الجمعة ثانى عشرى الشهر. وكان الدعاء للخليفة بمكة مقطعوعا من دهر طويل، ولم يدع بمكة لأحد من الخلفاء الذين قاموا بديار مصر من بنى العباس سوى للمستعين بعد أواخر من دعى له على منابر الحجاز من بنى العباس الخليفة المستعصم بالله لما قتله هولاكو فى سنة ست وخمسين وستمائة (١).
وفيها - فى شعبان - وصل كتاب الخليفة إلى السيد حسن يخبره بالقبض على الشريف على بن مبارك بن رميثة، وكان ذلك بإشارة نظام الملك شيخ (٢).
وفيها - فى شوال - وصل إلى السيد حسن وابنيه خلع من السلطان. المؤيد أبى النصر شيخ بعد ما بويع بالسلطنة بالديار المصرية فى مستهل شعبان، ووصل كتاب يخبر فيه بذلك، وباستقرار المذكورين فى ولايتهم، ودعى فى الخطبة وعلى زمزم للمؤيّد، وقبله دعى للخليفة المستعين بالله دعاء مختصرا بالصلاح (٣).
وفيها رغب السيد حسن/بن عجلان فى إخراج جابر الحراشى من ينبع؛ لما بلغه عنه من تحسينه لصاحب اليمن التجوير على جدة إلى ينبع، لتكدّر صاحب اليمن من صاحب مكة فى أمر فعله صاحب
стр. 1682
مكة لم يسهل بصاحب اليمن. فتوجّه جابر إلى مصر، وأخذ يؤذى صاحب مكة؛ فلم يقبل منه، وصودر، وبعث به معتقلا إلى صاحب مكة، فوصلها مع الحاج فى الموسم، ودخلها والزنجير فى حلقه، ورآه صاحب مكة وهو على هذه الصفة فحيّاه بالسلام، وأقام بمنزل أمير الحاج برباط الشرابى عند الأمير، وكان يخرج ليلا للطواف مع غلمان الأمير، فلما كانت ليلة يوم التروية خرج كذلك وانفلت ممن هو موكل به، ومضى إلى القائد شكر بن راجح العمرى - وكان موادا له - فأجاره، فعرف به السيد حسن وجمعه عليه بعد أن توثق منه؛ فعفا عنه السيد حسن. فلما انقضى الموسم ظهر جابر، وكثر تردده للسيد حسن، وحلف كل منهما للآخر على الوفاء بالصحبة، ففوض إليه السيد حسن أمر جدة؛ فحصل له ما أرضى به صاحب اليمن من التجار من غير كبير ضرر يلحقهم فى ذلك (١).
وفيها كان بمكة غلاء، بلغت الغرارة الحنطة عشرين أفلوريا ذهبا فى أيام من ذى القعدة، وبعد ذلك فى أيام منى، وبأثر سفر الحاج من مكة فى هذه السنة أيضا، ودام ذلك إلى انقضاء الحج، وبلغ المد التمر بعد الموسم ثمانية مسعودية. وكان الغلاء فى الموسم هذه السنة عاما فى جميع المأكولات، بيع الدقيق كل ويبة مصرية بأفلوريين وعشرة دراهم، وويبة الشعير بأفلورى وعشرة دراهم والأرز كل ويبة بعشرة أفلورى، والرطل البقسماط بعشرة دراهم فضة، والنوى لعلف الدواب
стр. 1683
كل ويبة بأفلورى، والبطيخ الأخضر كل رأس بأفلورى وربما زاد على ذلك. وعز بمكة أيضا الفلفل لطلب التجار له؛ فإنه قل بديار/ مصر حتى بلغ الحمل إلى مائتين وعشرين مثقالا من الذهب بعد ما كان بستين مثقالا، فاشترى منه بمكة السلطان من حساب خمسة وعشرين الحمل بمبلغ خمسة آلاف دينار، وحمل إلى القاهرة، وبلغ الحمل بمكة خمسة وثلاثين دينارا هرجة بعد ما كان بعشرة مثاقيل (١)
وفيها وقع بعرفة - فى يومها - جفلة كبيرة بين عرب آل جميل وعنزة، قتل فيها جماعة من آل جميل؛ فركب السيد حسن، وجماعة الحاج، وبنو حسن وفرقوا بينهم، فانكسر آل جميل، وخشى على الحاج فسلّم الله.
وفيها عزل القاضى جمال الدين بن ظهيرة بقريبه القاضى أبى البركات، وما تم له أمر؛ لعزله بالقاهرة قبل خروج ولايته [منها] (٢).
وفيها تركت الجامات المنقوشة بالحرير الأبيض من كسوة الكعبة فى الجانب الشرقى، وجعلت كلها سوداء من غير جامات، كبقية الجوانب على ما كانت أولا، وكذلك صنع فى ثلاث سنين متوالية بعد هذه (٣).
стр. 1684
وفيها عمّرت أماكن من سقف المسجد الحرام، وعقدان يليان صحن المسجد قبالة المدرسة البنجالية (١).
وفيها أنشأ وزير مصر تقى الدين عبد الوهاب بن أبى شاكر - قبل أن يلى الوزارة - رباطا بباب أجياد فعمّر منه فى حياته غالب سفله، ثم مات فاستصاره الأمير فخر الدين عبد الغنى بن أبى الفرج الأستادار الملكى المؤيدى وأمر [أمير مكة الشريف حسن بن عجلان] (٢) بتكميل عمارته؛ فبنى جانب من سفله وبيوت من (٣) علوه فى سنة عشرين، ومات قبل إكمال عمارته فى نصف شوال سنة إحدى وعشرين بعد ابن أبى شاكر بنحو سنتين، والفقراء به ساكنون.
وفيها لم يحج ركب العراق، وحج ناس من العراق من شيراز وغيرها على طريق الحسا والقطيف مع القفل العقيلى - بضم العين (٤).
وكان أمير الحاج المصرى الأمير بيبغا المظفرى (٥).
стр. 1685
وفيها مات الجمال محمد بن المحب محمد بن عبد الرحمن بن عثمان/بن الصفى الطبرى، فى سادس المحرم بالتنضب (١).
والجمال محمد بن على بن يوسف بن سالم بن عطية بن أبى الإصبع، فى سادس عشر صفر (٢).
وأبو مغامس أحمد بن عبد الله المكى، فى يوم الجمعة رابع ربيع الآخر (٣).
والبرهان إبراهيم بن محمد بن حسين الموصلى، فى العشر الأخير من جمادى الآخرة (٤).
وخديجة بنت الزين محمد بن الزين أحمد بن الجمال بن المحب الطبرى، فى إحدى الجمادتين (٥).
стр. 1686
والأديب جمال الدين محمد بن حسن بن عيسى بن العليف المكى، فى ليلة الجمعة سابع رجب (١).
وعبد الرحمن بن محمد بن الضياء محمد بن عبد الله بن محمد ابن أبى المكارم الحموى، ليلة السبت ثالث عشر شعبان (٢).
ومسعود بن محمد بن شعيب البخارى، فى صبح يوم السبت خامس رمضان (٣).
وأبو عمر بن على القرشى اليمنى، فى سحر الخامس عشر من رمضان (٤).
وشيخنا زين الدين محمد بن أحمد بن محمد بن المحب الطبرى، فى يوم الأربعاء سادس عشر رمضان (٥).
وعلى بن محمد بن أبى بكر الشيبى، فى يوم الأحد ثالث القعدة (٦).
стр. 1687
وسعيد الحبشى المكين، فى رابع عشر القعدة (١).
وعبد الكريم بن سعدون المكى (٢).
وعلى بن مبارك بن رميثة الحسنى، بالقاهرة (٣). وابنه … (٤)
بالقاهرة.
وجار الله بن صالح الشيبانى، بالقاهرة (٥).
وابنه محمد بالقاهرة (٦).
وأبو الجيل … (٧) بالقاهرة.
وفيها - ظنا، أو قريبا منها - توفيت ريا بنت عجلان بن رميثة ابن أبى نمى (٨).
***
стр. 1688
«سنة ست عشرة وثمانمائة»
فيها - فى ليلة سادس جمادى الأولى - وصل السيد رميثة إلى حدّا من وادى مرّ على غفلة من أهلها؛ لأن عمه السيد حسن بن عجلان رغب فى إخراجه من ينبع وما وجد رميثة مذهبا غير هذا. ولما بلغ عمه خبره أمر بالمبادرة [بإبعاده] (١) وصمم على ذلك، وركب إلى جهته؛ فما وسع الذين نزل عليهم إلا إبعاده. فمضى إلى ينبع والتحق به [فيها] (١) بعض القواد العمرة، فعاد به إلى منزلهم بالعد مع بعض القواد والشريفين ميلب وشفيع ابنى على بن مبارك/، وما شعر الناس به إلا وقد هجم مكة من درب اليمن فى ضحى (٢) يوم الخميس رابع عشرى جمادى الآخرة، والذى جرّأه على هجم مكة القائد محمد بن عبد الله بن عمر بن عبد الله بن مسعود العمرى (٣).
وما قدر الذين بمكة من جماعة السيد حسن على دفعهم. وانضم إلى السيد رميثة من غلمان السيد حسن الذين بمكة [جماعة] (٤)، وخرجوا جميعا منها، وما أحدث السيد رميثة ومن معه فى مكة سوءا، ثم خرجوا منها قبل الظهر؛ لتخوفهم من وصول السيد حسن إليهم فيستأصلهم؛ لكثرة من معه وقلتهم. وكان مدة مكثهم بمكة ساعة
стр. 1689
فلكية أو أزيد. ولما توجه رميثة لمكة لم يكن معهم به علم، وكان من خبر السيد حسن أنه لما أخبر بقصدهم لمكة شق ذلك عليه؛ لتخيله أنهم بنهبونها ويتقوون بذلك، ويتحصنون فيها. فلما انتهى إلى الزاهر أتاه بعض أصحابه من مكة، فأخبره بخروجهم منها، وعدم إفسادهم فيها، وقصدهم إلى الأبطح. فنزل على الأبطح من ثنية المقبرة، ورأى أوائل عسكره أصحاب رميثة خارجين من مكة، فاتّبعوهم وتلاهم الباقون. ثم إن السيد حسن سئل فى الرجوع عنهم رحمة لهم، فرحمهم وعاد إلى مكة.
وأمر السيد حسن بعمارة سور باب المعلاة، وباب الماجن؛ لأنهما كانا غير حصينين، لقصر جدرانهما فى مواضع، وتخلل البناء فيهما فى مواضع، ولا سيما فى باب الماجن. فعمرهما من الجبل إلى الجبل، ورفع جدار السورين عما كانا عليه (١).
وبلغ السيد حسنا أن رميثة وجمعه مقيمون بنخلة؛ فتوجه إليهم حتى انتهى إلى نخلة، ففارقوها وقصدوا الطائف، فبعث بعض خواص السيد حسن إلى أهل الطائف بالإعراض عنهم؛ فأعرض عنهم ناس، وأكرمهم ناس بما ليس فيه كبير جدوى، فقصدوا نعمان ليتوصلوا منه إلى اليمن، فسلكوا طريق النّقب حتى بلغوه، وانتهوا إلى عرب باليمن؛ فحاربوهم/وكسبوا منهم ما تجمّل به حالهم. وبدا من رميثة فى هذا اليوم ما يدل على كثرة شجاعته، وأقاموا باليمن مدة، ثم عادوا
стр. 1690
فقصدوا جدة، وخفى على السيد حسن مسيرهم إليها. ولما وصلوا جدة نهبوها، وأحرقوا (١) بيت الصبحى، وذلك فى العشر الأوسط من رمضان، وبلغ خبرهم السيد حسنا فبادر إليهم، ولا قوة بقرب جدة متأهبين للقائه، فمنعه من محاربتهم القواد ولم يمكنه المخالفة، وطيّبوا نفسه بإخراج رميثة ومن معه من جدة، ومكنوه منها. ثم قطعوا بين الفريقين حسبا، وسعوا فى الصلح بين الفريقين، فلم يتفق ذلك؛ لأن السيد حسنا لم يوافق على دخول من التفّ على السيد رميثة من العبيد والمولدين فى الصلح، وأبى رميثة إلا دخولهم، وعرف كل من السيد حسن ورميثة أن القواد لا تمكن أحدا منهما من الآخر؛ فتسالموا من (٢) القتال حتى ينقضى الحج من هذه السنة.
فلما كان فى الموسم قدم صاحب ينبع مقبل بن مخبار (٣) وجماعة من أصحابه لنصر السيد حسن. فلما كان فى الموسم بعد الحج توجه السيد حسن إلى العد بعسكره ومعه مقبل بن مخبار (٣) وجماعته؛ فعرف رميثة وأصحابه أنهم لا قدرة لهم على المذكورين، وأن من تخيلوا منه النصر من ذوى عمر الملايمين لحسن لا يمكنهم النصر فى هذا الوقت، فقصد رميثة والأقوياء من أصحابه إلى جهة اليمن فى البر، وركب الضعفاء منهم البحر. واجتمعوا بحلى.
стр. 1691
وفيها تغيّر السيد حسن، على جابر الحراشى لما نسب إليه من تقويته السيد رميثة بن محمد بن عجلان على دوام عصيانه لعمه؛ لأن جابرا وغيره سعى فى الإصلاح بين السيد حسن والسيد رميثة؛ فشرط رميثة ما لم تطب به نفس عمه، وصمم على ذلك؛ فاتّهم فى ذلك جابر ومن معه. ووقع مع ذلك من جابر مخالفة لمخدومه فى بعض أوامره، فقبض عليه بمنى فى النفر/الأول، وقرّر على أمواله، وأشعر بقتله فصلى ركعتين، وخرج من أجياد مع الموكلين بقتله إلى باب المعلاة؛ فشنق به، ولم يظهر منه جزع فى حال شنقه، ولا فى ذهابه إلى الشّنق، ولا كلم الموكلين به كلمة واحدة. وكان شنقه بعد المغرب ليلة الخميس خامس عشر الحجة بدرب (١) المعلاة.
وشنق ابنه محمد بباب الشبيكة فى هذا الوقت (٢).
وفيها حج من اليمن كثيرون ومعهم متاجر كثيرة، ومقدمهم القاضى مفلح، فجباهم غلمان السيد حسن وعنفوا بهم، وكانوا يتوسلون فى التخفيف عنهم بالقاضى مفلح؛ فيتكلم ولا يجدى كلامه، فتأثر لذلك ومضى على ذلك إلى اليمن (٣).
وفيها عمّر السيد حسن البيمارستان بالجانب الشامى من المسجد الحرام عمارة حسنة، وأحدث فيه ما يحصل به النفع؛ وذلك
стр. 1692
إيوانان وصهريج وغير ذلك، وأوقف ما عمره وما يستحقه من منافعه فى (١) الموضع المذكور (١) مدة تسع وتسعين سنة وسبعة وعشرين يوما متوالية، على الفقراء والمساكين المنقطعين المرضى والمجاورين يأوون فيه ويؤوون إليه علوا وسفلا، وينتفعون بالإقامة فيه والارتفاق به؛ انتفاع مثلهم بمثله، لا يزعج أحد منهم ولا يخرج منه بغير اختياره إلا بعد حصول العافية له والشفاء. فإذا خلا البيمارستان المذكور منهم، وصار خاليا كان الانتفاع به للفقراء والمساكين من المسلمين. فإن عاد الضعفاء والطرحاء عاد الانتفاع لهم كما كان يجرى الحال فى ذلك كذلك وجودا وعدما المدة المذكورة. وجعل النظر فيه لولديه بركات وأحمد، ينفردان بذلك مدة حياتهما لا يشركهما فيه شريك، لا يتأول عليهما فيه متأول، ويتصرفان فى ذلك مجتمعين ومفترقين، ومن بعدهما للأرشد فالأرشد من ذريته الذكور منهم دون الإناث؛ من ولد الظهر دون/البطن، وثبت ذلك وحكم بصحته القاضى رضى الدين أبو حامد محمد بن الشريف عبد الرحمن الفاسى المالكى، فى يوم الجمعة عاشر صفر لموافقته رأى بعض متأخرى المالكية فى وقف المنافع، وبعضهم يمنع ذلك وهو مقتضى مذهب الشافعى وأبى حنيفة وأحمد ﵏.
وفيها شرع السيد حسن فى عمارة رباط بأجياد ملاصق لحوش داره التى أنشأها بقرب رباط ربيع (٢).
стр. 1693
وفيها ورد أمر المؤيد صاحب مصر بأن الأئمة الثلاثة يصلون المغرب جميعا كما كانوا يصلون قبل ذلك؛ ففعلوا ذلك فى ليلة السادس من ذى الحجة (١).
وفيها - فى المحرم - سعى صاحب مكة السيد حسن وبعض جماعته فى الإصلاح بين القاضى جمال الدين بن ظهيرة وقريبه أبى البركات، وكان القاضى أبو البركات حلف بالطلاق من زوجتيه (٢) أنه لا ينوب عن القاضى جمال الدين، فألزمه السيد حسن فى الصلح بمخالعتهما ففعل ذلك، وناب عن القاضى جمال الدين وجدّد عقده على زوجتيه (٢) وحكم بعدم طلاقهما حاكم يرى أن اليمين لا تعود بعد الطلاق إذا وقع (٣) المحلوف عليه فى العصمة الثانية. وتوالفا ظاهرا لا باطنا، ثم حصل بينهما بعد الحج من هذه السنة منافرة، ثم اجتمعا وتوالفا حتى مات القاضى جمال الدين.
وفيها - فى يوم الأحد رابع عشر شوال - وصل القاضى عز الدين النويرى عهد بولايته للخطبة، ونظر الحرم والحسبة بمكة؛ فقرئ عهده بذلك، وألبس التشريف بحضرة القاضى جمال الدين بن ظهيرة، وخطب القاضى عز الدين فى يوم الجمعة تاسع عشر شوال،
стр. 1694
وترك الدعاء للخليفة؛ لكون الدعاء له لم يعهد بمكة من بعد المستعصم فيما قيل. فلما كان الموسم من هذه السنة وصل القاضى جمال الدين عهد بالخطابة دون النظر والحسبة، وباشرها مع القضاء وما معه؛ فخطب فى يوم الجمعة/ثانى ذى الحجة، وأعاد الدعاء للخليفة المستعين بالله بالصلاح قبل المؤيد (١).
وفيها حج العراقيون بمحمل على العادة من بغداد (٢).
وفيها - فى أول يوم من ذى الحجة - قدم بعض خواص المؤيد فرأى جانب باب الكعبة الأيمن محتاجا إلى الحلية؛ فحلاّه بفضة وطلاه بذهب، ومقدار الفضة التى حلى بها مائة درهم ونيف وتسعون درهما، وفرغ من ذلك قبل الطلوع إلى عرفة، واستحسن الناس ذلك (٣).
وفيها كان الغلاء فى غالبها إلا أنه كان دون الغلاء الذى كان بعد الحج من سنة قبلها. وكانت الغرارة الحنطة فى هذه السنة إلى آخر القعدة منها لا تنقص عن تسعة أفلورية، وربما بلغت خمسة عشر أفلوريا، وفى الغالب يزيد على العشرة الأفلورية بأفلورى وشبهه. وكانت الذرة بنحو من ذلك. وبلغ المنّ التمر إلى الصيف ثمانية مسعودية.
وكان فيها سعر المأكولات أرخص كثيرا من موسم السنة قبلها (٤).
стр. 1695
وفيها أنشأ عطية بن خليفة المطيبيز سبيلا بالمعلاة، عند البئر المعروفة ببئر الطواشى، على يسار الذاهب إلى منى المعظم (١).
وفيها مات حمزة بن جار الله بن حمزة بن راجح بن أبى نمى، ليلة الأحد سابع المحرم (٢).
والتقى محمد بن إبراهيم بن عبد الحميد بن على الموغانى المدنى، فى يوم الأحد حادى عشرى المحرم (٣).
وأم هانئ ابنة الشريف [أحمد] بن على الفاسى، فى ليلة الأربعاء مستهل صفر (٤).
ونور الدين على بن محمد بن حسب الله الزعيم، فى ربيع الآخر بزبيد (٥).
وأحمد بن محمد بن عماد الدمنهورى العطار بمكة، فى شعبان (٦).
стр. 1696
وحسن بن ثقبة بن رميثة، فى يوم الخميس حادى عشرى شعبان (١).
وريحان بن عبد الله الحبشى العينى، فى رمضان أو شوال بزبيد (٢).
والشيخ عبد القوى بن محمد بن عبد القوى المالكى، فى ليلة الأربعاء ثالث شوال (٣).
وعبد الحميد بن مسلم بن قليكيا، المعروف بابن مخضور، فى ليلة الثلاثاء ثالث [عشرى] شوال (٤).
ومحمد/بن جار الله بن حمزة بن راجح بن أبى نمى، فى آخر اليوم السابع من ذى القعدة (٥).
وأبو بكر بن الجمال المصرى محمد بن أبى بكر الأنصارى، فى ليلة الثلاثاء ثامن القعدة (٦).
стр. 1697
وزينب ابنة البرهان الأردبيلى، فى يوم السبت ثانى عشر القعدة (١).
وهاشم بن على بن مسعود بن غزوان الهاشمى، فى ليلة الثلاثاء خامس عشر القعدة (٢).
وعلى بن [أبى] القاسم الشّقيف، فى ليلة الأربعاء سادس عشر القعدة (٣).
والعفيف عبد الله بن محمد بن أحمد بن قاسم الحرازى، فى ليلة الخميس سابع عشر القعدة (٤).
وشهاب الدين أحمد بن الجوبان الذهبى الدمشقى، فى ليلة ثانى النحر بمنى وحمل إلى مكة ودفن بالمعلاة (٥).
стр. 1698
و .... (١) ابنة الشيخ أبى العباس المرجانى.
وأم أحمد فاطمة بنت يحيى بن عياد - بالياء المثناة من تحت - الصنهاجى (٢).
***
«سنة سبع عشرة وثمانمائة»
فيها اجتمع القاضى مفلح، والسيد رميثة بحلى، فأكرمه وأزال عنه كثيرا من ضروراته، وكتب إلى مولاه الناصر بخبره، وسأله فى كرامته؛ فسرّ الناصر صاحب اليمن بقدوم السيد رميثة، وأمر بتلقّيه وإكرامه حتى انتهى إليه، فرأى من السلطان ما سرّه. وكان قد تجدّد فى نفس السلطان حنق على السيد حسن وشكر؛ لكونه لم يصله العشرة الآلاف المثقال المقررة له فى كل سنة عن مال ابن جميع، فى سنة ست عشرة، ولا قيمة ما بعث به من الطعام إلى مكة مع شكر.
وكان ما قرره للسيد رميثة مدّ طعام فى كل يوم - وهو أربع غرائر مكية - وخمسين دينارا جددا، غير المقرر له من التمر فى أيام النخل.
وهو قل أن ينفصل عن السلطان وقت الأكل، وطلع مع السلطان إلى
стр. 1699
تعز، ونزل معه إلى زبيد، وتوجّه منها إلى مكة، بعد أن أحسن له السلطان بذهب جيد، وإبل، وطعام، وكسوة. فوصل فى رمضان إلى وادى الآبار، ونزل به على ذوى حميضة، وما سهل ذلك لعمه السيد حسن، وهم بمحاربتهم، ثم سعى الناس فى الصلح بينهم على مائتى ألف درهم يسلمها حسن لرميثة، ويكون للسيد حسن جبا الجلاب الواصلة فى هذه السنة، وأن يكون الفريقان/سلما إلى انقضاء العشر الأول من المحرم من السنة بعد هذه؛ فرضيا بذلك، وضمن على كل منهما جماعة من أصحابه، فما حصل فى ذلك منهما خلل (١).
وفيها توجه السيد حسن إلى الشرق، وتلاه بنو حسن يرجون المنافع منه، فتعذر منهم، وراحوا بغير طائل؛ فشقّ عليهم ذلك.
وأخذ من أهل الطائف وليّة القطيعة التى قررها عليهم، وعاد إلى مكة بعد أن أقام بالشرق مدة (٢).
وأتاه بمكة كتاب المؤيد صاحب مصر؛ يخبره فيه بقتله لأعدائه نوروز الحافظى ومن تبعه وعوده إلى مصر منصورا. وفى الكتاب بيتان من نظم شيخنا الأديب تقى الدين أبى بكر بن حجّة الحموى ﵀، وهما:
стр. 1700
أيا ملكا بالله أضحى مؤيدا … ومنتصبا فى ملكه نصب تمييز
كسرت بمسرى نيل مصر وتنقضى … وحقّك بعد الكسر أيام نوروز
وفى هذين البيتين من الكياسة التورية بالنوروز الذى يكون بإثر كسر النيل - وهو يوم مشهور عند المصريين بما يقع فيه من المجون - ونوروز الذى كان أميرا بالشام وقتله السلطان، وفيهما من الكياسة أيضا صحة الاتفاق المقول؛ فإنه قد لا يتم الظفر بنوروز فتمّ (١).
وفيها فى الموسم تخوّف السيد حسن من أمير الحاج المصرى، وتوقف عن ملاقاة المحمل بنفسه، فما قنع منه أمير الحاج بغير حضوره بنفسه، فوافق على ذلك لمّا لم يجد بدا بعد أن توثق من أمير الحاج، والتزم له بما يحسن من الخدمة وللسلطان بثمن ما أخذه من الغلة التى بعثها السلطان للبيع (٢). وخلع عليه الأمير وعلى ولديه لمّا خدموا على العادة.
فلما كان فى يوم الجمعة خامس ذى الحجة وقع بين أمير الحاج المصرى جقمق المؤيدى ومن انضم إليه، وبين القواد العمرة قتال فى المسجد الحرام، وخارجه بأسفل مكة، انتهكت فيه حرمة المسجد؛ لما حصل فيه من القتال بالسلاح والخيل وإراقة الدم فيه، وروث الخيل وطول مقامها فيه. ولا يعلم أن المسجد الحرام انتهك نظير هذا الانتهاك من بعد الفتنة المعروفة بفتنة قندس فى سنة إحدى وستين وسبعمائة. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى/العظيم.
стр. 1701
وسبب هذه الفتنة أن أمير الحاج المصرى أدّب بعض غلمان القوّاد ذوى عمر على حمل السلاح بمكة؛ لنهيه عن ذلك، وسجنه، فرغب مواليه فى إطلاقه، وتشفعوا بالسيد حسن، فامتنع الأمير من إطلاقه. فلما صلّوا الجمعة هجم جماعة من القواد المسجد الحرام من باب إبراهيم راكبين خيولهم، وبعضهم لابس لأمة الحرب، وبعضهم عار منها. وانتهوا إلى مقام الحنفية، فلقيهم الترك والحجاج واقتتلوا، فخرج القواد ومن معهم من المسجد، فتبعهم الترك والحجاج؛ فقاتلوهم بسوق العلاّفة بأسفل مكة؛ فظهر المصريون على القواد أيضا، وحصل فى الفريقين جراحات كثيرة، مات بها غير واحد من الفريقين. وانتهب بعض المصريين سوق العلافة بأسفل مكة، والسوق الذى بالمسعى، وبعض بيوت المكيين. ورام بعض القوّاد ومن انضم إليهم نهب الحجيج الذين بالأبطح وخارج المسجد؛ فأبى السيد حسن، ومنعهم من التعرض للحاج، ولولا ذلك لتم على الحاج بلاء عظيم، فسبحان المسلّم. واجتمع القواد بموضع يقال له الطّنبداوى بأسفل مكة قريبا منها، فلما كان آخر النهار أمر أمير الحاج بتسمير أبواب المسجد إلا باب بنى شيبة، وباب الدريبة، والباب الذى عند المدرسة المجاهدية؛ لأن أمير الركب الأوّل ومن فى خدمته يدخلون منه إلى المسجد، ويخرجون لسكناهم بالمدرسة المجاهدية. وأدخل أمير الحاج خيله المسجد الحرام، وجعلها بالرواق الشرقى قريبا من منزله (١) برباط الشرابى، وهو منزل أمير الحاج
стр. 1702
المصرى. وباتت الخيل فى المسجد حتى الصباح. وأوقدت فيه مشاعل الأمير، ومشاعل المقامات الأربعة، وبات فيه جمع كثيرون من الحجاج المصريين فى وجل كثير. فلما كان بكرة يوم السبت سادس ذى الحجة/ انضم السيد حسن إلى القواد بالطنبداوى. وحضر إلى السيد حسن فى هذا اليوم جماعة من أعيان مكة والحجاج، فبدا من السيد حسن ما يدلّ على كراهته لما وقع من الفتنة، ورغبته فى إخمادها، وبعثهم بذلك إلى أمير الحاج؛ فعرفوه بذلك، فبدا من أمير الحاج مثل ما بدا من السيد حسن، وأجاب إلى ما سئل فيه من إطلاق الذى أدّبه، على أن يفعل السيد حسن ما يحصل به طمأنينة الحاج من الحلف (١) على رعايتهم وغير ذلك؛ فوافق على ذلك السيد حسن، وبعث ولده السيد أحمد إلى أمير الحاج مطمئنا له، فخلع عليه وأطلق مولى القواد واسمه جراد. وسكنت الخواطر لذلك، وباع الناس واشتروا. وفى هذه الواقعة يقول الأديب زين الدين شعبان بن محمد الآثارى:
وقع الغلاء بمكة … والناس أمسوا فى جهاد
والخبز قلّ فها هم … يتقاتلون على جراد (٢)
وأعرض السيد حسن عن الحج فى هذه السنة بغالب عسكره، وكذا القواد، فقام بحفظ الحاج من أهل مكة وغيرهم من الحاج (٣).
стр. 1703
وفيها حصل اختلاف كثير فى تعيين الوقفة؛ لأن جمعا كثيرا من القادمين إلى مكة فى البر والبحر، وبعض من بمكة المشرفة ذكروا أنهم رأوا الهلال لذى الحجة ليلة الاثنين، ولم ير ذلك أهل مكة. ولا غالب الركب المصرى؛ فوقع الاتفاق على أن الناس يخرجون إلى عرفة فى بكرة يوم الثلاثاء تاسع ذى الحجة على مقتضى قول من قال إنه رأى بالاثنين. وأن يقيموا بعرفة ليلة الأربعاء ويوم الأربعاء؛ ففعل ذلك، وسار معظم الحاج إلى عرفة بعد طلوع الشمس من غير نزول بمنى؛ فبلغوها بعد دخول وقت العصر، فتخلّف غالب المكيين وأهل اليمن بمكة إلى وقت الظهر، وتوجهوا إلى عرفة من غير نزول بمنى. فلما كانوا بالمأزمين - مأزمى عرفة، وتسمى الناس هذا الموضع المضيق - خرج إليهم بعض/الحرامية فقتلوا وجرحوا ونهبوا، وعقروا الجمال، وسلم الناس (١)؛ فوصلوا إلى عرفة، وأقاموا بها ليلة الأربعاء ويوم الأربعاء إلى الغروب ونفروا مع الحجاج إلى المزدلفة، وباتوا بها إلى قرب الفجر، ثم رحلوا إلى منى بعد رحيل المحامل، والمعهود أنها لا ترحل إلا بعد الفجر وكذا غالب الناس؛ ففاتتهم الفضيلة. وما تعرض لهم فى سيرهم من عرفة إلى منى أحد بسوء؛ لعناية أمير الحاج بحراستهم، وانتهوا إلى منى فى بكرة يوم الخميس. وحصل فى منى فى ليلة الأربعاء
стр. 1704
وليلة الخميس نهب كبير وجراحات فى الناس. ولم يحج فى هذه السنة من أهل مكة إلا قليل. ونفر الحاج فى بكرة يوم النفر الثانى، ونزلوا قريبا من التنعيم، وطافوا للوداع، ولم يتمكنوا من الخروج من أسفل مكة؛ لإغلاق باب الشبيكة دونهم. فخرجوا من باب المعلاة، وتأثر الأمير وأعيان الحاج لذلك (١). وكان من الأعيان القاضى زين الدين عبد الباسط بن خليل وهى حجته الأولى (٢).
وفيها حج ركب من بغداد على العادة، ولم يعملوا بالمسجد الحرام ختمة على العادة؛ لرحيلهم بأثر الحجاج المصريين والشاميين خوفا من زيادة الغرامة فى المكس (٣).
وفيها - فى ربيع الآخر - وصل القاضى عز الدين توقيع بالخطابة ونظر الحرم والحسبة، فقطع الدعاء للخليفة، ثم انتزعت الخطابة - فقط - للقاضى جمال الدين بن ظهيرة، واتفق أن ولايته لها كانت بعد وفاته؛ لأنه توفى فى سابع عشر رمضان، وجاء العلم بذلك صحبة أمير الحاج المصرى، فوجد القاضى جمال الدين قد توفى؛ فأبقى عز الدين على الخطابة. فلما بلغ السلطان خبر وفاة القاضى جمال الدين قرّز عز الدين فى الخطابة مع نظر الحرم والحسبة (٤).
стр. 1705
وفيها - فى رابع عشرى شوال - صرف القاضى تقى الدين محمد بن أحمد الفاسى المالكى عن قضاء المالكية/وتدريس البنجالية بقريبه الشريف عبد الرحمن الحسنى الفاسى، وقرئ التوقيع بمكة فى أوائل ذى الحجة بمجلس أمير الركب، ولبس الخلعة. ثم أعيد القاضى تقى الدين فى سابع ذى القعدة، وأتى الخبر بذلك والتوقيع فى ليلة الخامس عشر من ذى الحجة. وكانت مدة مباشرة الشريف أبى حامد نحو اثنى عشر يوما (١).
وفيها أكمل السيد حسن عمارة الرباط الذى أنشأه بأجياد بقرب رباط ربيع، وإلى الآن فيه بقية تحتاج للعمارة (٢).
وفيها - فى آخرها، أو التى بعدها - تطوع السيد حسن بمائتى مثقال لعمارة رباط رامشت، فأزيل بذلك غالب ما كان من الشعث، وصار حسنا (٣).
وفيها أرسل الملك المؤيد صاحب مصر صدقة من القمح، وتولى تفريقها الأمير تغرى برمش التركمانى (٤).
وفيها - فى العشر الأول من ذى الحجة - تسبب تغرى برمش التركمانى فى إزالة الخلوة التى إلى جانب زمزم فى المسجد الحرام، مع
стр. 1706
البركة المقبوّة التى فيها والزبازيب التى تحتها الأحجار التى عندها.
وكان الناس يجلسون عليها، ويتوضئون من هذه الزبازيب، حتى بلغ بجميع ذلك الأرض؛ لما قيل إن بعض الجهلة يستنجى هناك. وعمّر عوض ذلك السبيل الموجود الآن للمؤيد (١).
وفيها - فى النصف الثانى منها - سهل بعض المجاورين طريقا من الثنية التى تهبط إلى المقبرة المعروفة بالمعلاة والأبطح غير الطريق المعتاد، وسهلها بعد أن كانت خربة ضيقة، وصار الناس يسلكونها أكثر من الأولى.
وفيها أنشأ عطية المطيبيز سبيلا بالمروة (٢) وكان موضع هذا السبيل قبل ذلك معدا للشنق، فقال شعبان الآثارى فى ذلك:
بمكة دار كان للشنق ركنها … وأضحت سبيلا بعد كل بليّة
وأضحى لسان الحال منها يقول قد … رضيت من المولى بخير عطية
وفيها تزوّج القاضى محب الدين بن ظهيرة كمالية بنت الشريف عبد الرحمن/الفاسى قبل موت والده بقليل (٣).
وفيها مات قاضى مكة جمال الدين محمد بن عبد الله بن ظهيرة، فى ليلة الجمعة سادس عشر رمضان، وباشر بعده قضاء مكة وأعمالها، ونظر الأوقاف والربط ولده محبّ الدين؛ كأنه كان معه
стр. 1707
توقيع بأن يكون نائب أبيه فى الحكم وغيره فى حياته، ويستقل بذلك بعد وفاته، فحكم له بصحة هذه الولاية المعلقة القاضى محيى الدين عبد القادر بن أبى الفتح الفاسى الحنبلى، نائب أخيه القاضى الحنبلى بمكة سراج الدين عبد اللطيف، وباشر بها جميع ما كان بيد والده، ثم ترك المباشرة لما وصل الخبر إلى مكة - عقب سفر الحاج من هذه السنة - بولاية القاضى أبى البركات بن ظهيرة لقضاء مكة عوض القاضى جمال الدين (١).
وفيها مات شيخ الحجبة فخر الدين أبو بكر بن محمد بن أبى بكر بن محمود الشيبى، فى ليلة السبت ثامن عشرى صفر، وولى بعده المشيخة الجمال أبو راجح محمد بن على بن أبى راجح (٢).
وفيها مات عبد الله بن صالح بن أحمد بن عبد الكريم الشيبانى، فى صبح يوم الاثنين عشرى ربيع الآخر (٣).
والشيخ الصالح خالد المغربى المالكى، أوائل السنة (٤).
стр. 1708
وفيها - فى آخرها، أو فى أول التى بعدها - مات الشهاب أحمد بن عبد السلام بن على بن محمد بن عبد السلام الكازرونى، ببعض قرى الصعيد من مصر (١).
وفيها - ظنا غالبا - مات الجمال محمد بن أحمد بن العفيف عبد الله بن محمد بن على الهبّى، فى المحرم (٢).
***
«سنة ثمانى عشرة وثمانمائة»
فيها - فى ليلة رابع عشر المحرم - قبض السيد حسن بن عجلان على القاضى كمال الدين موسى بن جميع، والخواجا بدر الدين المزلق، والشهاب أحمد العينى وكيل الخواجا برهان الدين بن مبارك شاه، وضيّق عليهم حتى أرضوه بما شرط عليهم من المال، وأخذ من ابن جميع ما يساوى سبعة آلاف مثقال، ومن ابن المزلق ما يساوى ثلاثة وثلاثين/ألف إفرنتى أو قريبا منها، ومن العينى ما ظهر من مال موكله، ثم أطلقهم متعاقبين؛ ابن جميع أولا فى أول صفر، وابن المزلق فى آخره، وتلاه العينى (٣).
стр. 1709
فيها - فى آخر المحرم، أو صفر - ورد إلى جدة القاضى مفلح بما فى صحبته من المراكب والطراريد والموليات (١) والجلاب فاستقوا من جدة بمعاونة السيد رميثة، وأخذ منهم الزّالة (٢)، ومضوا إلى ينبع، وكان السيد حسن يرغب فى أن يعينه بنو حسن على منع المراكب من السقية بجدة فما أعانوه. وعاد رميثة بعد سفر الجلاب من جدة إلى الجديد، وأقام بها إلى شعبان.
وفيها - فى سادس عشر ربيع الأول - وصل الخبر إلى السيد رميثة بولايته لإمرة مكة عوض عمّه وابنيه - وكان رميثة بالجديد وعمه بمكة - فرغب السيد حسن فى أن يعينه بنو حسن على حرب رميثة قبل أن يصل إليه المدد من مصر، فما أعانوه؛ فمضى إلى الشرق، وترك ابنيه فى البلد وشكرا مولاه، وجماعة من أصحابه. ثم إن القواد العمرة استدعوه من الشرق، وأطمعوه بنيل مراده من محاربة ابن أخيه ومن معه، ومضى إليه بعض كبارهم لإحضاره إليهم، فوصل إلى مكة فى سلخ جمادى الأولى، وهمّ بالمسير من فوره إلى الوادى لابن أخيه - وكان نازلا بالجديد من الوادى - فماطله الذين استدعوه، وآخر الأمر أنهم لم يوافقوه على المسير إلا بشيء جيّد يأخذونه منه. فلم يسمح
стр. 1710
به، وعاد إلى الشرق ثانيا فى أول العشر الأوسط من رجب، وأقام به مدة، وذهب من هناك إلى المدينة النبوية؛ فزار جدّه المصطفى ﷺ ، وعاد إلى مكة، وتوجّه إلى جدة؛ فأزال منها رميثة وأصحابه - وكانوا قد أقاموا بها بعد رحيلهم من الوادى - واندفع رميثة إلى جهة الشام (١).
ووصل الحجّاج بإثر ذلك، فلايم رميثة الحجاج، ووصل معهم مكة؛ لتقرير المؤيد له على ولايته وهو بحلب، وكان خرج إليها لقتال بعض/أعدائه، فظفر بهم غير واحد أو اثنين، فأقام لتحصيل عدوّه، وبعث يبشر بالنصر إلى السيد رميثة، فوصل فى شوال وهو بجدة. واستمر الدعاء للسيد حسن وابنيه فى الخطبة، وعلى زمزم إلى استهلال ذى الحجة؛ لاستيلاء السيد حسن على مكة إلى هذا التاريخ، ثم فارقها فى هذا التاريخ وقصد الشقان، وتعرّف ما فى الجلاب فجباه، وأمرهم بالتدبير أو المضى إلى ينبع، وكان بعضهم نفر منه لما سمع باستيلائه على الجلاب، ودبر إلى اليمن قبل أن يصل إليه (٢).
ودخل السيد رميثة مكة فى مستهل الحجة، وقرئ توقيعه ودعى له على زمزم وفى الخطبة. وتاريخ التوقيع رابع عشر صفر،
стр. 1711
وصرح فيه بأنه ولى نيابة السلطنة بالحجاز عوض عمه وإمرة مكة عوضا عن ابنى عمه (١).
وفيها أقام الحجاج بمنى غالب يوم التروية وليلة التاسع، ثم مضوا من منى - بعد طلوع الشمس [على ثبير] (٢) - إلى عرفة، وأحيوا هذه السّنّة بعد إماتتها دهرا طويلا.
وكان أمير الحاج المصرى الأمير يشبك الدوادار الصغير (٣).
وبيع القمح مع الحاج كل ويبة ونصف بدينار (٤).
وفيها حج العراقيون بمحمل من بغداد على العادة، وجرى حالهم فى الختمة كالسنة قبلها (٥).
وفيها منع الأمير تغرى برمش التركمانى المؤذنين من المدائح النبوية وغيرها فى المنائر ليلا، ومنع المدّاحين من إنشاد ذلك فى الأوقات التى جرت العادة للناس بكثرة الاجتماع فيها بالمسجد الحرام. ومنع الخطباء من الصغار فى ليالى ختم القرآن العظيم فى شهر رمضان. ومنع من إيقاد مشاعل المقامات التى بالمسجد الحرام فى الأوقات التى جرت
стр. 1712
العادة بها فى العشر الأخير من رمضان، وليلة العيد، وليلة هلال شهر رجب/، وليلة هلال شهر ربيع الأول وغيرها؛ لما يحصل للمصلين والطائفين من كثرة اجتماع الرجال والنساء لسماع الخطب، ورؤية الوقيد، وذلك بعد أن وافقه على ذلك جماعة من فقهاء مكة، وكتبوا له خطوطهم بذلك، وكتب له بمثل ذلك غيرهم من علماء القاهرة (١).
وفيها - فى شعبان - ولى القاضى محب الدين بن ظهيرة قضاء مكة وأعمالها، عوضا عن قريبه أبى البركات، ووصل إليه التوقيع فى العشر الأخير من القعدة (٢).
وفيها - فى رابع ذى الحجة - كسيت الكعبة المعظمة إسدالا على نصفها الأعلى لا سترا لجميعها، وكانت قبل هذه السنة تكسى فى يوم النحر (٣).
وفيها أنفذ المؤيد صاحب مصر منبرا حسنا يخطب عليه، ودرجة حسنة للكعبة عوض الدرجة التى أنشأها الأشرف فى سنة ست وستين، ووصل ذلك فى الموسم، وعطّل المنبر والدرجة اللذان كانا قبلهما، وأول ما خطب على المنبر فى سابع ذى الحجة (٤).
стр. 1713
وفيها أرسل المؤيد صاحب مصر صدقة ذهب لتفرّق بالمسجد الحرام؛ فتولى تفرقتها الأمير تغرى برمش التركمانى (١).
وفيها مات الشيخ أحمد بن أبى بكر بن أحمد الكردى، فى العشر الأخير من صفر (٢).
والفقيه الزاهد تاج الدين محفوظ بن عمر بن أحمد بن محمد الحباك، الأشعرى نسبا الشافعى مذهبا، فى يوم الثلاثاء مستهل ربيع الأول (٣).
والنجم عبد اللطيف بن أحمد بن على الفاسى، فى أحد الربيعين بمصر (٤).
وعبد اللطيف بن موسى بن عميرة اليبناوىّ، فى النصف الثانى من رجب (٥).
стр. 1714
وعلى بن محمد بن عمر الفاكهانى، ليلة الجمعة سادس عشرى رمضان (١).
وعلماء بنت القاضى شهاب الدين أحمد بن ظهيرة، فى صفر - ظنا - أو قريبا منه (٢).
وفاطمة بنت القاضى تقى الدين محمد بن أحمد بن قاسم الحرازى (٣).
وفاطمة بنت عثمان بن يوسف/الأنصارى النويرى (٤).
***
«سنة تسع عشرة وثمانمائة»
فيها - فى أولها - نزل السيد حسن بالجديد من وادى مرّ، واستولى على غلال أموال أصحاب السيد رميثة، وما قدروا على أخذها منه، وهو بالجديد ساكن. فلما كان فى صفر وصلت المراكب الكارمية (٥) والجلاب الينبوعية إلى الشقان، فأخذ منها السيد حسن
стр. 1715
زالّة له ولخواصه: ثلاثة عشر ألف مثقال ومائتى مثقال، ومكنهم من السّقية من جدة، ومضوا إلى ينبع.
وفيها - فى رجب - بعث السيد حسن ولده بركات، ومولاه القائد شكرا لاستعطاف المؤيد، ومعه خيل وغيرها، فقدمها فقبلت منه، وأنزل عند ناظر الخاص، والتزم السيد حسن للمؤيد بثلاثين ألف مثقال؛ فأنعم على السيد حسن بإمرة مكة، وكتب له بذلك عنه توقيع ومثال مؤرخ بثامن عشر رمضان، وجهز له مع ذلك خلعة مع بعض الخاصكية المؤيدية والنجابة السلطانية، وانتهوا إلى السيد حسن - وهو فى ناحية جدة - فى أوائل العشر الأوسط من شعبان، فبعث السيد حسن إلى القواد العمرة - وكانوا قد بانوا عنه فى شعبان، وانضموا إلى السيد رميثة بمكة - يأمرهم بالخروج من مكة؛ فتوقفوا فى ذلك. ولما تحقق أنهم ورميثة ومن انضم إليهم مجمعون على المقام بمكة قصدهم، وانتهى إلى وادى الزاهر ظاهر مكة، فى بكرة يوم السبت ثانى عشر شوال؛ فخيّم بوادى الزاهر، ومعه الأشراف آل أبى نمى، وذوو على، وذوو عبد الكريم، والأدارسة، وصاحب ينبع الشريف مقبل بن مخبار، فى عسكر جاء به معه من ينبع، غير من فى خدمته من عبيده ومن الترك، وكان الترك مائة وعشرين فيما قيل.
وأرسل إلى مشايخ القواد العمرة؛ فحضر إليه منهم ثلاثة نفر، فخوّفهم من داهية الحرب، فسألوه أن يمهلهم/هذا اليوم والذى يليه؛ ليلزموا أصحابهم بالخروج من مكة. فأتوا أصحابهم فعرفوهم الخبر، فصمّم أكثرهم على عدم الخروج؛ فلم يسع الراغبون فى ذلك
стр. 1716
إلا الموافقة. ولما تحقق السيد حسن رحل فى بكرة يوم الاثنين رابع عشر شوال من الزاهر، وخيم بقرب العسيلة (١) على الأبطح، وأتى (٢) بعض أصحابه إلى رءوس القواد الحميضات - وكانوا مع السيد رميثة - فثبطهم عن القتال، وخوفهم غائلته؛ فلم يصغوا لذلك. فلما كان بكرة يوم الثلاثاء خامس عشر شوال ركب السيد حسن فى عسكره - وكانوا فيما قيل ثلاثمائة فارس، وأزيد من نحو ألف راجل، وكان الذين بمكة على نحو الثلث من ذلك - ولما انتهى إلى المعابدة بعث إلى الذين بمكة يحذرهم عاقبة القتال؛ لرغبته فى الإبقاء على أكثرهم. فلم يقبلوا نصيحته. ومثله ومثلهم فى ذلك كما قيل:
بذلت لهم نصحى بمنعرج اللوى … فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد
وسار بمن معه حتى دنوا من باب المعلاة؛ فأزالوا من كان عليه وقربه من أصحاب السيد رميثة بالرمى بالنشاب والأحجار، وعمد بعضهم إلى باب المعلاة فدهنه وأوقد تحته النار فاحترق حتى سقط إلى الأرض. وهذا الباب كان عمل بكنباية من بلاد الهند، فى سنة ست وثمانين وسبعمائة، وأهدى للسيد أحمد بن عجلان، وركبه على باب المعلاة السيد عنان بن مغامس فى سنة تسع وثمانين، فما ولى إمرة مكة بعد قتل محمد بن أحمد بن عجلان. وقصد بعضهم -
стр. 1717
[من] (١) أصحاب السيد حسن - طرف السور الذى يلى الجبل الشامى مما يلى المقبرة، فدخل منه جماعة من الترك وغيرهم، ورقوا موضعا مرتفعا من الجبل المشار إليه، ورموا منه - بالنشاب والأحجار - من داخل الدرب من أصحاب السيد رميثة؛ فتعبوا لذلك كثيرا. ونقب بعضهم - مما يلى الجبل الذى هم فيه - السور عند البرج الذى هناك نقبا متسعا، سعته/نحو عشرة أذرع حتى اتصل الهدم بالأرض؛ فدخل منه جماعة من الفرسان من عسكر السيد حسن، ولقيهم جماعة من أصحاب السيد رميثة وقاتلوهم حتى أخرجوهم من السور، وقد حصل فى الفريقين جراحات، وهى فى أصحاب السيد رميثة أكثر. وقصد بعض أصحاب السيد حسن - وهم عسكر صاحب ينبع - السور مما يلى بركة الصارم فنقبوه نقبا متسعا، ولم يتمكنوا من الدخول منه لأجل البركة فإنها مهواة، فنقبوا موضعا آخر فوقه. ثم إن بعض الأعيان من أصحاب السيد حسن أجار من القتال - برغبة بعض القواد فى ذلك على ما قيل - وكان السيد حسن كارها للقتال، ولو أراد الدخول إلى مكة بكل عسكره من الموضع الذى دخل منه بعض عسكره لقدر على ذلك. وأمضى الجيرة؛ فترك القتال. وبإثر ذلك وصل إليه جماعة من القضاة والفقهاء والصالحين بمكة، ومعهم ربعات شريفة، وسألوه فى كفّ عسكره عن القتال؛ فأجاب إلى ذلك بشرط أن يخرج من مكة الذى
стр. 1718
عانده، فمضى الفقهاء إليهم وأخبروهم بذلك، فتأخروا عنه إلى جوف مكة، بعد أن توثقوا ممن أجار فى كفّ القتال. ودخل السيد حسن من السور بجميع عسكره، وخيّم حول بركتى (١) المعلاة، وأقام هناك حتى أصبح. وفارق السيّد رميثة مكة فى ليلة الأربعاء، ودخل السيد حسن فى بكرة يوم الأربعاء. وبعد فراغه من الطواف وركعتيه أتى إلى جهة باب الصفا، فقرئ هناك توقيعه بإمرة مكة - وتاريخه ثامن عشر رمضان - وكتاب السلطان بذلك بحضرة القضاة والأعيان، وخلق لا يحصون كثرة، وكان يوما مشهودا. وركب بعد ذلك فدار البلد، ونادى بالعدل والأمان.
وكان قد أمّن المعاندين له خمسة أيام؛ فتوجهوا إلى جهة/اليمن، وبعث لابن أخيه رميثة بزوّادة ومركوب، وانتهى رميثة ومن معه إلى قرب حلى.
وعوض السيد حسن لباب المعلاة - عوض الباب المحروق - بابا جيدا، كان لبعض دوره بمكة، وكان ينقص عن مقدار باب المعلاة، فزاد فيه وأكمله. وأحكم الزّيادة فيه، وركب فى محله يوم الجمعة ثانى عشر القعدة، وأمر السيد حسن بعمارة ما أخرب من السور؛ فعمر ذلك فى بقية شوال، وفى أول ذى القعدة. وبعث السيد حسن إلى القواد العمرة يستميلهم؛ فقدم عليه منهم جماعة أيام الحج، وسألوه فى مصافاتهم والإحسان إليهم؛ فأجابهم إلى ذلك بشرط أن ينثنوا عن ابن أخيه ويلجئوه إلى السفر إلى اليمن، فإذا فارق حلى مسافرا إلى اليمن قدموا عليه فأنالهم قصدهم، فأظهروا له الموافقة على ذلك (٢).
стр. 1719
وفيها كان فى مكة رخاء، بيعت فيه الغرارة الحنطة اللقيمية المليحة بخمسة أفلورى (١) وثلث، واللحم كل منّ بستة مسعودية، والتمر كل منّ بمسعوديتين، وكان صرف الأفلورى (١) إذ ذاك بمكة أربعة وخمسين مسعوديا، وربما زاد قليلا. ثم كان بعد الموسم غلاء شديد، وامتد إلى أوائل سنة عشرين، وكانت مدته قصيرة، بيعت فيه الغرارة الذرة بثلاثة عشر أفلوريا (١).
وفيها حج العراقيون بمحمل من بغداد على العادة، ولم يعملوا فيها ختمة بالمسجد الحرام (٢).
وحج ركب التكرور، ومعهم ألف وسبعمائة رأس من العبيد والإماء، وشيء كثير من التبر (٣).
وحج من الأعيان بالقاهرة جمال الدين عبد الله بن مقداد الأقفهسى المالكى، وخوند خديجة زوجة السلطان (٤).
стр. 1720
وحج مع الركب الشامى خاتون زوجة الأمير أيدكى صاحب الدشت (١)، وفى خدمتها ثلاثمائة فارس (٢).
وأمير الركب الأول المصرى الأمير صلاح الدين محمد الحاجب ابن الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله ناظر الخاص، (٣) وأمير/الخاص (٣). وأمير المحمل المصرى الأمير أزدمرشايا، وقاسى الحاج شدة من موت الجمال وغلاء السعر معهم (٤).
وفيها جعلت الجامات المنقوشة بالحرير الأبيض، فى جميع كسوة الجانب الشرقى، من تحت الطراز وإلى أسفل الكعبة، بعد أن انقطعت أربع سنين قبل هذه، واستمرت الجامات البيض فى كسوة الكعبة خمس سنين متوالية بعد هذه، وعمل لبابها فى هذه السنة ستارة عظيمة الحسن أحسن من الستائر الأولى (٥).