← История

История · id 1670

إتحاف الورى بأخبار أم القرى

النجم ابن فهد المكي

Полный текст (2 503 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

بغير سقف، فلما بلغوا السّقف قال لهم با قوم الرومى: أتحبون أن تجعلوا سقفها مكبسا أم مسطحا؟ فقالوا: بل ابن بيت ربنا مسطّحا .. فبنوه مسطحا، وجعلوا فيه ست دعائم فى صفين، فى كل صف ثلاث/دعائم (¬*) من الشّق الشامى الذى يلى الحجر إلى الشّق اليمانى، وجعلوا ارتفاعها من خارجها من الأرض إلى أعلاها ثمانية عشر ذراعا، وكانت قبل ذلك تسعة أذرع، فزادت قريش فى ارتفاعها فى السماء تسعة أذرع أخرى، وبنوها من أعلاها إلى أسفلها بمدماك من حجارة ومدماك من خشب، وكان الخشب خمسة عشر مدماكا، والحجارة ستة عشر مدماكا. وجعلوا ميزابها يسكب فى الحجر. وجعلوا درجة من خشب فى بطنها فى الركن الشامى يصعد فيها إلى ظهرها، وزوّقوا سقفها وجدرانها - من بطنها - ودعائمها، وجعلوا فى دعائمها صور الأنبياء. وكانت فيها (١) صورة إبراهيم خليل الرحمن؛ شيخ يستقسم بالأزلام، وصورة الملائكة ﵈ أجمعين، وصور الشجر، وصورة مريم مزوقة (٢) فى حجرها عيسى ابنها قاعدا مزوقّا، وكان تمثال عيسى وأمه فى العمود الذى يلى الباب، ويقال فى الوسطى من اللأتى تلى الباب الذى يلى الداخل. وجعلوا لها بابا واحدا كان يغلق ويفتح.

стр. 177

فلما فرغوا من بناء البيت ردّوا المال فى الجب، و؟؟؟ فيه الحلية وقرنى الكبش، وردّوا الجب فى مكانه فيما؟؟؟ ق الشامى، ونصبوا هبل على الجبّ كما كان قبل ذلك، و؟؟؟ حين فرغوا من بنائها حبرات يمانية - ويقال كسوها الوصائل؟؟؟ وردموا الرّدم الأعلى، وصرفوا السّيل عن الكعبة. وكانوا يفتحون الكعبة يوم الاثنين والخميس، وكان الحجّاب يجلسون عند الباب، فيرتقى الرجل فإذا كانوا لا يريدون دخوله يدفع ويطرح، فربما عطب. وكانوا لا يدخلون الكعبة بحذاء - يعظمون ذلك - ويضعون نعالهم تحت الدّرجة، وأوّل من خلع الخفّ والنعل فلم يدخل بهما الوليد بن المغيرة؛ إعظاما لها، فجرى ذلك سنّة (١). وفى هذه السنة ولدت حفصة بنت عمر بن الخطاب (٢). وفيها - ويقال: فى سنة إحدى وأربعين - ولدت فاطمة الزهراء (٣). وفيها مات أبو سعيد زيد بن عمرو بن نفيل (٤) القرشى العدوى، أحد من رفض الأصنام، وحرّم على نفسه ذبائحها، واتبع ملة إبراهيم ﷺ .

стр. 178

«السنة السادسة والثلاثون من مولد النبى ﷺ » لم يتجدّد فيها ولا فى التى بعدها شئ (١). *** «السنة السابعة والثلاثون من مولد النبى ﷺ » / ............ (٢). *** «السنة الثامنة والثلاثون من مولد النبى ﷺ » فيها رأى النبىّ ﷺ الضوء والنور وسمع الصوت، وكان يسمع (٣) ولا يدرى ما هو. وفيها ولد عبد الله بن عمرو بن العاص (٤)، وأبو أسيد الساعدى (٥). ***

стр. 179

«السنة التاسعة والثلاثون من مولد النبى ﷺ » قال ابن مسعود: أقام النبىّ ﷺ ثلاث سنين يسمع الصوت ولا يدرى ما هو، ويرى الضوء - انتهى. وأظنه يعنى بالثلاث سنين هذه والتى قبلها والتى بعدها. *** «السنة الأربعون من مولد النبى ﷺ » فيها ظهرت للنبى ﷺ أمارات النّبوّة ولم يعلم ما هى (١). *** «السنة الحادية والأربعون من مولد النبى ﷺ » «وهى السنة الأولى من مبعثه ﷺ » فيها بعد أن بلغ النبى ﷺ أربعين سنة - وقيل: وأربعين يوما، ويقال: وعشرة أيام، وقيل: وعشرين - أوحى الله إلى نبيّه محمد ﷺ (٢). وكان ﷺ أوّل ما بدئ به من الوحى الرؤيا الصالحة فى النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح (٣).

стр. 180

ثم حبّب إليه الخلاء، فكان يأتى حراء فيتحنّث فيه - وهو التعبد - الليالى ذوات العدد، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها، حتى فجأه الحقّ وهو فى غار حراء، فنزل الملك على النبى ﷺ يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان (١)، وقيل: لثمان عشرة خلت منه، وقيل: لأربع وعشرين ليلة خلت منه، ويقال: لسبع وعشرين من شهر رجب. ويروى أن المبعث كان يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الأوّل، ويقال: فى أول ربيع (٢). وقيل: كان ذلك فى سنة ثلاث وأربعين، ويقال فى سنة خمس وأربعين، لسبع وعشرين من رجب (٣). وقيل: أول ما أتى جبريل النبى ﷺ ليلة السبت، وليلة الأحد، ثم ظهر له برسالة الله إليه يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان - وكان النبى ﷺ صائما - فجاءه جبريل فقال: أبشر يا محمد؛ فأنا جبريل أرسلت إليك، وأنت رسول هذه الأمة. فاطمأنّ له النبى ﷺ ، /ثم أخرج له جبريل قطعة نمط فقال: إقرأ. فكانت أوّل ما نزل من القرآن، فقال: والله ما قرأت شيئا قط. فقال: اقرأ. فقال رسول الله ﷺ : ما أنا بقارئ. فأخذه فغطّه

стр. 181

حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله فقال ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ * اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ حتى بلغ ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ (١). ثم أمره بالنزول إلى قرار الأرض، وأجلسه على بساط كهيئة الدّرنوك، فيه الياقوت واللؤلؤ. وعليه ثوبان أخضران، ثم ضرب برجله الأرض - ويقال: همز، وقيل: فحص بعقبه الأرض - فنبعت له عين ماء مزن، فتوضأ منها؛ غسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ومسح برأسه، وغسل رجليه إلى الكعبين، ثم نضح فرجه (٢). ثم أمر النبىّ صلّى الله ﷺ فتوضّأ كذلك، ثم قام فصلّى بالنبى ﷺ ركعتين، وسجد أربع سجدات، ثم انصرف جبريل. وعقل النبى ﷺ رسالات ربّه، واتبع الذى جاء به جبريل من عند الله؛ فانصرف منقلبا إلى بيته لا يمر على شجر ولا حجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله. فرجع مسرورا إلى أهله موقنا قد رأى أمرا عظيما (٣). ورجع النبى ﷺ ترجف بوادره (٤) حتى دخل على خديجة فقال: زمّلونى، زملونى - حتى ذهب عنه الروع - يا خديجة ما لى؟!

стр. 182

وأخبرها الخبر، وقال: قد خشيت على عقلى - أو قال: لقد أشفقت على نفسى، أو قال: لقد خشيت أن أكون كاهنا أو مجنونا - فثبتته وقالت: كلا والله لا يفعل الله ذلك، أبشر فو الله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتؤدى الأمانة، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق. ويروى أن النبى ﷺ لما جاء إلى خديجة أخذ بيدها حتى أتى بها العين، وأمرها فتوضّأت كما أراه جبريل، وصلّى بها كما صلى. جبريل به، فكانت خديجة أوّل من آمن بالنبى ﷺ . وانطلقت خديجة بالنبى ﷺ حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى بن قصىّ، وهو ابن عم خديجة؛ ابن أخى أبيها. وكان امرأ تنصّر فى الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربى، يكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمى. فقالت خديجة: أى ابن عم، اسمع من ابن أخيك. فقال/ورقة: يا ابن أخى، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذى أنزل على موسى، يا ليتنى فيها جذعا، [ليتنى] (١) أكون حيا حين يخرجك قومك. فقال رسول الله ﷺ : أو مخرجىّ هم؟ قال: نعم؛ لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودى، فإن يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزرا (٢).

стр. 183

ويروى أن خديجة أخبرت ورقة بالذى رأى النبى ﷺ ، فقال: هل رأى زوجك صاحبه فى حضر؟ فقالت: نعم. فقال: زوجك نبى وسيصيبه [من أمته (١) بلاء]. ويروى أنه قال لما أخبرته خديجة: لئن كنت صدقتنى إنه ليأتيه الناموس الأكبر ناموس عيسى الذى لا تعلّمه بنو إسرائيل أبناءهم، ولئن نطق وأنا حى لأبلين الله فيه بلاء حسنا (٢). ويروى أن خديجة بنت خويلد قالت لرسول الله ﷺ فيما تثبّته مما أكرمه الله به من نبوته -: يا ابن عم تستطيع أن تخبرنى بصاحبك هذا الذى يأتيك إذا جاءك؟ فقال: نعم. فقالت: إذا جاءك فأخبرنى. فبينما رسول الله ﷺ عندها إذ جاء جبريل فرآه رسول الله ﷺ ، فقال: يا خديجة هذا جبريل. فقالت: أتراه الآن؟ فقال: نعم. فقالت: فاجلس إلى شقى الأيمن. فتحول فجلس. فقالت: هل تراه الآن؟ قال: نعم. قالت: فتحوّل فاجلس فى حجرى. فتحول رسول الله ﷺ فجلس فى حجرها، فقالت: هل تراه الآن؟ قال: نعم. فحسرت رأسها فألقت خمارها - ورسول الله ﷺ جالس فى حجرها - فقالت: هل تراه الآن؟ قال: لا. قالت: ما هذا شيطان. إن هذا لملك يا ابن عم، فاثبت وأبشر. ثم آمنت به وشهدت أن الذى جاء به هو

стр. 184

الحق - ويروى أن خديجة أدخلت النبىّ ﷺ بينها وبين درعها، فذهب عند ذلك جبريل (١). ويروى، قال ورقة لما ذكرت له خديجة أنه ذكر لها جبريل: سبّوح سبّوح، وما لجبريل يذكر فى هذه الأرض التى تعبد فيها الأوثان!! جبريل أمين الله بينه وبين رسله، اذهبى به إلى المكان الذى رأى فيه ما رأى، فإن أتاه فتحسّرى، فإن يكن من عند الله لا يراه. ففعلت فلما تحسّرت تغيّب جبريل ولم يره، فرجعت وأخبرت ورقة، فقال: إنه ليأتيه الناموس الأكبر الذى لا تعلّمه بنو إسرائيل أبناءهم إلا بالثمن (٢). ويروى: أن أبا بكر الصديق كان/نديما للنبى ﷺ فى الجاهلية، وكان النبىّ ﷺ إذا برز سمع من يناديه: يا محمد. فإذا سمع الصوت انطلق هاربا، فأسرّ ذلك إلى أبى بكر (٣). ويروى: أن النبى ﷺ قال لخديجة: إذا خلوت وحدى سمعت نداء، وقد والله خشيت أن يكون هذا أمرا. فقالت: معاذ الله؛ ما كان الله ليفعل بك، فو الله إنك لتؤدّى الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث. فلما دخل أبو بكر على خديجة - وليس رسول الله ﷺ ثمة - فذكرت خديجة حديثه لأبى بكر وقالت:

стр. 185

يا عتيق، اذهب مع محمد إلى ورقة. فلما دخل رسول الله ﷺ أخذ أبو بكر بيده فقال: انطلق بنا إلى ورقة. فقال رسول الله ﷺ : من أخبرك؟ قال: خديجة. فانطلقا إليه، فقصّا عليه، فقال ﷺ : إذا خلوت وحدى سمعت نداء خلفى: يا محمد، يا محمد، فأنطلق هاربا فى الأرض. فقال [ورقة] (١): لا تفعل، فإذا أتاك فأثبت حتى تسمع ما يقول، ثم ائتنى فأخبرنى. فلما خلا ناداه: يا محمد قل ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * * الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ حتى إذا بلغ ﴿وَلا الضّالِّينَ﴾ ثم قال: قل آمين، ثم قال: قل لا إله إلاّ الله. فأتى النبى ﷺ ورقة فذكر ذلك له، فقال ورقة: أبشر ثم أبشر؛ فأنا (٢) أشهد أنك الذى بشّر به ابن مريم، وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبىّ مرسل، وأنك سوف تؤمر بالجهاد بعد يومك هذا، ولئن أدركنى ذلك لأجاهدنّ معك (٣). ويروى أن مجاورة النبى ﷺ لحراء كانت معه زوجته خديجة، وأن مجئ الملك إليه بحراء كان وهو نائم؛ وذلك فيما ورد أن النبى ﷺ قال: فجاءنى الملك وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ. قلت: ما أقرأ. فغتنى حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى - ويقال: ثم كشفه عنى - فقال: اقرأ. قلت: ما أقرأ.

стр. 186

فغتنى حتى ظننت أنه الموت. ثم أرسلنى فقال: اقرأ. فقلت: ما أقرأ. فغتنى حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى قال: اقرأ. قلت: ماذا أقرأ؟ ما أقول ذلك إلا لأفتدى منه ألاّ يعود لى بمثل ما صنع بى، قال ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ * * اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ (١) فقرأتها ثم انتهى فانصرف عنى، وهببت من نومى فكأنما كتب فى قلبى كتابا (٢)، ولم يكن من خلق الله أحد أبغض إلى من شاعر أو مجنون، كنت لا أطيق أنظر إليهما، فقلت: إن الأبعد - يعنى نفسه - لشاعر أو مجنون، ثم قلت/لا تتحدث بهذا قريش عنى أبدا؛ لأعمدن إلى حالق من الجبل ولأطرحنّ نفسى منه فلأقتلنها فلأستريحنّ، فخرجت أريد ذلك حتى إذا كنت فى وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله، وأنا جبريل. فرفعت رأسى إلى السماء أنظر فإذا جبريل، فوقفت أنظر إليه، وشغلنى ذلك عما أريد، فوقفت وما أقدر على أن أتقدّم ولا أتأخر، وما أصرف وجهى فى ناحية من السماء إلا رأيته فيها، فما زلت واقفا لا أتقدم أمامى ولا أرجع ورائى حتى بعثت خديجة رسلها فى طلبى، حتى بلغوا [أعلى] (٣) مكة ورجعوا إليها وأنا واقف فى مكانى ذلك، فلم أزل كذلك حتى كاد النهار أن يتحول، ثم

стр. 187

انصرف عنى، فانصرفت راجعا إلى أهلى حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذها مفضيا (١) إليها، فقالت: يا أبا القاسم أين كنت؟ فو الله لقد بعثت رسلى فى طلبك حتى بلغوا [أعلى] (٢) مكة ورجعوا إلىّ. قال ﷺ فقلت لها: إن الأبعد لشاعر أو مجنون. فقالت: أعيذك بالله من ذلك يا أبا القاسم؛ ما كان الله ليصنع ذلك بك مع ما أعلم من صدق حديثك، وعظم أمانتك، وحسن خلقك، وصلة رحمك، وما ذاك يا ابن عم؟ لعلك رأيت شيئا أو سمعته. قلت: نعم، ثم حدثتها الذى رأيت، فقالت: أبشر يا ابن عم، واثبت له؛ فو الذى نفس خديجة بيده - أو فو الذى يحلف به - إنى لأرجو أن تكون نبىّ هذه الأمة. ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل - وهو ابن عمها، وكان قد تنصّر، وقرأ الكتب، وسمع من أهل التوراة والإنجيل - فأخبرته الخبر، وقصّت عليه ما قصّ [عليها] (٣) رسول الله ﷺ أنه رأى وسمع. فقال ورقة: قدّوس قدوس قدوس، والذى نفسى بيده لئن كنت صدقتينى يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذى كان يأتى موسى، وإنه لنبى هذه الأمة، فقولى له فليثبت.

стр. 188

فرجعت خديجة إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بقول ورقة، فسهّل عليه ذلك بعض ما كان فيه من الهم بما جاءه. فلما قضى رسول الله ﷺ جواره وانصرف، صنع فيه كما كان يصنع، فإنه ﷺ كان إذا انصرف أوّل ما يبدأ به الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته. فبدأ/بالكعبة فطاف بها، فلقيه ورقة بن نوفل. وهو يطوف بالكعبة. وقال له: يا ابن أخى أخبرنى بما رأيت وسمعت، فقصّ عليه رسول لله ﷺ خبره، فقال له ورقة: والذى نفسى بيده إنك لنبىّ هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذى جاء موسى، ولتكذّبن ولتؤذين ولتقاتلن ولتنصرن، ولئن أنا أدركت ذلك لأنصرنك نصرا يعلمه الله. ثم أدنى إليه رأسه فقبّل يافوخه، ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى منزله، وقد زاده ذلك - من قول ورقة - ثباتا، وخفف عنه بعض ما كان فيه من الهم (١). ويروى: أن النبى ﷺ شقّ صدره بحراء، وذلك فيما ورد (٢): أن النبى ﷺ نذر أن يعتكف شهرا هو وخديجة بحراء، فوافق ذلك شهر رمضان، فخرج النبى ﷺ ذات ليلة فسمع: السلام عليك، قال: فظننتها فجأة الجن، فجئت مسرعا حتى دخلت على خديجة، فسجّتنى بثوب وقالت: ما شأنك يا ابن عبد

стр. 189

الله؟ فأخبرتها، فقالت: أبشر يا ابن عبد الله؛ فإن السلام خير. ثم قال: خرجت مرّة أخرى فإذا أنا بجبريل على الشمس، جناح له بالمشرق وجناح له بالمغرب، فهبت (١) منه فجئت مسرعا، فإذا هو بينى وبين الباب، فكلّمنى حتى أنست به، ثم وعدنى موعدا فجئت له، فأبطأ علىّ، فرأيت (٢) أن أرجع، فإذا أنا به وميكائيل بين السماء والأرض قد سدّ الأفق. فهبط جبريل وبقى ميكائيل بين السماء والأرض، فأخذنى جبريل فسلقنى لحلاوة القفا، لم يمل به عن ذلك إلى أحد جانبيه، ثم شقّ عن قلبى، فاستخرج منه ما شاء الله أن يستخرج، ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم، ثم أعاده مكانه، ثم لأمه، ثم أكفأنى كما يكفأ الأديم (٣)، ثم ختم فى ظهرى حتى وجدت مسّ الخاتم فى قلبى، وأخذ بحلقى حتى أجهشت بالبكاء، ثم قال: اقرأ - ولم أك قرأت كتابا قط - فلم أدر ما أقرأ، ثم قال: اقرأ. فقلت: ما أقرأ؟ قال ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى انتهى إلى خمس آيات منها، فما نسيت شيئا بعد. ثم وزننى برجل فوزنته، ثم وزننى بآخر فوزنته، حتى وزنت بمائة رجل. فقال ميكائيل: تبعته أمته ورب الكعبة، فجعلت لا يلقانى حجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، حتى دخلت على خديجة فقالت: /السلام عليك يا رسول الله.

стр. 190

وقال ورقة بن نوفل. لما ذكرت له خديجة من أمر رسول الله ﷺ : - فإن يك حقّا يا خديجة فاعلمى … حديثك إيّانا فأحمد مرسل وجبريل يأتيه وميكال معهما … من الله وحى يشرح الصدر منزل يفوز به من فاز فيها بتوبة … ويشقى به العانى الغرير المضلّل فريقان منهم فرقة فى جنانه … وأخرى بأحواز الجحيم تغلّل إذا ما دعوا بالويل فيها تتابعت … مقامع فى هاماتها ثم تشعل فسبحان من تهوى الرياح بأمره … ومن هو فى الأيام ما شاء يفعل ومن عرشه فوق السموات كلها … وأقضاؤه فى خلقه لا تبدّل (١) وقال ورقة ابن نوفل أيضا: - يا للرجال وصرف الدهر والقدر … وما لشئ قضاه الله من غير حتى خديجة تدعونى لأخبرها … وما لها بخفىّ الغيب من خبر جاءت لتسألنى عنه لأخبرها … أمرا أراه سيأتى الناس من أخر فخبرتنى بأمر قد سمعت به … فيما مضى من قديم الدهر والعصر بأن أحمد يأتيه فيخبره … جبريل أنّك مبعوث إلى البشر فقلت علّ الذى ترجين ينجزه … لك الإله فرجّى الخير وانتظرى وأرسليه إلينا كى نسائله … عن أمره ما يرى فى النوم والسّهر فقال حين أتانا منطقا عجبا … يقفّ منه أعالى الجلد والشعر

стр. 191

إنى رأيت أمين الله واجهنى … فى صورة أكملت من أعظم الصور ثم استمر فكاد الخوف يذعرنى … مما يسّلم من حولى من الشجر فقلت ظنّى وما أدرى أيصدقنى … أن سوف يبعث يتلو منزل السور وسوف يبليك إن أعلنت دعوتهم … من الجهاد بلا منّ ولا كدر (١) ويروى: أن جبريل جاء إلى النبى ﷺ قبل ذلك فى النوم، وذلك فيما ورد أن النبى ﷺ بينا هو بمكة رأى أنه أتى إلى سقف بيته فنزع شبحة شبحة (٢) حتى إذا نزع أدخل فيه سلم من فضّة/ - فيما يخيل إليه - ثم نزل إليه رجلان، قال رسول الله ﷺ : فأردت أن أستغيث فحبسانى مكانى، ومنعت الكلام، فقعد أحدهما إلىّ والآخر إلى جنبى - وأنا فرق - فأدخل أحدهما يده فى جنبى فنزع ضلعين منه كما ينزع غلق الصندوق (٣) الشديد، ثم أدخل يده فى جوفى - وأنا أجد بردها - فأخذ قلبى ووضعه على كفّه، وقال لصاحبه: نعم القلب، وقال: قلب رجل صالح. ثم أدخلا القلب مكانه، وردّا الضلعين كما يرد غلق الصندوق الشديد، ثم ارتفعا ورفعا سلّمهما؛ فاستيقظت فإذا السقف كما هو، فقلت: تحلم. فذكره النبىّ ﷺ لخديجة، فعصمها الله من التكذيب، وشرح صدرها بالتصديق، فقالت: أبشر فو الله لا يفعل الله بك إلا خيرا، ولم

стр. 192

يصنع بك إلا خيرا. ثم إنه خرج من عندها، ثم رجع إليها وأخبرها أنه رأى بطنه شقّ وطهّر وغسّل ثم أعيد كما كان، فقالت: هذه (١) والله خير فأبشر. ثم استعلن له جبريل وهو بأعلى مكة من قبل حراء، فوضع يده على رأسه وفؤاده وبين كتفيه، وقال له: لا تخف أنا جبريل. وأجلسه معه على مجلس كريم كهيئة الدّرنوك فيه الياقوت واللؤلؤ، فبشّره برسالة (٢) الله. حتى اطمأن إلى جبريل، فقال له جبريل: اقرأ. قال: كيف أقرأ؟! قال ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى قوله ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ فأبدى له جبريل نفسه؛ له جناحان من ياقوت يخطفان البصر، ففتح جبريل عينا من الماء فتوضّأ - ومحمد ﷺ ينظر إليه - فوضأ وجهه ويديه إلى المرفقين، ومسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، ونضح فرجه. وسجد سجدتين مواجه البيت، ففعل محمد كما رأى جبريل يفعل. وقبل الرسول رسالة ربه وسألها (٣) الله بحقها. واتبع الذى نزل به جبريل من عند رب العرش العظيم. فلما قبل الذى جاءه من عند ربه وانصرف منقلبا إلى بيته جعل لا يمرّ على حجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله،

стр. 193

فرجع مسرورا إلى أهله وهو موقن؛ قد رأى أمرا عظيما. فلما دخل على خديجة أخبرها قال: أرأيتك الذى كنت أحدّثك أنى رأيت (١) فى المنام؟ فإنه جبريل قد استعلن إلىّ (٢)، أرسله إلىّ ربى . وأخبرها بالذى جاءه من عند الله وما سمع منه. فقالت: أبشر فو الله لا يفعل الله بك إلا خيرا. فاقبل الذى أتاك من عند الله فإنه حق، وأبشر فإنك رسول الله حقا. ثم انطلقت حتى/أتت غلاما لعتبة بن ربيعة بن عبد شمس نصرانيا من أهل نينوى يقال له عدّاس، فقالت له: يا عدّاس أذكرك بالله إلاّ ما أخبرتنى هل عندك علم من جبريل؟ فلما سمعها عدّاس تذكر جبريل قال: قدّوس قدّوس، ما شأن جبريل يذكر بهذه الأرض التى أهلها أهل الأوثان!! قالت: أحب أن تخبرنى بعلمك عنه. قال: فإنه أمين الله بينه وبين النبيين، وهو صاحب موسى وعيسى. فرجعت خديجة من عنده فأتت ورقة بن نوفل - وكان ورقة قد كره عبادة الأوثان هو وزيد بن عمرو بن نفيل، وكان زيد قد حرّم كل شئ حرّمه الله من الدّم والذّبيحة على النّصب، وكل شئ من أبواب الظلم فى الجاهلية - فلما وصفت خديجة لورقة حين

стр. 194

جاءته - شأن محمد، وذكرت له جبريل وما جاء به من عند الله إلى رسوله قال لها: يا ابنة أخى والله ما أدرى، لعل صاحبك النبى الذى ينتظره (١) أهل الكتاب، والذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل، وأقسم بالله إن كان إيّاه ثم دعا الناس وأنا حى لألبّين (٢) الله فى طاعة؛ رسوله وحسن المؤازرة والنصرة له. ولما أن صلّت خديجة مع النبى ﷺ جاء علىّ بن أبى طالب بعد ذلك بيوم فوجدهما يصلّيان، فقال على: ما هذا يا محمد؟ فقال رسول الله ﷺ : دين الله الذى اصطفى لنفسه، وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وإلى عبادته وكفر اللات والعزّى. فقال على: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاض أمرا حتى أحدّث به أبا طالب. فكره رسول الله ﷺ أن يفشى عليه سرّه قبل أن يستعلن أمره، فقال له: يا علىّ إذا لم تسلم فأكتم. فمكث علىّ تلك الليلة، ثم إن الله أوقع فى قلب على الإسلام، فأصبح غاديا إلى رسول الله ﷺ حتى جاءه فقال: ماذا عرضت علىّ يا محمد؟ فقال له رسول الله ﷺ : تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وتكفر باللات والعزّى، وتبرأ من الأبدال (٣). ففعل على وأسلم.

стр. 195

فمكث علىّ يأتيه على خوف من أبى طالب، وكتم علىّ إسلامه ولم يظهره، ثم كان مما أنعم الله على علىّ أنه كان فى حجر رسول الله ﷺ قبل الإسلام؛ وذلك أنه كان أصاب قريشا أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة (١)، فقال رسول الله ﷺ /لعمه العباس - وكان من أيسر بنى هاشم -: يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق حتى نخفّف عنه من عياله. فأخذ رسول الله ﷺ عليا فضمّه إليه، فلم يزل علىّ مع رسول الله ﷺ حتى بعثه الله نبيا، فاتّبعه علىّ وآمن به وصدق (٢). ثم أسلم زيد بن حارثة (٣) فمكث هو وعلىّ يلزمان رسول الله ﷺ . وكان النبى ﷺ يخرج إلى الكعبة أوّل النهار ويصلى صلاة الضحى، فكانت تلك صلاة لا تنكرها قريش إنما تنكر غيرها، وكان إذا صلى فى سائر اليوم بعد ذلك قعد علىّ وزيد يرصدانه، وكان إذا جاء وقت العصر تفرّقوا فى الشعاب فيصلون فرادى ومثنى (٤). ويروى: كان إذا حضرت الصلاة خرج النبى ﷺ إلى

стр. 196

شعاب مكة - ومعه على - مستخفيا من عمه (١) أبى طالب، ومن جميع أعمامه، فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا، فمكثا كذلك إلى ما شاء الله أن يمكثا، ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما وهما يصليان، فقال لرسول الله ﷺ : يا ابن أخى ما هذا [الدين] (٢) الذى أراك تدين به؟ قال: أى عمّ، هذا دين الله، ودين ملائكته ورسله، ودين أبينا إبراهيم، بعثنى به الله رسولا إلى العباد، وأنت - أى عم - أحق من بذلت له النصيحة، ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابنى إليه، وأعاننى عليه. فقال: أى ابن أخى، إنى لا أستطيع أن أفارق دين آبائى وما كانوا عليه، ولكن والله لا يخلص إليك شئ تكرهه ما بقيت. وقال لعلى: أى بنى، ما هذا [الدين] (٢) الذى أنت عليه؟ قال: يا أبت، آمنت برسول الله ﷺ ، وصدقته بما جاء به. وصلّيت معه واتبعته. فقال: أما إنه لم يدعك إلاّ إلى خير، فاتبعه والزمه (٣). ويروى: أن أبا طالب لما رأى النبى ﷺ وعلى بن أبى طالب يصلّيان ببطن نخلة فقال: ماذا تصنعان يا ابن أخى؟ فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فقال: ما بى بالذى تصنعان بأس والذى تقولان، ولكن والله لا تعلونى استى أبدا (٤).

стр. 197

ثم بعد إسلام زيد بن حارثة لقى أبو بكر الصديق رسول الله ﷺ ، فقال: أحقّ ما تقول قريش يا محمد من تركك آلهتنا، وتسفيهك عقولنا، وتكفيرك/إيّانا (١)؟ فقال رسول الله ﷺ : بلى أنا رسول الله ونبيّه، بعثنى لأبلّغ رسالته وأدعوك إلى الله بالحق، فو الله إنه للحقّ، أدعوك يا أبا بكر إلى (٢) الله وحده لا شريك له، ولا يعبد (٣) غيره، والموالاة على طاعته، وقرأ عليه القرآن، فلم يقرّ (٤) ولم ينكر، فأسلم وكفر بالأصنام، وخلع الأنداد، وآمن بحق الإسلام، ورجع وهو مؤمن مصدّق؛ قال رسول الله ﷺ : ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردّد، إلا أبا بكر ما عكم (٥) عنه حين ذكرته، وما تردّد فيه.

стр. 198

وأقام رسول الله ﷺ ثلاث سنين - وقيل أربع سنين - لا يظهر دعوته إلا للمختصين به ممن يثق إليه، منهم: خديجة وعلىّ وزيد وأبو بكر، ويستتر بالنبوة عمّن لا يثق إليه، وكان أبو بكر يدعو أيضا من يثق من قومه، ممن يغشاه ويجلس إليه. ولمّا أسلم أبو بكر أظهر إسلامه، ودعا إلى الله ورسوله، وكان رجلا مألفا لقومه محبّبا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بما كان فيها من خير وشر، وكان رجلا تاجرا، ذا خلق ومعروف، وكان جلّ قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر؛ لعلمه وتجارته (١)، وحسن مجالسته. فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم على يديه الزّبير بن العوام، وعثمان بن عفّان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبى وقّاص، وعبد الرحمن بن عوف. فانطلقوا حتى أتوا رسول الله ﷺ ومعهم أبو بكر، فعرض عليهم الإسلام، وقرأ عليهم القرآن، وأنبأهم بحقّ الإسلام، وبما وعدهم الله من الكرامة؛ فآمنوا وأصبحوا مقرّين بحق الإسلام. فكان هؤلاء النّفر الثمانية (٢) الذين سبقوا إلى الإسلام، فصلوا وصدّقوا رسول الله ﷺ ، وآمنوا بما جاء من عند الله.

стр. 199

«سبب إسلام طلحة بن عبيد الله» قال طلحة: حضرت سوق بصرى فإذا راهب فى صومعته يقول: سلوا أهل هذا الموسم، أفيهم أحد من أهل الحرم؟ فقلت: نعم أنا. فقال: هل ظهر أحمد بعد؟ قلت: ومن أحمد؟ قال: ابن عبد الله بن عبد المطلب، هذا شهره الذى يخرج فيه، وهو آخر الأنبياء، مخرجه من الحرم (١)، ومهاجره إلى نخل وحرّة وسباخ، فإيّاك أن تسبق إليه. قال طلحة: فوقع فى قلبى ما قال، فخرجت سريعا حتى قدمت مكة، فقلت: هل كان من حدث؟ قالوا: نعم؛ محمد بن عبد الله/الأمين تنبّأ، وقد تبعه ابن أبى قحافة. فخرجت حتى دخلت على أبى بكر فقلت: اتّبعت هذا الرجل؟ قال: نعم، فانطلق إليه فادخل عليه فاتّبعه؛ فإنه يدعو إلى الحق. فأخبره طلحة بما قال له الراهب، فخرج أبو بكر وطلحة فدخل به على رسول الله ﷺ فأسلم طلحة، وأخبر رسول الله ﷺ بما قاله الراهب، فسرّ رسول الله ﷺ بذلك. ولما أسلم أبو بكر وطلحة أخذهما نوفل بن خويلد بن العدويّة فشدهما فى حبل واحد - ولم يمنعهما بنو تيم - وكان نوفل بن خويلد من أشد قريش (٢)؛ فلذلك سمى أبو بكر وطلحة القرينين، وقال النبى ﷺ : اللهم اكفنا شرّ ابن العدوية.

стр. 200

ويروى أن عثمان بن عبيد الله أخا طلحة قرن طلحة مع أبى بكر ليحبسه عن الصلاة، ويردّه عن دينه، وحرّر يده من يد أبى بكر فلم يرعهم إلا وهو يصلى مع أبى بكر (١). وأتى النبىّ ﷺ أوّل ما بعث، وهو حينئذ مستخف - عمرو بن عبسة فقال: ما أنت؟ قال أنا نبىّ. فقال: وما النبىّ؟ قال: رسول الله. قال: آلله أرسلك؟ قال: نعم. قال: بما أرسلك؟ قال: بأن نعبد الله، ونكسر الأوثان، ونوصل الأرحام. قال: نعم ما أرسلك به، فمن تبعك على هذا؟ قال: حرّ وعبد - يعنى أبا بكر وبلالا - وكان عمرو يقول: لقد رأيتنى وأنا ربع - أو رابع - أربع (٢) فأسلمت. قال عمرو قلت: أتبعك يا رسول الله؟ قال: لا، ولكن الحق بقومك فإذا أخبرت أنى قد خرجت فاتبعنى (٣). وأقام سعد بن أبى وقّاص سبعة أيام وهو ثالث الإسلام (٤). وأول من أظهر إسلامه سبعة: النبىّ ﷺ وأبو بكر، وعمّار، وأمّه سميّة، وصهيب، وبلال، والمقداد (٥).

стр. 201

وقال سعيد بن زيد: والله لقد رأيتنى وإنّ عمر موثقى وأخته على الإسلام، قبل أن يسلم عمر (١). «سبب إسلام خالد بن سعيد بن العاص» كان بدء إسلامه أنّه رأى فى النوم أنه وقف به على شفير النّار، فذكر من سعيرها ما الله أعلم به، ورأى كأنّ أباه يدفعه فيها، ورسول الله ﷺ آخذ بحجزته لا يقع، ففزع من نومه وقال: أحلف بالله إن هذه الرؤيا لحق. فلقى أبا بكر بن أبى قحافة، فذكر ذلك له، فقال له أبو بكر: أريد بك خيرا، هذا رسول الله/ ﷺ فاتبعه؛ فإنك ستتبعه وتدخل معه فى الإسلام، والإسلام يحجزك أن تدخل فيها، فأبوك واقع فيها. فلقى رسول الله ﷺ بأجياد فقال: يا محمد إلام تدعو؟ فقال: أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وتخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يبصر، ولا يضرّ ولا ينفع، ولا يدرى من عبده ممن لا يعبده. قال خالد: فإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله. فسرّ رسول الله ﷺ بإسلامه. وتغيّب خالد، وعلم أبوه بإسلامه، فأرسل فى طلبه فأتى به فأنّبه وضربه بمقرعة فى يده حتى كسرها على رأسه، وقال: والله لأمنعنّك القوت. فقال خالد: إن منعتنى القوت فإن الله يرزقنى ما أعيش به. وانصرف إلى رسول الله ﷺ ، فكان يلزمه يكون معه (٢).

стр. 202

ثم انطلق أبو عبيدة بن الحارث، وأبو سلمة بن عبد الأسد - واسمه عبد الله - والأرقم بن أبى الأرقم المخزومى، وأبو عبيدة بن الجراح، وعثمان بن مظعون الجمحى حتى أتوا رسول الله ﷺ فأسلموا (١). ثم أسلم أناس من قبائل العرب، منهم: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أخو بنى عدىّ بن كعب، وامرأته فاطمة بنت الخطاب، أخت عمر بن الخطاب، وأسماء بنت أبى بكر، وعائشة بنت أبى بكر - وهى صغيرة - وقدامة بن مظعون، وعبد الله بن مظعون الجمحيان، وخبّاب بن الأرت حليف بنى زهرة، وعمير بن أبى وقّاص الزّهرى، وعبد الله بن مسعود حليف بنى زهرة، ومسعود ابن القارىّ، وسليط بن عمرو أخو بنى عمرو (٢) بن لؤى، وعيّاش ابن أبى ربيعة المخزومى، وامرأته أسماء بنت سلامة التميمى، وخنيس بن حذافة السهمى، وعامر بن ربيعة حليف بنى عدى بن كعب (٣)، وعبد الله بن جحش الأسدى، وأبو أحمد بن جحش، وجعفر بن أبى طالب، وأمرأته أسماء بنت عميس، وحاطب بن الحارث الجمحىّ، وأمرأته أسماء (٤) بنت المجلّل، والخطاب بن الحارث، وامرأته

стр. 203

فكيهة بنت يسار (١)، ومعمر بن الحارث بن معمر الجمحى، والسائب بن عثمان بن مظعون، والمطلب بن أزهر بن عبد عوف الزّهرى، وامرأته رملة بنت أبى عوف بن حبيرة (٢)، والنّحّام - واسمه نعيم بن عبد الله - أخو بنى عدىّ بن كعب، وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر ﵁، وخالد بن سعيد/بن العاصى، وأمرأته أمينة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة من خزاعة، وحاطب ابن عمرو بن عبد شمس أخو بنى عامر بن لؤى، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وواقد بن عبد الله التميمى حليف بنى عدىّ بن كعب، وخالد بن البكير، وإياس بن البكير، وعامر بن البكير، وعاقل بن البكير، وعمّار بن ياسر حليف بنى مخزوم، وصهيب بن سنان (٣). ثم دخل الناس أرسالا من النساء والرجال. حتى فشا ذكر الإسلام بمكة، وتحدّث به. فلما أسلم هؤلاء وفشا أمرهم أعظمت ذلك قريش، وتغضبّت (٤) له، وظهر لرسول الله ﷺ البغى والحسد، وشخص له منهم رجال فبادروه وأصحابه بالعداوة، منهم: أبو جهل بن هشام، وأبو لهب.

стр. 204

وقدم سويد بن الصامت أحد بنى عمرو بن عوف مكّة حاجا أو معتمرا، فتصدّى له رسول الله ﷺ ودعاه إلى الله وإلى الإسلام، فقال سويد: فلعل الذى معك مثل الذى معى. فقال له رسول الله ﷺ : وما الذى معك؟ فقال: محكة لقمان - يعنى حكمة لقمان - فقال رسول الله ﷺ : إعرضها علىّ. فعرضها عليه، فقال: إن هذا الكلام حسن، والذى معى أفضل منه؛ قرآن أنزله الله علىّ، هو هدى ونور. فتلا عليه رسول الله ﷺ القرآن، ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد منه وقال: إن هذا القول حسن، ثم انصرف إلى المدينة (١). وفيها - بعد عشرين يوما من المبعث - رميت الشياطين بالشّهب، فرأت قريش أمرا لم تكن تراه، جعلوا يسيّبون أنعامهم، ويعتقون أرقاءهم؛ يظنون أنه الفناء. فبلغ ذلك من فعلهم أهل الطائف. ففعلت ثقيف مثل ذلك، فبلغ عبد ياليل بن عمرو ما صنعت ثقيف فقال: ولم فعلتم ما أرى؟ قالوا: رمى بالنجوم فرأيناها تهافت من السماء. قال: إن إفادة المال بعد ذهابه شديد، فلا تعجلوا وانظروا، فإن تكن نجوما تعرف فهو عند فناء الناس، وإن كانت نجوما لا تعرف فهو عند أمر حدث. فنظروا فإذا هى لا تعرف فأخبروه فقال: الأمر فيه مهلة بعد هذا عند ظهور نبىّ. فما مكثوا إلا يسيرا حتى قدم الطائف أبو سفيان بن حرب إلى أمواله، فجاءه عبد ياليل، فذاكره أمر النجوم، فقال أبو سفيان: ظهر

стр. 205

محمد بن عبد الله يدّعى أنه نبى مرسل. قال عبد ياليل: فعند ذلك رمى بها (١). ويروى لما رميت الشهب أوّل من علم ذلك ثقيف/أهل الطائف، فكان ذو الغنم ينطلق إلى غنمه فيذبح كل يوم شاة، وذو الإبل ينحر كل يوم بعيرا، وذو البقر ينحر كل يوم بقرة؛ فأسرع الناس فى أموالهم، فقال بعضهم لبعض: لا تفعلوا، فإن كانت النجوم التى تهتدون بها وإلا فإنه أمر حدث. فنظروا فإذا النجوم التى يهتدون بها كما هى لم يزل منها شئ فكفّوا (٢). ويروى أن ثقيف أول من فزعوا لذلك، فأتوا عمرو بن أميّة فقالوا: ألم تر ما حدث؟ قال: بلى، فانظروا فإن كانت معالم النجوم التى يهتدى بها [من البر والبحر، ويعرف بها] (٣) أنواء الصيف والشتاء انتثرت فهى طىّ الدنيا، وذهاب هذا الخلق الذى فيها، وإن كانت نجوما غيرها فأمر أراده الله بهذا الخلق، ونبىّ يبعث فى العرب فقد تحدّث بذلك، وجعلوا يذبحون لآلهتم من كان له إبل أو غنم كل يوم، حتى كادت أموالهم تذهب، ثم تناهوا. وفيها انطلق رسول الله ﷺ فى طائفة من أصحابه عامدين إلى

стр. 206

سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين - بالشهب - وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب. قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا من شئ حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذى حدث، والأمر الذى حال بينكم وبين خبر السماء. فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذى حدث وحال (١) بينهم وبين خبر السماء. فانصرف أولئك النّفر الذين توجّهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ وهو بنخلة عامدا إلى سوق عكاظ، وهو يصلّى بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذى حال بينكم وبين خبر السماء. فهنالك رجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا إنّا سمعنا قرآنا عجبا، يهدى إلى الرّشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا. وأنزل الله على نبيّه ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ (٢). ويروى أن عدد الجن الذين هبطوا على النبى ﷺ سبعة، أحدهم زوبعة، وكان النبى ﷺ يقرأ القرآن حينئذ ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا، قالوا: مه (٣)؟ فأنزل الله ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا﴾ الآية إلى ﴿ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٤).

стр. 207

ويروى لمّا كان/اليوم الذى نبّئ فيه رسول الله ﷺ منعت الشياطين خبر السماء ورموا بالشّهب، فأنكرت الشياطين ذلك وقالوا: لا ندرى، أشرّ أريد بمن فى الأرض أم أراد بهم ربّهم رشدا؟ فجاءوا إلى إبليس فذكروا ذلك له، فقال: أمر حدث؛ هذا نبىّ (١) قد خرج عليكم بالأرض المقدسة مخرج بنى إسرائيل. فذهبوا إلى الشام ثم رجعوا إليه فقالوا: ليس بها أحد. فقال إبليس: أنا صاحبه. فخرج فى طلب علمه فإذا رسول الله ﷺ بحراء منحدرا ومعه جبريل، فرجع إلى أصحابه. ويروى أن الشياطين لمّا رموا بالشهب شكوا ذلك إلى إبليس فقال: قد حدث أمر. فرقى فوق أبى قبيس - وهو أول جبل وضع على وجه الأرض - فرأى رسول الله ﷺ يصلّى خلف المقام، فقال: أذهب فأكسر عنقه. فجاء يخطر - وجبريل عنده - فركضه جبريل ركضة فطرحه فى كدىّ وكداء (٢)، فولّى الشيطان هاربا. ويروى أن الشياطين لما أخبروا إبليس قال: هذا حدث حدث فى الأرض، فأتونى من كل أرض بتربة. فأتوه بتربة تهامة فقال: ها هنا الحدث (٣).

стр. 208

وفيها قال عمرو الهذلىّ: حضرت مع رجل من قومى صنما - سواع (١) - وقد سقنا إليه الذبائح، فكنت أوّل من قرّب إليه بقرة سمينة فذبحها على الصّنم، فسمعنا صوتا من جوفها: العجب كلّ العجب خروج نبىّ من الأخاشب يحرّم الرّبا (٢)، ويحرّم الذبائح للأصنام، وحرست السماء، ورمينا بالشّهب. فتفرّقنا، فقدمنا مكّة فسألنا فلم نجد أحدا يخبرنا بخروج محمد حتى لقينا أبا بكر الصديق ﵁، فقلنا: يا أبا بكر أخرج أحد بمكة يدعو إلى الله يقال له أحمد؟ قال: وما ذاك؟ فأخبرته الخبر فقال: نعم، هذا رسول الله ﷺ . ثم دعانا إلى الإسلام، فقلنا: حتى ننظر ما يصنع قومنا، ويا ليت أنّا أسلمنا يومئذ، فأسلمنا بعده. وفيها - أو فى التى قبلها - قدم عفيف الكندى (٣) إلى مكة تاجرا، وقدم للحج. قال عفيف: فأتيت العباس بن عبد المطلب لأبتاع منه بعض التجارة وأبيعه - وكان امرأ تاجرا - فو الله إنى لعنده إذ خرج رجل من خباء قريب منه فنظر إلى الشمس، فلما رآها قام يصلى، ثم خرجت امرأة من ذلك الخباء الذى خرج منه ذلك الرجل فقامت خلفه تصلى، ثم خرج غلام راهق الحلم من ذلك الخباء فقام يصلى. فقلت للعباس: يا عباس ما هذا الدين؟ إن هذا الدين ما

стр. 209

ندرى ما هو. فقال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخى. قلت: من هذه المرأة؟ قال: هذه امرأته خد؟؟؟ ابنة خويلد. فقلت: من هذا الغلام؟ قال: هذا على بن أبى طالب؟؟؟ ابن عمه. قلت: فما هذا الذى يصنع؟ قال: يصلى، وهو يرعم؟؟؟ أن الله أرسله، وأنه نبىّ، ولم يتبعه أحد على أمره إلا امرأته وابن؟؟؟ هذا الفتى، وهو يزعم أنه سيفتح عليه كنوز كسرى وقيصر (١). وفيها ولد عبد الله بن بسر (٢). *** «السنة الثانية والأربعون من مولد النبى ﷺ » ***

стр. 210

«السنة الثالثة والأربعون من مولد النبى ﷺ (١)» *** «السنة الرابعة والأربعون من مولد النبى ﷺ » فيها بعد أن فتر الوحى عن النبى ﷺ قريبا من سنتين، فحزن لذلك حزنا غدا منه مرارا لكى يتردى من رءوس شواهق الجبال؛ شوقا منه إلى ما عاين فى أوّل مرّة من حلاوة مشاهدة وحى الله إليه. فكان كلما أوفى بذروة جبل لكى يلقى نفسه تبدّى له جبريل على كرسى وثبّته وبشّره، وقال: يا محمد إنك رسول الله حقا. فيسكن ذلك جأشه، وتقرّ نفسه ويرجع. فإذا طالت عليه فترة الوحى غدا لمثل ذلك، فإذا أو فى بذروة جبل تبدّى له جبريل فقال مثل ذلك (٢). وكان ﷺ مرّة يمشى فسمع صوتا من السماء، فرفع رأسه فإذا الملك الذى جاءه بحراء جالس على كرسى بين السماء والأرض

стр. 211

[قال ﷺ :] (١) فجثيت منه رعبا. حتى هوى إلى الأرض، فرجع إلى خديجة وقال: زملونى زملونى، فدثّروه. فأنزل الله ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * * قُمْ فَأَنْذِرْ * * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * * وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ * * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (٢) ثم جاء الوحى بعد وتتابع أمر الله نبيّه فى هذه السنه بإعلان دينه، فأنزل عليه ﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣) وقوله ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٤) [وقوله] (٥) ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ (٦). قال على بن أبى طالب ﵁: لما نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * * وَاِخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٧) دعانى رسول الله ﷺ فقال لى: يا علىّ، إن الله قد أمرنى أن أنذر عشيرتى/الأقربين، فضقت لذلك ذرعا، وعرفت أنى متى ما أباديهم بهذا الأمر، أرى منهم ما أكره، فصمتّ عليها حتى جاءنى جبريل فقال: يا محمد إنك إن لم تفعل ما أمرك به ربك تغيّر عليك (٨) ربّك. فقال رسول الله ﷺ :

стр. 212

يا علىّ، فاصنع لنا صاعا من طعام، واجعل عليه رجل شاة، واملأ لنا عسّا من لبن، ثم اجمع لى بنى عبد المطلب حتى أكلّمهم وأبلّغهم ما أمرت به. ففعلت ما أمرت به، ثم دعوتهم له، وهم يومئذ أربعون رجلا، يزيدون رجلا أو ينقصون، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب. وفيهم عشرون يأكل كلّ واحد منهم الجذعة ويشرب الفرق، فلما اجتمعوا إليه دعانى بالطعام الذى صنعت لهم فجئت به، فلما وضعته تناول رسول الله ﷺ حذيّة (١) من اللحم فنتفها بأسنانه ثم ألقاها فى نواحى الصّحفة، ثم قال: كلوا باسم الله. فأكل القوم حتى ما لهم بشئ من حاجة، وما أرى إلا موضع أيديهم، وأيّم الله الذى نفس علىّ بيده إن كان الرجل الواحد ليأكل ما قدمت لجميعهم. ويروى أن النبى ﷺ قال لهم: ادنوا. فدنا القوم عشرة عشرة، فأكلوا حتى صدروا، ثم دعا باللبن فجرع منه جرعا ثم قال: اسق القوم. فجئتهم بذلك العسّ، فشربوا منه حتى رووا جميعا، وكأن لم ينقص منه شئ، وأيّم الله الذى نفس علىّ بيده إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله. فلما أراد رسول الله ﷺ أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: سحركم صاحبكم. فتفرّق القوم ولم يكلمهم رسول الله ﷺ (٢).

стр. 213

فلما كان الغد قال رسول الله ﷺ : يا علىّ إن هذا الرجل قد سبقنى إلى ما سمعت من القول، وتفرّق القوم قبل أن أكلمهم، فأعدّ لنا الطعام والشراب مثل ما صنعت لنا بالأمس. ثم اجمعهم لى. ففعلت ثم جمعتهم، ثم دعا بالطعام فقرّبته إليهم، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا حتى ما بهم لشئ من حاجة، ثم قال: اسقهم. فجئت بذلك العسّ فشربوا حتى رووا منه جميعا. ثم تكلّم رسول الله ﷺ فقال: يا بنى عبد المطلب إنى والله ما أعرف شابا من العرب جاء قومه بأفضل مما (١) جئتكم به؛ إنى قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرنى الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرنى على هذا الأمر [على] (٢) أن يكون أخى؟ فأحجم القوم، فقلت - وأنا أحدثهم سنا/ -: أنا يا نبى الله. فقام القوم يضحكون. ويروى: أن النبى ﷺ قال: يا بنى عبد مناف، إنى بعثت إليكم خاصة وإلى الناس عامة، فأيّكم يبايعنى على أن يكون أخى؟ قال علىّ فقلت: أنا. فقال: اجلس. ولما كان آخر ذلك ضرب بيده على يدى (٣).

стр. 214

ويروى: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١) قام رسول الله ﷺ فقال: يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله، لا أغنى عنكم من الله شيئا، يا بنى عبد مناف لا أغنى عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغنى عنك من الله شيئا، يا صفيّة عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد سلينى ما شئت لا أغنى عنك من الله شيئا (٢). ويروى: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دعا النبى ﷺ قريشا فاجتمعوا، فعمّم وخصّص فقال: يا بنى كعب بن لؤى، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى مرّة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة، أنقذى نفسك من النار؛ فإنى لا أملك لكم من الله شيئا، غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها (٣). ويروى: ولما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ انطلق رسول الله ﷺ إلى رضمة من جبل، فعلا أعلاها حجرا، ثم نادى: يا بنى عبد مناف، إنى نذير، وإنما مثلى ومثلكم كمثل رجل

стр. 215

رأى العدوّ فانطلق يرنو (١) أهله، فخشى أن يسبقوه فهتف يا صباحاه. ويروى: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال النبىّ ﷺ : يا صفيّة عمة رسول الله ﷺ يا فاطمة بنت محمد، يا بنى عبد المطلب؛ لا أملك لكم من الله شيئا، سلونى من مالى ما شئتم (٢). وفى رواية: يا فاطمة ابنة رسول الله ﷺ اشترى نفسك من الله؛ فإنى لا أملك لك من الله شيئا، يا صفية ابنة عبد المطلب، يا صفية عمة رسول الله ﷺ اشترى نفسك من النار فإنى لا أملك لك من الله شيئا. ويروى: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ اشتد الأمر على النبىّ ﷺ وضاق به ذرعا، ومكث شهرا أو نحوه فى بيته حتى قلن عمّاته: إنه لشاك. فدخلن عليه عائدات فقال لهن: ما اشتكيت شيئا. ولكن الله/أمرنى أن أنذر عشيرتى الأقربين، فأردت جمع بنى عبد المطلب فأدعوهم إلى الله. فقلن: فادعهم ولا تجعل عبد العزّى فيهم - يعنون أبا لهب - فإنه غير مجيبك إلى ما تدعوه (٣). وخرجن وهن يقلن: إنما نحن نساء.
следующие страницы →