← История

История · id 1670

إتحاف الورى بأخبار أم القرى

النجم ابن فهد المكي

Полный текст (2 503 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

فركب أهل اليمن الذلة، والتجأ المجاهد إلى دهليزه (١)، وقد أحيط به وقطعت أطنابه، وألقوه إلى الأرض، فخرج المجاهد على وجهه ومعه أولاده، فلم يجد طريقا؛ فسلّم ولديه إلى بعض الأعراب، وعاد بمن معه وهم يصيحون: الأمان يا مسلمين (٢). فأخذوا وزيره، وتمزقت عساكره فى تلك الجبال، وقتل خلق كثير، ونهبت أموالهم وخيولهم حتى لم يبق لهم شئ، وما انفصل الحال إلى غروب الشمس. وفر ثقبة بعربه (٣)، وأخذ عبيد السيد عجلان جماعة من الحجاج فيما بين مكة ومنى، وقتلوا جماعة. فلما أراد طاز الرحيل من منى سلّم أم المجاهد وحريمه للشريف عجلان، وأوصاه بهن، وركب معه المجاهد محتفظا به، وبالغ فى إكرامه، وصحب معه أيضا الأمير بيبغاروس مقيدا. وبعث الأمير طقطاى مبشّرا. ولما قدم الأمير طاز المدينة الشريفة قبض على الشريف طفيل (٤).

стр. 1437

ولقى طيلان الحاج بينبع، فتسلّم الأمير بيبغاروس من الأمير طاز وتوجّه إلى الكرك (١). وفيها أسقط الشريف عجلان ثلث الجباء عن الناس. وفيها مات الشريف مبارك بن عطيفة بن أبى نمى (٢) شهيدا بحربة رماه بها بعض عبيد سواكن (٢)، فى جمادى الأولى. وأبو العباس أحمد بن حسن بن يوسف بن [محمود بن] مسكّن القرشى الفهرى (٣). *** «سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة» فيها كان الشريف عجلان بمكة، والسيد ثقبة بالجديد ومعه أكثر بنى حسن والقواد، ولم يكن له يد ولا جباء بمكة، وإنما هو قاعد بالقوة، وجاءت مراكب أهل اليمن من التجار إلى جدة؛ فاحتاط عليها الشريف ثقبة وأخواه سند ومغامس، فلزموهم وأقاموا بهم إلى شهر ربيع الأول، فجباهم السيد ثقبة جباء عنيفا، وأخذ منهم

стр. 1438

١٨٣ أموالا كثيرة، وبزّا وحريرا ورقيقا/وغير ذلك، ومنعهم من دخول مكة، ومنعهم أن يحملوا أمتعتهم إلى مكة؛ فأقاموا بها فى الوادى (١). ثم جاء الخبر أن المجاهد قد خرج من مصر (٢)، وأتى الخبر إلى السيد عجلان بأن البلاد له على حاله؛ فزين مكة بعد أن كان قد ضعف وقصّر من ضعفه. ثم جاء الخبر بمرسوم السلطان برجوع المجاهد إلى مصر، فرجع به الأمير الذى هو معه قشتمر مشدّ الدواوين، وقيّده ورجع إلى مصر (٢). وجاء فى ثانى عشر ربيع الأول الأمير علاء الدين مملوك السلطان بكتاب السلطان إلى الشريفين عجلان وثقبة بالوصول إلى الباب الشريف، فأقام عندهما إلى أن توجه الشريف عجلان فى يوم الخميس ثانى عشر جمادى الأولى فطاف بعد أذان العصر؛ فودع وصلّى العصر وسافر إلى وادى أبى عروة (٣)، وأقام به ثلاثة أيام، ثم سافر إلى الهدة وأقام بها يومين أو ثلاثة إلى أن سافر الشريف ثقبة من

стр. 1439

الجديد إلى عسفان. فسافرا جميعا فى يوم السبت سادس عشر جمادى الأولى، وسارا بزملهما (١) ورحالهما قاصدين مصر، فلما أتوا المدينة زاروا، وتوجّه السيد عجلان إلى ينبع وأبى السيد ثقبة أن يروح إلى مصر؛ فأرسل السيد عجلان كتابا بأن ثقبة أبى أن يحضر إلى الباب السلطانى، وأنى قاصد وراءه خوفا على البلاد، وأرسله مع مملوك السلطان ومعه قود. ثم أقبل الشريف عجلان إلى بدر؛ فهرب منه ثقبة، وتوجه إلى ينبع، وادعى أنه يسافر بعد ذلك. وجاء الخبر إلى مكة فى سابع عشر جمادى الآخرة بأن السيد عجلان وصل الهدة قاصدا مكة، وأن ثقبة راح إلى مصر؛ فهرب الشريفان سند ومغامس من الجديد إلى/نخلة ومعهم زمل ثقبة وبعض القواد والمخالفين على ١٨٤ عجلان، وانقادت الشرفاء وباقى القواد كلهم بين يدى الشريف عجلان إلى الهدة طائعين له. وقدم السيد ثقبة إلى القاهرة فى مستهل رمضان بعد ما قدم قوده وقود أخيه عجلان، فخلع عليه واستقر فى إمارة مكة بمفرده، وأنعم عليه الأمير طاز بقرض: ألف دينار، وأقرضه الأمير شيخون عشرة آلاف درهم، واقترض من التجار مالا كثيرا، واشترى من الخيل والسلاح والمماليك، واستخدم عدة أجناد. ورسم بسفر الحسام لاجين العلائى مملوك آقبغا الجاشنكير وأستادار العلائى صحبته ليقلّده بمكة (٢). فلما نزلوا بطن مرّ تقدم إلى مكة حسام الدين

стр. 1440

لاجين، وعرّف الشريف عجلان انفراد أخيه ثقبة بالإمرة، فامتنع من تسليمه مكة، وعاد الحسام إلى ثقبة فأقاما حتى قدم الحاج. ويقال بل رجعوا إلى خليص وأقاموا بها إلى أن جاء الحاج المصرى صحبة الأمير طيبغا المجدى (١)، وكان الحاج عالما كثيرا من أهل الصعيد والفيوم ومن الوجه البحرى، وجماعة كثيرة من أهل المغرب، و [قدم] (٢) التكرور ومعهم رقيق كثير وفيهم ملكهم، فسار بقومه من القاهرة إلى الحج مستهل القعدة. فتلقى السيد ثقبة أمير الحاج وطلب منه أن يحارب معه عجلان، فلم يوافقه على محاربته؛ فأسمعه مالا يليق، وهدّده أنه لا يمكنه من دخول الحاج إلى مكة، وقام [من] (٣) عنده وقد اشتد غيظه، وألبس من معه من العربان وغيرهم السلاح. فاجتمع أمير الركب والقاضى عز الدين بن جماعة - وكان قد توجه صحبة الركب للحج - واتفقا على إرسال الحسام لاجين إلى عجلان ومعه العزّ بن جماعة، فجرت/لهم معه منازعات [آخرها] (٤) أن تكون الإمرة شركة بينهما نصفين، وعادا إلى بطن مرّ، وقررا ذلك مع ثقبة حتى رضى، وساروا جميعا إلى مكة؛ فتلقاهم عجلان على العادة وأنصف ثقبة وأنعم عليه بسبعين ألف درهم.

стр. 1441

وحج الناس وكانت الوقفة يوم الجمعة، ولقى الحاج من العبيد بمكة شرا كثيرا. وجاور القاضى عز الدين بن جماعة فى السنة بعد هذه (١). وفيها فى يوم الأربعاء ثامن عشرى الحجة وصل الملك المجاهد إلى زبيد (٢) على طريق عيذاب. وفيها مات أبو حفص عمر بن محمد بن على بن فتوح الدمنهورى يوم الثلاثاء ثالث عشر ربيع الأول (٣). *** «سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة» فيها توجه السيد عجلان إلى ناحية اليمن؛ فلقى جلبة وصلت من اليمن، فيها عبد قاضى مكة شهاب الدين الطبرى، وجماعة من أهل مكة؛ فأخذ ما فيها وكان قدرا جسيما. فلما بلغ السيد ثقبة ذلك أرسل إلى أخيه عجلان يطلب نصفه من ذلك، فأبى السيد عجلان أن يدفع له شيئا؛ فركب إليه - وعجلان فى قلة من أصحابه - وغرّه بالصلح فغدر به وقيّده، وقيّد معه على بن مغامس

стр. 1442

ابن واصل الزباع، وأخذ جميع ما كان مع عجلان من الخيل والإبل، واستقل بالإمرة بمفرده، فلما كان الليل ورقد الموكلون بعجلان خلع عجلان القيد من رجليه - وكان واسعا - وهرب إلى امرأة من الفريق الذى كانوا فيه فانزوى إليها، وعرفها بنفسه، وسألها أن تخفيه. فقالت له: نحن نخشى من ثقبة. فقال لها: لا بأس عليك، أنا أتحيل فى إخفائى بأن أحفر حفرة تغيبنى وأقعد فيها، وحطى على أمتعتك، ولا عليك بفعل ذلك. فلما انتبه الموكل بعجلان تفقده فلم يجده؛ فذهب إلى ثقبة وعرّفه/الخبر؛ فذهب هو وأصحابه فى طلب عجلان، فلم يجدوه، وأتى بيت المرأة التى هو مختف عندها ودوّره بنفسه؛ فلم يجد عجلان فيه. فلما كان الليل أركب فرسا وراح إلى بنى شعبة باليمن، فأقام عندهم حتى قدم الحاج (١). ولما قدم الحاج لم يجد بمكة أحدا من بنى حسن ولا العبيد (٢). وفيها غلت الأسعار حتى بلغ الإردب القمح ثلاثمائة درهم، والشعير مائتى درهم، والراوية الماء بأربعة مسعودية، ثم أغاث الله فى أول يوم من المحرم بمطر استمر ثلاثة أيّام، وانحلّ السعر وبيع إردب [القمح] (٣) بمائة وخمسين درهما والراوية [الماء] (٣) بنصف وربع مسعودية؛ لجريان ماء عين حنين.

стр. 1443

وفيها منع المجاهد صاحب اليمن التجار من السفر إلى مكة؛ غيظا من أمرائها (١). وفيها حج الأمير بكتمر المؤمنى شادّ الدواوين (٢). وفيها مات الشيخ عبد الله بن التاج الخطيب على بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن أبى بكر الطبرى، فى ليلة التاسع والعشرين من صفر، أو مستهل ربيع الأول (٣). والشيخ موسى بن على بن محمد بن عبد الله الزهرانى (٤). وأبو المكارم أحمد بن الشريف أبى عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الفاسى بمصر (٥). ويعقوب بن محمد بن أحمد الكيلانى (٦). وفيها - أو فى التى بعدها - مات أبو المعالى أحمد بن على بن محمد بن عبد السلام الكازرونى المؤذن (٧). ***

стр. 1444

«سنة أربع وخمسين وسبعمائة» فيها توجه السيد عجلان إلى نخلة بعد أن كان فى أول السنة بالواديين، وأخذ منها المال الذى نهبه وقصد الجديد وفرق المال، وأقام بالجديد إلى آخر السنة. فلما أن قرب وصول الحاج وسمع بأن البلاد لأخيه ثقبة وليس له فيها أمر ارتحل إلى الحردة، ثم بعث إليه أمير الحاج المصرى الأمير زين الدين عمر شاه الحاجب بأمان، وأمره أن يصل إليه ويصلح بينه وبين أخيه؛ فتوجه عجلان - وثقبة بالجموم/من وادى مرّ - وخلع أمير الركب على عجلان وسار معه إلى مكة (١). وقيل إن السلطان ومدبرى دولته أسرّوا إلى أمير الحاج ومن صحبته من الأمراء أن يقبضوا على ثقبة ويقرّوا الأمير عجلان بمفرده على إمارة مكة. فلما قدم الحاج بطن مرّ ومضى عجلان إلى لقائهم شكا إلى الأمراء من أخيه ثقبة، وذكر ما فعله معه وبكى؛ فطمأنوا قلبه، وساروا به معهم حتى لقيهم الشريف ثقبة ومعه أخواه سند ومغامس وابن عمهم محمد بن عطيفة، وقوادهم وعبيدهم بالزاهر - على جارى العادة، لتلقى الأمير وخدمة المحمل - فألبسوه خلعته على العادة ومضوا حافّين به نحو مكة، وهم يحادثونه فى الصلح بينه وبين أخيه عجلان، ويحسّنون له ذلك فأبى إلا أن يكون السلطان رسم بذلك، وصمّم على ذلك، فلما أيسوا منه مدّ الأمير كشلى يده إلى سيفه وقبض عليه، وأشار إلى من معه فألقوه عن فرسه وأخذوه ومن

стр. 1445

معه من إخوته وابن عمهم وكبّلوهم بالحديد، ودخلوا بهم مكة محتاطين عليهم، ففر القواد والعبيد. وأحضروا عجلان وألبس التشريف وعبروا به إلى مكة، فلم يختلف عليهم اثنان. وسلّم ثقبة للأمير أحمد بن آل ملك؛ فسرّ الناس بذلك، وذهب أمير الركب بالأشراف إلى مصر تحت الحوطة، فقدم بهم إلى القاهرة فى ثامن عشر المحرم، ولم يتفق مثل هذا فيما سلف. وهلك جماعة من المشاة، واعتقل الأشراف بالقاهرة بالحبس، ودام عجلان على ولاية مكة بمفرده، وكثر جلب الغلال وغيرها فانحط السعر عشرين درهما الإردب (١). وفيها حج الخليفة المعتضد بالله أبو بكر، وقاضى القضاة عز الدين بن جماعة، والشيخ شهاب الدين بن عقيل، ومن الأمراء الأمير سيف الدين كشلى، وسيف الدين بزلار، وسيف الدين طقطاي، وشهاب الدين أحمد بن آل ملك، وناصر الدين [محمد] ابن بكتمر الساقى، وركن الدين عمر بن طقزدمر (٢). وفيها قبض على إمام الزيدية أبى القاسم محمد بن أحمد اليمنى، وكان يصلى فى الحرم بطائفته ويتجاهر، ونصب له منبرا فى الحرم، يخطب عليه يوم العيد وغيره بمذهبه، وضرب بالمقارع ضربا مبرحا ليرجع عن مذهبه فلم يرجع، وسجن ففرّ إلى وادى نخلة (٣).

стр. 1446

وفيها فى الموسم ضرب الأمير عمر شاه عليا مؤذن الزيدية حتى مات (١). وفيها مات إمام الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن على بن الزين القسطلانى، فى آخر المحرم (٢). والولى أبو مروان عبد الملك بن عبد الله بن محمد بن محمد البكرى المرجانى التّونسىّ، فى يوم الخميس سابع عشر جمادى الأولى (٣). وعبد الله بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن أبى بكر الطبرى (٤). *** «سنة خمس وخمسين وسبعمائة» فيها قلّ ما بيد السيد عجلان؛ وسبب ذلك أن المجاهد صاحب اليمن لما عاد إلى بلاده - بعد خلاصه من القبض بمنى - منع

стр. 1447

التجار من السفر إلى مكة؛ فاحتاج فاعتبر (١) جميع نخل الوادى من وقته، وجعل على كل نخلة أربعة دراهم، وثلاثة دراهم، ودرهمين؛ فحصل له من ذلك مال جزيل، وعنف فى هذه السنة بالأشراف والقواد عنفا عظيما، وأخذ ما كان أعطاهم من الخيول والأموال، وكان أغدق عليهم فى العطاء بحيث يقال إنه وهب فى يوم واحد مائة وعشرين فرسا وألفين ومائتى ناقة، وثلاثمائة ألف درهم، وستين ألف درهم (٢). وفيها فى يوم الخميس تاسع عشر شعبان وصلت الرجبية إلى مكة، ومقدمها الأمير عز/الدين أزدمر الخازندار، والطواشى شبل ١٨٩ الدولة كافور الهندى، وقطب الدين هرماس، وجماعة من الأعيان، وكان الركب لما وصل إلى بدر لقيهم القاضى عز الدين بن جماعة قادما من المدينة إلى مكة؛ يريد صيام شهر رمضان بمكة، فلما نزلت الرجبية بطن مرّ لقيهم أمير مكة السيد عجلان فخلع عليه، ومضوا إلى مكة فدخلوها معتمرين من الغد مستهل رمضان، ونودى (٣): ألاّ يحمل أحد من بنى حسن والقواد والعبيد سلاحا بمكة. فامتنعوا من حمله.

стр. 1448

وفيها - فى شوال - ظهر بعد العشاء الآخرة من قبل جبل أبى قبيس كوكب فى قدر الهلال وأكثر نورا منه، ومرّ على الكعبة، ثم اختفى بعد ثلاث درج؛ فسمع من فقير يمانى وهو يقول: لا إله إلا الله القادر على كل شيء، هذا يدل على رجل يكون فى شدة يفرج الله عنه (١)، ورجل يكون فى فرج فيصير إلى شدة، والله يدبر الأمر بقدرته. فقدم الخبر فى أخريات شوال بخلع الصالح وإعادة السلطان حسن. وفيها فى يوم الاثنين ثانى شوال اتفق أن الشيخ المعتقد أبا طرطور قال: لا إله إلا الله، اليوم جلس حسن فى دست مملكة مصر. وكان عنده الشيخ قطب الدين أبو عبد الله محمد بن محمود ابن هرماس بن قاضى القدس الشهير بالهرماس وحده، فقام من فوره إلى الأمير عز الدين أزدمر أمير الرجبية، وقاضى القضاة عز الدين بن جماعة - وهما بالحرم - فجلس إليهما، ثم أطرق ورفع رأسه وقال: لا إله إلا الله، اليوم جلس الملك الناصر حسن فى دست مملكة مصر عن الملك الصالح، فأرخوا ذلك عندكم. فأرّخه الأمير أزدمر فقدم الخبر بخلع الصالح وجلوس الناصر حسن فى ذلك اليوم بعينه، /فمن حينئذ ارتبط الأمير أزدمر بالهرماس، فأوصله إلى السلطان حسن حتى بلغ ما بلغ؛ ظنا منه أن العلامة المذكورة كانت من قبله على جهة الكشف وما كان إلا ما تلقفه من الشيخ أبى طرطور فنسبه إلى نفسه (٢).

стр. 1449

وفيها هبّت ريح بمكة من قبل اليمن أظلم عقيبها الحرم الشريف، وفشت الأمراض فى الناس حتى لم يكن أحد إلا وبه وعك، إلا أنه كان سليما؛ يحصل البرء منه بعد أسبوع (١). وفيها كان الرخاء كثيرا بيعت غرارة القمح بثمانين درهما، والغرارة الشعير بخمسين درهما، إلا أن الماء قليل بحيث نزحت الآبار، وانقطعت عين حنين (٢)، فأغاثهم الله بمطر عظيم رووا منه. وفيها - فى رمضان - عقد لكبير الزيدية أبى القاسم [بن] (٣) محمد بن حسين بن الشّقيف (٤) مجلس بحضرة القاضى عز الدين بن جماعة، واستتيب فيه، وكتب خطه أنه يبرأ إلى الله من اعتقاد أهل البدع من الزيدية والإمامية وغيرها، وأنه يواظب على الجمعة والجماعة، وإن خرج عن ذلك جعل فيه ما تقتضيه الشريعة المطهرة. وذلك بعد سؤاله لأهل السّنّة وخضوعه لهم؛ وكان سبب ذلك خوفا حصل له من ضرب الأمير عمر شاه لعلىّ مؤذن الزيدية حتى مات فى موسم السنة التى قبلها. وفيها حضر أبو القاسم محمد بن أحمد اليمنى إمام الزيدية المطلوب فى السنة الخالية إلى قاضى القضاة عز الدين بن جماعة تائبا

стр. 1450

مما كان عليه من مذهب الزيدية، فعقد له مجلس بالحرم، حضره أمير الركب وعامة أهل مصر ومكة، وأشهدهم أنه رجع عن مذهب الزيدية، وتبرأ إلى الله من إباحة دماء الشافعية وأموالهم، وأنه يواظب على صلاة الجمعة والجماعة مع أئمة الحرم، وإن خرج عن ذلك فعل به ما تقضيه الشريعة، وكتب خطه بذلك، فقال/بعضهم فى ذلك: استتوبوا الزيدى عن مذهب … قد كان من قبل به معجبا لو لم يدارك نفسه بتوبة (١) … لعجّل الله له مذهبا وفيها لم يحج الركب العراقى (٢). وفيها مات مفتى مكة أبو العباس أحمد بن قاسم الحرازى، فى يوم الاثنين ثانى عشر شوال (٣). وأم الوفا كمالية بنت القاضى نجم الدين الطبرى، فى النصف من شوال (٤).

стр. 1451

وفيها - أو فى التى بعدها - مات نصير الدين فضل الله بن القاضى نصر الله (١) الغورى العجمى الكسائى الحنفى. *** «سنة ست وخمسين وسبعمائة» فيها شفع الأمير فيّاض بن مهنا فى الشريف ثقبة؛ فأفرج عنه وعن أخويه وابن عمه محمد بن عطيفة، فأقاموا بالقاهرة (٢). وفيها - فى أول رمضان - وصل إلى السيد عجلان مع الرجبية توقيع بالاستمرار فى الولاية، فلما كان اليوم السابع عشر منه وصل السيد ثقبة وأخواه سند ومغامس وابن عمهم محمد بن عطيفة إلى نخلة فارّين من السجن بالقاهرة، وليس معهم إلا خمسة أفراس. وكان السيد عجلان يومئذ بخيف بنى شديد، ثم ارتحل إلى مكة فأقام بها. ثم انتقل ثقبة وأخواه فى ثلاثة وخمسين فرسا إلى الجديد فى اليوم الثالث والعشرين من شوال، فأقاموا به، فلما كان يوم الثالث عشر من القعدة نزل السيد ثقبة وأخواه ومن معه المعابدة وأقاموا بها محاصرين

стр. 1452

السيد عجلان، وجرى فى هذا اليوم بين العبيد بعض قتال، قتل فيه بعض القواد اليواسفة من أصحاب الشريف ثقبة وعبد له، وتضرر الناس بهم كثيرا، ثم ارتحل السيد ثقبة ومن معه فى صبيحة يوم الاثنين رابع عشرى القعدة إلى الجديد وأقاموا به. فلما كان وصول الحاج دخلوا إلى ناحية جدة، وأخذوا/ الجلاب ودبروا بها إلى بجير (١)، فلما رحل الحاج من مكة توجهوا بالجلاب ونجلوها ونزلوا الجديد. وفيها حج الركب العراقى وكان قليلا (٢). وفيها مات الخطيب تاج الدين أبو الحسن على بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله الطبرى، فى آخر النصف الأول من السنة أو أول النصف الثانى، فولى بعده الخطيب القاضى شهاب الدين الطبرى، وجاءه بها توقيع فى أوّل شهر رمضان (٣). وفيها مات العز إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الأصفهانى فى خامس المحرم (٤).

стр. 1453

والجمال محمد بن محمد بن نجم الدين، فى يوم الأربعاء سابع شوال (١). وفيها - أو فى التى بعدها - مات يعقوب بن عمر بن على الكورانى (٢). وفيها - أو فى التى بعدها - مات عبد الله بن عبد الله بن الصفى الطبرى (٣). *** «سنة سبع وخمسين وسبعمائة» فيها فى تاسع عشر المحرم اصطلح الشريفان عجلان وثقبة على أن تكون الإمرة بينهما نصفين، وكان مع عجلان خمسون مملوكا فقسمها بينه وبين أخيه، وانقسم الأشراف والقواد. فلما كان اليوم الثالث عشر من جمادى الآخرة توجه ثقبة من ناحية اليمن إلى مكة وملكها بمفرده، وقطع نداء أخيه عجلان على زمزم، وأقام بمكة إلى مستهل الحجة، وعجلان بالجديد. فلما وصل الحاج مكة دخلها عجلان مع الحاج بعد أن فارقها ثقبة وبعد عن مكة. ثم طلب أمير الركب المصرى الهدبانى السيد ثقبة، فلم يجبه - مع كونه أمّنه -

стр. 1454

وقصد ناحية اليمن ونهب قافلة الفقيه البركانى، وأخذ ما معه من البضائع والقماش، وكان مالا كثيرا (١). وفيها حج العراقيون فى غاية الكثرة، وحج بعض العجم وتصدّق بذهب كثير فى الحرمين على أهلهما (٢). وفيها وقف الناس بعرفة يومين، وحصل لهم فى آخر اليوم الأول غيث اغتبطوا به (٣). وفيها - فى أولها - عزل السيد عجلان أمير مكة شيخ السدنة الجمال عبد الله محمد بن أبى بكر بن ناصر الشيبى عن مشيخة الحجبة؛ /لغيبته فى مصر، وولى أبا الفضل أحمد بن يوسف بن أحمد بن صالح الشيبى شيخ السدنة، إلى أن وصل فى آخر شعبان أو مستهل رمضان مرسوم السلطان بعود محمد بن أبى بكر لمشيخة السدنة كما كان، ويكون صهره يوسف بن محمد بن أبى راجح ينوب عنه فى ذلك إلى حين حضوره إلى مكة، فباشر يوسف ذلك (٤). وفيها - أو فى [سنة] (٥) ستين - مات الجمال أبو عبد الله

стр. 1455

محمد بن على بن الزين محمد بن محمد بن محمد القسطلانى فى أوائل رمضان (١). وفيها - أو فى التى بعدها - وجد الصفى محمد بن [محمد ابن] (٢) الفخر عثمان بن الصفى أحمد الطبرى مقتولا فى دارهم التى بجوار الكوم الذى يتوصل منه إلى دار عيسى، تجاه بيت الخطيب تاج الدين الطبرى فى الطريق الموصلة إلى النجارين. *** «سنة ثمان وخمسين وسبعمائة» فيها وصل السيد ثقبة إلى الجديد ونزل به، وأقام به مدة، ثم ارتحل إلى ناحية اليمن، وأقام بها مدة، ثم وصل إلى الجديد ثانيا، فعمل عليه أصحابه القواد وحالفوا أخاه عجلان، فارتحل ثقبة إلى خيف بنى شديد، ثم إلى نخلة، ثم التأم عليه الأشراف جميعهم، ونزلوا معه فى خيف بنى شديد. والتأم القواد جميعهم مع عجلان، وخرج من مكة ونزل الجديد، ثم ارتحل منه إلى البرقة (٣) طالبا قتال

стр. 1456

ثقبة ومن معه، فلم يمكنه القواد من ذلك، وأقام بالبرقة قريبا من شهر، وجمع مروخا (١) كثيرة وذلك فى رجب، ثم عاد إلى الجديد ورتب فى مكة خيلا ورجالا. فلما كان أول ذى القعدة قصد ثقبة مكة ليدخلها فلم يمكن من دخولها بعد أن وصل [إلى] (٢) الدرب من ناحية الأبطح. فلما وصل الحاج اصطلح الشريفان واشتركا فى الإمرة، وحج الناس طيبين (٣). وكان حجاج مصر والشام قليلين، وكان مع الحجاج العراقيين محملان: واحد من بغداد، والآخر من شيراز (٤). وفيها عمر مولد النبى ﷺ / (٥)، وبئر النجار بأول مضيق منى على يسار الذاهب من مكة المشرفة إلى منى، وكانت عمارة البئر

стр. 1457

فى شوال، وذلك من جهة الأمير شيخون أحد كبار الدولة بمصر، على يد الأمير طقطاي (١). وفيها تزوج الرضى محمد بن الجمال محمد بن الفخر عثمان بن الصفى أحمد الطبرى بأم الفضل خديجة بنت القاضى شهاب الدين أحمد بن عبد العزيز النويرى (٢). وفيها مات بهاء الدين عمر بن محمد بن أحمد بن منصور الهندى الحنفى فى ذى الحجة (٣). وأم الحسن ابنة القاضى شهاب الدين الطبرى (٤). *** «سنة تسع وخمسين وسبعمائة» فيها أمر الأمير صرغتمش الناصرى - أحد كبار الأمراء فى دولة

стр. 1458

الناصر حسن - بعمارة ميضأة (١) فيما بين رباط أم الخليفة (١) والبيمارستان المستنصرى بالجانب الشمالى من المسجد الحرام (٢)؛ فعمرت وعمّر معها أماكن فى المسجد الحرام، وجدد المشعر الحرام (٣). وفيها كان بمكة غلاء فى جميع المأكولات (٤). وفيها رحل الحجاج جميعهم من منى فى النفر الأول، وكان حجاج مصر والشام والعراق قليلين (٥). وفيها - فى آخرها أو أول التى بعدها - تزوّج القاضى على النويرى ابنة خاله أم السعد زينب بنت القاضى شهاب الدين الطبرى (٦). وفيها قدم الشريف على بن [أبى] (٧) عبد الله [محمد] (٧) الفاسى من بلاد التكرور. وقدم معه بابنتيه ستيت وفاطمة. وفيها ولى الخطابة بالمسجد الحرام الضياء محمد بن عبد الله بن

стр. 1459

محمد الحموى؛ وصل إليه توقيع من صاحب مصر، فصده - مع ذلك - عنه السيد (١) أحمد بن عجلان (١) بواسطة أصحاب القاضى شهاب الدين الطبرى؛ لما بينهم من العداوة بعد أن خرج فى شعار الخطبة إلى أثناء المسجد الحرام فى الموسم، وخطب الرضى محمد بن أحمد ابن الرضى إبراهيم الطبرى، إلى وصول الخبر فى جمادى الأولى من السنة بعد هذه. وفيها مات إمام الحنابلة بالمسجد الحرام محمد بن الجمال/ ١٩٥ محمد بن عثمان بن موسى الآمدى الحنبلى، وولى الإمامة بعده السراج عبد اللطيف ابن أبى المكارم أحمد بن عبد الله الفاسى (٢). وفيها مات نور الدين على بن الزين محمد بن الأمين محمد بن القطب القسطلانى، فى تاسع عشرى رجب (٣). وحيدر بن الحسين بن [حيدر] الفارسى، فى آخرها (٤). *** «سنة ستين وسبعمائة» فيها فى جمادى الأولى وصلت القصاد من صاحب مصر

стр. 1460

باستدعاء الشريفين عجلان وثقبة للحضور إليه؛ وسبب ذلك ما حصل بمكة من الجور بسبب افتراق الكلمة، فاعتذرا من الحضور إلى الأبواب السلطانية (١). وفيها - فى جمادى الآخرة - وصل الخبر إلى مكة بعزل الشريفين ثقبة وعجلان عن إمرة مكة، وتوليتها لأخيهما سند بن رميثة، ومحمد بن عطيفة، وكان سند مع أخويه فى ناحية اليمن، وابن عطيفة بمصر. فأشار عجلان على ثقبة بأن يعطى كلّ واحد منهما أربعمائة بعير لبنى حسن ليساعدوهما على بقاء ولايتهما، ومنع عطيفة ومن معه. فلم يوافق على ذلك ثقبة، واحتج بعجزه عن الإبل المطلوبة منه، ولما بينه وبين سند من كثرة الألفة، ومعاضدة سند له (٢) وكان بعض الأشراف بالواديين وبعضهم بالحسينية، وكان السيد أحمد بن عجلان بمكة ينظر فى أمورها نائبا عن أبيه (٣). وجهز الناصر حسن من مصر صحبة محمد بن عطيفة عسكرا نحو مائتى مملوك، فيهم أربعة من الأمراء وهم: سيف الدين جركتمر الماردينى حاجب الحجاب بالقاهرة؛ وهو مقدم العسكر، وقطلوبغا المنصورى، وعلم دار، وناصر الدين أحمد بن أصلم المنصورى، ومعهم تسعون فرسا، ووصلوا إلى مكة فى آخر جمادى الآخرة -

стр. 1461

وقيل فى رجب - فلما وصل العسكر إلى مكة وصل إليهم سند بن رميثة من ناحية اليمن؛ فأعطوه تقليده، وخلع عليه وعلى محمد بن عطيفة، ودعى لهما على زمزم؛ وانصلح بالعسكر حال مكة، وارتفع عنها/الجور، ١٩٦ وانتشر العدل بها، وأسقط المكس من المأكولات، وجلبت الأقوات؛ فرخصت فيها الأسعار إلى الغاية. وانقمع أهل الفساد بحيث لم يتجاسر أحد منهم على حمل السلاح بمكة؛ لأن مقدّم العساكر أمر بذلك، وأقام العسكر بمكة بعد الحج إلى آخر السنة (١). وتوجه عجلان إلى مصر ومعه ابناه أحمد وكبيش فى جماعة من ألزام عجلان، فلما وصلوا إلى مصر قبض على عجلان وابنيه أحمد وكبيش؛ فاعتقلوا بقلعة (٢) فى مصر، وأقسم الناصر حسن صاحب مصر ألاّ يطلقهم مادام حيا؛ لأنه كان شديد الحنق على عجلان وابنه أحمد لأمور منها: أن أحمد بن عجلان صدّ الخطيب الضياء الحموى عن الخطابة بالمسجد الحرام بعد أن برز إلى المسجد فى شعار الخطبة فى موسم السنة قبل هذه رعاية للقاضى شهاب الدين الطبرى. وأقام ثقبة بالخبت (٣) لقطع الطريق على من يأتى من حلى إلى مكة من التجار والحجاج والمسافرين.

стр. 1462

وفيها - فى آخر شعبان - قدمت الرجبية من القاهرة، وصحبتهم القاضى عز الدين بن جماعة، وقاضى القضاة موفق الدين الحنبلى، وقطب الدين هرماس (١). وفيها حج العراقيون ووصلوا إلى مكة فى اليوم الخامس من ذى الحجة، والمعهود أن وصولهم يكون بعد ذلك بيومين (٢). وفيها وصلت كسوة للكعبة الشريفة من الملك الناصر يكسى بها داخل الكعبة، وهى حرير أسود مطرز بالذهب المزركش، [بها] (٣) جامات، وذلك فى آخر القعدة، وكسيت الكعبة بها، فحضر قاضى القضاة عز الدين بن جماعة. وكانت الوقفة الجمعة (٤). ووقع الوباء بجمال المصريين؛ فمات منهم شئ كثير، ثم وقع الوباء فى قافلة أهل اليمن بعد توجههم من مكة، وفى رجالهم فمات منهم خلق كثير وجمال كثيرة (٤). ولزمهم ثقبة فى الواديين، وطلب منهم جباء بطريق الظلم. وفيها - فى أولها - كان غلاء عظيم، ثم حصل/فى النصف منها رخاء كثير [بحيث] (٥) بيعت الغرارة الحنطة بستين درهما كاملية (٦).

стр. 1463

وفيها - فى جمادى الآخرة عند وصول العسكر من مصر باشر الضياء الحموى الخطابة بالمسجد الحرام، وولى مع ذلك المشاركة فى نظر الحرم ومشيخته (١). وفيها عمّر الأمير يلبغا الخاصكى المسجد الذى بجبل قزح بالمزدلفة. وفيها مات القاضى شهاب الدين الطبرى فى سابع عشر شعبان، وولى بعده قضاء مكة التقى محمد بن أحمد بن قاسم الحرازى (٢). وفيها مات إمام المالكية بالمسجد الحرام الشيخ خليل بن عبد الرحمن المالكى، ليلة الاثنين لعشر بقين من شوال، وولى الإمامة ابن أخيه عمر بن عبد الله بن عبد الرحمن (٣). وفيها مات أبو القاسم [بن] محمد بن حسين بن محمد بن الشقيف (٤). وكاتب السيد عجلان بن رميثة موسى بن عمران (٥). وفاطمة بنت عبد الرحمن بن الضياء محمد بن عمر القسطلانى، فى أحد الربيعين (٦). ***

стр. 1464

«سنة إحدى وستين وسبعمائة» فيها أرسل السلطان الناصر حسن بن الناصر محمد بن قلاوون كسوة للكعبة الشريفة تكسى من داخلها، وكانت من حرير أسود بها جامات مزركشة بالذهب، ما خلا شقة من الشقق بين الأسطوانتين اللتين تليان الباب فإنها كمخة حرير حمراء، وفى وسطها جامة كبيرة مزركشة بالذهب (١). وأرسل أيضا للكعبة الشريفة حاصلا (٢) من خشب الساج. وفيها كان وباء كثير، ومات فيه اثنا عشر مملوكا كبارا من مماليك جركتمر وزوجته وخادمه، وأشرف هو على الموت. ومات أكثر خيل المنصورى (٣)، ثم أقلع ذلك عن الناس. وفيها فى يوم السبت تاسع عشر جمادى الآخرة مات الأمير ناصر الدين محمد بن أصلم الناصرى (٤)، ثم توجه فى آخر الشهر ولده الأمير رمضان إلى مصر بجميع غلمانه ومماليكه وخدمه.

стр. 1465

وفيها فى رمضان جاء حاج مصر فى الرجبية، ومعهم (١) بنت السلطان/محمد بن قلاوون الست زهراء أخت الناصر حسن، ١٩٨ والركنى بيبرس الأحمدى، وبعض المماليك السلطانية، وأجناد الحلقة، وقاضى القضاة تاج الدين الأنصارى، ونوابه المازولى ونجم الدين حمزة، والقاضى نصر الله الحنبلى، والقاضى زين الدين بن السراج الحنفى، وجماعة من العلماء والفضلاء، وكان معهم الرخاء إلى أوان الحج. وفيها قدم مع الحاج فى الموسم من مصر عسكر مقدمه الأمير قندس، وكان أمير الحاج المصرى الأمير أرغون التركى، وقدم من الشام أمير الحاج ناصر الدين بن قراسنقر، وطلوبغا الكرجى فى جماعة على نية المجاورة، وأن يقيموا بمكة عوض العسكر الذين قدموا مع ابن عطيفة (٢). وأن يتولى جركتمر إمرة الركب الشامى مكان ابن قراسنقر. وحج الناس، وكانت الوقفة يوم الأربعاء، ثم وقعت جفلة بمنى فهربت بنو حسن كلهم، ولم يبق منهم إلا محمد بن عطيفة وغلمانه لا غير، وتوجهوا فى الليل من منى إلى وادى مرّ ثم إلى نخلة، وتقدم سند إلى نخلة أولا، وبنو حسن ومغامس لحقوا به فى نخلة من وادى مرّ، فبلغ الترك هرب السيد سند، فأنكروا أن يكونوا همّوا له

стр. 1466

بسوء، فاستدعوه إليهم فحضر إليهم هو وجميع بنى حسن عند سفرهم من باب الشبيكة. وقيل إن السيد سند بلغه بمنى أن الترك يريدون القبض عليه، فهرب هو وبنو حسن إلى جهة نخلة، وبلغ الترك فأنكروا أن يكونوا همّوا له بسوء، واستدعوه إليهم فحضر (١). وفيها فى رابع عشر ذى الحجة رام بعض العسكر النزول بدار المضيف عند الصفا؛ فمنعه من ذلك بعض الأشراف من ذوى على؛ فتضاربوا، وبلغ ذلك بنى حسن والترك؛ فثارت الفتنة بينهم. وقيل: سبب الفتنة أن/بعض الأتراك نزل بدار المضيف فطالبه بعض الأشراف [من ذوى على بن قتادة] (٢) بالكراء فضرب التركىّ الشريف، فقتل الشريف التركى؛ فثار جماعة من الترك على الشريف ليقتلوه، فصاح الشريف بأصحابه؛ فاجتمع إليه بعض الشرفاء واقتتلوا مع الترك، وبلغ ذلك الترك وبنى حسن، فقصد الأشراف أجيادا، ووجدوا فى ذهابهم إلى أجياد خيلا على باب الصفا للأمير ابن قراسنقر ليسعى عليها بعد طوافه - فإنه كان فى ذلك اليوم ذهب للعمرة من التنعيم - فركبها الأشراف، وبلغ ابن قراسنقر الخبر وهو يطوف فقطع طوافه، وتقدم إلى المدرسة المجاهدية ليحفظها؛ فإنه كان نازلا بها، وتحصّن هو وبعض الترك فى المسجد وأغلقوا

стр. 1467

أبوابه، وهدموا الظلة التى على رأس زقاق أجياد الصغير؛ ليروا من يقصدهم من بنى حسن، ويمنعوه من الوصول إليهم بالنشاب وغيره، وعملوا فى الطريق عند المجاهدية أخشابا كثيرة لتحول بينهم وبين من يقصدهم من الفرسان من أجياد الكبير. هذا ما كان من خبر الترك، وأما ما كان من خبر بنى حسن، فإنهم لما توجهوا إلى أجياد استولوا على اسطبل ابن قراسنقر، وقصدوا الأمير قندس - وكان نازلا ببيت الزباع بأجياد - فقاتلوا من خارجه حتى غلبوه، ودخلوا عليه الدار فقتلوا جماعة من أصحابه، وهم سبعة عشر مملوكا، وسبعة من غلمانهم، وهرب هو من جانب منها، فاستجار هو ونساؤه وأولاده ببيت السيد مبارك بن رميثة، واستجار ببعض الشرائف فأجارته. ونهب منزله بنو حسن؛ أخذوا جميع حواصله كلها؛ قليلها وكثيرها، ولم يبقوا له شيئا، والخيل والثياب والدراهم والزاد والعلف (١). وجاء/الشريف مغامس بن رميثة من أجياد راكبا، ومعه ٢٠٠ بعض بنى حسن؛ ليقاتلوا الترك الذين بالمسجد الحرام عند المدرسة المجاهدية، فحصل الحرب بينهما، فتعرّض بعض هجانة الترك لفرس مغامس بما أوجب نفورها، وقتل مغامس وبقى مرميا فى الأرض من الضحى إلى المغرب، ثم دفن بالمعلاة. ويقال إن الترك أرادوا إحراقه فنهاهم عن ذلك قاضى مكة تقى الدين الحرازى (٢).

стр. 1468

وقتل معه من سراة بنى حسن كاسب بن حسب الله بن عمر، وشريف من الأدراسة، وجرح خلق منهم قاسم بن أبى سويد ابن دعيج، وأقام به إلى شهر ربيع الأول من سنة بعد هذه فمات به بمكة. وأراد محمد بن عطيفة أن يتعصب للترك فهدّده على ذلك بعض بنى حسن بالقتل؛ فتخلى عنهم، وقوّى عزمه على ذلك قتل الترك لمغامس بن رميثة (١). فلما كان ليلة الخميس سادس عشر الحجة دخل السيد ثقبة مكة، وولى إمارتها هو وسند، وانقطع النداء لابن عطيفة، ونادوا لثقبة وسند خاصة (٢). وأراد السيد سند الاجتماع بالترك لإصلاح حالهم، فلم يمكنه الترك من الدخول عليهم (٣). وأسر جماعة من الأتراك ونودى عليهم بمكة للبيع، فبيعوا بأرخص الأثمان، وأخذ قندس فعذب عذابا أشفى منه على الموت، ثم نودى عليه وبيع بدرهمين فشفع القاضى تقى الدين الحرازى فى قندس حتى أخرج من مكة ومعه جميع الأتراك - وقد اقترض ما يبلغه إلى ينبع (٤) - فخرجوا قهرا على وجوههم فى يوم

стр. 1469

الجمعة سابع عشر ذى الحجة، بعد أن استجاروا بالشريف ثقبة على أنفسهم وأهليهم وأموالهم على وجه مؤلم، ولم يخرجوا/من مكة إلا بما خف من أموالهم على هجن خفاف، وساروا متوجهين إلى مصر بغلمانهم ومماليكهم ونسائهم. وقيل إنه لم يبق بمكة إلا الأمير قندس، فاقترض قندس دراهم وسافر على جمال قليلة هو ومن بقى من أولاده وغلمانه إلى مصر فى حادى عشرين الحجة أو بعده بيومين. وبعد خروج الأمراء وقع نهب فى بعض الترك، ثم سلّم الله ونادوا بالأمان. وأقام الشرفاء وبنو حسن بمكة، وتقاسموا أموال الأمراء، وهرب من كان يعرف بالمال من أهل مكة والمجاورين إلى نخلة، وإلى المدينة الشريفة وأقاموا بها، واستقر حال أهل مكة، ولم يمكن الشرفاء أحدا أن ينهب بيتا، وإن كان أخذ من أحد شيء فيرد بالطلب، وقام الأمر على ذلك. وفر أيضا الشريف محمد بن عطيفة - بعد الترك - إلى ينبع قاصدا مصر خائفا يترقب (١)؛ بسبب ما كان بين ذوى عطيفة والقواد العمرة من القتل. والتجأ السيد سند إلى الشريف ثقبة وصار من جملة أصحابه. فلما قدم الحاج من المدينة إلى ينبع وجدوا بها الأمير قندس ومن بقى من المجرّدين، ومحمد بن عطيفة فساروا مع الحاج إلى القاهرة (٢).

стр. 1470

وفيها عمرت زهراء بنت محمد بن قلاوون صاحب مصر سبيلا بطريق منى يعرف بسبيل الست، ويعرف الآن بسبيل ابن مزنة (١). وفيها صرف الضياء الحموى عن خطابة المسجد الحرام، وولى القاضى تقى الدين [محمد بن أحمد] (٢) الحرازى، وباشر ذلك من استقبال رمضان. وفيها مات الجمال يوسف بن الحسن بن على السّجزّىّ الحنفى فى صفر [فجأة] (٣). وناصر الدين محمد بن بهاء الدين أصلم الملكى الناصرى فى يوم السبت تاسع عشرى جمادى الآخرة (٤). وعبد الرحمن بن حسن بن محمد بن هارون القرشى فى سادس عشرى شعبان (٥). *** «سنة اثنتين وستين وسبعمائة» فيها لما بلغ السلطان الناصر قتال الأشراف بمكة/وخروج

стр. 1471

الترك من مكة على وجه مؤلم عظم ذلك عليه، ويقال إن السيد عجلان وولديه أحمد وكبيشا [أمر بهم السلطان فنقلوا] (١) من برج القلعة إلى الإسكندرية [لما سمع بفتك بنى حسن فى عسكره الذى ندبه إلى مكة، فى موسم سنة إحدى وستين وسبعمائة] (٢) وأمر بتجهيز عسكر إلى الحجاز لتمهيد أمره، والفتك بكل من يوجد فيه من بنى حسن، ومن يتخيل منه الخلاف من أعراب الحجاز. فلم يكن إلا مدة يسيرة حتى قبض على السلطان حسن وقتل، وولى الملك المنصور محمد بن المظفر حاجى بن محمد بن قلاوون؛ فأطلق الأمير يلبغا العمرى مدبر المملكة بالقاهرة - فى أحد الجمادين - السيّد عجلان وولديه، وولى عجلان إمرة مكة، وأشرك معه أخاه ثقبة بسؤال عجلان (٣). وتوجّه عجلان وجماعة إلى مكة بعد الإعراض عن تجهيز العسكر الذى كان الناصر عزم على إرساله إلى الحجاز، وجاء الخبر من البحر إلى مكة بأنه وقع فى مصر قتلة كبيرة وفى بلاد الصعيد، وبقى الأمر متوقفا لا يعلم حال مصر وما تم فيها، ولم يأت منها أحد إلى مكة إلى أن مضى من رمضان قريب نصفه، فوصل نجاب من الشريف عجلان بأنه قد وصل إلى مغارة النبط (٤)، وأن البلاد بينه

стр. 1472

وبين الشريف ثقبة بالسوية بينهما، ومعه ولداه أحمد وكبيش، وثمانون فرسا ومماليك، وليس معه من الحاج أحد إلا ثلاثة أنفس من مصر، وبعض مغاربة وإسكندرانيين قليلين جدا. وكان فى طول هذه المدة تأتى العيون التى يرسلها ثقبة إلى ينبع وما حواليها ينتظرون أخبار الطريق، وهل يأتى فيها عسكر أم لا؛ فيخبرونه بأخبار ما تثبت، وينقض بعضها بعضا. والذى يصح منها أنهم أخبروا أن السلطان كان قد جرّد تجريدة فيها أربعة آلاف فارس، وفيها ستة عشر أميرا مقدمهم مملوكه بيبغا الخاصكى القصير الناصرى، ومعها/الشريف عجلان، ومعهم عربانهم يفتحون الحجاز كلّه ولا يبقون فيه خلافا، ومن خالف قتل، وتجهزوا وخرجوا إلى ظاهر القاهرة، وأقاموا أربعة أيام، ثم إنهم انثنى رأيهم عن السفر، وقال لهم الشريف عجلان: الحجاز ما يحمل هذا، وأنتم ما تجدون فى الحجاز ما يقوم بكم؛ وتموتون بالجوع والعطش، وكذا الخيل والغلمان؛ فاسألوا السلطان أن يخفف من العسكر، ويرسل ألفا وخمسمائة فتقضى بهم الحاجة. فأبوا أن يراجعوا السلطان، وقالوا: ما نقدر مراجعته ولكن ارفع أنت له قصة بذلك ونحن نساعدك على ذلك. فرفع له بذلك قصة؛ فاغتاظ السلطان عليه وأمر به أن يحبس هو وأولاده فى الإسكندرية، فسافروا به وحبسوه. وكان السلطان قبل ذلك أحضر الأمراء المجردين الذين كانوا فى مكة سنة إحدى وستين [وحبس] (١) جركتمر بعد وصوله من دمشق، ثم حبس أيضا من

стр. 1473

الأمراء الذين جاءوا فى هذه السنة ابن قراسنقر وجماعة معه، وسلم قندس والكرجى - أو حبس الكرجى أيضا - ثم أقاموا كلهم فى الحبس. فلما حبس الشريف عجلان تغيرت قلوب الأمراء وتشوشوا وتشاوروا فى الخروج عن طاعة السلطان، وقام الذى جعله مقدم العسكر المتوجه إلى الحجاز بيبغا القصير وانتصب للحرب، والذى بلغنا عنهم أنهم انتصروا ومسكوا السلطان فى جمادى الآخرة وحبسوه ثم ضربوه وبدعوا به واستخرجوا المال الذى كان قد ادّخره، ثم بعد ذلك قتلوه، وولوا المنصور صلاح الدين محمدا، ووصل العلم بذلك إلى مكة فى أواخر رجب أو أوائل شعبان، ومنع الأمراء الرجبية أن يسافروا مع الشريف إلى مكة، و [جاء] جماعة من البحر/بهذا الخبر (١). وفيها غزا السيد ثقبة على أهل نخلة وأخذ منهم غلتهم وجباهم، وقطع لهم بعض نخل، وأقام بها مدة نصف شهر، فما مضى إلا قليل فدخل مكة ومرض بها هو وولده وأكثر غلمانه، وأقاموا مدة مرضى، وأفاق غلمانه وولده، وبقى هو يمرض ويصح، ودام انقطاعه فى مكة وهو مريض يرقد فى الحرم، كل ليلة يحمل من رباط الشرابى إلى تجاه مقام إبراهيم، ويضرب له خباء ويجعل له سرير يرقد عليه، وأقام على ذلك مدة، وقد عرض له زمانة فى رجليه فيعطبان ثم يصحان ثم

стр. 1474

يعطبان، وكان يحمل فى كساء، وقد يمشى بين اثنين. ودام على ذلك - وسند مسافر بالخيف والوادى - ثم نهبوا مكة واستعموا عددا وتجافيف (١) فى تلك المدة. ولما وصل الخبر اليقين عن السيد عجلان خرجوا، ثم جاء ولد السيد عجلان إلى الوادى، واجتمع بالشرفاء ثم هبطوا إلى مكة، وأخبروا الشريف ثقبة أن البلاد لعجلان وثقبة؛ فاطمأنوا. (٢) واتفق ثقبة وسند وأن النداء لسند مع عجلان (٢). ونادوا لهما بذلك إلى أن قدم الشريف عجلان إلى أرض خالد من وادى مرّ فى أوائل العشر الأخير من رمضان، وصحبته الجمال محمد بن أبى بكر الشيبى، وقد تولى مكان شيخ السدنة. فقصد السيد ثقبة السلام على السيد عجلان فحمل إلى الجديد من وادى مرّ - ويقال إلى خيف بنى شديد - وهو مريض فى شدة، وبقى [بالوادى] (٣) وكبيش فى مكة. ثم توجّه الشريف عجلان إلى السلام على السيد ثقبة، وسلّم على ثقبة؛ فأظهر له ثقبة القوة والجلد حين حضر إليه، وأنكر عليه نزوله بأرض خالد، فقال له عجلان: إنه يرتحل منه،

стр. 1475

وأقام (١) الشريف ثقبة أربعة أيام ثم مات (١)، فحمل إلى مكة والشريف عجلان معه يظهر الحزن/والبكاء، ودفن يوم الثلاثاء تاسع عشرى رمضان بحذاء قبر أبيه السيد رميثة، داخل القبة عند القبر المعروف بقبر ستنا خديجة الكبرى ﵂، وذلك بعد صلاة الصبح مع طلوع الشمس، والسيد عجلان قائم على قبره حتى دفن، فعزاه الناس فى أخيه، وهنئوه بوصوله إلى مكة وولايته لها (٢). ثم توجه السيد عجلان - وقدامه أهل مكة وغلمانه ومماليكه، وكثير ممن حضر جنازة السيد ثقبة - ودخل مكة، فلما استقر فى المسجد الحرام أمر ولده أحمد فطاف، وأمر عبد السلام المؤذن بالدعاء له على زمزم جهرا، وبعد المغرب على زمزم أيضا؛ كما يدعى لسلاطين مكة، ثم بعد ذلك قام هو فطاف ودعا له المؤذن. ويقال إن السيد عجلان طاف أولا. ودعى له على زمزم، فلما فرغ من طوافه أمر ولده أحمد فطاف. وجعل لولده ربع المتحصل لأمير مكة يصرفه فى خاصة نفسه، وعلى السيد عجلان تكفية العسكر (٣)، وأمره بقصد أخواله القواد ذوى عمر ليعضدوه، وقال السيد عجلان: قد بلغنا بمصر عند السلطان مرض السيد ثقبة، فرسم السلطان أن أولى أحمد إذا مات ثقبة، فإن قلتم لا، عرّفت السلطان ذلك وأنكم رددتم مرسومه،
следующие страницы →