← История

История · id 1670

إتحاف الورى بأخبار أم القرى

النجم ابن فهد المكي

Полный текст (2 503 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قال: وحدثنى عبد الملك بن محمد، عن زياد بن عبد الله البكائى، عن ابن إسحاق قال: ثم كان الفجار الآخر بعد الفيل بعشرين سنة، فلم يكن فى العرب يوم أعظم ولا أذهب ذكرا فى الناس منه، بين قريش وإلفها (١) من كنانة وبين قيس عيلان، فالتقوا فيها بعكاظ. وإنما سمّى يوم الفجار لما استحلّ هذان الحيان - كنانة وقيس - فيه من المحارم. وقد كان قبله يوم بين بنى جبلة وبين تميم، وكان يوما مذكورا من أيام العرب، ولم يكن كيوم عكاظ، وذكر حديثا طويلا، وأشعارا كثيرة اختصرناها مخافة التطويل، ولذلك موضع غير هذا. وحدثنى حسن بن حسين الأزدى قال، حدثنا محمد بن حبيب، عن أبى عبيدة: أن فجار البرّاض بين كنانة، وقيس أربعة أيام، فى كل سنة يوم، وكان أوله يو شيظمة من عكاظ، وعلى الفريقين الرؤساء من قريش غير أبى براء، وكانت هوازن من وراء المسيل، وقريش من دون المسيل، وبنو كنانة فى بطن الوادى. وقال لهم حرب بن أمية: إن أبيحت قريش فلا تبرحوا مكانكم. وعبّأت هوازن وأخذوا مصافهم، وعبّأت قريش فكان على إحدى المجنّبتين ابن جدعان، وعلى الأخرى كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وحرب بن أميّة فى القلب، وكانت الدائرة أوّل النهار لكنانة على هوازن، حتى إذا كان آخر النهار وصبرت فاستحر (٢) القتل/

стр. 142

فى قريش، فلما رأى ذلك الذين فى الوادى من كنانة مالوا إلى قريش وتركوا مكانهم، فلما فعلوا ذلك استحرّ القتل بهم، فقتل تحت رايتهم ثمانون رجلا. وقال آخرون: لما رأت ذلك بنو بكر بن عبد مناة، [نجا بهم رئيسهم (١)] بلعاء استبقاء لقومه؛ فاعتزل بهم إلى جبل يقال له رخم. وقال: دعوهم؛ وددت أنه لم يفلت منهم أحد. فكان يوم شيظمة لهوازن على كنانة، ولم يقتل من قريش أحد يذكر، وزالت قريش فى آخر النهار فى بنى بكر. ذكر يوم العبلاء: حدثنى الأزدى قال، حدثنى محمد، عن أبى عبيدة قال: وجمع هؤلاء وأولئك فالتقوا بالعبلاء وهو الجبل (٢) إلى جنب عكاظ، ورؤساؤهم الذين كانوا عليهم يوم شيظمة بأعيانهم؛ فكانت الدائرة أيضا فيه لهوازن على كنانة. ذكر يوم شرب: حدثنى الأزدى قال، حدثنى محمد، عن أبى عبيدة قال: ثم جمع الفريقان على قرن الحول (٣) فى اليوم الثانى (٤) من عكاظ،

стр. 143

فالتقوا فيه بشرب من عكاظ، وعليهم رؤساؤهم الذين كانوا قبل، ولم يكن يوم أعظم منه، فحمل يومئذ ابن جدعان ألفا على ألف بعير، فالتقوا، وقد كان لهوازن على كنانة يومان متواليان؛ يوم شيظمة ويوم العبلاء، فخشوا مثلها وحافظوا يومئذ، وقيّدت فيه بنو أمية أنفسهم، وحافظت مخزوم فصبرت، وبنو عبد مناة بن كنانة لتعفى على صنيعها، وصنيع بلعاء يوم شيظمة، وصابرت نصر وثقيف؛ وذلك أن عكاظا بلد لهم به نخل وأموال فلم يغنوا شيئا، فقاتلوا حتى أمسوا وانهزموا. وذكر شعرا لابن الزّبعرى يمدح به نفرا من قريش. ثم قال، وحدثنى الزبير بن أبى بكر، قال حدثنى محمد بن الضحاك، عن أبيه قال: العنابس: حرب، وأبو حرب، وسفيان بنو أمية (١)، وإنما سموا بالعنابس لأنهم عقلوا أنفسهم يوم عكاظ، وقاتلوا قتالا شديدا، فشبهوا بالأسد، والأسد يقال له: العنبس. ثم قال: وحدثنا الزبير بن أبى بكر قال، حدثنى مصعب بن عثمان، ومحمد بن الضحاك الحزامى: أن خويلد بن أسد كان يوم عكاظ على بنى أسد بن عبد العزّى. ذكر يوم الحريرة: حدثنى الأزدى حسن بن حسين قال، حدثنى محمد بن حبيب الهاشمى، عن أبى عبيدة قال: كانت فيه الدائرة لهوازن على

стр. 144

كنانة. وهو آخر أيامهم، وهى حرّة إلى جنب عكاظ (١) مما يلى مهبّ جنوبها لمن يقبل يريد مكة من مهب صباها حتى ينقطع دوين قرن. فكان رؤساؤهم الذين كانوا إلاّ بلعاء فإنه مات، وكان بعده الرئيس عليهم/جثامة بن قيس، وقتل يومئذ أبو سفيان بن أمية. ومن كنانة ثلاثة رهط، قتلهم عثمان بن أسيد بن مالك بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن صعصعة، وقتل ورقاء بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن عمرو بن عامر أبا مكنف (٢) وابنى إياس وعمرا وابن أيوب، وقد ذكرهم خداش بن زهير فى شعره. فهذه أيام الفجار الخمسة التى تزاحفوا فيها فى أربع سنين: أولهن يوم نخلة حين تبعتهم هوازن، فكان كفافا لا على هؤلاء ولا على هؤلئك. ثم يوم شيظمة فكان لهوازن على كنانة. ثم يوم عكاظ الأوّل - وهو يوم العبلاء - فكان لهوازن على كنانة. ويوم عكاظ الثانى - وهو يوم شرب - كان لبنى كنانة على هوازن، ولم يكن بينهم يوم أعظم منه. ثم يوم الحريرة وهو آخر أيام مزاحفاتهم. قال: ثم كان الرجل يلقى الرجل أو الرجلين أو أكثر من ذلك أو أقل فيقتتلون، فربما قتل بعضهم بعضا. ولقى ابن محميّة أخو بنى الدّيل بن بكر أبا خداش بن زهير بالصفاح (٣)، فقال ابن زهير:

стр. 145

إنى حرام جئت معتمرا. فقال: لا تلقى الزبير إلا قلت معها؟؟؟؟! فقتله ثم ندم فقال: اللهم إنّ العامرىّ المعتمر … لم آت فيه عذر؟؟؟ ثم إن الناس تداعوا إلى السلم على أن يدى الفضل؟؟؟ القتلى التى فيهم أى الفريقين أفضل على الآخر، فتواعدوا عكاظا ليتعادّوا القتلى، وتعاقدوا وتواثقوا أن يتموا على ذلك، وجعلوا بينهما أمدا يلتقون فيه لذلك، فأبى ذلك وهب بن معتّب. وخالف على قومه، وجعل لا يرضى بذلك حتى يدركوا ثأرهم، فقال فى ذلك أمية بن جدعان بن الأشكر: - المرء وهب وهب آل معتّب … ملّ الغواة وأنت لمّا تملل تسعى تعوّذها بحرّ وقودها … وإذا تعابى صلح قومك تأتل (١) وهى فى شعره، واندس وهب حتى مكرت هوازن بكنانة وهم على رأس الصّلح، فبعث خيلا عليها سلمة بن مشعل البكائى، وخالد بن هوذة، فيهم ناس من بنى هلال، رئيسهم ربيعة بن أبى ظبيان، وناس من بنى نصر، عليهم مالك بن عوف، فأغاروا على بنى ليث بصفراء الغميم (٢) وهم غارون فقاتلوهم، وجعل مالك

стр. 146

يقاتل ويرتجز - وهو - أمرد يومئذ - يقول: - أمرد يهدى حلمه شيب اللحا وهو أول يوم ذكر فيه مالك بن عوف. فقتلت بنو مدلج يومئذ عبيد بن عوف/البكائى، وسبيع بن المؤمل من بنى محارب، ثم انهزمت بنو ليث، فاستحرّ القتل ببنى الملوح بن يعمر؛ فقتلوا منهم ثلاثين رجلا سوى نساء، وساقوا نعما، ثم أقبلوا. فعرضت لهم خزاعة وطمعوا فيهم فقاتلوهم، فلما رأوا أنه لا بد لهم بهم (١) قالوا: عرضونا من غنيمتكم عراضة. فأبوا، فخلوا سربهم، فقال مالك بن عوف: نحن جلبنا الخيل من بطن ليّة (٢) … وجلدان (٣) قبّا حافيات ووقّحا (٤) تواعد ضبطارو (٥) خزاعة حربنا … وما حرب ضبطار يقلّب مضجعا (٦)

стр. 147

ثم إن الناس تداعوا إلى الصلح، ورهنوا بالوفاء بديات من كان له الفضل فى القتلى، وتمّ الصلح، ووضعت الحرب أوزارها - انتهى. *** «السنة الثانية والعشرون من مولد النبى ﷺ » فيها ولد عبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنه (١). *** «السنة الثالثة والعشرون من مولد النبى ﷺ » فيها - أو فى سنة ست وعشرين - ولد سعد بن أبى وقّاص ﵁ (٢). وفيها - أو فى سنة ست وعشرين، أو فى سنة ثمان وعشرين، أو فى سنة ثلاثين - ولد علىّ بن أبى طالب كرم الله وجهه (٣). ***

стр. 148

«السنة الرابعة والعشرون من مولد النبى ﷺ » فيها - وقيل فى السنة السادسة والعشرين - ولد الزّبير بن العوّام ﵁ (١). *** «السنة الخامسة والعشرون من مولد النبى ﷺ » فيها قال أبو طالب لابن أخيه النبى ﷺ : أنا رجل لا مال لى، وقد اشتدّ الزمان علينا، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالا من قومك فى عير لها، فلو جئتها فعرضت نفسك (٢) لأسرعت إليك. فبلغ خديجة ما كان من محاورة عمّه له، فأرسلت إليه فى ذلك وقالت: أنا أعطيك ضعف ما أعطى رجلا من قومك. فقال أبو طالب: هذا رزق قد ساقه الله إليك. ويقال: إن خديجة لما بلغها عن رسول الله ﷺ ما بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته، وكرم أخلاقه بعثت إليه/فعرضت أن يخرج فى مالها تاجرا إلى الشام، وتعطيه أفضل ما كانت تعطى غيره من التجار، فقبله منها رسول الله ﷺ ، فاستأجرت النبىّ ﷺ على أربع بكرات، ويقال استأجرت معه رجلا آخر من قريش.

стр. 149

وخرج النبى ﷺ مع غلام لخديجة يقال له ميسرة، وجعل عمومة النبى ﷺ يوصون به أهل العير، فبلغ سوق بصرى - وقيل سوق حباشة (١) بتهامة - لأربع عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة، فباع تجارته التى خرج بها؛ فربح ضعف ما كانوا يربحون، واشترى ما أراد أن يشترى. ثم أقبل قافلا إلى مكة - ومعه ميسرة - فلما كان بمرّ الظهران (٢) قال ميسرة للنبى ﷺ : تقدم يا محمد فأخبر خديجة بما ربحناه. فدخل النبى ﷺ مكة ساعة الظهيرة، وخديجة فى علّيّة لها، فرأت رسول الله ﷺ وهو على بعيره وملكان يظلاّن عليه، فأرته نساءها فتعجبن لذلك، ودخل عليها رسول الله ﷺ فأخبرها بما ربحوا فى وجههم، فسرّت بذلك. فلما دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت، فأخبرها أنه إذا كانت الهاجرة واشتد الحرّ يرى ملكان يظلانه من الشمس وهو يسير على بعيره، وأخبرها أنهم نزلوا فى ظل شجرة قريبا من صومعة راهب من الرّهبان يقال له نسطور، فاطلع الراهب إلى ميسرة وقال: من هذا الرجل الذى نزل تحت هذه الشجرة؟ فقال له ميسرة: هذا رجل من قريش من أهل الحرم. فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قطّ إلا نبى. ونظر إلى الغمامة وقد أظلته فسأل ميسرة: أفى عينيه حمرة؟ قال: نعم، لا تفارقه قط. فقال له: هو نبىّ، وهو آخر الأنبياء. وأخبرها أنه وقع تلاح بينه وبين رجل فى بيع. فاستحلفه باللات والعزّى، فقال النبىّ ﷺ : ما حلفت بهما قط، وإنى لأمرّ فأعرض عنهما. فقال الرجل: القول قولك. ثم قال لميسرة: هذا والله نبىّ تجده أحبارنا فى كتبهم منعوتا.

стр. 150

وباعت خديجة ما جاء به النبىّ ﷺ فأضعف أو قريبا. فلما أخبرها ميسرة بذلك أضعفت للنبى ﷺ ضعف ما سمّت له (١). ورغبت إليه أن يتزوّجها لما رجت فى ذلك من الخير، وأخبرت خديجة ابن عمها ورقة بن نوفل/ما ذكر لها غلامها ميسرة من قول الراهب، وما كان رأى منه إذ كان الملكان يظلاّنه، فقال ورقة: لئن كان هذا حقّا يا خديجة أن كان محمد لنبىّ هذه الأمة؛ قد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبىّ ينتظر، هذا زمانه - أو كما قال - وجعل ورقة يستبطئ الأمر ويقول: حتى متى؟! فكان يقول أشعارا يستبطئ فيها خبر خديجة ويستريب ما ذكرت، فقال ورقة بن نوفل: - أتبكر أم أنت العشيّة رائح … وفى الصدر من إضمارك الحزن قادح لفرقة قوم لا أحبّ فراقهم … كأنك عنهم بعد يومين نازح وأخبار صدق خبّرت عن محمد … يخبّرها عنه إذا غاب ناصح فذاك (٢) الذى وجّهت يا خير حرّة … بغور وبالنجدين حيث الصحاصح

стр. 151

إلى سوق بصرى فى الرّكاب التى غدت … وهنّ من الأحمال قعص (١) دوالح يخبرنا عن كلّ حبر بعلمه … وللحق أبواب لهن مفاتح (٢) بأن ابن عبد الله أحمد مرسل … إلى كل من ضمّت عليه (٣) الأباطح وظنّى به أن سوف يبعث صادقا … كما أرسل العبدان هود وصالح وموسى وإبراهيم حتى (٤) يرى له … بهاء ومنشور من الذكر واضح ويتبعه حيّا لؤىّ بن غالب … شبابهم والأشيبون الجحاجح (٥) فإن أبق حتى يدرك الناس دهره … فإنى به مستبشر الودّ فارح (٦)

стр. 152

وإلاّ فإنى يا خديجة فاعلمى … عن ارضك فى الأرض العريضة سائح *** «السنة السادسة والعشرون من مولد النبى ﷺ » فيها بعد رجوع النبى ﷺ من سفره بشهرين وخمسة وعشرين يوما، بعد أن أكمل النبىّ ﷺ خمسا وعشرين سنة وشهرا وعشرة أيام - وقيل: وخمسة وعشرين يوما - خطب النبى ﷺ إلى خديجة بنت خويلد نفسها، وكانت ابنة أربعين سنة - ويقال: خمس وأربعين، ويقال: ثمان وأربعين، ويقال: ست وأربعين، وقيل ثلاثين، ويقال ثمان وعشرين، بسفارة نفيسة ابنة منية أخت يعلى - ويقال بسفارة ميسرة، وقيل غير ذلك - وكان كلّ قوم خديجة حريصا على نكاحها، فلم يقدر (١) ذلك، /وقد طلبوا وبذلوا لها الأموال. فأرسلت خديجة نفيسة بنت منية (٢) دسيسا إلى النبى ﷺ ، فقالت: يا محمد، ما منعك أن تتزوج؟ قال: ما بيدى ما أتزوج به. قالت: فإن كفيت ذلك، ودعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاءة. ألا تجيب؟ قال: فمن هى؟ قالت: خديجة. قال: وكيف لى بذلك؟ قالت: علىّ. قال: أفعل (٣). فذهبت

стр. 153

فأخبرتها، فأرسلت إليه أن ائت لساعة كذا وكذا، وأرسلت إلى عمّها عمرو بن أسد ليزوّجها، فقال: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يخطب خديجة بنت خويلد، هذا الفحل لا يقذع (١) أنفه. فحضر ودخل رسول الله ﷺ فى عمومته، ومعه بنو هاشم وسائر رؤساء مضر، فخطب أبو طالب فقال: الحمد لله الذى جعلنا من ذريّة إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضئ معدّ، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته، وسوّاس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوجا، وحرما آمنا، وجعلنا الحكام على الناس. ثم إن ابن أخى هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل من قريش إلا رجح به شرفا ونبلا وفضلا وعقلا، فإن كان فى المال قلا فإن المال ظلّ زائل، وأمر حائل، وعارية مسترجعة. ومحمد من قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة، وبذل لها من الصداق ما آجله وعاجله من مالى هذا، وهو مع هذا - والله - له نبأ عظيم، وخطر جليل. فتزوجها وأصدقها عشرين بكرة، وقيل اثنتى (٢) عشرة أوقية ذهبا ونشا (٣)، والأوقية أربعون درهما، والنش عشرون درهما؛ فذلك خمسمائة درهم.

стр. 154

ويروى: أن الذى زوج النبى ﷺ خديجة أبوها خويلد. وذلك فيما ورد أن رسول الله ﷺ ذكر خديجة، وكان أبوها يرغب عن (١) أن يزوّجه، فصنعت خديجة طعاما وشرابا ودعت أباها ونفرا من قريش، فطعموا وشربوا حتى ثملوا، فقالت خديجة: إنّ محمد بن عبد الله يخطبنى فزوّجنى إياه. فزوّجها، فخلّقته وألبسته حلّة - وكذلك كانوا يفعلون بالآباء - فلما سرّى عنه سكره نظر فإذا هو مخلّق وعليه حلّة، فقال: ما شأنى، ما هذا؟ قالت: زوّجتنى محمد بن عبد الله. قال: أنا أزوّج يتيم أبى طالب!! لا لعمرى. قالت خديجة: ألا تستحى، تريد أن تسفه نفسك عند قريش، تخبر الناس أنك كنت سكرانا؟! فلم تزل به حتى رضى. وقيل: قال عمّار بن ياسر: كنت تربا للنبى ﷺ /وإلفا وخدنا، وإنى خرجت معه ذات يوم حتى إذا كنا بالحزورة جزنا على أخت خديجة - وهى جالسة على أدم تبيعها - فنادتنى، فانصرفت إليها، ووقف لى رسول الله ﷺ ، فقالت: أما لصاحبك هذا من حاجة لتزويج خديجة؟ فرجعت إليه فأخبرته، فقال: بلى لعمرى. فذكرت لها قول رسول الله ﷺ ، فقالت: أغدوا علينا إذا أصبحنا. فغدونا عليهم فوجدناهم قد ذبحوا بقرة، وألبسوا أبا خديجة حلّة وصفّرت لحيته، وكلّمت أخاها، فكلّم أباها - وقد سقى خمرا - فذكر له رسول الله ﷺ ومكانه، وسأله (٢) أن يزوّجه، فزوّجه خديجة (٢)، وصنعوا من

стр. 155

البقرة طعاما فأكلنا منه، ونام أبوها ثم استيقظ صاحيا فقال: ما هذه الحلّة وهذه النقيعة (١) وهذا الطعام؟ فقالت له ابنته التى كانت كلمت عمارا: هذه حلّة كساكها محمد بن عبد الله ختنك، وبقرة أهداها لك، فذبحناها حين زوّجته خديجة. فأنكر أن يكون زوّجه، وخرج يصيح حتى جاء الحجر، وخرجت بنو هاشم برسول الله ﷺ حتى جاءوه فكلّموه، فقال: أين صاحبكم الذى تزعمون أنى زوّجته؟ فبرز له رسول ﷺ ، فلما نظر إليه قال: إن كنت زوّجته فسبيل ذلك (٢)، وإن لم أكن فعلت فقد زوّجته. ويقال: إن النبى ﷺ وصاحبه الذى سافرا جميعا لخديجة. انطلقا يتحدثان عند خديجة، فجاءاها فبينما هما عندها إذ دخلت عليهم منشئة من مولدات قريش - ويقال مستنشئة، وهى: الكاهنة - فقالت: أمحمد هذا!! والذى يحلف به أن جاء لجاء خاطبا. فقال النبىّ ﷺ : كلاّ. فلمّا خرجا. قال له صاحبه: أمن خطبة خديجة تستحى!! فو الله ما من قرشيّة إلا تراك لها كفئا. فرجعا جميعا (٣) مرة أخرى (٣)، فدخلت عليهم تلك المنشئة فقالت: أمحمد هذا، والذى يحلف به أن جاء لخاطبا. فقال النبىّ ﷺ على حياء -: أجل. فلم تغضب خديجة ولا أختها، فانطلقت إلى

стр. 156

أبيها خويلد بن أسد - وهو ثمل من الشراب - فقالت له: هذا ابن أخيك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يخطب خديجة - وقد رضيت خديجة - فدعاه فسأله عن ذلك، فخطب إليه فأنكحه، فخلّقت خديجة أباها وحلت عليه حلّة، فدخل عليها رسول الله ﷺ . /فلما صحا الشيخ من سكره قال: ما هذا الخلوق، وما هذه الحلّة؟ قالت أخت خديجة: هذه حلّة كساكها ابن أخيك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب حين أنكحته خديجة، وقد بنى بها. فأنكر الشيخ ثم صار إلى أن سلّم ذلك واستحيا. فطفقت رجاز من رجاز قريش تقول: - لا تزهدى خديج فى محمد … جلد يضئ كأضاة الفرقد (١) وقد ردّ هذا القول بأن أباها خويلدا توفّى قبل الفجار. وقيل إن الذى زوّج النبى ﷺ خديجة أخوها عمرو بن خويلد. والصحيح المجمع عليه أن عمّها عمرو بن أسد هو الذى زوجها. وولدت خديجة للنبىّ ﷺ القاسم ثم زينب ثم عبد الله ويقال له الطيّب والطاهر، ولد بعد النبوة - ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية.

стр. 157

ويقال ولدت زينب، ثم القاسم، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية، ثم عبد الله. ومات القاسم بمكة - وقد مشى - وهو ابن سنتين، ولما رجع النبىّ ﷺ من جنازته مرّ على العاص بن وائل وابنه عمرو بن العاص، فقال عمرو حين رأى النبى ﷺ : إنى لأشنؤه. فقال العاص: لا جرم، لقد أصبح محمد أبتر من ابنه، فأنزل الله على نبيه ﷺ ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ عوضا يا محمد عن مصيبتك بالقاسم ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَاِنْحَرْ * إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ويقال: إن العاص لما مات عبد الله بن النبى ﷺ قال: محمد أبتر لا يعيش له ذكر. فأنزل الله فيه ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. وفيها ولد طلحة بن عبيد الله ﵁ (١). *** «السنة السابعة والعشرون من مولد النبى ﷺ » فيها ولد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل (٢). ***

стр. 158

«السنة الثامنة والعشرون من مولد النبى ﷺ » (١) . *** «السنة التاسعة والعشرون من مولد النبى ﷺ » (١) .. *** «السنة الثلاثون من مولد النبى ﷺ » فيها ولدت زينب ابنة النبى ﷺ (٢). *** «السنة الحادية والثلاثون من مولد النبى ﷺ » فيها ولد أبو هريرة ﵁ (٣). *** «السنة الثانية والثلاثون من مولد النبى ﷺ » فيها ولد بلال بن الحارث المزنىّ (٤).

стр. 159

«السنة الثالثة والثلاثون من مولد النبى ﷺ » فيها ولد سعيد بن عامر بن حذيم (١)، ورقيّة (٢) ابنة النبى ﷺ . *** «السنة الرابعة والثلاثون من مولد النبى ﷺ » فيها ولد معاوية بن أبى سفيان (٣)، ومعاذ بن جبل (٤). وفيها مات زيد بن عمرو بن نفيل (٥) فقال النبى ﷺ : يأتى يوم القيامة أمة وحده. وكان زيد يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاء خلقها الله. وأنزل لها من السماء ماء، وأنبت لها من الأرض. ثم يذبحونها على غير اسم الله!! إنكارا لذلك وإعظاما له.

стр. 160

قال زيد بن حارثة ﵁: خرج رسول الله ﷺ وهو مردفى إلى نصب من الأنصاب، فذبحنا له شاة فوضعناها فى التّنّور حتى إذا أنضجت استخرجناها فجعلناها فى سفرتنا، ثم أقبل رسول الله ﷺ وهو مردفى - فى أيام الحرّ بمكة - حتى إذا كنا فى أعلى الوادى لقبه زيد بن عمرو بن نفيل، فحيا أحدهما الآخر بتحية الجاهلية فقال له رسول الله ﷺ : يا عمّ ما لى أرى قومك قد شنعوا لك؟ قال: أما والله إن ذلك منى لغير ثائرة كانت منى إليهم، ولكنى أراهم على ضلالة، فخرجت أبتغى هذا الدين حتى قدمت على أحبار يثرب، فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به، قلت: ما هذا بالدين الذى أبتغى، فخرجت حتى قدمت على أحبار أيلة (١). فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به، فقلت: ما هذا بالدين الذى أبتغى، فقال لى حبر من أحبار أهل الشام: إنك تسأل عن دين ما نعلم أحدا يعبد الله به إلا شيخا فى الجزيرة. فخرجت حتى قدمت عليه، فأخبرته بالذى خرجت له، فقال: ممّن أنت؟ قلت: من أهل بيت الله من أهل الشّوك والقرظ. فقال: إن كل من رأيت/فى ضلالة، إنك تسأل عن دين هو دين الله ودين ملائكته، وقد خرج فى أرضك نبىّ - أو هو خارج - يدعو لله، قد طلع نجمه، إرجع إليه وصدّقه واتّبعه، وأمر بما جاء به. فرجعت فلم اختبر شيئا بعد. فأناخ رسول

стр. 161

الله ﷺ البعير الذى كان تحته، ثم قدمنا إليه السّفرة التى كان فيها الشواء، فقال: ما هذا؟ فقلنا: هذه شاة ذبحناها لنصب كذا وكذا. فقال: إنى لا آكل ما ذبح لغير الله. ويقال: إن زيدا قال: إنّا لا نأكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا نأكل إلا ما ذكر اسم الله عليه. ويقال: إن ملاقاة النبىّ ﷺ لزيد كانت بأسفل بلدح (١). وقال ورقة بن نوفل يبكى زيد بن عمرو بن نفيل: رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما … تجنبت تنورا من النار حاميا بدينك ربّا ليس ربّ كمثله … وتركك حيات (٢) الجبال كما هيا تقول إذا جاوزت أرضا مخوفة … باسم الإله بالغداة وساريا تقول إذا صلّيت فى كل مسجد … حنانيك لا تظهر علينا الأعاديا *** «السنة الخامسة والثلاثون من مولد النبى ﷺ » فيها - ويقال: فى السنة الخامسة والعشرين، وهو غير صحيح - هدمت قريش الكعبة، وجدّدت عمارتها؛ وذلك أن الكعبة كانت مبنية بردم يابس ليس بمدر تنزوه (٣) العناق، وكان بابها بالأرض، ولم يكن لها سقف وإنما تدلّى الكسوة على الجدر من

стр. 162

خارج، وتربط من أعلى الجدر فى بطنها. وكان فى بطن الكعبة عن يمين من دخلها جبّ يكون فيه ما يهدى إلى الكعبة من مال وحلية؛ كهيئة الخزانة، وكان يكون على ذلك الجبّ حيّة تحرسه، بعثها الله تعالى منذ زمن جرهم؛ وذلك أنه عدا على ذلك الجبّ قوم من جرهم فسرقوا مالها وحليتها مرّة بعد مرّة، فعث الله تعالى تلك الحيّة فحرست الكعبة وما فيها خمسمائة سنة، فلم تزل كذلك حتى بنت قريش الكعبة، وكان قرنا الكبش الذى ذبحه إبراهيم خليل الرحمن معلقين فى بطنها بالجدر تلقاء من دخلها، يخلّقان ويطيّبان إذا طيّب البيت. وكان فيها معاليق من حلية كانت تهدى للكعبة، فكانت على ذلك من أمرها. ثم إن امرأة من قريش ذهبت تجمّر الكعبة، فطارت/من مجمرتها شرارة فاحترقت كسوتها - وكانت الكسوة عليها ركاما بعضها فوق بعض - فلما احترقت الكعبة توهّنت جدرانها من كل جانب وتصدّعت، وكانت الخرف (١) والأربعة عليهم مظلّة، والسيول متواترة، ولمكّة سيول عوارم (٢)، فجاء سيل على تلك الحالة فدخل الكعبة وصدّع جدرانها. ويقال كان السّيل ينزل من أعلى الكعبة حتى يدخلها، ففزعت من ذلك قريش فزعا شديدا، وخافوا أن تنهدم، وهابّوا هدمها، وخشوا إن مسّوها أن ينزل عليهم العذاب. وسرق من الكعبة حلية وغزال من ذهب كان عليه درّ وجوهر.

стр. 163

فبينما هم على ذلك ينتظرون ويتشارون إذا أقبلت سفينة من الروم حتى إذا كانت بالشعيبة - وهى يومئذ ساحل مكّة - انكسرت، فسمعت بها قريش، فركب الوليد بن المغيرة فى نفر من قريش فاشتروا خشبها، وأعدّوه لسقف الكعبة، وأذنوا لأهلها أن يدخلوا مكة فيبيعون ما معهم من متاعهم على ألا يعشّروهم، وكانوا يعشرون من دخلها من تجّار الرّوم كما كانت الروم تعشّر من دخل منهم بلادها، فكان فى السفينة رجل رومىّ نجّار يسمى باقوم - ويقال: ورأسهم باقوم، وكان بانيا - فكلموه بأن يقدم معهم ويبنى لهم الكعبة بنيان الشام. فلما قدموا بالخشب لمكة قالوا: لو بنينا بيت ربّنا. فأجمعوا لذلك، وتعاونوا وترافدوا فى النفقة، واختلفوا فى بنّيان مقدّم البيت، فقال أبو أمية بن المغيرة: يا معشر قريش لا تنافسوا ولا تباغضوا فيطمع فيكم غيركم، ولكن جزّئوا البيت أربعة أجزاء، ثم ربّعوا القبائل فلتكن أرباعا، ثم اقترعوا عند هبل فى بطن الكعبة على جوانبها. فطار قدح بنى عبد مناف وبنى زهرة على الوجه الذى فيه الباب وهو الشرقى، وقدح بنى عبد الدار، وبنى أسد بن عبد العزّى، وبنى عدىّ على الشق الذى يلى الحجر وهو الشق الشامى. وطار قدح بنى سهم، وبنى جمح، وبنى عامر بن لؤى على ظهر الكعبة وهو الشق الغربى. وطار قدح بنى تيم وبنى مخزوم وقبائل من قريش ضموا معهم على الشق اليمانى الذى يلى الصفا وأجياد. وأمروا بالحجارة أن تجمع بين أجياد والضواحى (١) فكانت قريش تنقل

стр. 164

بأنفسها الحجارة تبرّرا وتبرّكا بالكعبة. وكان النبى ﷺ ينقل معهم الحجارة على رقبته، فبينما هو ينقلها إذ انكشفت نمرة كانت عليه، /فنودى يا محمد عورتك، وذلك أول ما نودى والله أعلم؛ فما رئيت لرسول الله. ﷺ عورة بعد ذلك. ولبج (١) برسول الله ﷺ من الفزع حين نودى، فأخذه العباس بن عبد المطلب فضمّه إليه وقال: لو جعلت بعض نمرتك على عاتقك تقيك الحجارة. قال: ما أصابنى هذا إلاّ من التّعرّى - أو قال إنى نهيت أن أتعرّى - فشدّ رسول الله ﷺ إزاره وجعل ينقل معهم (٢). ويقال إن النبى ﷺ كان ينقل مع قريش الحجارة، وكانوا يضعون أزرهم على عواتقهم ويحملون الحجارة. فقال العباس للنبى ﷺ : يا ابن أخى لو حللت إزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة. فحلّه فجعله على منكبه، فخرّ إلى الأرض مغشيّا عليه، وطمحت (٣) عيناه إلى السماء، ثم قام فقال: إزارى، إزارى. فشدّ عليه إزاره؛ فما رئى ﷺ بعد ذلك اليوم عريانا (٤). وقيل: إن العباس قال: إن كنا لننقل الحجارة إلى البيت حين بنت قريش البيت، وأفّردت قريش رجلين رجلين، الرجال ينقلون

стр. 165

الحجارة والنساء ينقلن الشّيد (١)، وكنت أنا وابن أخى فكنا نحمل على رقابنا وأزرنا تحت الحجارة، فإذا غشينا الناس اتّزرنا، فبينما أنا أمشى ومحمد قدامى ليس عليه شئ فخرّ محمد فانبطح على وجهه، فجئت أسعى وألقيت حجرى. وهو ينظر إلى السماء فوقه - فقلت: ما شأنك؟ فقام فأخذ إزاره ثم قال: نهيت أن أمشى عريانا. قلت: اكتمه للناس - مخافة أن يقولوا مجنون (٢). ويقال: إن العباس قال: إن كنا صبيان نحمل الحجارة إلى المسجد لبناء الكعبة، فننزع أزرنا فنضعها على أكتافنا، ونضع الحجر عليه، فبينما نحن كذلك ورسول الله ﷺ إذ وقع وسقط الحجر - وأنا قائم - فقلت: يا ابن أخى (٣) ما شأنك (٣)، وإنى لا أرى بك بأسا. ولا أرى الحجر ضرّك؟ فنظر إلى السماء، ثم نظر إلىّ فقال: أشدد عليك إزارك؛ فإنى قد نهيت أن أتعرّى بعد هذا اليوم. وقيل: بينا النبىّ ﷺ يحمل حجارة من أجياد الضواحى وعليه نمرة فضاقت عليه النمرة فذهب يضع النّمرة على عاتقه فبدت (٤) عورته من صغر النمرة، فنودى: يا محمد خمّر عورتك. فلم ير عريانا بعد.

стр. 166

وقيل: إن النبى ﷺ قال: إنى لمع غلمان هم أسنانى قد جعلنا أزرنا على أعناقنا لحجارة ننقلها نلعب بها، إذ لكمنى لاكم/ لكمة شديدة ثم قال: اشدد عليك إزارك (١). ولما أن أجمعت قريش على هدم الكعبة أخرجوا ما كان فيها من حلية ومال وقرنى الكبش، وجعلوه عند أبى طلحة عبد الله بن عبد العزّى بن عبد الدار بن قصىّ، وأخرجوا هبل. وكان على الجب الذى فيه، نصبه عمرو بن لحىّ هنالك، ونصب عند المقام (٢). ولما اجتمع لهم ما يريدون من الحجارة والخشب. وما يحتاجون إليه غدوا على هدمها، فخرجت الحية التى كانت فى بطنها تحرسها - سوداء الظهر بيضاء البطن رأسها مثل رأس الجدى - تمنعهم كلما أرادوا هدمها، فلما رأوا ذلك اعتزلوا عند مقام إبراهيم - وهو يومئذ فى مكانه الذى فيه اليوم - فقال لهم الوليد بن المغيرة - ويقال: أبو أحيحة سعيد بن العاص: يا قوم ألستم تريدون بهدمها الإصلاح؟ قالوا: بلى. قال: فإن الله لا يهلك المصلحين، ولكن لا تدخلوا فى عمارة بيت ربكم إلا من طيّب أموالكم، ولا تدخلوا فيه مالا من ربا، ولا مالا من ميسر، ولا مهر بغىّ، وجنبوه الخبيث من أموالكم، وما لم تقاطعوا رحما، ولا تظلموا فيه أحدا من الناس؛ فإن

стр. 167

الله لا يقبل إلا طيّبا. ففعلوا، ثم وقفوا عند المقام يدعون ربهم ويقولون: اللهم إن كان لك فى هدمها رضا فأتمه، واشغل عنا هذا الثعبان. فأقبل طائر من جو السماء كهيئة العقاب، ظهره أسود، وبطنه أبيض، ورجلاه صفراوان - والحية على جدار البيت فاغرة فاها - فأخذ برأسها ثم طار بها حتى أدخلها أجياد الصغير. فقالت قريش: إنّا لنرجو أن يكون الله قد رضى عملكم، وقبل نفقتكم فاهدموه (١). ويقال: لمّا أرادت قريش أن تبنى الكعبة كانت الحية تخرج كل يوم من بئر الكعبة التى يطرح فيها ما يهدى لها، فتشرف (٢) على جدار الكعبة، وكانوا يهابونها؛ وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احزألّت (٣) وكشّت وفتحت فاها. فقالوا: إن أراد الله أن يتممه فسيكفيكموها. فبينا هى تشرف (٤) على جدار الكعبة بعث الله

стр. 168

عليها طائرا أبيض فأخذ بأنيابها فاختطفها فذهب بها. نحو الحجون (١)، فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله قد رضى ما أردنا، عندنا عامل رفيق وعندنا خشب، وقد كفانا الله الحية (١). ثم إنّ قريشا هابوا هدمها وفرقوا منه، فقال [الوليد بن] (٢) المغيرة: أتريدون الإصلاح أم تريدون الإساءة؟ فقالوا: بل نريد الإصلاح. قال: فإن الله لا يهلك المصلح، فقالوا: فمن ذا الذى يعلوها فيبدأ بهدمها؟ فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم فى هدمها؛ أنا شيخ كبير، فإن أصابنى أمر كان قد دنا أجلى، وإن كان غير ذلك فلم يرزأنى. /فعلا البيت وفى يده عتلة - وقيل: معول، ويقال: فأس - يهدم بها، فتزعزع من تحت رجله حجر فقال: اللهم لا ترع (٣) إنما أردنا الإصلاح - أو إنّا لا نريد إلا الإصلاح. ويقال: قال: اللهم لا نزغ (٤)، اللهم لا نريد إلا الخير. وجعل يهدمها حجرا حجرا بالعتلة، فهدم يومه ذلك من ناحية الرّكنين، فقالت قريش: نخاف أن ينزل به العذاب إذا أمسى.

стр. 169

ويقال: فتربّص الناس به تلك الليلة وقالوا: ننظر، فإن أصيب لم نهدم شيئا ورددناه كما كان، وإن لم يصبه شئ فقد رضى الله ما صنعنا (١). فأصبح الوليد غاديا على عمله، فلما أن رأته قريش ولم يأتهم ما يخافون من العذاب فهدمت قريش معه حتى بلغوا الأساس الذى رفع عليه إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت، فأفضوا إلى حجارة خضر كأنها الإبل الخلف لا يطيق الحجر منها ثلاثون رجلا، يحرّك الحجر منها فترتجّ جوانبها، قد تشبك بعضها ببعض - وقيل: تحرك حجر فانتفضت مكة بأسرها - فأدخل الوليد بن المغيرة عتلته بين الحجرين فانفلقت منه فلقة فأخذها أبو وهب بن عمرو بن عائذ (٢) ابن عمران بن مخزوم - وقيل عامر بن نوفل بن عبد مناف، والأوّل أثبت - فنزت من يده حتى عادت فى مكانها، وطارت من تحتها برقة كادت أن تخطف أبصارهم، ورجفت مكة بأسرها، فلما رأوا ذلك أمسكوا عن أن ينظروا ما تحت ذلك (٣). ويقال: إن قريشا لما هدموا الكعبة وأرادوا أن يأخذوا فى بنائها أحضروا عمّالهم، فلم يقدر رجل منهم أن يمضى أمامه موضع قدمه، وزعموا أنهم رأوا حيّة قد أحاطت بالبيت ورأسها عند ذنبها، فأشفقوا

стр. 170

منها شفقة شديدة، وخشوا أن يكونوا قد وقعوا - مما عملوا - فى هلكة، - وكانت الكعبة حرزهم ومنعتهم من الناس، وشرفا لهم - فسقط فى أيديهم، وألبس عليهم أمرهم؛ فقام المغيرة بن عبد الله بن عمر (١) بن مخزوم فقال: هل لكم فى أمر تبتغون به مرضاة رب هذا البيت، فإذا اجتهدتم رأيكم وجهدتم جهدكم نظرتم، فإن خلّى الله بينكم وبين بنيانها فذلك الذى أردتم، وإن حال بينكم وبينه كان ذلك وقد اجتهدتم. ثم قالوا: أشر علينا. قال: إنكم قد جمعتم لنفقة هذا البيت ما قد علمتم، وإنكم قد أخذتم فى هدمه وبنيانه على تحاسد منكم، وإنى أرى أن تقسّموا أربعة/أقسام على منازلكم فى الآل والأرحام، ثم تقسّموا البيت على أربعة أقسام، ولا تجعلوا أحد جوانب البيت كاملا لكل ربع، ولكن اقتسموه أنصافا من كل جانب من جوانب البيت، فإذا فعلتم ذلك فليعين كل ربع منكم نصيبه، ولا تجعلنّ فى نفقة البيت شيئا أصبتموه غصبا، ولا قطعتم فيه رحما، ولا انتهكتم فيه ذمّة بينكم وبين أحد من الناس، فإذا فعلتم ذلك فاقترعوا بفناء البيت، ولا تنازعوا ولا تنافسوا، وليصب (٢) كل ربع منكم موضع سهمه، ثم انطلقوا بعمالكم فلعلكم إذا فعلتم ذلك أن تخلصوا إليها. فلما سمعوا قول المغيرة رضوا به وانتهوا إليه، وفعلوا الذى أمرهم به. فلما فعلوا ذلك ذهبت الحية فى السماء وتغيّبت عنهم، ورأوا أن ذلك من الله (٣).

стр. 171

ويقال: إن طائرا خطف الحية وألقاها نحو أجياد (١). ووجدوا فى أساس ركن من أركانها فى حجر مكتوب: أنا يعفر ابن عبد قرا، أقرأ على ربى السلام من رأس ثلاثة ألاف سنة (٢). ووجدوا فى حجر من الأساس كتابا، فدعوا له رجلا من أهل اليمن وآخر من الرهبان، فإذا فيه: أنا الله ذو بكّة حرّمتها يوم خلقت السموات والأرض والشمس والقمر، ويوم صغت (٣) هذين الجبلين، وصغتهما يوم صغت الشمس والقمر، وحففتهما بسبعة أملاك حنفاء، وجعلت رزق أهلها من ثلاثة سبل، لا يحلها أوّل من أهلها (٤). فليس يؤتى أهل مكة إلا من ثلاثة طرق: أعلى الوادى، وأسفله، وكداء؛ وباركت لأهلها فى اللّحم والماء (٥). ووجدوا (٦) فى بئر الكعبة فى نقضها كتابين من صفر مثل بيض النعامة، مكتوب فى أحدهما: هذا بيت الله الحرام، ورزق أهله العبادة، لا يحلّه أوّل من أهله. والآخر: براءة لبنى فلان - حىّ من العرب - من حجة لله حجّوها.

стр. 172

ووجدوا فى الركن كتابا بالسريانية فلم يدروا ما هو، حتى قرأه لهم رجل من اليهود، فإذا هو: أنا الله ذو بكة، خلقتها يوم خلقت السموات والأرض، وصوّرت الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء، لا تزول حتى يزول أخشباها، مبارك لأهلها فى الماء واللبن (١). ووجدوا فى حجر منها - ويقال إنه فى أسفل المقام - كتابا لم يدروا ما هو حتى جاءهم حبر من اليهود من اليمن، نظر إلى الكتاب فحدثهم أنه قد قرأه، فاستحلفوه لتحدثنا بما فيه ولتصدقنا عنه. فأخبرهم أن فيه: أنا الله ذو بكة، حرمتها يوم خلقت السموات والأرض والشمس والقمر، ويوم رفعت هذين الجبلين، وحففتها بسبعة (٢) أملاك/حنفاء. ويروى أنهم وجدوا كتابا بأسفل المقام، فدعوا رجلا من حمير فقال: إن فيه حرفا لو حدثتكموه لقتلتمونى. فظنت قريش أن فيه ذكر محمد فكتمهم إيّاه (٣). ووجد فى المقام كتاب: هذا بيت الله الحرام بمكة، توكّل الله برزق أهله من ثلاث سبل، مبارك لأهله فى اللحم واللبن، لا يحله أول من أهله، (٤) ووجدوا فى الحجر كتابة من خلقة الحجر (٤): أنا

стр. 173

الله ذو بكة الحرام، صغتها يوم صغت الشمس والقمر، وحففتها بتسعة أملاك حنفاء، لا تزول حتى يزول أخشباها، مبارك لأهلها فى اللحم والماء، يحلها لأهلها (١)، ولا يحلها أوّل من أهلها. ولما جمعوا ما أخرجوه من النفقة قلّت النفقة على أن تبلغ بهم عمارة البيت كله، فتشاوروا فى ذلك، فأجمع رأيهم على أن يقصروا عن القواعد، ويحجروا (٢) ما يقدرون عليه من بناء البيت، ويتركوا بقيته فى الحجر، عليه جدار مدار، يطوف الناس من ورائه، ففعلوا ذلك وبنوا فى بطن الكعبة أساسا يبنون عليه من شق الحجر، وتركوا من ورائه من قفا (٣) البيت فى الحجر ستة أذرع وشبرا، فبنوا على ذلك. فلما وضعوا أيديهم فى بنائها قال أبو حذيفة بن المغيرة: يا معشر قريش ارفعوا باب الكعبة عن الأرض، واكبسوها حتى لا تدخلها السيول، ولا ترقى إلا بسلّم، ولا يدخلها إلا من أردتم، ثم إن جاء أحد ممن تكرهون رميتم (٤) به فسقط؛ فكان نكالا لمن رآه. ففعلوا ذلك، وبنوها بساف (٥) من حجارة وساف من خشب بين الحجارة، حتى انتهوا إلى موضع الركن فاختلفوا فى وضعة، وكثر الكلام فيه، وتنافسوا فى ذلك، فقالت بنو عبد مناف وزهرة: هو فى

стр. 174

الشق الذى وقع لنا، وقالت تيم ومخزوم: هو فى الشق الذى لنا، وقالت سائر القبائل: لم يكن الركن مما استهمنا عليه (١). وقالت كل قبيلة: نحن أحقّ بوضعه. واختلفوا حتى تواعدوا للقتال، وقرّبت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما وأدخلوا أيديهم فى الدم، وتعاقدوا على الموت؛ فسموا لعقة الدم (٢). فمكثوا أربع ليال - أو خمس ليال - كذلك، ثم تشاوروا فقال أبو أميّة حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر (٣) بن مخزوم - وكان أسن قريش يومئذ -: يا قوم إنما أردنا البرّ ولم نرد الشّرّ؛ فلا تحاسدوا ولا تنافسوا، فإنكم إذا اختلفتم تشتّتت أموركم، وطمع فيكم غيركم، ولكن حكموا بينكم أوّل من يطلع عليكم من هذا الفجّ - وقيل: أول من يطلع عليكم/من هذه السكة، ويقال: أول من يطلع. عليكم من باب هذا المسجد: يريد باب بنى شيبة - فقالوا: رضينا وسلّمنا. فطلع رسول الله ﷺ فكان أوّل من دخل باب بنى شيبة، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، قد رضينا بما قضى بيننا. فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال: هلمّوا إلىّ ثوبا. فأتى بثوب، يقال: إنه كساء أبيض من متاع الشام للوليد بن المغيرة. ويروى: وضع رسول الله ﷺ رداءه وبسطه فى الأرض، ثم

стр. 175

وضع فيه الركن بيده، ثم قال: ليأت من كلّ ربع من أرباع قريش رجل. فكان فى ربع عبد مناف عتبة بن ربيعة، وفى الربع الثانى أبو زمعة بن الأسود بن المطلب - وكان أسنّ القوم - وفى (١) - الربع الثالث العاص بن وائل - وقيل: قيس بن عدى السّهمىّ - (١) وفى الربع الرابع أبو حذيفة بن المغيرة، ثم قال رسول الله ﷺ : ليأخذ كل رجل منكم بزاوية من زوايا الثوب، ثم ارفعوه جميعا - ويروى فقال النبى ﷺ : لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم قال: ارفعوه جميعا - ثم ارتقى النبىّ ﷺ على الجدر، ورفع القوم إليه الركنّ حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه رسول الله ﷺ بيده فى موضعه ذلك. فذهب رجل من أهل نجد ليناول النبى ﷺ حجرا ليشدّ به الركن، فقال العباس بن عبد المطلب: لا. ونحّاه، وناول العباس النبىّ ﷺ حجرا فشدّ به الركن؛ فغضب النجدىّ حين نحّى، فقال رسول الله ﷺ : إنه ليس يبنى معنا فى البيت إلا منّا. فقال النجدىّ: وا عجباه لقوم أهل شرف وعقول، وسنّ وأموال عمدوا إلى أصغرهم سنّا وأقلّهم مالا فرأسوه عليهم فى مكرمتهم وحوزتهم كأنهم خدم له!! أما والله ليفوتنهم سبقا، وليقسمن عليهم حظوظا وجدودا - ويروى أن النجدى إبليس - فبنوا حتى رفعوا أربعة أذرع، ثم كبسوها. ووضعوا بابها مرتفعا على هذا الذرع، ورفعوها بمدماك خشب ومدماك حجارة، وكان طولها تسعة أذرع فاستقصروا طولها، وأرادوا الزيادة فيها فبنوها وزادوا فى طولها تسعة أذرع، وكرهوا أن تكون

стр. 176

بغير سقف، فلما بلغوا السّقف قال لهم با قوم الرومى: أتحبون أن تجعلوا سقفها مكبسا أم مسطحا؟ فقالوا: بل ابن بيت ربنا مسطّحا .. فبنوه مسطحا، وجعلوا فيه ست دعائم فى صفين، فى كل صف ثلاث/دعائم (¬*) من الشّق الشامى الذى يلى الحجر إلى الشّق اليمانى، وجعلوا ارتفاعها من خارجها من الأرض إلى أعلاها ثمانية عشر ذراعا، وكانت قبل ذلك تسعة أذرع، فزادت قريش فى ارتفاعها فى السماء تسعة أذرع أخرى، وبنوها من أعلاها إلى أسفلها بمدماك من حجارة ومدماك من خشب، وكان الخشب خمسة عشر مدماكا، والحجارة ستة عشر مدماكا. وجعلوا ميزابها يسكب فى الحجر. وجعلوا درجة من خشب فى بطنها فى الركن الشامى يصعد فيها إلى ظهرها، وزوّقوا سقفها وجدرانها - من بطنها - ودعائمها، وجعلوا فى دعائمها صور الأنبياء. وكانت فيها (١) صورة إبراهيم خليل الرحمن؛ شيخ يستقسم بالأزلام، وصورة الملائكة ﵈ أجمعين، وصور الشجر، وصورة مريم مزوقة (٢) فى حجرها عيسى ابنها قاعدا مزوقّا، وكان تمثال عيسى وأمه فى العمود الذى يلى الباب، ويقال فى الوسطى من اللأتى تلى الباب الذى يلى الداخل. وجعلوا لها بابا واحدا كان يغلق ويفتح.

стр. 177

فلما فرغوا من بناء البيت ردّوا المال فى الجب، و؟؟؟ فيه الحلية وقرنى الكبش، وردّوا الجب فى مكانه فيما؟؟؟ ق الشامى، ونصبوا هبل على الجبّ كما كان قبل ذلك، و؟؟؟ حين فرغوا من بنائها حبرات يمانية - ويقال كسوها الوصائل؟؟؟ وردموا الرّدم الأعلى، وصرفوا السّيل عن الكعبة. وكانوا يفتحون الكعبة يوم الاثنين والخميس، وكان الحجّاب يجلسون عند الباب، فيرتقى الرجل فإذا كانوا لا يريدون دخوله يدفع ويطرح، فربما عطب. وكانوا لا يدخلون الكعبة بحذاء - يعظمون ذلك - ويضعون نعالهم تحت الدّرجة، وأوّل من خلع الخفّ والنعل فلم يدخل بهما الوليد بن المغيرة؛ إعظاما لها، فجرى ذلك سنّة (١). وفى هذه السنة ولدت حفصة بنت عمر بن الخطاب (٢). وفيها - ويقال: فى سنة إحدى وأربعين - ولدت فاطمة الزهراء (٣). وفيها مات أبو سعيد زيد بن عمرو بن نفيل (٤) القرشى العدوى، أحد من رفض الأصنام، وحرّم على نفسه ذبائحها، واتبع ملة إبراهيم ﷺ .

стр. 178

«السنة السادسة والثلاثون من مولد النبى ﷺ » لم يتجدّد فيها ولا فى التى بعدها شئ (١). *** «السنة السابعة والثلاثون من مولد النبى ﷺ » / ............ (٢). *** «السنة الثامنة والثلاثون من مولد النبى ﷺ » فيها رأى النبىّ ﷺ الضوء والنور وسمع الصوت، وكان يسمع (٣) ولا يدرى ما هو. وفيها ولد عبد الله بن عمرو بن العاص (٤)، وأبو أسيد الساعدى (٥). ***

стр. 179

«السنة التاسعة والثلاثون من مولد النبى ﷺ » قال ابن مسعود: أقام النبىّ ﷺ ثلاث سنين يسمع الصوت ولا يدرى ما هو، ويرى الضوء - انتهى. وأظنه يعنى بالثلاث سنين هذه والتى قبلها والتى بعدها. *** «السنة الأربعون من مولد النبى ﷺ » فيها ظهرت للنبى ﷺ أمارات النّبوّة ولم يعلم ما هى (١). *** «السنة الحادية والأربعون من مولد النبى ﷺ » «وهى السنة الأولى من مبعثه ﷺ » فيها بعد أن بلغ النبى ﷺ أربعين سنة - وقيل: وأربعين يوما، ويقال: وعشرة أيام، وقيل: وعشرين - أوحى الله إلى نبيّه محمد ﷺ (٢). وكان ﷺ أوّل ما بدئ به من الوحى الرؤيا الصالحة فى النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح (٣).

стр. 180

ثم حبّب إليه الخلاء، فكان يأتى حراء فيتحنّث فيه - وهو التعبد - الليالى ذوات العدد، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها، حتى فجأه الحقّ وهو فى غار حراء، فنزل الملك على النبى ﷺ يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان (١)، وقيل: لثمان عشرة خلت منه، وقيل: لأربع وعشرين ليلة خلت منه، ويقال: لسبع وعشرين من شهر رجب. ويروى أن المبعث كان يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الأوّل، ويقال: فى أول ربيع (٢). وقيل: كان ذلك فى سنة ثلاث وأربعين، ويقال فى سنة خمس وأربعين، لسبع وعشرين من رجب (٣). وقيل: أول ما أتى جبريل النبى ﷺ ليلة السبت، وليلة الأحد، ثم ظهر له برسالة الله إليه يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان - وكان النبى ﷺ صائما - فجاءه جبريل فقال: أبشر يا محمد؛ فأنا جبريل أرسلت إليك، وأنت رسول هذه الأمة. فاطمأنّ له النبى ﷺ ، /ثم أخرج له جبريل قطعة نمط فقال: إقرأ. فكانت أوّل ما نزل من القرآن، فقال: والله ما قرأت شيئا قط. فقال: اقرأ. فقال رسول الله ﷺ : ما أنا بقارئ. فأخذه فغطّه
следующие страницы →