ومحمد بن محمد بن أحمد بن على بن جن البئر الأنصارى، غريقا فى البحر المالح ببلاد اليمن (١).
والقائد مبارك بن وهّاس بن على بن يوسف اليوسفى (٢).
وأبو الفضل محمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن قاسم الحرازى، بكلبرجة من بلاد الهند، ووصل خبره مكة فى سنة أربع عشرة (٣).
***
«سنة إحدى عشرة وثمانمائة»
فيها - فى المحرم - ندب السيد حسن القائد سعد الدين جبروه (٤) إلى مصر بهدية طائلة؛ ليسعى له فى أن يكون ولده السيد أحمد شريكا لأخيه بركات، فأجيب إلى ذلك، وولى السيد حسن نيابة السلطنة للأقطار الحجازية فى العشر الأوسط من ربيع الأول، ووصل سعيد جبروه إلى مكة بغتة فى النصف الثانى من ربيع الآخر،
стр. 1647
ووصل معه خلعة للسيد حسن، وخلعتان لولديه، وكتاب من السلطان يشهد بولايتهم لما ذكر، وصار يدعى للسيد حسن ولولديه فى الخطبة بمكة وعلى زمزم.
وكان أمير المدينة نابت بن نعير بن منصور قد مات، فأرسل السيد حسن بن عجلان إلى الشريف عجلان بن نعير بن منصور - بالمدينة - فاستدعاه إلى مكة، وفوّض إليه إمرة المدينة فى آخر ربيع الآخر، فثار بالمدينة الشريف جمّاز بن هبة، فكتب إليه السيد حسن يقول: اخرج [بسلام] (١) وإلا فأنا قاصدك. فأظهر جمّاز الطاعة، ثم إن جمّازا أرسل إلى الخدّام بالمسجد النبوى يستدعيهم؛ فامتنعوا، فأتى المسجد وأخذ ستارتى (٢) باب الحجرة النبوية، وطلب من الطواشية خدّام المسجد/المصالحة عن حاصل القبة بتسعة آلاف درهم؛ فأبوا ذلك، فطلب مفاتيح الحاصل من قاضى المدينة زين الدين بن أبى بكر بن الحسين المراغى، فمانعه، فأهانه وأخذها منه، وأتى إلى القبّة، وضرب شيخ الخدام بيده ألقاه على الأرض، وكسر الأقفال ودخلها ومعه جماعة، فأخذ ما هناك.
فمن ذلك: إحدى عشرة حوائج خاناة، وصندوقان كبيران، وصندوق صغير فيها (٣) ذهب من ودائع ملوك العراق وغيرهم.
стр. 1648
وأخرج خمسة آلاف شقة بطاين معدة لأكفان الموتى، فنقل ذلك كله. وهم أحد بنى عمه بأخذ قناديل الحجرة الشريفة، فمنعه، وأخذ آخر بسط الروضة الشريفة؛ فأمره جمّاز بردها، وصادر بعض الخدام، ثم خرج من الغد حادى عشره راحلا. فقصد العرب المجتمعة الرجوع فرماهم الناس بالحجارة.
وجهز السيد حسن إلى المدينة الشريفة عسكرا مع ابنه السيد أحمد بن حسن على طريق الجادة، والسيد عجلان بن نعير من مكة إلى المدينة على طريق الشرق؛ ليضمّ إليه جماعة ويسير بهم إلى المدينة، فدخلها عجلان فى تاسع عشر جمادى الأولى ومعه آل منصور - بعد خروج جمّاز بن هبة منها بأيام - فنودى بالأمان. ومن الغد قدم العسكر من مكة مع السيد أحمد بن حسن، وهم مائتان وستون ما بين فارس وراجل، واثنان وعشرون مملوكا، وصحبتهم رضىّ الدين أبو حامد محمد ابن عبد الرحمن المطرى (١) متوليا لقضاء المدينة الشريفة من قبل السلطان، قدم من القاهرة بولايته؛ فقرئ توقيعه بعد توقيع السيد حسن ابن عجلان، وتضمن استقراره فى سلطنة المدينة وينبع وخليص والصّفراء وأعمالها، وقرئ بعده مرسوم آخر/باستقرار الشريف نابت وتسليمه المدينة، وإيقاع الحوطة على الشريف جمّاز، وما تحت يده من ناطق وصامت. وقرئ توقيع من جهة الشريف باستنابته الشريف عجلان ابن نعير على المدينة. ثم تبع طائفة من العسكر جمّاز بن هبة فلم يدركوه، فتوجه العسكر بعد أيام من المدينة عائدا إلى مكة (٢).
стр. 1649
ووصل السّيد عجلان بأثر قدومه إلى المدينة توقيع من صاحب مصر بإمرة المدينة عوض أخيه نابت، بحكم [وفاته] (١) وأنه شرط رضاء السيد حسن بن عجلان بذلك. ولما دخل السيد عجلان إلى المدينة صار الخطيب بها يدعو للسيد حسن على المنبر فى الخطبة قبل عجلان وبعد السلطان، واستمر له الدعاء فى الخطبة وبعد المغرب على سدة المؤذنين إلى أن زالت ولاية عجلان فى النصف الثانى من القعدة فى السنة بعد هذه (٢).
وفيها نزل السيد حسن بعرفة مدّة ثم مضى إلى جهة اليمن، وبلغ مكانا يقال له البديح (٣).
وفيها - فى آخرها - أخذ السيد حسن من العفيف عبد الله بن أحمد الهبّىّ خمسة آلاف مثقال - على ما قيل - عوضا عن بيت شعر بعثه لصاحب اليمن لما طلب ذلك منه صاحب اليمن وما كان عوّضه عن ذلك (٤).
وفيها عمّر السيد حسن دورا عدّة فى المكان المعروف بدار عيسى، على يد جابر الحراشى، وكانت قبل عمارتها براحا متسعا مملوءا بالأوساخ حتى صار كالمزبلة (٥).
стр. 1650
وفيها حج بالناس من القاهرة أحمد بن الأمير جمال الدين الأستادار، وغرم جمال الدين على حجة ولده هذه أربعين ألف دينار وزيادة (١).
وفيها - فى الموسم - أبطل الناصر فرج صلاة المالكى والحنبلى والحنفى فى صلاة المغرب، لأنهم كانوا يصلّونها فى وقت واحد، وبسبب اجتماعهم فى هذه الصلاة يحصل للمكيين لبس كثير بسبب التباس أصوات المبلغين واختلاف حركات المصلين؛ وهذا الفعل ضلال فى الدين. وصار الشافعى/يصلى بمفرده بالناس المغرب، واستمر إلى موسم سنة ست عشرة (٢).
وفيها - أو فى أول التى بعدها - جدّد العقد الذى بالمروة بعد سقوطه.
وفيها حج العراقيون (٣).
وفيها مات حسين بن أحمد السّراوىّ العجمى، فى ثانى جمادى الآخرة، وكان أوصى فى مرضه ببعض قربات منها عمارة عين مكة بعشرة آلاف درهم، وعمارة الميضأة الصّرغتمشيّة بخمسة آلاف درهم، ونفذت وصيته بعد ذلك (٤).
стр. 1651
وفيها مات جدى لأبى نجم الدين محمد بن أبى الخير محمد بن فهد الهاشمى، فى يوم الاثنين ثانى عشر ربيع الأول (١).
وأبو الخير محمد بن حسن بن الزين محمد بن محمد بن القطب القسطلانى، فى ربيع الأول (٢).
وفاطمة بنت أحمد بن رميثة بن أبى نمى، فى ربيع الأول - ظنا غالبا (٣).
ونور الدين على بن أحمد بن شرف العقيلى، فى ليلة السبت مستهل جمادى الأولى (٤).
والتاج أحمد بن على بن إسماعيل بن إبراهيم بن الظريّف، فى يوم الجمعة خامس عشرى رحب (٥).
стр. 1652
ومحمد بن أحمد بن محمد القزوينى الصوفى، فى ثانى عشر شعبان (١).
والشيخ الصالح المبارك الخير محمد القدسى، الساكن برباط الخوزى، فى يوم الجمعة ثامن عشر القعدة (٢).
وعبد العزيز بن دانيال بن عبد العزيز بن على بن عثمان الأصبهانى، فى عشرى القعدة (٣).
والقاضى رضى الدين أبو حامد محمد بن عبد الرحمن بن الجمال المطرى، فى ليلة الخميس سادس عشر الحجة، وصلى عليه من الغد بعد صلاة الصبح (٤).
وجسار بن قاسم بن .... (٥) بن أبى نمى الحسنى المكى، فى سادس عشر الحجة.
***
стр. 1653
«سنة اثنتى عشرة وثمانمائة»
فيها وصل الخبر إلى مكة بأن صاحب اليمن أمر بحبس الجلاب عن مكة؛ غضبا على السيد حسن، بسبب ما أخذ من سفيره العفيف عبد الله الهبّى. فشقّ ذلك على السيد حسن، فأغراه الحراشى بغزو اليمن، وقال له: أنا أقوم بجهازك، وأجمع لك الرجال من اليمن. فتحرّك/ لذلك، ثم أشير عليه بالملاطفة فمال إليها، وبعث الشبيكى (١) إلى اليمن رسولا يعتذر ويلتزم عنه بما يطيب الخاطر وهدية للتّرك، فقبل ذلك السلطان؛ وأذن للناس فى السفر، فقدموا ولكن دون العادة.
وفيها - فى أثناء العشر الأوسط من شعبان قبيل نصفه - وصل توقيع وخلعة للقاضى جمال الدين بن ظهيرة بولايته للقضاء والخطابة والحسبة؛ فباشر ذلك (٢). واستناب قريبه القاضى أبا البركات، فلما كان فى الموسم حصل بين القاضى جمال الدين والقاضى أبى البركات كدر؛ لأن أبا المكارم بن أبى البركات سعى لنفسه فى النيابة عن القاضى جمال الدين بن ظهيرة فى جميع وظائفه، ولأبيه فى نيابة الحكم ونظر الأوقاف بمكة، وتخيّل القاضى أبو البركات أن القاضى جمال الدين لا يعينه على قصده، فنافره وانقطع عنه، ولكنه باشر الحكم والحسبة (٣).
стр. 1654
وفيها - فى شعبان - وصل للسيد حسن خلعة من صاحب مصر فلبسها (١).
وفيها توجه جابر بن عبد الله الحراشى إلى مصر، ووشى بالسيد حسن إلى الناصر صاحب مصر مع من وشى به، وكان ممن بالغ فى ذلك؛ لكونه يعرف حاله لخدمته (٢).
وكان على بن مبارك بن رميثة بالقاهرة يؤمل إمرة مكة، وقوى رجاؤه بها لما انحرف الناصر وتغير على السيد حسن ورسم بالقبض عليه وعلى ولديه، والاحتفاظ بهم، وأسرّ ذلك إلى أمير الحاج المصرى الأمير بيسق؛ فاستعد بيسق لحرب السيد حسن، وحصل مدافع وسلاحا كثيرا، وأشير على السلطان بأن يكون علىّ بن مبارك مع بيسق فيما ندب إليه؛ ليتألف له بنى حسن لئلا (٣) ينفروا منه، وأن يبعث على بن مبارك إلى الإسكندرية ليعتقل بها، فإذا خرج الحاج من مصر إلى مكة طلب علىّ وجهز إلى مكة؛ بحيث يدرك أمير الحاج قبل وصوله إلى مكة. فإذا بلغ السيد حسن أن علىّ بن مبارك اعتقل بالإسكندرية لا ينفر من الأمير/بيسق، وتتم المكيدة (٤).
وسار الحاج إلى ينبع، فلما وصل أمير الحاج إلى ينبع أعلن للناس بها أن صاحب مكة معزول، وأنه يريد محاربته.
стр. 1655
ثم بعد سفر الحاج من مصر سعى عند السلطان فى تقرير السيد حسن وولديه فى ولايتهم، على أن يخدمه السيد حسن بما يليق بمقامه؛ فأجاب إلى ذلك، وبعث إليه بالعهد والخلع مع خادمه الخاص فيروز الساقى، وكتب إلى أمير الحاج بالكفّ عن محاربتهم.
وبلغ السيد حسن بن عجلان فى عاشر القعدة عزله وعزل ولديه؛ فاستعد للحرب، وجمع كثيرا من الخيل والرجال، وما انقضى شهر القعدة إلا وعنده ستمائة فرس وأكثر من ستة آلاف نفر، منهم أربعة آلاف من الأعراب غير بنى حسن والمولدين والعبيد. وتوقع الناس بمكة - لأجل ذلك - فتنة عظيمة؛ فضاقت منهم لذلك الخواطر، حتى كادت النفوس تبلغ الحناجر.
فبينما هم فى كرب أتاهم من اللطف ما لم يخطر لهم ببال؛ وذلك أنه وصل من أخبر بأن صاحب مصر الناصر قد أعاد السيد حسنا وولديه إلى ولايتهم، وبعث إليه بالخلع والعهد مع خادمه فيروز الساقى، وبعد ذلك - بيوم أو يومين - وصل فيروز بما معه من العهد والخلع إلى مكة، وألبس صاحبها وولديه الخلع السلطانية، وقرئ عهدهم بعودهم لولايتهم، وتاريخ التوقيع فى ثانى عشر القعدة، وسعى عند السيد حسن فى عدم مؤاخذة أمير الحاج وتطمينه، ودخوله مكة والعفو عنه؛ فأجاب السيد حسن إلى ذلك، على أن يسلّم أمير الحاج ما معه من السلاح؛ فأجاب إلى ذلك أمير الحاج، على أن يعاد إليه سلاحه عند سفره؛ فأمضى له شرطه، فسلّم ذلك ودخل مكة، وحضر عند السيد حسن بمنزله بأجياد؛ فأحسن ملاقاته،
стр. 1656
وخرج من عنده، وانقبض كل منهما عن الاجتماع بالآخر إلى أن انقضت/أيام الحج.
ولم يحج السيد حسن فى هذه السنة ولا غالب عسكره، وحجّ ناس قليل من أهل مكة خائفين، فأصاب الحاج فى توجههم إلى عرفة، وفى ليلة النحر بمنى قتل ونهب، وذهب للناس أموال كثيرة، وعقرت جمال كثيرة عند مأزمى عرفة. والفاعل لذلك جماعة من غوغاء العرب، ولولا كفّ السيد حسن أصحابه عن إيذاء الحجيج لكثر عليهم العويل والضجيج.
ووقف الناس بعرفة يومين؛ لاختلاف وقع فى تاريخ أول الشهر، وأوقفت المحامل فى اليوم الأول يوم التروية - على مقتضى رؤية أهل مكة - بعرفة على العادة، ونفروا بها وقت النفر الأول المعتاد إلى قرب العلمين، ثم ردّت إلى مواضعها.
وتوجّه أمير الحاج بالحجاج بعد انقضاء أيام التشريق - بعد أخذه سلاحه - وتأخر فيروز عن الحاج بمكة لقبض ما التزم به السيد حسن من الخدمة، وذلك ألف زكيبة للسلطان غير ما لفيروز، ومضى فيروز بعد أيام إلى جدة؛ فشحنت الزكائب بحضوره، ووصلت سالمة إلى الطور، ثم إلى مصر، وبيعت بخمسين ألف مثقال - (١) فيما يقال.
стр. 1657
ووقفت على أرجوزة بخط خالى الفقيه محيى الدين يحيى بن عبد الرحمن بن أبى الخير محمد بن فهد الهاشمى (١) من نظمه، تتضمن هذه القضية، وفيها زيادة ونقصان، فنذكرها لما فيها من الفائدة، وهى:
الحمد لله مجلى الكرب … ببعثة الهادى النبى العربى
محمد المختار ثم المجتبى … حباه ربنا بأنواع الحبى
وبعد يا صاح فاستمع لما … أقوله صدقا ولا تصمّما
لقد جرى فى سنة اثنى عشر … من الخباط ما نفى عنا الكرا
واختبط الحجاز طرا وغدا … موسمنا مشتتا منكدا
ما ذاك إلا من أمير الحاج … بيسقهم خليفة الحجّاج
فقام من مصر وأبدى ورقه … مضمونها يا صاح زور نمّقه
بأن سلطان الحجاز حسنا … يطلب منه النصر يبغى اليمن
وأطلع الترك على ما ظهرا … وفى الفؤاد سرّه وأضمرا
فحملوا الأمر على ما ذكره … ولم يكونوا علموا صوره
وجهز الرايات والنّشّاب … حمّلها الجمال والركاب
ولم يكن معهم سوى خمسينا … من الخيول بعدها عشرون
وتركهم يا صاح بعد شده … ثلاثة من المئين عده
وسار (٢) حتى قد أتى لينبع … فاصغ لما قد قلته واسمع وع
стр. 1658
أقام فيها خمسة الأيام … ولم يكن إذن من الإمام
وأمر المنادى أن ينادى … اسمعوا يا معشر العباد
فإن مكة أميرها على … أمره السلطان فيها أن يلى
فاختبط الحاج جميعا وعبّوا … قماشهم فى ينبع أيضا خبوا
وقالت الأتراك للأمير … ماذى الفعال كان بالفقير
لو قلت هذا القول فى مصر لقد … كان لنا مأوى نداه فى مدد
فلم نسافر نطلب القتالا … ولم نحج لنهلك العيالا
وكلها دسائس الحراشى (١) … وفعله مازال فيه (٢) ماشى
فسار فى الركب إلى الجحفة وقام … وهم بالهروب والناس نيام
وليس يدرى الناس أين سارا … وأى عرب قد أتاهم جارا
حتى أتى الشريف من قد أخبرا … عن المنادى وبكل ما جرى
فجمّع الجموع والخيولا … من كل فج قد أتوا سيولا
ما طبق الأرض وسدّ الأفقا … وملأ السهل وعم الطرقا
وعدة الخيل التى قد جمعا … ثلاثة من المئين إذ دعا
وبعدها ستون من سوى التى … لم تأت من موسى ومن كنانة
فخيل نفسه ثلاثون جواد … ومائة يا صاح كلها جياد
وعدة الرجال من الأصناف … اثنان مع ثلاثة الآلاف
منهم قريش وكذا الجحادلة … كذا بنو بيشة (٣) معهم صاهلة
стр. 1659
أما هذيل صرخهم (١) يا صاح … ألف مكملون بالسلاح
كذا بنو خالد مع سواده … وغيرهم من عرب العاده
أما مطير مع عدوان فقد … جاءوا كمثل السيل يرمى بالزبد
كذا خزاعة ولحيان أتوا … يبغون قوما قد طغوا وقد عتوا
لو قيل روس الحاج تهدى للعرب … فلم يكن لراكبيهم (٢) من هرب
لكن حلم الطالبى قد غلب … على الشريف والفقيه والعرب
ولم يزالوا كل يوم فى رعب … حتى أتى اللطف وزال الكرب
ثم أتى الحجاج وادى الجحفة … ونزلوا فيها بكل رجفة
فجاءهم فيروز بالأمان/ … من الإمام الناصر السلطان
يخبرهم أن البلاد لحسن … وضده فى الحبس متروك زمن
وجاءه من الخلعة والمرسوم … وردّ فعل الظالم الغشوم
والناس فى خوف إلى يوم الهلال … ويوم ثانى جاءهم ابن الحلال
يخبرهم بالخير والسلامه … مما تخافون ولكم كرامه
وكان فى ثالث من ذى الحجة … والناس فى العشا أقامت هجة
فقيل بيسق أتى على الدروب … فشدت الخيل وسيقت للحروب
وذهبوا المعلاة يبغون القتال … وكانت الخلق جميعا فى مجال
فوجدوا فيروز جاء فى رجيف … فأركبوه ثمّ من خيل الشريف
стр. 1660
قد أخذت ركابهم وسلبوا … ثيابهم وغنموا ونهبوا
وقتلت هذيل منهم واحد … ودخل الأتراك كلّ شارد
فى ذلة منكسرين الجانب … وذاك رأى لم يكن بالصائب
فردّ ما كان عنهم قد ذهب … وزال عنهم كل هم ونصب
وعصر ثالث أتوا للعمرة … وقلب كلّ قد كوى بجمرة
وقام فيروز يريد صلحا … بين الأميرين وكان نجحا
فقال بدر الدين من معى فقد … جاء بظلم وبرأسه برد
فلا يقيم بيسق بذى البلد … إلا بتسليم السلاح والعدد
فاتفقوا وأرسلوا القصادا … بكتب قد حوت المرادا
فسلم الرايات والذى معه … ثمان أحمال أتت مجمّعه
ودخل الحجاج عصر الرابع … ما بين عطشان وبين جائع
واجتمع الحجاج يوم الخامس … ولم يواسوا أحدا بدارس
ولم يزل أميرهم فى خوف … طول الثمان نادما فى حيف
وطاف بالسلاح والترك معه … قلوبهم من خوفهم منقطعه
حتى أتى الثامن نادى الندا/ … ألا يحج أحد فليدر ذا
إنى نصيح لكم هاذى الأمم … فلم يحج عرب ولا عجم
إلا قليل طلبوا الحج فلم … يمنعهم فنهبوا وما ظلم
وحج من أم القرى خمسون … أو نحوها وكلهم يمشون
لذلك الخلق جميعا خلفوا … فى مكة فحزنوا وحلفوا
بأن هذا لم يكن جرى لنا … نحن ولا أبائنا من قبلنا
والعيد صلوه بمكة وما … قط جرى نظير هذا فاعلما
стр. 1661
وكان يوم النحر قامت ضجه … فألبسوا وخرجوا للهجه
فوجدوا ما قيل كله كذب … ورجعوا بالأمن كل منقلب
وذاك من سعد شريفنا حسن … ابن النبى والوصى والحسن
الأسد الضرغام والليث الهزبر … الفارس الكرار والنقع الممر
العاقر الكوم لكل ضيف … وقاصد الأعدا لكل حيف
عون اليتامى كف أهل الفقر … ودافع الأسوا وكل الضير
من جمّل الله به البلاد … وأمن البارى به العباد
وخصه منه بحلم وكرم … مشتهرا كالنار فى رأس علم
وفضله وجوده لم ينقطع … وعطفه على العدا لم يندفع
أعطاه ربى كل ما قد طلبا … وزاده من فضله ووهبا
ما دامت الأرض مع السما … ومالت الأغصان دوما بالهوا
ثم الصلاة والسلام أبدا … على النبى الهاشمى أحمدا
وآله وصحبه والعترة ما … غنى حمام وشدا ترنما
والحمد لله على أن كملت … بعرف مسك ريحها وختمت (١)
وفيها وصل أمير الحاج الشامى بأمير المدينة عجلان بن نعير محتفظا به، وسلّمه لأمير الركب المصرى بيسق، فاحتفظ به/، وكاد أن يهرب (٢)، ثم فطن له فاحتفظ به أكثر من الاحتفاظ الأول، ثم أطلق بإشارة صاحب مكة.
стр. 1662
وفيها قدم جابر الحراشى من مصر مع الحاج فلما علم رضاء الناصر على السيد حسن استوطن ينبع ولايم ولاتها، وبنى لهم بها قلعة وسورا، واكتسب مالا (١).
وفيها حج ركب العراقيين (٢).
وفيها - فى أوائلها - استناب القاضى عز الدين النويرى فى الحكم ابن عم أبيه أحمد بن على النويرى المالكى (٣).
وفيها عمّر الخواجا بركوت المكين داره بمكة المشرفة (٤).
وفيها مات محمد بن موسى بن الزكى العطار، فى ليلة الجمعة ثانى عشر المحرم (٥).
والشريف أحمد بن ثقبة بن رميثة بن أبى نمى الحسنى، فى آخر المحرم (٦).
وعلى بن عبد اللطيف بن على بن سالم الزبيدى، فى ربيع الأول (٧).
стр. 1663
وأحمد بن محمد بن ناصر بن على الكنانى، فى رمضان (١).
وأحمد بن سليمان بن أحمد التروجى، فى رابع شوال (٢).
ومحمد بن أبى بكر السبيعى المقدسى المحلى، فى يوم الخميس ثامن عشر الحجة (٣).
وأبو بكر [بن] عبد الله بن ظهيرة (٤).
ومحمد بن عبد المهدى بن على بن جعفر المكى، ببلاد اليمن، ووصل الخبر بوفاته إلى مكة فى جمادى الآخرة أو رجب (٥).
والشريفة ريّا بنت سعد بن محمد المجاش، فى ذى الحجة (٦).
والشريفة نصيرة بنت مبارك بن رميثة بن أبى نمى، فى آخر السنة بعد الحج (٧).
***
стр. 1664
«سنة ثلاث عشرة وثمانمائة»
فيها - فى العشرين من ربيع الآخر - وصل للقاضى عز الدين توقيع وخلعة بولايته للقضاء والخطبة، وقرئ توقيعه بذلك يوم الجمعة، فخطب بالناس. وكان القاضى جمال الدين قد عمّر منبر الخطبة ليخطب عليه يوم الجمعة المذكور، فخطب عليه القاضى عز الدين؛ فتعجب الناس من هذا الاتفاق الغريب. واستناب فى الحكم ابن عمه أحمد بن على النويرى (١).
واستمر القاضى عز الدين مباشرا للوظائف إلى أوائل ذى الحجة، فوصل للقاضى/جمال الدين عهد لولايته بالوظائف المذكورة، وكتب بدمشق ووصل مع بعض الحجاج منها، واستمر القاضى جمال الدين مباشرا، ولم يستنب قريبه القاضى أبا البركات لوحشة بينهما (٢).
وفيها - فى ربيع الآخر - وصل إلى السيد حسن تشريف من صاحب مصر؛ فلبسه فى العشرين من الشهر المذكور. وكان جهّز إليه مع نجابه أحمد بن خليل بن حسن (٣) الأنصارى المكى المعروف والده بالفراء، فقتل فى الطريق فيما بين العقبة وينبع فى ليلة سابع ربيع الآخر، ووصل إليه ذلك مع رفقته.
стр. 1665
وفيها وصل ياقوت الحبشى - خادم السلطان غياث الدين أبى المظفر أعظم شاه بن إسكندر شاه صاحب بنجالة من بلاد الهند - بصدقات طائلة من مولاه لأهل مكة، ففرقها عليهم، وانتفع الناس بها، وعم بذلك النفع. ووصل أيضا بخلع لقضاة الشرع وأئمته، وشيخ الحجبة وزمزم، وبعث مع مخدومه هدية طائلة للسيد حسن، وكذلك من وزيره خان (١) جهان، وكتابا من مخدومه للسيد حسن بأن يعين رسوله ياقوتا الغياثى فيما ندبه له من عمارة مدرسة بمكة، وشراء أوقاف لها؛ فباع السيد حسن من ياقوت دارين متلاصقين مجاورتين للمسجد الحرام، فهدمهما ياقوت وجعلهما مدرسة. وابتدأ فى عمارتها فى رمضان، ولم تنقض هذه السنة حتى فرغ من عمارتها سفلها (٢) وغالب علوها، وباع السيد حسن من ياقوت أصيلتين بالركانى، إحداهما تعرف بسلمة والأخرى بالحلى (٣)، وأربع وجاب من قرار عين ضيعة الركانى، ثنتان منها يعرفان بحسين بن منصور ليله ونهاره، وثنتان يعرفان بحسين بن يحيى ليله ونهاره. وما رضى السيد حسن فى الدارين وفى الأصيلتين والأربع وجاب إلا باثنى عشر ألف مثقال؛ فسلم ياقوت للسيد حسن/شاشات عوضا عن ذلك؛ لأنه
стр. 1666
لم يعذره. وأخذ السيد حسن من ياقوت أيضا ما كان معه لعمارة عين عرفة على أن يتولّى ذلك هو. وكان السلطان غياث الدين ندب حاجى إقبال مولى وزيره خان جهان بصدقة لأهل المدينة، وهدية لأميرها جمّاز - فإنه لم يكن سمع بعزله ولا موته - وعمارة مدرسة له بالمدينة، وشراء وقف له بالمدينة أيضا؛ فاتفق أن المركب الذى فيه ما بعث به السلطان لأجل ذلك انصلح فى بعض مراسى الشقان، فأخذ السيد حسن ربعه مع ما كان لجماز. ويقال إن الذى أخذه السيد حسن من إقبال وياقوت يساوى ثلاثين ألف مثقال.
وفيها - فى النصف الثانى - عمّر الشهاب بركوت المكين إحدى البركتين المتلاصقتين؛ إحداهما بلصق سور باب المعلاة ببستان الصارم (١) وكانتا معطلتين، وملئت البركة من عين بازان بعد جريانها من هذه السنة إلى سنة سبع عشرة، وكان الشهاب بركوت يتفقد العين المعروفة بعين بازان ويصلحها (٢).
وفيها لم يحج أحد من العراق؛ لأن فيها - على ما يقال - قتل صاحب بغداد أحمد بن أويس، واستولى على بغداد التركمانى (٣)، ودام انقطاع الحجاج بمحمل بغداد سنين بعد هذه (٤).
стр. 1667
وحج صاحب كلوة (١) المنصور حسن بن المؤيد سليمان، وأحسن إلى أعيان أهل الحرم، وزار النبى ﷺ بعد الحج (٢).
ولم ينفر الحاج من منى إلا بعد الزوال من اليوم الرابع عشر من ذى الحجة؛ لرغبة التجار فى ذلك، فازدادوا فى الإقامة يوما ملفقا.
وكانت الوقفة يوم الجمعة (٣).
وكان أمير الحاج الشامى تنكزبغا الحططىّ (٤).
وفيها بعد الحج قبض السيد حسن ما كان للقاضى وجيه الدين [عبد الرحمن بن جميع] (٥) لدى سفرائه من الأموال، واستقصى فى ذلك. ويقال إن بعض غلمانه من المولدين هموا فيه بسوء؛ لكونه لم يسمح لهم ولا لغيرهم بشيء من ذلك، فما/تمكنوا منه لتيقظه لهم، فإن خبرهم بلغه من بعض من كان حالفهم عليه (٦) من القواد، وأحسن لمن أعلمه بذلك ولغيره من القواد، وأعرض عن المولدين ونفر منهم؛ فبانوا عنه، ولايموا القوّاد مدة أشهر. وما كل المولدين بان عنه، وإنما بان منهم المسيء فى حقه، وبعث إلى صاحب اليمن يخبره
стр. 1668
بما أخذه، ويذكر أن سبب ما وقع من ابن جميع من استيلائه على ما كان بيد سفير شكر مولاه من المال لشكر، وكان ابن جميع تعرّض لسفير شكر لما بلغه ما أخذ بمكة من خاله العفيف بن عبد الله الهبّى، وبعث مع كتابه بكتاب وصل إليه من مصر من صاحبها الناصر يتضمن ذم ابن جميع، وأمر صاحب اليمن بالقبض عليه، وتخليص حقوق الناس منه، وإرساله إلى مصر معتقلا.
وفيها - فى ليلة الجمعة تاسع صفر - طعن الإمام أبو الخير محمد بن أبى اليمن محمد بن أحمد بن الرضى الطبرى ليلا [طعنه أحد العسس] (١) وهو لا يشعر به؛ لظنه حراميا؛ فمات لوقته.
وسلم السيد حسن ديته من عنده إلى ورثته فى ربيع الآخر؛ لأن بعض مماليكه اتّهم بذلك.
وفيها مات إمام الحنفية شمس الدين محمد بن محمود المعيد، فى سلخ جمادى الأولى، وولى الإمامة بعده ولده أحمد (٢).
وفيها مات الفقيه على بن مسعود بن على بن عبد المعطى، فى ليلة الأربعاء تاسع المحرم (٣).
стр. 1669
وعيسى بن أحمد بن عيسى الهاشمى العجلونى، فى آخر صفر (١).
ومحمد بن القاضى أمين الدين محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن الشماع، فى أحد الربيعين (٢).
وعمر بن أحمد الحداد التعزى، فى آخر رجب (٣).
وفيها - بعد الحج، أو فى المحرم من التى بعدها - مات يعقوب ابن إبراهيم المعروف بأبى الحمد (٤).
***
«سنة أربع عشرة وثمانمائة»
فيها - فى المحرم - أوقف ياقوت الغياثى المدرسة البنجالية - التى أنشأ غالبها فى السنة الماضية - على الفقهاء/المقلدين للمذاهب الأربعة، وجعل مدرسيها القضاة الأربعة: الشافعىّ القاضى جمال
стр. 1670
الدين محمد بن عبد الله بن ظهيرة، والحنفى القاضى شهاب الدين أحمد بن الضياء، والمالكى تقى الدين محمد بن أحمد الحسنى الفاسى، والحنبلى سراج الدين عبد اللطيف بن أبى الفتح محمد بن أحمد الحسنى الفاسى، وأوقف عليها المنزلتين (١) اللتين اشتراهما من السيد حسن بن عجلان بالركانى من وادى مرّ، والأربع الوجاب من قرار عين هذه الضيعة. وجعل ذلك خمسة أقسام [قسم] (٢) للمدرسين الأربعة بالسوية [بينهم] (٣)، وثلاثة أقسام للطلبة، وهم ستون نفرا: عشرون من الشافعية، وعشرون من الحنفية، وعشرة من المالكية، وعشرة من الحنابلة بالسوية بينهم، والقسم الخامس يقسم أثلاثا: قسمان لسكان المدرسة وهم عشرة رجال، وقسم لمصالحها من العمارة والزيت والمياه وغير ذلك. وأوقف أيضا على مصالح المدرسة دارا مقابلة (٤) اشتراها بخمسمائة مثقال، وعمرها فى هذه السنة. ثم فى جمادى الأولى كملت عمارة المدرسة المذكورة وابتدئ فيها بالتدريس (٤).
وفيها سعى أبو المكارم محمد بن أبى البركات محمد بن أبى السعود بن ظهيرة القرشى لوالده فى وظيفة القضاء بمكة وغيرها من
стр. 1671
الوظائف عوضا عن القاضى جمال الدين بن ظهيرة؛ فأجيب سؤاله، وكتب له به توقيع، ثم أعيد القاضى جمال الدين. وكان أبو المكارم قد أرسل لأبيه بالتوقيع وعرفه بعود القاضى جمال الدين، فوصل المرسوم فى ربيع الآخر، فذكر ذلك القاضى أبو البركات للناس، ولم يباشر الأحكام تورّعا منه (١).
وفيها مرض السيد حسن بن عجلان مرضا شديدا خيف عليه منه، فرأى النبى ﷺ فى النوم، ومسح بيده الشريفة عليه، وأمره بالصدقة، فشفى بأثر ذلك، وتصدّق بصدقة جيدة قيل إنها عشرة آلاف درهم (٢).
وفيها فى العشر الأوسط من شهر رمضان أصلح فى الكعبة الشريفة مواضع فى سطحها كان يكثر وكف/المطر منها إلى سفلها. منها موضع عند الطابق الذى على الدرجة التى يصعد منها إلى سطحها، ومنها موضع عند الميزاب، وكان الفتح الذى فى هذا الموضع متسعا مضرا؛ يصل الماء منه إلى الجدار الشامى من الكعبة لقربه منها، وينزل الماء منه فى وسط الجدار؛ وذلك بعد قلع اللوح الذى فوقه يستر مجرى الماء، وأعيد اللوح كما كان. وموضع بقرب بعض الروازن التى بالضوء، وكان إصلاح المواضع المذكورة بالجبس بعد قلع الرخام الذى هناك، وأعيد فى موضعه، وأبدلت [الأخشاب
стр. 1672
المطبقة بأعلى الروازن التى عليها] (١) البناء المرتفع فى سطح البيت، وكانت قد تخربت، فعوضت بخشب سوى ذلك، وأعيد البناء الذى كان عليها كما كان، إلا أن الروزن الذى يلى باب الكعبة فإن خشبه لم يغير، وكان الروزن الذى يلى الركن الغربى قد تخرب بعض الخشب الذى فى جوفه مما يلى السقف والكسوة التى فى جوف الكعبة، وكانت الكسوة التى تليه قد زال تشبكها فشمرت، وكان الروزن الذى يلى الركن اليمانى منكسرا، فخلع وعوّض بروزن جيد، وجد فى أسفل الكعبة، وأصلح فى الدرجة أخشاب متكسرة. وكان إصلاح ذلك عقيب مطر عظيم حصل بمكة فى أوائل هذا العشر، وصار يخرج من جوف الكعبة إلى الطواف كأفواه القرب (١).
وفيها بعث الشريف حسن بن عجلان فتاه مفتاحا الزفتاوى إلى الناصر فرج صاحب مصر، فعاد بخير (٢).
وفيها وصل كتاب السيد حسن بن عجلان إلى صاحب اليمن الملك الناصر من جهة ابن جميع، فشقّ ذلك على صاحب اليمن،
стр. 1673
وأعرض عن الكتابة إلى صاحب مكة، ثم تلطّف به فكتب له كتابا، وأرسله صحبة القاضى شرف الدين إسماعيل بن المقرى، فوصل به إلى السيد حسن - وهو فى جهة اليمن - فى آخر رمضان أو فى شوال.
وصفة الكتاب: -
بسم الله الرحمن الرحيم/وصلى الله على النبى ﷺ ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ (١) نحن لا نقول إلا ما نفعل حسنا، ولا نرى الأرض وأهلها إلا ودائع معنا، ولا نريد المال إلا للصنائع وحسن الثناء، (٢) ولا ندين بالوفاء لمن خادعنا وبالجفاء لمن عاقدنا (٢)، وشرّ الكلام ينقض يومه غده، وشر المواعيد [موعد] (٣) من لا يصدق لسانه يده، ووقفنا على كتاب المجلس السامى - وذكر له ألقابا ثم قال: - فوجدنا فيه ألفاظا تدعى بالمودة، وهى مستوحشة من دعواها مستهجنة (٤) ممن سمعها أو رآها؛ وما بالمجلس حاجة إلى أن يقول بلسانه ما ليس فى قلبه، ويضمر أمرا ويودع غيره فى كتبه.
فاربأ بنفسك أن ترى … إلا عدوّا أو صديقا
стр. 1674
أما الشكوى من عبد الرحمن فقد عرفت ممن كان الابتدا، ومن كافأك فما اعتدى؛ ومع ذلك فقد حصلت عقود وحساب، وحصل منا تفضل واحتساب، وأمرناه فعوّض وانسدّ الباب، وأما المال فما لعبد الرحمن مال فيستلف، ولا حال فيستخف. وأما دفعه فى العام الماضى عن التاجر الذى أوذى ببلده وهو حاضر، فما كنا نستغرب منه حفظ الجار، ولا نظنه يستغربه، وإنا لنعجب ممن لم يحفظ جاره، ولا يصون منصبه، وأمر التمادى فى الذى بيننا يكفيك؛ فاستأخر به أو تقدم. انتهى.
ووصل السيد حسن - قبيل وصول هذا الكتاب، وهو بجهة اليمن - كتاب من الناصر صاحب مصر، وخلعة، وعرفه الرسول بذلك: أن السلطان يعتب عليه بتقصيره فى الخدمة، وكان هذا الرسول قد تعوّق كثيرا فى الطريق، وتشوّف السيد حسن لمعرفة الأخبار، فأمر - قبل وصول هذا الرسول إليه - مولاه مفتاحا الزفتاوى بالسفر إلى مصر يتعرف الأخبار؛ وما قدّر أنه سافر من مكة إلا بعد وصول الرسول المذكور إليها. فلما وصل مصر وجد/الأطماع كثيرة فى مولاه، فحضر عند السلطان، وبلغ رسالته، واعتذر عن مولاه فى تأخير الجواب، وذكر أنه يقوم بواجب الخدمة، وعاد إلى مكة مع الحاج. وشاع أن السلطان أعد نجبا كثيرة ومزادات؛ فظن السيد حسن أن السلطان يريد الحج، فما حج، وظهر أن تجهيزه إلى الشام. ثم بعد انقضاء الحج ندب السيد حسن سعد الدين جبروه
стр. 1675
إلى مصر بهدية لصاحبها الناصر فى مقابلة ما التزم به، فوجده قد توجه إلى الشام (١).
وفيها لم يحج العراقيون، وحج من العراق ناس قليل من شيراز وغيرها على طريق الحسا والقطيف مع القفل العقيلى - بضم العين المهملة - وكان أمير الركب الشامى الأمير مؤمن (٢).
وفيها انقطعت صلة صاحب اليمن الواصلة كل سنة لخطيب مكة وأمير مكة والمؤذنين، وما جرت به العادة.
وفيها مات موسى [بن قاسم] بن حسين الذويد، فى سادس محرم (٣).
وقاضى الطائف عيسى بن محمد بن عبد الله بن مكينة المليساوى (٤)، اليمنى الأصل الطائفى، فى خامس عشر المحرم.
وشمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن صالح بن إسماعيل الكنانى المدنى، فى أول صفر (٥).
стр. 1676
والكاتب المقرئ المجود شمس الدين محمد بن إسماعيل بن يوسف الحلبى، فى سادس عشرى ربيع الآخر (١).
وعلى بن مبارك بن عيسى بن عكاش، فى ليلة الثامن والعشرين من شعبان (٢).
وخديجة ابنة القاضى شهاب الدين أحمد بن القاضى نجم الدين ابن القاضى جمال الدين الطبرى، فى يوم الجمعة ثالث عشرى رمضان، ودفنت بالمعلاة فى تربة أسلافها (٣).
وقاسم بن أبى الغيث بن أحمد بن عثمان العبسى اليمنى الزبيدى، فى سحر ليلة الأحد سادس عشر شوال (٤).
وأم كلثوم بنت إبراهيم بن أحمد بن محمد الأردبيلى، فى شوال (٥).
والفقيه أبو الخير محمد بن أبى السعود/بن حسين بن على بن أحمد بن عطية بن ظهيرة، فى آخر النفر الثانى بمكة (٦).
стр. 1677
وأبو سعيد [محمد] بن أبى بكر بن عبد الله بن ظهيرة (١).
وأبو الفضل محمد بن أحمد بن عبد المعطى، باليمن (٢).
وفاطمة بنت أحمد بن عجلان بن رميثة الحسنى (٣).
***
«سنة خمس عشرة وثمانمائة»
فيها ضرب السيد أحمد بن محمد بن عجلان مسعودا الصبحى نائب عمه السيد حسن [بجدة] (٤) لكثرة مطله له فى بقية حوالة عليه؛ فغضب لذلك السيد حسن وأمر بإخراج أحمد بن محمد [من البلاد] (٤) فغضب لأحمد أخوه رميثة. وأظهر التجهز للخروج؛ فما ترضاه عمه، فمضى على جهازه حتى كمل، وخرج وإخوته - غير واحد منهم - صوب القواد العمرة [فمكثوا عندهم أيّاما، وتكلموا مع عمهم فى تطييب خواطرهم فأعرض، فمضوا إلى ينبع، ثم
стр. 1678
إلى مصر] (١) فما وجدوا بها كبير وجه، وحسن لهم القاضى (٢) بدر الدين بن الجلال (٢) الرجوع إلى عمهم فإنه يرضيهم، فمالوا إلى ذلك، وتوجهوا إلى ينبع مع الحاج حتى بلغوا مكة. فلما سمع عمهم بوصولهم منع من دخولهم مكة؛ فأقاموا بينبع إلى أثناء السنة الآتية.
وفيها توجه القاضى زين الدين شكر إلى اليمن - بعد أن وصلته ذمة من صاحب اليمن - فلما اجتمع بصاحب اليمن سأله فى إطلاق الجلاب إلى مكة. فقال: لا يكون إلا بعد تسليم المال الذى أخذه السيد حسن لابن جميع. فاتفق الرأى على أن يسلم السيد حسن المال فى ثلاث سنين؛ كل سنة عشرة آلاف [مثقال] (٣). فوافقه السلطان على ذلك؛ لأن ابن جميع أظهر أن الذى أخذه له السيد حسن بمكة لا يساوى إلا ثلاثين ألف مثقال. وعاد شكر إلى مكة، فبلغها فى العشر الأخير من رمضان؛ فعرّف مولاه الخبر، فما أمكنه إلا الموافقة. وسافر شكر من مكة فى أوائل شوال، بعد أن حصل عروضا من القماش والحرير يساوى ذلك. فلما بلغ كمران (٤) وجد الجلاب لها مدة بكمران على نية التنجيل بينبع. وكان السلطان قال
стр. 1679
لهم: إذا وصل إليكم/شكر فاذهبوا إلى مكة، فأقبلت الجلاب إلى مكة، وكان المقدم عليها القاضى مفلح التركى، فوصل إلى مكة فى أوائل العشر الأوسط من ذى القعدة، ونجلت الجلاب بجدة، وتوجه بعد الحج إلى اليمن بعد أن جمع أعيان الناس من أهل مكة والمجاورين بها لقراءة ختمة شريفة بالمسجد الحرام ليلا، وأمر بإهداء ثوابها لمخدومه، وبالدعاء له، واحتفل بإحضار شمع كثير أوقد فى حال القراءة، وإحضار بخور وطيب للحاضرين، وعمل فى صبيحة هذه الليلة سماطا [عظيما] (١) حضره الأعيان من الناس وغيرهم، وفعل فى مدة مقامه بمكة معروفا كثيرا.
وفيها - قبل جمادى الآخرة - كان جمل للفاروثى (٢)، وكان يكلّف فوق طاقته، فلما كان يوما هرب إلى المسجد الحرام ودخله، ولم يزل يطوف بالبيت حتى كمل له ثلاثة أسابيع مع أن الناس يريدون إمساكه وإخراجه من المسجد؛ فما قدروا على ذلك، وكان إذا دنا منه شخص دقه بفيه وغلبه. فلما قضى الثلاثة الأسابيع قال الناس بعضهم لبعض: اتركوه. فتركوه، فجاء إلى الحجر الأسود فقبله ساعة، ثم راح إلى عند مقام الحنفية تجاه الميزاب، فبرك عنده ثم بكى ساعة، وألقى نفسه على الأرض فمات، فحمل إلى ما بين الصفا والمروة (٣).
стр. 1680
وفيها - فى ليلة ثالث ربيع الأول - استأجر وكيل السيد حسن ابن عجلان، محمد بن فرج من الفقيه جمال الدين يوسف بن حسين العجمى - المأذون له من القاضى جمال الدين بن ظهيرة - البيمارستان المستنصرى بالجانب الشامى من المسجد الحرام مدة مائة سنة بأجرة جملتها من الدراهم الظاهرية والمقدرة نصفين بالسوية أربعون ألف درهم بوزن مصر المحروسة، وأذن القاضى جمال/الدين للسيد حسن أن يصرف الأربعين الألف المذكورة فى عمارة ما خرب من البيمارستان المذكور، وهدم ما يحتاج إلى الهدم وإعادته، وترميم ما يمكن ترميمه من المتشعث، منها شراء مون وفى أجرة صناع، بنفسه أو من يراه من وكلائه وأمنائه (١).
وفيها - فى يوم الأربعاء عشرى جمادى الآخرة - وصل إلى السيد حسن وابنيه خلع وكتاب للسيد حسن من الخليفة المستعين بالله أمير المؤمنين أبى الفضل العباس (٢) بعد عوده إلى مصر من الشام، وقيامه فى مقام السلطنة عوض الناصر؛ لقتله بسيف الشرع فى صفر. وأنه فوض تدبير الأمور بالممالك للأمير شيخ، ولقبه بنظام الملك، وأنّهم على ولايتهم. وقرئ الكتاب بالمسجد الحرام، وألبس المذكورون الخلع فى يوم الأربعاء المذكور، ودعى للخليفة على زمزم بعد المغرب من ليلة الخميس حادى عشرى الشهر، وفى الخطبة يوم
стр. 1681
الجمعة ثانى عشرى الشهر. وكان الدعاء للخليفة بمكة مقطعوعا من دهر طويل، ولم يدع بمكة لأحد من الخلفاء الذين قاموا بديار مصر من بنى العباس سوى للمستعين بعد أواخر من دعى له على منابر الحجاز من بنى العباس الخليفة المستعصم بالله لما قتله هولاكو فى سنة ست وخمسين وستمائة (١).
وفيها - فى شعبان - وصل كتاب الخليفة إلى السيد حسن يخبره بالقبض على الشريف على بن مبارك بن رميثة، وكان ذلك بإشارة نظام الملك شيخ (٢).
وفيها - فى شوال - وصل إلى السيد حسن وابنيه خلع من السلطان. المؤيد أبى النصر شيخ بعد ما بويع بالسلطنة بالديار المصرية فى مستهل شعبان، ووصل كتاب يخبر فيه بذلك، وباستقرار المذكورين فى ولايتهم، ودعى فى الخطبة وعلى زمزم للمؤيّد، وقبله دعى للخليفة المستعين بالله دعاء مختصرا بالصلاح (٣).
وفيها رغب السيد حسن/بن عجلان فى إخراج جابر الحراشى من ينبع؛ لما بلغه عنه من تحسينه لصاحب اليمن التجوير على جدة إلى ينبع، لتكدّر صاحب اليمن من صاحب مكة فى أمر فعله صاحب
стр. 1682
مكة لم يسهل بصاحب اليمن. فتوجّه جابر إلى مصر، وأخذ يؤذى صاحب مكة؛ فلم يقبل منه، وصودر، وبعث به معتقلا إلى صاحب مكة، فوصلها مع الحاج فى الموسم، ودخلها والزنجير فى حلقه، ورآه صاحب مكة وهو على هذه الصفة فحيّاه بالسلام، وأقام بمنزل أمير الحاج برباط الشرابى عند الأمير، وكان يخرج ليلا للطواف مع غلمان الأمير، فلما كانت ليلة يوم التروية خرج كذلك وانفلت ممن هو موكل به، ومضى إلى القائد شكر بن راجح العمرى - وكان موادا له - فأجاره، فعرف به السيد حسن وجمعه عليه بعد أن توثق منه؛ فعفا عنه السيد حسن. فلما انقضى الموسم ظهر جابر، وكثر تردده للسيد حسن، وحلف كل منهما للآخر على الوفاء بالصحبة، ففوض إليه السيد حسن أمر جدة؛ فحصل له ما أرضى به صاحب اليمن من التجار من غير كبير ضرر يلحقهم فى ذلك (١).
وفيها كان بمكة غلاء، بلغت الغرارة الحنطة عشرين أفلوريا ذهبا فى أيام من ذى القعدة، وبعد ذلك فى أيام منى، وبأثر سفر الحاج من مكة فى هذه السنة أيضا، ودام ذلك إلى انقضاء الحج، وبلغ المد التمر بعد الموسم ثمانية مسعودية. وكان الغلاء فى الموسم هذه السنة عاما فى جميع المأكولات، بيع الدقيق كل ويبة مصرية بأفلوريين وعشرة دراهم، وويبة الشعير بأفلورى وعشرة دراهم والأرز كل ويبة بعشرة أفلورى، والرطل البقسماط بعشرة دراهم فضة، والنوى لعلف الدواب
стр. 1683
كل ويبة بأفلورى، والبطيخ الأخضر كل رأس بأفلورى وربما زاد على ذلك. وعز بمكة أيضا الفلفل لطلب التجار له؛ فإنه قل بديار/ مصر حتى بلغ الحمل إلى مائتين وعشرين مثقالا من الذهب بعد ما كان بستين مثقالا، فاشترى منه بمكة السلطان من حساب خمسة وعشرين الحمل بمبلغ خمسة آلاف دينار، وحمل إلى القاهرة، وبلغ الحمل بمكة خمسة وثلاثين دينارا هرجة بعد ما كان بعشرة مثاقيل (١)
وفيها وقع بعرفة - فى يومها - جفلة كبيرة بين عرب آل جميل وعنزة، قتل فيها جماعة من آل جميل؛ فركب السيد حسن، وجماعة الحاج، وبنو حسن وفرقوا بينهم، فانكسر آل جميل، وخشى على الحاج فسلّم الله.
وفيها عزل القاضى جمال الدين بن ظهيرة بقريبه القاضى أبى البركات، وما تم له أمر؛ لعزله بالقاهرة قبل خروج ولايته [منها] (٢).
وفيها تركت الجامات المنقوشة بالحرير الأبيض من كسوة الكعبة فى الجانب الشرقى، وجعلت كلها سوداء من غير جامات، كبقية الجوانب على ما كانت أولا، وكذلك صنع فى ثلاث سنين متوالية بعد هذه (٣).
стр. 1684
وفيها عمّرت أماكن من سقف المسجد الحرام، وعقدان يليان صحن المسجد قبالة المدرسة البنجالية (١).
وفيها أنشأ وزير مصر تقى الدين عبد الوهاب بن أبى شاكر - قبل أن يلى الوزارة - رباطا بباب أجياد فعمّر منه فى حياته غالب سفله، ثم مات فاستصاره الأمير فخر الدين عبد الغنى بن أبى الفرج الأستادار الملكى المؤيدى وأمر [أمير مكة الشريف حسن بن عجلان] (٢) بتكميل عمارته؛ فبنى جانب من سفله وبيوت من (٣) علوه فى سنة عشرين، ومات قبل إكمال عمارته فى نصف شوال سنة إحدى وعشرين بعد ابن أبى شاكر بنحو سنتين، والفقراء به ساكنون.
وفيها لم يحج ركب العراق، وحج ناس من العراق من شيراز وغيرها على طريق الحسا والقطيف مع القفل العقيلى - بضم العين (٤).
وكان أمير الحاج المصرى الأمير بيبغا المظفرى (٥).
стр. 1685
وفيها مات الجمال محمد بن المحب محمد بن عبد الرحمن بن عثمان/بن الصفى الطبرى، فى سادس المحرم بالتنضب (١).
والجمال محمد بن على بن يوسف بن سالم بن عطية بن أبى الإصبع، فى سادس عشر صفر (٢).
وأبو مغامس أحمد بن عبد الله المكى، فى يوم الجمعة رابع ربيع الآخر (٣).
والبرهان إبراهيم بن محمد بن حسين الموصلى، فى العشر الأخير من جمادى الآخرة (٤).
وخديجة بنت الزين محمد بن الزين أحمد بن الجمال بن المحب الطبرى، فى إحدى الجمادتين (٥).