة (٢). *** «سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة» فيها كان بعرفة فتنة بين الحجاج المصريين وأهل مكة، من قبل الظهر إلى غروب الشمس، قتل فيها جماعة؛ وسبب ذلك أن السيد رميثة صاحب مكة شكا إلى أمير الحاج المصرى ما يلقاه من بنى حسن، فاقتضى رأى الأمير الركوب عليهم؛ فركب والتقى مع بنى حسن فقتل من الترك قريب من ستة عشر نفرا، ومن أتباع الأشراف ناس قليل، وظفر الأشراف على الترك، ولم يتعرضوا للحاج بنهب، ونفر الناس من عرفة - خائفين - قبل غروب الشمس، وسلك الأشراف فى نفرهم من عرفة طريق البئر المعروفة بالمظلمة (٣)، وتوجهوا

стр. 1409

إلى مكة وتحصنوا بها، وتركوا الحضور إلى منى فى أيامها؛ تخوفا من الحجاج، ورحل الحجاج جميعهم فى النفر الأول، ونزلوا الزاهر ولم يصبحوا فيه، ولم يعتمر أكثر الحجاج، ولم يطوفوا طواف الوداع؛ خوفا على أنفسهم، وتعرف هذه السنة عند أهل مكة بالسنة المظلمة. وكان أصيب فى هذه الفتنة الشريف محمد بن عقبة بن إدريس بن قتادة بن إدريس بن مطاعن بجرح فمات منه فى يوم الثلاثاء حادى عشر ذى الحجة (١). وفيها مات عبد الكريم بن أبى نمى/محمد بن سعد بن حسن ١٦٧ ابن على بن حسن بن قتادة، فى يوم الاثنين ثانى عشر المحرم (٢). وصفيّة بنت إبراهيم بن أحمد بن محمد الزبيدية، فى ليلة الجمعة سادس عشر المحرم (٣). وخضر بن حسن بن محمود النابتى العراقى الأصفهانى ليلة السادس من شعبان (٤).

стр. 1410

وغانم بن يوسف بن إدريس بن غانم الشيبى، فى رمضان (١). وظهيرة بن أحمد بن عطية بن ظهيرة، فى ليلة الرابع عشر من شوال (٢). ومحمد بن موسى بن على بن أسعد بن جميع الطائى الصفدى، فى يوم السبت حادى عشرى الحجة (٣). وعبد الكريم بن محمد بن أحمد بن عطية بن ظهيرة (٤). والشريف عطيفة بن أبى نمى بالقبيبات بالقاهرة (٥). *** «سنة أربع وأربعين وسبعمائة» فيها اشترى عجلان وثقبة إمرة مكة من والدهما رميثة بستين ألف درهم؛ لأنه كان كبر وضعف، وعجز عن البلاد وعن أولاده، وبقى كل منهم له فيها حكم، ثم استدعى الصالح إسماعيل بن الناصر

стр. 1411

محمد بن قلاوون الشريف ثقبة إلى مصر؛ فتوجه إليها، وبقى عجلان وحده فى البلاد إلى آخر ذى القعدة، فوصل مرسوم من سلطان مصر برد البلاد على السيد رميثة، ولزم الشريف ثقبة فى مصر. فلما علم السيد عجلان بذلك خرج إلى ناحية اليمن، ومنع الجلاب من الوصول إلى مكة؛ فلم يصل منها إلا القليل، وعزّ بها صنف المتجر، وحصل فى هذه السنة غلاء عظيم فى أيام الحج؛ بحيث بيعت الويبة الشعير بأربعين درهما، عنها ديناران، والويبة الدقيق بخمسين درهما، والرطل البقسماط بثلاثة دراهم، والإردب القمح بثمانين درهما، والحمل إلى أربعمائة وخمسين درهما لقلته. وكان حجاج الشام كثيرين، وحصل للحجاج فى سفرهم مشقات كثيرة من قلة الماء وغلو الأسعار، وهلك كثير من المشاة (١). وحج بالناس البرناق (٢)، ووقع بينه/وبين أهل مكة فتنة، ١٦٨ وقتل منهم بعض فوارس، وسلم الحاج من الشرفاء؛ لكلام السيد رميثة. ولما رحل الحاج من مكة وصل السيد عجلان من جهة اليمن، ونزل الزاهر، وأقام به أياما، ثم بعد ذلك اصطلح هو وأبوه، وأخذوا من التجار مالا جزيلا (٣).

стр. 1412

وفيها مات عبد الله بن على بن محمد بن عبد السلام بن أبى المعالى الكازرونى المكى، فى خامس عشرى رمضان (١). والشيخ الصالح أبو القاسم بن محمد بن عمر بن إبراهيم بن على ابن محمد، يوم الخميس عاشر القعدة (٢). وعبد الله بن أحمد بن أبى بكر بن الفقيه أحمد بن موسى بن عجيل اليمنى، فى ذى الحجة (٣). وأبو البركات محمد بن أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن الحرازى بدمشق (٤). *** «سنة خمس وأربعين وسبعمائة» فيها جدد الأمير المعروف بآل ملك نائب السلطنة بمصر البركة

стр. 1413

المعروفة ببركة السلم (١) بطريق منى، وأجرى العين من منى إليها على يد ولده أحمد وابن أخيه فارس الدين (٢)، وعمر المطهرة عند باب الحزورة (٣)، وتعرف ببيت العطار، وهى الآن معطلة. وفيها مات راجح بن على بن مالك (٤) بن حسن بن حسين ابن كامل بن أحمد الحسنى يوم السبت [رابع المحرم]. والفقيه صفى الدين مصطفى بن محمود بن موسى بن محمود بن على الأنصارى المكى فى ليلة الجمعة رابع عشر جمادى الأولى (٥). ومقرئ مكة البرهان إبراهيم بن مسعود بن إبراهيم الإربلى المسرورى فى ثالث عشر جمادى الأولى بالمدينة (٦). وفيها مات - تقريبا - الجمال محمد بن عبد المعطى بن أحمد ابن عبد المعطى بن مكى بن طراد الأنصارى (٧). ***

стр. 1414

«سنة ست وأربعين وسبعمائة» فيها فى ثانى المحرم سافر السيد عجلان إلى القاهرة، فوصلها وأقام بها إلى أن مات الملك الصالح (١)، وولى أخوه الكامل شعبان السلطنة بالديار مصرية والشامية؛ فولى الكامل عجلان إمرة مكة ١٦٩ دون أبيه/رميثة، وعاد السيد عجلان إلى مكة فوصلها يوم السبت سابع عشر (٢) جمادى الآخرة، ومعه خمسون مملوكا - شراء ومستخدمين - وقبض البلاد بلا قتال من إخوته، وقرئ مرسومه بالتولية على زمزم فى الساعة الثالثة من النهار، ودعى له بعد المغرب وللسلطان الملك الكامل، وقطع دعاء السيد رميثة، وراح أخوه ثقبة إلى نخله، وأقام معه أخواه (٣) سند ومغامس بمكة، فأعطى أخاه سندا ثلث البلاد بلا دعاء ولا سكة، وأعطى أخويه مغامسا ومباركا السّرّين: أعنى الموضع المعروف بالواديين. ويقال إن السيد عجلان أعطى أخويه سندا ومغامسا فى البلاد [رسما] (٤) وأقاما معه فى البلاد على ذلك مدّة، ثم تشوّش

стр. 1415

منهما فأخرجهما من البلاد بحيلة إلى وادى مرّ، ثم أمرهما بالاتساع فى البلاد؛ فلحقا بأخيهما ثقبة، وكان قد توجّه إلى الديار المصرية قبل توجههما إليه بشهر، وتوجّه صحبته بقود فيه عدة خيول؛ فوعد بخير (١)؛ فلما وصل سند ومغامس مصر قبض عليهم بها، ولم يزالوا بها حتى أطلقهم ابن عمهم محمد بن عطيفة. ثم جاء نجاب للشريف عجلان من مصر فى أوائل ذى القعدة وأخبر بأن البلاد لعجلان، وأن إخوته قبضوا فى مصر (٢) حتى ينظر حال عجلان مع الحاج؛ فزيّن السوق بمكة. ثم بعد وصول النجاب مات السيد رميثة فى ثامن القعدة؛ فبطلت الزينة. ونشر السيد عجلان بمكة من العدل والأمان للحاج والمجاورين الذى لم يعهد مثله فى طول الزمان؛ وردّ المظالم والسرقات، وبطل القتل والنهب، وطرح/ربع الجبايات (٣)، ورفع المظالم. ١٧٠ وفيها حجت الحرّة من بلاد المغرب (٤). وفيها مرض السيد رميثة بغير مكة، فحمل وأتى به إلى مكة - وقد دخل فى النزع - فى نصف ليلة الخميس سابع ذى القعدة، ثم

стр. 1416

مات فى يوم الجمعة ثامن القعدة، وطيف به وقت صلاة الجمعة - والخطيب على المنبر قبل أن يفتتح الخطبة - وسكت الخطيب حتى فرغوا من الطواف به، وكان ابنه عجلان يطوف معه، وجعله فى مقام إبراهيم (١). وفيها ماتت صفيّة بنت محمد بن عبد المحسن الأبوتيجى بمكة (٢). وأحمد بن الوجيه عبد الرحمن بن عبد المعطى بن مكّىّ بن طراد الأنصارى (٣). *** «سنة سبع وأربعين وسبعمائة» فيها أرسل السيد عجلان إلى القاهرة قودا، فمنع من الإنعام عليه كعادته عند قدومه بقوده، وهى أربعة آلاف درهم. وكتب إلى أخيه ثقبة ألاّ يعارضه، وأن يحضر إلى القاهرة (٤). وفيها قدم تجّار اليمن والهند، وكان الفلفل عزّ وجوده بالقاهرة

стр. 1417

حتى بيع الرطل بستة وأربعين درهما، ولم يعهد مثل ذلك فيما سلف، فبيع عند قدوم الحاج بخمسة دراهم الرطل (١). وفيها كان بمكة غلاء بلغت فيه غرارة الحنطة مائة وسبعين درهما، والذرة مائة وأربعين (٢). وفيها قدم الأمير أحمد بن آل ملك لعمارة ما يحتاج عمارته فى الحرم، وجاء معه من مصر بالبناة والنجارين والعمال، وبعض حجاج؛ فعمر سقف الحرم الذى عند باب رباط السّدرة. وفيها كانت الوقفة الجمعة؛ لأنه ثبت ذلك عند قاضى مكة بحضور قاضى القضاة عز الدين بن جماعة وغيره من حجاج مصر والشام/والعراق، وكان يوم عرفة بمصر والإسكندرية يوم الخميس، ١٧١ فأنكر الشيخ علاء الدين على بن عثمان التركمانى الحنفى على القاضى عز الدين بن جماعة، وأفتى أن حج الناس فاسد، ويلزم من وقف بالناس يوم الجمعة بعرفة جميع ما أنفقه الحاج من الأموال، وأنه يجب على الحجاج كلهم أن يقيموا محرمين لا يطئوا نساءهم، ولا يمسوا طيبا حتى يقفوا بعرفة مرة أخرى. وشنّع بذلك عند الأمراء، وأظهر الحزن على الناس، والأسف على ما أنفقوه من أموالهم؛ فشقّ ذلك على الأمير طغيتمر الدوادار، من أجل أن زوجته حجت فيمن حج، وأخذ خط ابن التركمانى بما تقدم ذكره، فغضب الشافعية، وأنكروا

стр. 1418

مقالته وردّوها، وقصد ابن جماعة أن يعقد مجلسا فى ذلك، ويطلب ابن التركمانى، ويدعى عليه بما أفتى به مما لا يوجد فى كتب الحنفية؛ فرجّعه الناس عن ذلك مخافة الشناعة (١). وفيها فى يوم الاثنين تاسع عشر رجب حصل مطر بمكة المشرفة بين صلاة الظهر والعصر، ونزل وادى إبراهيم وامتلأ، وأخذ الكرانيف (٢) ودخل الحرم من أبوابه قليلا، وامتلأ المطاف إلى حد باب البغلة (٣). وكان فى باب إبراهيم أخشاب عام بها السيل فى الحرم وامتلأ بازان (٤)، وامتلأ أجياد والمصافى. ثم ابتدئ فى تنظيف الحرم الشريف يوم الأربعاء سلخ الشهر المذكور. وفيها ولى الفخر عثمان بن يوسف بن أبى بكر الأنصارى النويرى تدريس الحديث لوزير بغداد (٥). وفيها مات أبو بكر بن على بن مكارم بن فتيان الأنصارى الدمشقى، فى ثالث ربيع الأول (٦).

стр. 1419

وأبو بكر بن عمر بن شهاب الهمذانى الصوفى، فى يوم السبت ثالث عشر ربيع الأول (١). / والشريف [محمد] بن أبى عبد الله محمد بن محمد بن عبد ١٧٢ الرحمن الحسنى الفاسى، فى شعبان أو رمضان فى المدينة (٢). «سنة ثمان وأربعين وسبعمائة» فيها وصل من مصر إلى مكة السيد ثقبة بن رميثة وأخواه سند ومغامس، وابن عمهم محمد بن عطيفة، وأخذوا فيها نصف البلاد من عجلان بغير قتال (٣). وفيها كان بمكة غلاء (٤). وفيها انقطعت عين بازان بعد عمارتها فى سنة ست وعشرين (٥). وفيها زار القاضى شهاب الدين الطبرى المدينة النبوية فى قافلة كبيرة، وجدد بئر رومة ظاهر المدينة، ورفع بناءها على الأرض نحو

стр. 1420

نصف قامة، ونزحها وكثر ماؤها بعد أن خربت ونقضت حجارتها وأخذت، ولم يبق بها إلا أثر؛ فدخل فى عموم الحديث الصحيح «من يحفر بئر رومة فله الجنة» (١). وفيها حج الركب العراقى بعد انقطاعه عن الحج إحدى عشرة سنة، وكان الحجاج كثيرا من العراق بخلاف مصر والشام (٢). *** «سنة تسع وأربعين وسبعمائة» فيها قدمت الرجبية من مصر صحبة الأمير فارس الدين ابن أخت الحاج آل ملك، وصحبتهم القاضى عزّ الدين بن جماعة، وقاضى القضاة زين الدين عمر البسطامى - وهو معزول - والقاضى علاء الدين بن التركمانى، والقاضى تاج الدين الإخنائى المالكى، وهو جليد - نائبا عن عمه تقى الدين - ومعه أخوه ابن أمان الدين إبراهيم، وابن أخيه عبد الوهاب بن القاضى جمال الدين، وناصر الدين نصر الله الحنبلى، وزين الدين عبد الرحمن الإسنائى، وشهاب الدين بن النقيب، والقاضى شمس الدين بن يوسف المالكى وأولاده، وخلق كثير لا يحصون.

стр. 1421

وكان عدة جمال الرجبية الذين نزلوا من عقبة أيلة؛ حصرهم فارس الدين وعدّهم واحدا واحدا، فكانوا أحد عشر ألف جمل وخمسمائة جمل، ورسم أن ينزلوا من العقبة وهو واقف يعدهم/ ١٧٣ ويطلق لكل واحد جماله - شيئا بعد شيء - فأقاموا ينزلون ثلاثة أيام، وأقاموا فى رابغ إلى أن أهلّ رمضان، فأحرموا بعمرة آفاقية (١) من الميقات، ودخلوا مكة فى رابع رمضان، وناس فى الخامس. واجتهد فارس الدين فى إصلاح المسجد الحرام، وجدد الأعمدة المتجددة حول المطاف، وشرع فى عمارة عين جوبان فنازعه عرب بنى شعبة، فجمع لهم وقاتلهم؛ فقتل منهم جماعة وجرح كثيرا وهزمهم، وقتل له مملوكان. وأصلح [العين] (٢) حتى جرى ماؤها بقلّة (٣). وفيها - فى آخرها وأول التى بعدها - وصل السيد مبارك بن عطيفة من اليمن إلى مكة، وقصد أن يدخلها فاهتم بذلك، ثم ألقى الله فى قلبه الرّعب فتوجه إلى سواكن وحاصرها، وقاتل أهلها. ثم قتل فى جمادى الأولى من السنة بعد هذه (٤).

стр. 1422

وفيها - أو فى التى بعدها - وقع الغلاء بمكة شديدا، بلغت الحنطة إلى نحو ثلاثمائة درهم الإردب، والذرة الغرارة إلى نحو المائة، ووصل الدقيق - فى الموسم - إلى ستة وأربعين درهما الويبة، والشعير إلى سبعين درهما الويبة (١). فيها وقع بمكة والطائف وجدة وعامة بلاد الحجاز وبواديها وباء عظيم حتى جافت البوادى، وهلك كثير من الجمال، وقيل أنه لم يبق بجدة سوى أربعة أنفس، وخلت الطائف ولم يبق فيها إلا القليل، وكان يموت من أهل مكة فى كل يوم نحو من عشرين نفسا ودام مدة ثم ارتفع. وهذا الوباء كان عاما فى جميع البلاد، وهو بديار مصر أعظم ما كان (٢). وفيها قصد المجاهد صاحب اليمن الحج، فأرسل بعض رواده فسمع بكثرة أهل مصر فبطل. وفيها فى سلخ رجب أوقف العز إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الأصبهانى الرباط المعروف به بزقاق الحجر على الفقراء والمساكين والمجاورين من أهل الخير والديانة من أى صنف كانوا من العرب والعجم (٣). ويكون النظر إليه وإلى عقبه [من] (٤) بعده، فإذا

стр. 1423

انقرضوا يكون للحاكم بمكة المشرفة. والحجرتان المفترقتان فى أعلى الرباط وأسفله/وقف على هذا الرباط، يصرف كراؤهما فى مصلحته وعمارته ١٧٤ وسقايته وما يحتاج إليه. والنظر فيهما للمذكورين (١) وفيها قدم الشيخ شمس الدين محمد بن على بن سكر البكرى مكة حاجّا، ثم بدا له استيطانها فاستوطنها حتى مات (٢). وفيها مات شيخ السدنة محمد بن يوسف بن إدريس بن فرج ابن غانم الشيبى، فى جمادى الأولى، وكان تولى المشيخة قبل موته فى هذا الشهر الجمال عبد الله محمد بن أبى بكر بن ناصر الشيبى (٣). وفيها مات إمام مقام إبراهيم الخليل أبو المكارم أحمد بن الرضى الطبرى، فى ذى الحجة، وولى بعده الإمامة ولده رضى الدين محمد (٤). وفيها مات محب الدين موسى بن عمر الجعبرى، فى حادى عشر رمضان (٥).

стр. 1424

وأبو الفضل محمد بن أحمد بن قاسم الحرازى (١). وخليل (٢) بن عبد المؤمن بن خليفة الدّكالى. كلاهما فى ذى القعدة أو ذى الحجة. وفخر الدين عثمان بن الصفى أحمد بن محمد بن إبراهيم الطبرى، فى العشر الأول من ذى الحجة (٣). والجمال محمد بن أحمد بن عطية القرشى (٤). والبدر حسين بن الزين محمد بن الأمين بن القطب القسطلانى (٥). كلاهما فى ذى الحجة. وخليفة بن أبى سعد بن ميمون الجعفرى (٦). وأبو عبد الله محمد بن محمد بن أبى بكر عبد الله بن خليل بن إبراهيم العسقلانى (٧) المكى بها.

стр. 1425

والشيخ محب الدين موسى الجعبرى (١). والشيخ يحيى التونسى (٢). *** «سنة خمسين وسبعمائة» فيها كان الغلاء بمكة متصلا بالسنة التى قبلها (٣). وفيها حصل بين الشريف عجلان وثقبة وحشة، وكان عجلان بمكة وثقبة بالجديد، ثم خرج عجلان إلى الوادى لقتال ثقبة، فلما أن بلغ الدّكناء وأرض خالد رام المسير إلى ثقبة، فمنعه القواد من ذلك، ثم إنه نزل بوادى العقيق من أرض خالد - ولعله من أرض مرّ - وأقام بها مدة يسيرة، ثم أصلحوا بينه وبين أخيه، وصعد عجلان إلى خيف بنى شديد وأقام، ثم توجه إلى مصر فى شعبان أو رجب، وبقى ثقبة فى البلاد وحده، وقطع نداء أخيه/عجلان من ١٧٥ زمزم (٤). ولقى السيد عجلان ركب الرجبية بالعقبة، فقدم إلى القاهرة، ودخل على السلطان، وطلب منه تجريد عسكر معه، فلم يجب، ورسم له بشراء مماليك، واستخدام الأجناد البطالين؛ فشرع فى

стр. 1426

ذلك. (١) وقدم كتاب أخيه ثقبة، صحبته محضر ثابت الشكر من سيرته، وتكذيب عجلان فيما نقل عنه (١)، فكتب لعجلان توقيع بإمرة مكة بمفرده، واشترى أربعين مملوكا، واستخدم عشرين جنديا، وأنفق فيهم خمسمائة درهم كل واحد، ثم استخدم طائفة أخرى حتى صار فى مائة فارس، وحمل معه حملين [نشابا وقسيا ونحوها] (٢) فلما كان اليوم الخامس أو الرابع من شوال وصل عجلان من مصر متوليا لجميع البلاد، ومعه أمير اسمه الصارم (٣) مشدّ العمائر، وعدة رجال وجند ومماليك، بعد خروج ثقبة وأخواه سند ومغامس إلى ناحية اليمن، ثم قصد ثقبة ذهبان (٤) وحمضة (٥)، وتعرض للجلاب وأخذها، وحمل عبيده فيها وجاء بها إلى حلى، واستمر بها مدة، ولقى بها فى السنة الآتية - كما سيأتى - المجاهد (٦).

стр. 1427

وفى ضحى يوم وصول السيد عجلان من مصر وقعت صاعقة وريح سوداء ومطر، ووقع فى حال وقوع الصاعقة جميع الأعمدة المتخذة حول المطاف التى جددها فارس الدين فى سنة تسع وأربعين، ولم يبق منها إلى عمودين، وانكسر منها جملة وتبدد ما فيها. وفيها كان أمير الحاج الأمير فارس الدين، ومعه عدة من مماليك الأمراء، وحاج كبير جدا، ومال من بيت المال ومن مودع الحكم (١) لعمارة عين جوبان بمكة، ومبلغ عشرة آلاف درهم للعرب بسبب العين المذكورة، فرسم أن تكون مقررة لهم فى كل سنة. وفيها حج محمد بن يوسف أحد مقدمى الدولة على ستة قطر جمال، /وثلاثة قطر هجن بطبل وبيزه (٢) كما يحج الأمراء بحيث كان ١٧٦ معه نحو مائتى عليقة.

стр. 1428

وفيها مات الإمام شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم الأصفونى (١) فى ليلة الثلاثاء ثالث عشر الحجة بمنى ونقل إلى المعلاة فدفن بها. وعلماء (٢) بنت الشيخ عبد الله بن عبد الحق الدلاصى. *** «سنة إحدى وخمسين وسبعمائة» فيها حج بييغاروس من مصر، وأردف بالأمير سيف الدين طاز أتابك الجيوش الإسلامية، فساس الأمر وتلطف بالأمير بيبغا غاية اللطف ولما وقعت الفتنة بمنى ذلك العام قبض على المجاهد صاحب اليمن، وعلى [ثقبة بن] (٣) رميثة صاحب مكة - كان - وعلى طفيل صاحب المدينة النبوية، فقدم بالجميع إلى مصر من غير تكلف حتى وطئوا بساط السلطان. ذكر ذلك أبو الحسن على بن العتر (٤) فى ذيله.

стр. 1429

وفيها قصد المجاهد الحج؛ فسار إلى مكة بأمه وأولاده فى سبعمائة فارس، وثمانمائة رام بالقوس، وخلائق من المقاتلة الصناديد الذين استخدمهم من أهل اليمن، ومن أهل صنعاء وما والاها، ومعه كسوة للكعبة الشريفة. فلما كان بحلي وجده (١) ثقبة وأخواه سند ومغامس ولا يموه وساروا معه، وأغروه بأخذ مكة وكسوة الكعبة؛ فسار حتى قرب من مكة - وقد سبقه حجاج مصر - وكان أمير الركب المصرى بزلار أمير سلاح، وكان مع الحجاج سبعة عشر أميرا، ويقال أربعون أميرا ما بين كبير وصغير، منهم نائب السلطنة بيبغاروس، وكان خرج بتجمل زائد، ومعه مائة وخمسون مملوكا بالسلاح، ومنهم الأمير طاز أتابك الجيوش، وخرج طلبه (٢) وفيه ستون فارسا، وكان بيبغا خرج من القاهرة قبل طاز بيومين، ثم رحل الأمير طاز [بعده، ثم رحل] (٣) الأمير بزلار/بالحاج - ركبا ثالثا - ١٧٧ فى عشرين شوال. ثم إن السلطان أرسل الأمير قردم للأمير طاز والأمير بزلار أمير الركب بكتاب يتضمن القبض على الوزير منجك (٤)، وأنهما يحترسان على الأمير بيبغاروس، وكتب لبيبغاروس

стр. 1430

يطيّب خاطره ويعلمه بتغير السلطان على أخيه منجك لأمور صدرت منه اقتضت مسكه، وأنه مستمر على نيابة السلطان؛ فإن أراد العود عاد، وإن أراد الحج حجّ، فوصل الكتاب إلى بيبغاروس وقد نزل سطح العقبة، فلما قرأ الكتاب وجم وقال: كلّنا مماليك السلطان، وخلع عليه (١) وكتب جوابه بأنه ماض لأداء الحج، واشتد خوفه، ونزل من العقبة، ونزل المنزلة (٢)؛ فبلغه أن الأمير طاز والأمير بزلار ركبا للقبض عليه؛ فركب بمن معه من الأمراء والمماليك بآلة الحرب، فقام الأمير عز الدين أزدمر الكاشف (٣) بملاطفته، وأشار عليه ألا يعجل، ويكشف عن الخبر. فبعث نجابا فى الليل لذلك؛ فعاد وأخبر أن الأمير طاز مقيم بركبه، وأنه سار بهم وليس فيهم أحد لابس عدة الحرب، فقلع السلاح هو ومن معه، وتلقى طاز وسأله عما تخوف منه فأوقفه على كتاب السلطان إليه، فلم ير فيه ما يكره؛ فاطمأن ورحل كل منهما بركبه من العقبة. فأتت الأخبار من الأمراء

стр. 1431

باتفاق طاز وبيبغاروس؛ فكتب إلى طاز وبزلار أمير الركب بالقبض على بيبغاروس قبل دخول مكة، وتوجه إليهما طيلان الجاشنكير، وقد رسم له أن يتوجّه بيبغاروس إلى الكرك. وجرّد فياض وعيسى بن حسن إلى العقبة، ثم خرج الأمير أردلان (١) بمضافه تقوية لهما. فلما قدم طيلان على طاز وبزلار كتبا إلى أزدمر الكاشف يعلمانه بمارسم لهما من مسك بيبغاروس، ويؤكدان عليه/فى استمالة الأمير فاضل (٢) والأمير محمد بن بكتمر وبقية من معه (٣) وتعجيزهم عن القيام معه، فأجدّ (٤) فى ذلك. ثم كتبا لبيبغاروس أن يتأخر لسماع مرسوم السلطان حتى يكون دخولهم مكة، جميعا؛ فأحسّ بالشر، وهمّ أن يتوجه إلى الشام، فما زال أزدمر الكاشف به حتى رجعه عن ذلك. وعند نزوله المويلحة (٥) قدم طاز وبزلار، فتلقاهما وأسلم نفسه من غير ممانعة، وأراد تسليمه لطيلان حتى يحمله إلى الكرك فرغب إلى طاز أن يحج معه، فأخذه صحبته متحفظا به وكتب بذلك؛ فتوهم السلطان ومغلطاي أن طاز قد مال مع بيبغاروس وتشوّشا تشوشا زائدا، ثم أكد ذلك ورود الخبر بعصيان أحمد (٦) فى

стр. 1432

صفد، وظنوا أنه مباطن لبيبغاروس. فأخرج طيلان ليقيم على الصفراء حتى يرد الحاج إليها فيمضى ببيبغا إلى الكرك. ودخل المجاهد مكة فى يوم الأربعاء رابع الحجة. ودخل معه السيد ثقبة وأخواه سند ومغامس بغير رضاء السيد عجلان؛ لأنه كان منعهم والمجاهد من دخول مكة، فغلبوه ودخلوها، فلم يسهل ذلك بالسيد عجلان. ولم يفعل المجاهد بمكة خيرا ولا معروفا لأحد من أهل الحرم ولأقوامه، ولا التفت إلى السيد عجلان ولا أنصفه، ولا التفت إلى أحد من الأشراف والقواد، ولا أمير الحاج المصرى بزلار، وإنما أقبل على الأمير طاز أحد الأمراء؛ فنقل إلى السيد عجلان أنه إذا سافر المصريون من مكة يولى صاحب اليمن أخاك ثقبة ويترك معه قطعة من العسكر، وربما أنه يريد/إمساكك ويسير بك معه معتقلا؛ فأثر الكلام فى قلبه فدخل على أمير الركب المصرى بزلار والأمراء المصريين وقال لهم: إن صاحب اليمن يريد أن يقيم فى مكة بعد توجهكم، ومراده أن ينزع كسوة البيت ويكسوه بكسوة جاء بها معه من اليمن، ويريد أن يولى فى مكة واليا من جهته، ويترك معه جندا من اليمن، ويغيروا أوضاعكم، ولا يتركوا لكم فى مكة أمراء. وها هو فى جمع يسير من أهل اليمن، ولكن لا طاقة لنا بهم، ومن المصلحة أنه لا يفوت وإن لم تفعلوا قدمت معكم إلى مولانا السلطان - يعنى صاحب مصر - وتركت مكة له وبرئت من العهدة. فأثّر هذا الكلام فى قلوبهم، فاتفق رأيهم ورأى عجلان على الإقدام على المجاهد. فقال الشريف وأهل مكة: نحن نجعل عيوننا عليه متى افترقت عسكره

стр. 1433

فى منى لقضاء حوائجهم أشعرناكم، فلا تكونوا إلا على أهبة. وافترقوا على هذا الرأى، فلما كان صبيحة اليوم الثالث عشر من الحجة؛ وهو يوم النفر الأول وقد افترق عسكر صاحب اليمن عنه وانتشروا فى منى يتجهزون للسفر - أرسل الشريف رسولا بكتاب إلى أمير الركب يستحثه الركوب، وقال: هذا وقت قضاء الحاجة. فركب أمير الحاج بزلار ومن معه ومن انضم إليه من الأمراء وغيرهم خلا الأمير طاز، واستعانوا بالسيد عجلان وبنى حسن والعوامّ، وتلاهم الطماعة، فقصدوا المجاهد وهو نازل بمنى، وكان غافلا عنهم، وفى قلة من غلمانه، فنهبوا المحطة على حين غفلة من أهلها، وأحاطوا بمخيّم السلطان، وكان عنده جماعة من أصحابه فقاتل بعضهم؛ فقتل منهم جماعة، وتوقّف هو عن الحرب رعاية لحرمة الزمان والمكان، ففر إلى/جبل بمنى، واستمر القتال، فرأى السلطان أنه إن استمر ١٨٠ القتال قتل أصحابه فاستسلم للقضاء على أنهم لا يتعرضون لغيره؛ ففعل وفعلوا. فلما لزم الجميع أيديهم نزل إليهم فنزلوا بأجمعهم مترجلين وأركبوه بغلة وساروا بين يديه إلى محطتهم واحتفظوا به مع الكرامة والتبجيل والتعظيم، وضربوا له خاما خاصا، ثم بعد مسكه ردوا على أهل اليمن وعلى المجاهد ما قدروا على رجوعه من الخيل وغيرها، وأسلموا ذلك لأمه وولده، وأودعوهم للشريف عجلان. وسألوا المجاهد أن يستصحب معه من غلمانه من أراد؛ فاستصحب الأمير فخر الدين زياد بن أحمد الكاملى، وسافروا بالمجاهد فى اليوم الرابع عشر من ذى الحجة فى وسط النهار - وقد غلّوه وأركبوه إكديشا (١)، ورسموا عليه

стр. 1434

الأمراء. فاجتمع الأشراف وقت رحيلهم وأرادوا أن ينهبوا ثقل مصر ويقتلوهم، ويخلصوا المجاهد؛ فردهم الشريف عجلان، وسلم أهل الركب، وقتل بعض من كان متأخرا فى مكة وفى طريق الحرم. وأما الأشراف ثقبة وسند ومغامس فهربوا، وساروا إلى جهة اليمن. ويقال إن المصريين همّوا بالقبض على السيد عجلان لأنه ربما أظهر للمجاهد أنه معه على المصريين، فلما علم بذلك السيد عجلان أخبر أصحابه فاجتمعوا إليه وصاروا فى جمع عظيم. فلما أحس بهم الأمراء هالهم ذلك وأنكروا على عجلان وسألوه أن يكفهم عنهم؛ فكفهم. ورحل الحاج من فوره، وأقام السيد عجلان بمكة. وقيل إن المجاهد لما أراد دخول مكة لبس السيد عجلان آلة ١٨١ الحرب، وعرف أمراء مصر ما عزم عليه صاحب اليمن بأنه قد/تقرر الحال بينه وبين ثقبة على أن الأمير طاز إذا سار من مكة أوقعا بأمير الركب ومن معه، وقبضا على عجلان، وتسلّم ثقبة مكة، وحذرهم غائلته؛ فبعثوا إليه بأن من يريد الحج إنما يدخل مكة بذلة وسكينة، وقد ابتدعت من ركوبك والسلاح حولك بدعة لا يمكنك أن تدخل [بها] (١) إلينا، وابعث ثقبة ليكون عندنا حتى تنقضى أيام الحج ثم نرسله إليك. فأجاب إلى ذلك وبعث ثقبة رهينة، فأكرمه الأمراء، وأركبوا الأمير طقطاي فى جماعة إلى لقاء المجاهد، فتوجهوا إليه ومنعوا

стр. 1435

سلاح داريته من المشى معه بالسلاح، ولم يمكنوه من حمل الغاشية (١)، ودخلوا به مكة فطاف وسعى، وسلم على الأمراء واعتذر إليهم، ومضى إلى منزله. وصار كل منهم على حذر حتى وقفوا بعرفة وعادوا إلى الخيف من منى، فاتفق أن أمير الركب المصرى بزلار عاد من مكة إلى منى فرأى خادما للمجاهد سائرا، فبعث يستدعيه فلم يأته، وضرب مملوكه بحربة فى كتفه بعد مفاوضة (٢) جرت بينهما؛ فماج الحاج وركب بزلار وقت الظهر إلى طاز فلم يصل إليه حتى أقبلت الناس جافلة تخبر بركوب المجاهد بعسكره للحرب، وظهرت لوامع أسلحتهم، فركب طاز وبزلار والعسكر - وأكثرهم بمكة - فكان أول من صدم أهل اليمن الأمير بزلار - وهو فى ثلاثين فارسا فأخذوه فى صدورهم إلى أن أرموه قريب خيمة؛ ومضت فرقة منهم إلى طاز؛ فأوسع لهم ثم عاد عليهم. وركب الشريف عجلان والناس، فبعث طاز لعجلان: أن احفظ الحاج/ولا تدخل بيننا فى ١٨٢ حرب [ودعنا مع غريمنا] (٣) واستمر القتال بينهم إلى بعد العصر،

стр. 1436

فركب أهل اليمن الذلة، والتجأ المجاهد إلى دهليزه (١)، وقد أحيط به وقطعت أطنابه، وألقوه إلى الأرض، فخرج المجاهد على وجهه ومعه أولاده، فلم يجد طريقا؛ فسلّم ولديه إلى بعض الأعراب، وعاد بمن معه وهم يصيحون: الأمان يا مسلمين (٢). فأخذوا وزيره، وتمزقت عساكره فى تلك الجبال، وقتل خلق كثير، ونهبت أموالهم وخيولهم حتى لم يبق لهم شئ، وما انفصل الحال إلى غروب الشمس. وفر ثقبة بعربه (٣)، وأخذ عبيد السيد عجلان جماعة من الحجاج فيما بين مكة ومنى، وقتلوا جماعة. فلما أراد طاز الرحيل من منى سلّم أم المجاهد وحريمه للشريف عجلان، وأوصاه بهن، وركب معه المجاهد محتفظا به، وبالغ فى إكرامه، وصحب معه أيضا الأمير بيبغاروس مقيدا. وبعث الأمير طقطاى مبشّرا. ولما قدم الأمير طاز المدينة الشريفة قبض على الشريف طفيل (٤).

стр. 1437

ولقى طيلان الحاج بينبع، فتسلّم الأمير بيبغاروس من الأمير طاز وتوجّه إلى الكرك (١). وفيها أسقط الشريف عجلان ثلث الجباء عن الناس. وفيها مات الشريف مبارك بن عطيفة بن أبى نمى (٢) شهيدا بحربة رماه بها بعض عبيد سواكن (٢)، فى جمادى الأولى. وأبو العباس أحمد بن حسن بن يوسف بن [محمود بن] مسكّن القرشى الفهرى (٣). *** «سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة» فيها كان الشريف عجلان بمكة، والسيد ثقبة بالجديد ومعه أكثر بنى حسن والقواد، ولم يكن له يد ولا جباء بمكة، وإنما هو قاعد بالقوة، وجاءت مراكب أهل اليمن من التجار إلى جدة؛ فاحتاط عليها الشريف ثقبة وأخواه سند ومغامس، فلزموهم وأقاموا بهم إلى شهر ربيع الأول، فجباهم السيد ثقبة جباء عنيفا، وأخذ منهم

стр. 1438

١٨٣ أموالا كثيرة، وبزّا وحريرا ورقيقا/وغير ذلك، ومنعهم من دخول مكة، ومنعهم أن يحملوا أمتعتهم إلى مكة؛ فأقاموا بها فى الوادى (١). ثم جاء الخبر أن المجاهد قد خرج من مصر (٢)، وأتى الخبر إلى السيد عجلان بأن البلاد له على حاله؛ فزين مكة بعد أن كان قد ضعف وقصّر من ضعفه. ثم جاء الخبر بمرسوم السلطان برجوع المجاهد إلى مصر، فرجع به الأمير الذى هو معه قشتمر مشدّ الدواوين، وقيّده ورجع إلى مصر (٢). وجاء فى ثانى عشر ربيع الأول الأمير علاء الدين مملوك السلطان بكتاب السلطان إلى الشريفين عجلان وثقبة بالوصول إلى الباب الشريف، فأقام عندهما إلى أن توجه الشريف عجلان فى يوم الخميس ثانى عشر جمادى الأولى فطاف بعد أذان العصر؛ فودع وصلّى العصر وسافر إلى وادى أبى عروة (٣)، وأقام به ثلاثة أيام، ثم سافر إلى الهدة وأقام بها يومين أو ثلاثة إلى أن سافر الشريف ثقبة من

стр. 1439

الجديد إلى عسفان. فسافرا جميعا فى يوم السبت سادس عشر جمادى الأولى، وسارا بزملهما (١) ورحالهما قاصدين مصر، فلما أتوا المدينة زاروا، وتوجّه السيد عجلان إلى ينبع وأبى السيد ثقبة أن يروح إلى مصر؛ فأرسل السيد عجلان كتابا بأن ثقبة أبى أن يحضر إلى الباب السلطانى، وأنى قاصد وراءه خوفا على البلاد، وأرسله مع مملوك السلطان ومعه قود. ثم أقبل الشريف عجلان إلى بدر؛ فهرب منه ثقبة، وتوجه إلى ينبع، وادعى أنه يسافر بعد ذلك. وجاء الخبر إلى مكة فى سابع عشر جمادى الآخرة بأن السيد عجلان وصل الهدة قاصدا مكة، وأن ثقبة راح إلى مصر؛ فهرب الشريفان سند ومغامس من الجديد إلى/نخلة ومعهم زمل ثقبة وبعض القواد والمخالفين على ١٨٤ عجلان، وانقادت الشرفاء وباقى القواد كلهم بين يدى الشريف عجلان إلى الهدة طائعين له. وقدم السيد ثقبة إلى القاهرة فى مستهل رمضان بعد ما قدم قوده وقود أخيه عجلان، فخلع عليه واستقر فى إمارة مكة بمفرده، وأنعم عليه الأمير طاز بقرض: ألف دينار، وأقرضه الأمير شيخون عشرة آلاف درهم، واقترض من التجار مالا كثيرا، واشترى من الخيل والسلاح والمماليك، واستخدم عدة أجناد. ورسم بسفر الحسام لاجين العلائى مملوك آقبغا الجاشنكير وأستادار العلائى صحبته ليقلّده بمكة (٢). فلما نزلوا بطن مرّ تقدم إلى مكة حسام الدين

стр. 1440

لاجين، وعرّف الشريف عجلان انفراد أخيه ثقبة بالإمرة، فامتنع من تسليمه مكة، وعاد الحسام إلى ثقبة فأقاما حتى قدم الحاج. ويقال بل رجعوا إلى خليص وأقاموا بها إلى أن جاء الحاج المصرى صحبة الأمير طيبغا المجدى (١)، وكان الحاج عالما كثيرا من أهل الصعيد والفيوم ومن الوجه البحرى، وجماعة كثيرة من أهل المغرب، و [قدم] (٢) التكرور ومعهم رقيق كثير وفيهم ملكهم، فسار بقومه من القاهرة إلى الحج مستهل القعدة. فتلقى السيد ثقبة أمير الحاج وطلب منه أن يحارب معه عجلان، فلم يوافقه على محاربته؛ فأسمعه مالا يليق، وهدّده أنه لا يمكنه من دخول الحاج إلى مكة، وقام [من] (٣) عنده وقد اشتد غيظه، وألبس من معه من العربان وغيرهم السلاح. فاجتمع أمير الركب والقاضى عز الدين بن جماعة - وكان قد توجه صحبة الركب للحج - واتفقا على إرسال الحسام لاجين إلى عجلان ومعه العزّ بن جماعة، فجرت/لهم معه منازعات [آخرها] (٤) أن تكون الإمرة شركة بينهما نصفين، وعادا إلى بطن مرّ، وقررا ذلك مع ثقبة حتى رضى، وساروا جميعا إلى مكة؛ فتلقاهم عجلان على العادة وأنصف ثقبة وأنعم عليه بسبعين ألف درهم.
следующие страницы →