إلا الموافقة. ولما تحقق السيد حسن رحل فى بكرة يوم الاثنين رابع عشر شوال من الزاهر، وخيم بقرب العسيلة (١) على الأبطح، وأتى (٢) بعض أصحابه إلى رءوس القواد الحميضات - وكانوا مع السيد رميثة - فثبطهم عن القتال، وخوفهم غائلته؛ فلم يصغوا لذلك. فلما كان بكرة يوم الثلاثاء خامس عشر شوال ركب السيد حسن فى عسكره - وكانوا فيما قيل ثلاثمائة فارس، وأزيد من نحو ألف راجل، وكان الذين بمكة على نحو الثلث من ذلك - ولما انتهى إلى المعابدة بعث إلى الذين بمكة يحذرهم عاقبة القتال؛ لرغبته فى الإبقاء على أكثرهم. فلم يقبلوا نصيحته. ومثله ومثلهم فى ذلك كما قيل:
بذلت لهم نصحى بمنعرج اللوى … فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد
وسار بمن معه حتى دنوا من باب المعلاة؛ فأزالوا من كان عليه وقربه من أصحاب السيد رميثة بالرمى بالنشاب والأحجار، وعمد بعضهم إلى باب المعلاة فدهنه وأوقد تحته النار فاحترق حتى سقط إلى الأرض. وهذا الباب كان عمل بكنباية من بلاد الهند، فى سنة ست وثمانين وسبعمائة، وأهدى للسيد أحمد بن عجلان، وركبه على باب المعلاة السيد عنان بن مغامس فى سنة تسع وثمانين، فما ولى إمرة مكة بعد قتل محمد بن أحمد بن عجلان. وقصد بعضهم -
стр. 1717
[من] (١) أصحاب السيد حسن - طرف السور الذى يلى الجبل الشامى مما يلى المقبرة، فدخل منه جماعة من الترك وغيرهم، ورقوا موضعا مرتفعا من الجبل المشار إليه، ورموا منه - بالنشاب والأحجار - من داخل الدرب من أصحاب السيد رميثة؛ فتعبوا لذلك كثيرا. ونقب بعضهم - مما يلى الجبل الذى هم فيه - السور عند البرج الذى هناك نقبا متسعا، سعته/نحو عشرة أذرع حتى اتصل الهدم بالأرض؛ فدخل منه جماعة من الفرسان من عسكر السيد حسن، ولقيهم جماعة من أصحاب السيد رميثة وقاتلوهم حتى أخرجوهم من السور، وقد حصل فى الفريقين جراحات، وهى فى أصحاب السيد رميثة أكثر. وقصد بعض أصحاب السيد حسن - وهم عسكر صاحب ينبع - السور مما يلى بركة الصارم فنقبوه نقبا متسعا، ولم يتمكنوا من الدخول منه لأجل البركة فإنها مهواة، فنقبوا موضعا آخر فوقه. ثم إن بعض الأعيان من أصحاب السيد حسن أجار من القتال - برغبة بعض القواد فى ذلك على ما قيل - وكان السيد حسن كارها للقتال، ولو أراد الدخول إلى مكة بكل عسكره من الموضع الذى دخل منه بعض عسكره لقدر على ذلك. وأمضى الجيرة؛ فترك القتال. وبإثر ذلك وصل إليه جماعة من القضاة والفقهاء والصالحين بمكة، ومعهم ربعات شريفة، وسألوه فى كفّ عسكره عن القتال؛ فأجاب إلى ذلك بشرط أن يخرج من مكة الذى
стр. 1718
عانده، فمضى الفقهاء إليهم وأخبروهم بذلك، فتأخروا عنه إلى جوف مكة، بعد أن توثقوا ممن أجار فى كفّ القتال. ودخل السيد حسن من السور بجميع عسكره، وخيّم حول بركتى (١) المعلاة، وأقام هناك حتى أصبح. وفارق السيّد رميثة مكة فى ليلة الأربعاء، ودخل السيد حسن فى بكرة يوم الأربعاء. وبعد فراغه من الطواف وركعتيه أتى إلى جهة باب الصفا، فقرئ هناك توقيعه بإمرة مكة - وتاريخه ثامن عشر رمضان - وكتاب السلطان بذلك بحضرة القضاة والأعيان، وخلق لا يحصون كثرة، وكان يوما مشهودا. وركب بعد ذلك فدار البلد، ونادى بالعدل والأمان.
وكان قد أمّن المعاندين له خمسة أيام؛ فتوجهوا إلى جهة/اليمن، وبعث لابن أخيه رميثة بزوّادة ومركوب، وانتهى رميثة ومن معه إلى قرب حلى.
وعوض السيد حسن لباب المعلاة - عوض الباب المحروق - بابا جيدا، كان لبعض دوره بمكة، وكان ينقص عن مقدار باب المعلاة، فزاد فيه وأكمله. وأحكم الزّيادة فيه، وركب فى محله يوم الجمعة ثانى عشر القعدة، وأمر السيد حسن بعمارة ما أخرب من السور؛ فعمر ذلك فى بقية شوال، وفى أول ذى القعدة. وبعث السيد حسن إلى القواد العمرة يستميلهم؛ فقدم عليه منهم جماعة أيام الحج، وسألوه فى مصافاتهم والإحسان إليهم؛ فأجابهم إلى ذلك بشرط أن ينثنوا عن ابن أخيه ويلجئوه إلى السفر إلى اليمن، فإذا فارق حلى مسافرا إلى اليمن قدموا عليه فأنالهم قصدهم، فأظهروا له الموافقة على ذلك (٢).
стр. 1719
وفيها كان فى مكة رخاء، بيعت فيه الغرارة الحنطة اللقيمية المليحة بخمسة أفلورى (١) وثلث، واللحم كل منّ بستة مسعودية، والتمر كل منّ بمسعوديتين، وكان صرف الأفلورى (١) إذ ذاك بمكة أربعة وخمسين مسعوديا، وربما زاد قليلا. ثم كان بعد الموسم غلاء شديد، وامتد إلى أوائل سنة عشرين، وكانت مدته قصيرة، بيعت فيه الغرارة الذرة بثلاثة عشر أفلوريا (١).
وفيها حج العراقيون بمحمل من بغداد على العادة، ولم يعملوا فيها ختمة بالمسجد الحرام (٢).
وحج ركب التكرور، ومعهم ألف وسبعمائة رأس من العبيد والإماء، وشيء كثير من التبر (٣).
وحج من الأعيان بالقاهرة جمال الدين عبد الله بن مقداد الأقفهسى المالكى، وخوند خديجة زوجة السلطان (٤).
стр. 1720
وحج مع الركب الشامى خاتون زوجة الأمير أيدكى صاحب الدشت (١)، وفى خدمتها ثلاثمائة فارس (٢).
وأمير الركب الأول المصرى الأمير صلاح الدين محمد الحاجب ابن الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله ناظر الخاص، (٣) وأمير/الخاص (٣). وأمير المحمل المصرى الأمير أزدمرشايا، وقاسى الحاج شدة من موت الجمال وغلاء السعر معهم (٤).
وفيها جعلت الجامات المنقوشة بالحرير الأبيض، فى جميع كسوة الجانب الشرقى، من تحت الطراز وإلى أسفل الكعبة، بعد أن انقطعت أربع سنين قبل هذه، واستمرت الجامات البيض فى كسوة الكعبة خمس سنين متوالية بعد هذه، وعمل لبابها فى هذه السنة ستارة عظيمة الحسن أحسن من الستائر الأولى (٥).
стр. 1721
وفيها أنشأ الأمير الحجازى بالمعلاة سبيلين (١): أحدهما لنفسه، والآخر للقاضى عبد الباسط (٢).
وفيها - فى ثامن شوال - وصل توقيع للقاضى أبى البركات بن ظهيرة بولايته لقضاء مكة عوض قريبه محب الدين؛ فباشر ذلك إلى خامس الحجة (٣) فعزل القاضى أبو البركات بوصول توقيع مؤرخ بأوائل القعدة للقاضى محب الدين (٣)، واستمر فيها إلى أن مات.
وفيها - فى عاشر ذى الحجة - صرف القاضى عز الدين عن الخطابة والحسبة بالقاضى أبى البركات بن ظهيرة، وما وصل الخبر بولايته لذلك إلا بعد موته بنحو خمسة وعشرين يوما؛ لأن القاضى أبا البركات مات فى ثانى عشر ذى الحجة، وكان القاضى عز الدين وجعانا، وكان ينوب عنه أخوه أبو الفضل فى الخطابة والنظر والحسبة، فلما وصل الخبر بولاية القاضى أبى البركات بعد موته باشر نائب القاضى عز الدين الخطابة والحسبة مع نظر الحرم إلى أن توفى القاضى عز الدين (٤).
стр. 1722
وفيها - فى أول ذى القعدة - ولى الشريف أبو البركات محمد ابن أبى الخير محمد بن عبد الرحمن الحسنى الفاسى إمامة المالكية بالمسجد الحرام، بتفويض من صاحب مصر، لا من قاضى القضاة الشافعى، ووصل إلى مكة فى خامس الحجة، وفى بكرة سادس الحجة منها، قرئ توقيعه بالإمامة بحضرة أمير الحاج وغيره من الأعيان، وباشر الصلاة من ظهر هذا اليوم (١).
وفيها مات شميلة بن محمد بن حازم بن شميلة بن أبى/نمى الحسنى، فى المحرم (٢).
وظهيرة بن حسين بن على بن أحمد بن عطية بن ظهيرة، فى ليلة الخميس عاشر صفر (٣).
وأبو المكارم [محمد] بن أبى البركات [محمد] بن ظهيرة، فى عشية يوم الأربعاء تاسع عشر صفر بالقاهرة (٤).
وإبراهيم بن القاضى عز الدين [محمد] النويرى، فى ربيع الأول بالقاهرة (٥).
стр. 1723
وأبو بكر بن محمد بن على الكيلانى، فى اليوم العاشر من ربيع الآخر (١).
والشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد الوانوغى، فى سحر يوم الجمعة تاسع عشرى ربيع الآخر (٢).
والشريف هبة بن أحمد بن عميرة الحسنى، فى ربيع الثانى، أو جمادى الأولى (٣).
ومسعود بن هاشم بن غزوان، فى سادس عشرى جمادى الأولى (٤).
والشيخ أحمد بن يوسف بن عبد الرحمن الأهدل، فى ظهر يوم السبت ثامن عشرى شعبان (٥).
وأحمد بن عبد الله الدورى الفراش، فى سحر يوم الجمعة رابع عشر شوال (٦).
стр. 1724
وأحمد بن على بن أبى القاسم بن محمد بن حسن بن سعيد، مقتولا فى ليلة الجمعة رابع عشر شوال (١).
والشريف أحمد بن على الفاسى، فى يوم الجمعة حادى عشرى شوال (٢).
والقائد سنان بن راجح بن محمد بن عبد الله بن عمر بن مسعود العمرى، وكان جرح فى القتال الذى بين الشريفين حسن ورميثة، فتعلل به حتى مات فى ذى القعدة (٣).
والشهاب أحمد بن مفتاح القفيلى، فى العشر الأول من ذى الحجة قبل عرفة بأيام قليلة (٤).
وقاضى ينبع أحمد بن راشد الينبعى الزيدى، فى يوم النفر الأول أو الثانى (٥).
стр. 1725
والقاضى أبو البركات [محمد] بن ظهيرة، بعد الحج فى ليلة الخميس ثالث عشرى ذى الحجة (١).
وأم الخير بنت الشيخ أبى العباس بن عبد المعطى (٢).
***
«سنة عشرين وثمانمائة»
فيها بعث السيد حسن إلى بعض خواصّ ابن أخيه رميثة يستميله بالدخول فى طاعته، فمال إلى ذلك ابن أخيه لما بلغه عن القواد، ولتقصير من معه من موالى السيد عجلان وابنه أحمد بن عجلان فى حقه؛ لقلة طواعيتهم له، ولإمساك سعيد جبروة يده عن إعطائه ما ظن رميثة أن صاحب اليمن بعث به إليه: من النقد والكسوة والطعام على يد سعيد جبروة؛ فإن صاحب اليمن كان استدعى سعيدا ليوصله برا لنفسه ولرميثة.
وقدم رميثة إلى مكة بإخوته وزوجته - وهى أعظم من حمله على ملايمة عمه - وكان عمه قد توجّه/من مكة لقصد الشرق، ولما أتاه الخبر بإقبال ابن أخيه إليه أمر خواصّ غلمانه بتلقيه وكرامته،
стр. 1726
فخرجوا للقائه موكبين له، ودخل معهم مكة فى يوم الخميس تاسع عشر صفر؛ فأنزلوه بمكان أعدوه له، وكسوه وضيّفوه وخدموه؛ واستحلفوه فى جوف الكعبة يوم الجمعة عشرى صفر على إخلاص الودّ منه لعمه، وحلفوا له على ذلك عن أنفسهم وعن عمه، واستحلفوا إخوته كذلك لعمهم، وحلفوا لهم. وبعد أيام قليلة مضى رميثة وإخوته لعمهم خاضعين؛ فأكرم ملاقاتهم، وأحسن إليهم، وبالغ فى الإحسان إلى رميثة، وأظهر للناس الاغتباط به كثيرا.
وما سهل ذلك بأكثر بنى حسن؛ لعلمهم أن حالهم لا يروج كثيرا إلا فى زمن الفتنة.
وعاد الشريف حسن هو وأولاد أخيه ومن معه من الأشراف إلى مكة فى جمادى الأولى. ورام السيد حسن خفض (١) القواد العمرة والحميضات، وأخذ ما معهم من الخيل والدروع، وألزمهم بذلك أو الجلاء من بلاده ومحل ولايته، وأجّلهم للجلاء نحو نصف شهر.
وعاد إلى الشرق، وأمر بعض خواصه بأخذ المطلوب من القواد أو إخراجهم من البلاد، وظن أنه لابد من حصول أحد الأمرين؛ لإطماع الشرفاء ذوى أبى نمى وذوى عبد الكريم [بالموافقة على ذلك والمساعدة له عليه، فتلطّف القواد بالشرفاء] (٢) وخضعوا لهم وخوفوهم من غائلة هذا؛ لما فيه من إضعاف الفريقين، فإن الشرفاء كانوا وافقوه على
стр. 1727
تسليم خيلهم ودروعهم، فإذا فعل ذلك القواد ضعفوا، وقصد الأشراف بذلك إضعاف القواد، فمال الشرفاء لقول القواد، وأعطو للشرفاء دية قتيل شريف، قتله بعض القواد فى دولة رميثة، وكان القواد ممتنعين من ديته ويقولون: نحاسبكم به مما لنا عندكم من القتلى.
وتحالف الفريقان على الأذى، واستعطف القواد ذوى رميثة أولاد أحمد ابن ثقبة بن رميثة، وأولاد على بن/مبارك ولفيفهم؛ فعطفوا على القواد، ومالوا لما مال إليه ذوو أبى نمى، وحلفوا عليه.
وبلغ ذلك الشريف حسنا؛ فعاد من الشرق إلى مكة فى أوائل النصف الثانى من رجب، وقصد وادى مرّ، ونزل على الأشراف ذوى أبى نمى، ولم يجد أكثر الشرفاء على ما كان يعهد منهم، وهم مع ذلك يظهرون له الطاعة والموافقة على قصده، ويشرطون عليه فى ذلك أن يجزل الإحسان إليهم بالمال والخيل والدروع. وتوقف هو فى ذلك؛ لما عهد فى الفريقين من الأخذ وعدم الإسعاف بالقصد، كعادة أسلافهم [مع أسلافه] (١). ونزل القواد والأشراف الذين معهم بالعدّ مع ذوى ثقبة ومبارك ولفيفهم جدة واستولوا عليها، فى يوم الخميس تاسع عشر رجب، وأقاموا الشريف (٢) ميلب بن على بن المبارك، والشريف ثقبة بن أحمد بن ثقبة سلطانين، وجعلوا لكل منهما بجدة نوابا، واستولوا على ذرة كثيرة بجدة؛ نحو خمسمائة غرارة، وجبوا
стр. 1728
بعض الجلاب التى وصلت فى هذا التاريخ؛ فشقّ ذلك على الشريف حسن، وحمله الشرفاء على النزول عندهم بالدكناء (١) ففعل. ثم رحل إلى الجديد ثم إلى حدّا. وأشار عليه جماعة من الشرفاء بأن يذهبوا عنه إلى القواد - وكانوا نزولا بالعد مع جماعة من آل أبى نمى ومع ذوى ثقبة وذوى مبارك - ليأمروا المشار إليهم بالدخول فى طاعته، ويخوفوهم من عائلته؛ فمضى جماعة من الشرفاء الذين فى خدمة السيد حسن إلى الذين بالعد وأقاموا (٢) عندهم مدة وعادوا إلى الشريف بما لم يعجبه، وحضوه على الإحسان إلى الذين بالعد، وأن يلين لهم جانبه، فلم يمل لذلك؛ لما غلب على ظنه - وهو الواقع - من أن الإحسان إليهم لا ينال به منهم قصدا.
ثم أرسل السيد حسن، ابن أخيه السيد رميثة فى طائفة من عسكره إلى جدة، فاستولوا عليها - وكانت خالية من أكثر المباينين له.
وتواطأ الأشراف والقواد على أن يرحل جماعة من القواد/ بأهليهم من العد حتى ينزلوا فى حلّة الأشراف بالدكناء بوادى مرّ؛ للاستنصار بالأشراف؛ ففعل القواد ذلك لخوفهم، فأكرمهم الأشراف. وقصد المريدون لذلك من الأشراف أن الشريف إذا أمرهم بقتال القواد ومن انضم إليهم، قال له الأشراف: كيف نقاتل من
стр. 1729
استجار بنا، ونزل بحلتنا؟! لكون ذلك لا يحسن عند العرب. ولما اتفق ذلك خرج جماعة من آل أبى نمى وذوى مبارك وغيرهم من الدكناء لقصد مكة؛ فخرج إليهم منها نائبها مفتاح الزفتاوى (١) - فتى السيد حسن - فى طائفة من عبيد مولاه، ومن الترك الذين فى خدمته، ومن المولدين وغيرهم، والتقى الفريقان بقرب الموضع المعروف بعين أبى سليمان فى يوم السبت ثانى عشر رمضان، فاستظهر الأشراف والقواد ومن معهم على الذين خرجوا من مكة لقتالهم، وخفروا (٢) جماعة من عسكر مكة وأخذوا خيلهم وسلاحهم - وكان عدد خيل الشرفاء والقواد أربعين، وعدة خيل أهل مكة عشرين، ورجلهم مائة وستين عبدا - ولجأ الزفتاوى إلى جبل قرب المعركة، وما زال به حتى قتل وغيره من جماعته. وقتل من الشرفاء فواز بن عقيل بن مبارك بن رميثة بن أبى نمى الحسنى (٣)، وبإثر موت (٤) مفتاح الزفتاوى ظفر ورجع الشرفاء ومن انضم إليهم إلى العد. ونقل مفتاح وغيره من القتلى من أصحابه إلى المعلاة، فدفنوا بها فى ليلة الأحد ثالث عشر رمضان. وشقّ على السيد حسن كثيرا ما صدر منهم، وقتلهم لنائبه. ثم سعى جماعة من الشرفاء من ذوى أبى نمى وغيرهم فى الصلح بينه وبين الذين بالعد على مال يبذله لهم
стр. 1730
الشريف حسن، ولا يحدثون حدثا فى طريق من طرق مكة إلى انقضاء هذه السنة وعشرة أيام من المحرم من السنة بعدها، فرضى بذلك الفريقان، وتعاقدوا عليه، وتوافقوا، وأحسن إليهم الشريف بتسليم ما وقع التفاق على تسليمه معجلا، واطمأن الناس.
وفيها استدعى السيد حسن - من حلى ومن اليمن - الذين خرجوا عن طاعته ولايموا ابن/أخيه رميثة وقاتلوه من عبيد أبيه وأخيه وأولاده، فوصلوا إليه فى آخر ذى القعدة، وأقرّهم على رسومهم التى كانوا عليها قبل خروجهم (١) عن طاعته.
وفيها - فى المحرم - كتب المؤيد صاحب مصر إلى الناصر صاحب اليمن، على يد سفيره القاضى مفلح التركمانى كتابا يستعطفه على السيد حسن، وذكر فيه شيئا من حاله، فمن الكتاب المذكور:
أما الشريف حسن بن عجلان فإنه بلغنا أنه طابق تسميته بالعكس، فرسمنا بطرده، وقلنا هذا الكدر لا يليق عند سكّان الصفا، فقربنا إليهم المسرّة ببعده، وعلمت أهل مكة منا بذلك؛ فأنكرت مشاركته فى البيت، وأخرجته من الحرم الشريف، وأغلقت الأبواب. وقالت هيت. وانقطع أمله من ورود زمزم وقد جرعته كئوس البين مرارة الإصدار، وتيقّن قتل نفسه عند خروجه من الديار، ولم تتعرف به عرفات لما طرد منكرا على وجل (٢)، ولا أمكنه أن يقول
стр. 1731
بعدها: سآوى إلى جبل، وأيقن أن يصاب من كنانة مصر بسهام يبلغ بها المقام الغرض، ويقول ببلاغة وإيجاز: سهم أصاب وراميه بذى سلم من الحجاز، وعلمنا أن سيفنا المؤيدى لابد أن يسبق فيه العذل، ويدخله فى خبر كان، وتتنغص حياته، ويأتيه الموت كأبيه عجلان.
ويمسى اليمانى نائما ملء جفنه … ومن كثرة التطويل يختصر الرمح
كذاك مديد البحر يمضى زحافه … بتقطيعه قهرا ويتّضح الشرح
وفى خدّه يمسى السرور مجدّدا … وللطير فى أفنانها بالهنا صدح
ويعذب من عيذاب أرياق ثغرها … وشام بها من لذة الشّرب ما يصحو
وأعداؤنا أعداؤكم غير أنهم … ظلام محاه من صداقته القبح (١)
ونزل بعد ذلك على الطور، فقال له لسان الحال: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ * إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ (٢) وفهم إغراب سيفنا عن صرفه، فصرف نفسه ولم يتقوّ على الصرف بمانع، وتحقّق أنه فعل فاحشة وظلم نفسه؛ فذكر الله [تعالى] (٣) واستغفر لذنبه، واستجار بقوله تعالى ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا﴾ (٤) إلى آخر
стр. 1732
الآية. فرأينا العفو أليق به، وعلى كل حال فهو شريف ورتبته فى الشرف رفيعة، وقد تاب من ذنبه، وطمع فى أن يكون المقام الأحمدى شفيعه، والتزم/بالتوصل إلى رضاء الخواطر الكريمة عليه، وبرد الأمانات إلى أهلها؛ ليفوز بالتفات العواطف الناصرية إليه، وأقسم بالبيت العتيق أن يتقرب إلى المقام بإخلاص جديد، وقال: كل أحد يعرف أن الحنوّ الأحمدي على الحسن غير بعيد. انتهى.
وهذا الكتاب من إنشاء تقى الدين بن حجة (١).
وفيها - فى النصف الثانى من شوال - قدم السيد بركات من مصر فى تجمل زائد، والتزم عنه وعن أبيه الأمير فخر الدين الأستادار بمال للسلطان؛ فسرّ به والده، وطاف السيد بركات بالكعبة ودعى له على زمزم كعادة أمراء مكة، وصار أبوه ينوه له بالإمرة ويقول لبنى حسن وغيرهم: هذا سلطانكم (٢).
وفيها - فى سابع عشر المحرم - وصل توقيع بوظيفة قضاء المالكية للإمام أحمد بن على النويرى عوضا عن القاضى التقى الفاسى، مؤرخ بعاشر الحجة سنة تسع عشرة، ولم يباشر ذلك أحمد لاختفائه خوفا من تعب يناله من أمير مكة السيد حسن بن عجلان؛
стр. 1733
لكونه لم يتوسط له بخير عند أمير الركب التكرورى فى سنة تسع عشرة، وكان (١) معه مال كثير للصدقة، وظن أن حاله يمشى بولايته للقضاء، فلم يتفق ذلك، واستمر مختفيا حتى أرضى أمير مكة.
ووصل قبل ذلك فى رابع جمادى (٢) الأولى توقيع يتضمن استقرار القاضى تقى الدين فى وظيفته لقضاء المالكية بمكة وأعمالها وما كان معه، وذلك مؤرخ بأول ربيع الآخر.
وفيها - فى اليوم الرابع أو الخامس من جمادى الأولى - وصل توقيع سلطانى من مصر، وخط القاضى الشافعى بولاية إمامة المالكية لأحمد بن على النويرى وأخيه أبى عبد الله عوضا عن محمد بن أبى الخير الفاسى (٣).
وفيها وصل للقاضى أبى السعادات محمد بن القاضى أبى البركات بن ظهيرة القرشى توقيع بخطابة المسجد/الحرام ونظره، فعارضه فى ذلك الأمير تغرى برمش التركمانى بتوقيع وصل للقاضى عز الدين بالوظائف المذكورة مع الحسبة، وأن يكون أخوه أبو الفضل نائبا عنه فيها، بعد التوقيع الذى وصل للقاضى أبى السعادات بأيّام قليلة؛ باعتبار تاريخهما، وكان وصولهما إلى مكة معا فى يوم واحد.
واتفق أن القاضى عز الدين مات قبل وصول توقيعه؛ فرأى تغرى
стр. 1734
برمش وغيره من أعيان مكة أنّ توقيع القاضى عز الدين ناسخ لتوقيع أبى السعادات، ومانع (١) له من المباشرة. ونازع القاضى أبو السعادات فى ذلك بحضور صاحب مكة وغيره من قضاتها وتغرى برمش، وتعلّق فى ذلك بمثال شريف إلى أمير مكة، يتضمن إعلامه بولاية القاضى أبى السعادات، وذكر أنه كتب بعد توقيع عز الدين، ونسب إلى زيادة «ين» فيه بعد عشر، وإنما هو مؤرخ بخامس عشر صفر، وصمّم تغرى برمش على منعه من المباشرة؛ فأساء فى حقه القاضى أبو السعادات. ووافق صاحب مكة وغيره من أعيانها على ما اختاره تغرى برمش (٢) من منع القاضى أبى السعادات من الخطابة (٢).
وفيها سعى بعض الناس عند بعض حكام مكة من جهة الدولة فى الإذن بأن توقد مشاعل المقامات، ويمدح على المنائر فى ليلة هلال رجب؛ ففعل ذلك فى هذه الليلة. ولما عرف بالوقيعة تغرى برمش خرج من بيته بالمدرسة المجاهدية لمنع ذلك - ولم يكن له علم بموافقة الحاكم على ذلك - فناله من العامة أذى عظيم من عظيم الذم، وربما أن بعضهم أوقع به الفعل، ولولا دفع من يعرفه من الترك عنه لكثر تضرره مما ناله من ذلك. وكان ذلك فى غيبة صاحب مكة
стр. 1735
عنها، فلما حضر إليها أنكر على من أمر به أو أشار به من جهته وغيرهم، وأمر باتباع تغرى برمش فى ذلك؛ فلم يتجاسر أحد على فعل ما يخالفه حتى مات تغرى برمش (١). /
وفيها - فى ثالث ذى الحجة - كسيت الكعبة إسدالا لجميعها (٢).
وفيها حج العراقيون بمحمل من بغداد، ولم يعملوا فيها ختمة فى المسجد الحرام (٣).
وكان أمير الحاج المصرى الأمير يشبك الدوادار، ولما انقضى الحج وزار المدينة الشريفة توجه صحبته الركب العراقى؛ خوفا أن يصيبه من السلطان بمصر ما أصاب أقباى صاحب الشام (٤).
وفيها عزل القاضى عبد القادر الحنبلى عن نيابة الحكم (٥).
وفيها عمّر الشيخ على بن محمد بن يحيى البعدانى ما شعث من مسجد الخيف (٦).
стр. 1736
وفيها مات القاضى عز الدين النويرى، وليلة الأحد حادى عشرى ربيع الأوّل، وولى بعده الخطابة والحسبة ونظر الحرم أخوه أبو الفضل (١).
وفيها مات داود بن موسى الغمارى، فى يوم الخميس مستهل المحرم (٢).
والشيخ أبو بكر بن محمد [بن موسى بن عمر] الجبرتى، المعروف بالمعتمر - لكثرة اعتماره - فى يوم السبت سابع عشر المحرم (٣).
والجمال محمد بن كحل العزّىّ، فى المحرم (٤).
والشيخ مهنّا بن أبى بكر بن إبراهيم الدنيسرى، فى آخر ربيع الأول (٥).
стр. 1737
والشهاب أحمد بن العفيف عبد الله بن محمد بن على الهبّى، فى جمادى الأولى بجدة، وحمل إلى مكة (١).
والقاضى ناصر الدين محمد بن عبد الله المحلى، فى أحد الربيعين بطريق الطائف، وحمل إلى مكة (٢).
والشيخ موسى بن على المناوى، فى يوم الاثنين ثانى عشرى شعبان (٣).
والقائد مفتاح الزفتاوى الحسنى، فى يوم السبت ثانى عشر رمضان (٤).
وفاطمة بنت الرضى محمد بن الشهاب أحمد بن الرضى الطبرى، فى رمضان (٥).
والقائد على بن جسّار بن عمر بن مسعود العمرى، فى شوال، بالعدّ من منازل بنى حسن، ونقل إلى مكة فدفن بالمعلاة (٦).
стр. 1738
والشريف أحمد بن مبارك بن رميثة بن أبى نمى الهدبانى، فى شوال أو ذى القعدة، وحمل إلى مكة فدفن بالمعلاة (١).
والجمال المصرى محمد بن أبى بكر بن على بن يوسف الذّروىّ، فى ليلة الجمعة خامس/عشر القعدة بزبيد (٢).
والقائد عبد الكريم بن على بن سنان بن عبد الله بن عمر بن مسعود العمرى، فى آخر ذى الحجة (٣).
والشيخ أحمد الخوّاص، غريقا وهو متوجه إلى سواكن (٤).
***
стр. 1739
«سنة إحدى وعشرين وثمانمائة»
فيها - فى صفر - وصل التجار من اليمن [أكثر] (١) من [كل] (١) سنة، من غير توقف فى الدخول إلى جدة لإذن السلطان لهم فى ذلك، وكان دخولهم بغير إذن من السلطان باليمن، وإنما ذلك اختيار المقدمين (٢). ولما دخلوا إلى جدة لم تشوّش عليهم نوّاب الشريف، وساهلهم الشريف فى المكس المتعلق بحمل السلطان، وأمر التجار بقصد جدة؛ فقصدوها ثانيا، ومضوا لبلادهم - بعد الحج - وهم سالمون من النهب - ولله الحمد.
وفيها - فى شهر ربيع الأول - أظهر السيد حسن أنه تخلّى عن إمرة مكة لابنه السيد بركات، بحيث أجلسه على المفرشة بالمسجد الحرام، وجلس هو على مفرشة عنده، وأمر من فى خدمته بالحلف له؛ وأمرهم بالخروج فى خدمته والنزول بالركانى فى وادى مرّ، ففعلوا لأن أكثر الذين بالعدّ من ذوى رميثة وذوى أبى نمى والقواد رحلوا من العد حتى نزلوا حدّا، ولم يسهل بالسيد حسن نزولهم بحدّا؛ لأن جماعة من وجوه القواد كانوا ذكروا للشريف أن الذين بالعد لا يرحلون عنه إلى غيره إلا باختياره. ولما نزل السيد بركات ومن معه الركانى لم يسهل ذلك بالذين نزلوا بحدّا ورغبوا أنّ الشريف يأمر ولده بالرحيل
стр. 1740
عنهم إلى الجديد ونحوه من وادى مرّ، ويدخلون بأجمعهم فى طاعته، ويمضى إلى الشرق فإنه يختار ذلك، ولا يحدثون حدثا إلى انقضاء هذه السنة وعشرة أيام من التى بعدها؛ فوافق الشريف على ذلك، وأجابهم إلى ما سألوه من الإحسان إليهم بما عوّدهم به فى كل سنة - قبل الفتنة - على عادتهم فى أخذ ذلك منجما، وأعطى ذوى مبارك دية رضوها فى فوّاز بن عقيل بن مبارك، مع كونه يرى أنها لا تلزمه (١)، وحمله على ذلك حبّه لحسم مواد الشر، وما انطوى/عليه من حبّ الصفح والحلم.
وفيها - فى ربيع الأول - خرج السيد أحمد بن حسن عن طاعة أبيه؛ لكونه قدم أخاه بركات عليه فى الإمرة، وأرسل إليه أبوه من يستعطفه، ويعده عنه بذهب ومركوب؛ فلم يمل السيد أحمد لذلك، واجتمع عليه جماعة من الطماعة، ومضوا إلى جدة، وتخطفوا منها أشياء ولم يسهل ذلك بالسيد حسن، ثم إن كثيرا من الذين كانوا معه تخلّوا عنه؛ لملامة أقاربهم لهم على ملائمته؛ لكون ذلك لا يرضى أباه. ولما عرف هو ذلك حضر إلى حدّا (٢) ونزل بها، ثم دخل فى الطاعة، وأقام على ذلك وقتا، ثم خالف ومضى إلى ينبع، وأتى منها مع الحاج إلى أبيه بمكة، فلم ير ما يعجبه؛ فعاد مع الحاج إلى صوب ينبع بعد الحج من هذه السنة.
стр. 1741
وفيها - فى حادى عشرى ربيع الأول - وصل من صاحب مصر إلى السيد حسن كتاب فيه إعلامه بقوّة عزمه على الحج فى هذه السنة، وأمره بتسلم ما وصل من الغلال إلى جدة، ونقل ذلك إلى مكة، واحتفاظه بذلك. وفيه مطالبة بعشرة آلاف مثقال، بقيت عنده من الثلاثين الألف مثقال التى التزم بها للخزانة؛ لما سأل العود إلى إمرة مكة المشرفة، ثم انثنى عزم السلطان فى شعبان [عن الحج] (١) وكتب ببيع الغلال المجهزة فى البحر.
وفيها - فى العشر الأول من ربيع الآخر - توجه السيد حسن من مكة قاصدا للشرق، وعدل إلى صوب الطائف فخرب أماكن بلقيم (٢) والعقيق (٣) ووجّ من وادى الطائف خرابا كثيرا، وهدم حصنا لعوف بليّة؛ وسبب ذلك توقّف أهل الأماكن المشار إليها (٤) عن [تسليم] (٥) ما قرّره عليهم من القطيعة (٦) لزيادتها على العادة (٦)
стр. 1742
مع ما هم فيه من ضيق الحال بسبب الجباية التى أخذها منهم فى العام الماضى. ومع ذلك فما وسع أهل الأماكن المشار إليها إلا استعطافه وتسليم ما رضيه، واتهموا جويعد بن نمير صاحب أبى الأخيلة بأنه أغرى بهم السيد حسن بن عجلان. /فلما عاد السيد حسن من الشرق إلى مكة خادعوا جويعدا واستحضروه إليهم بقرية (١) السلامة، ومنعوه من الخروج من المنزل الذى اجتمعوا فيه، وقصد طائفة كثيرة منهم حصنه أبا الأخيلة فأخربوه خرابا فاحشا، ثم أطلقوه سالما فى بدنه.
وفيها بعث السيد حسن ولده السيد إبراهيم إلى بلاد اليمن؛ مستعطفا لصاحبها الناصر، فعطف عليه كثيرا بعد أشهر وجهّزه إلى مكة بعد أن أمر له بصلة متوسطة (٢).
وكتب الناصر صاحب اليمن إلى المؤيد صاحب مصر جواب كتابه الذى كتب له فى سنة عشرين من جهة السيد حسن. فمن الكتاب المذكور: وأما الإيماء إلى الصفح عن الشريف بدر الدين فما كان إلا صديقا صدوقا ورفيقا، ثم بدا له فى ذلك؛ فأخذ ينقض غزل
стр. 1743
تلك الصداقة بعد القوة، ويحل عرى ذلك الرفق عروة عروة، ويحدث على التجار كل عام حادثة، وكلما تضجروا من واحدة أتبعها بثانية وثالثة؛ حتى تواصلت بشكواه الألسنة [فأردنا إيقاظه من هذه السّنة] (١) بأن ينقل موسم التجار إلى ينبع، وأن تشحن المراكب بالمقاتلة صيانة لها عن التتبع؛ ليعلم أن العدل هدى وعمارة، وأن الجور خراب وخسارة. ولما حصلت الإشارة الشريفة بتلافى ما فرط منه، وتدارك ما يصدر عنه أرسل ولده. وشرط على نفسه هذه الشروط الصادرة، وقد تحاملنا فيها على التجار لنطيب خاطره؛ فإن زيادتها على ما كان يأخذه سلفه منهم ظاهرة، وأردنا أن يكون تمام ما بدأ به المقام الشريف على يديه، ويعرف ما شرط على نفسه [لينفذه ويقضى به عليه. فقد رضينا جميعا بأن يكون هو الحاكم، والآخذ على يد الظالم، وحتى يعلم] (٢) من يحور بعد الكور (٣)، ويركب مطية الخلف والجور، ويسأله كتب منشور عن المرسوم الشريف، يستعصم به السّفر والتجار عند الحاجة إليه، ويشار فيه إلى أمير الحاج أن يكون فى الوفاء به شاهدا وحاكما عليه، فما ينتقض أمر أبرمته/عنايته، ولا يضل سالك أرشدته هدايته. انتهى.
стр. 1744
وهذا الكتاب من إنشاء شيخنا القاضى شرف الدين بن المقرى (١).
وفيها عرف المؤيد صاحب مصر بقلة ماء عين حنين، وما لقى الناس بمكة من الشدة بسبب ذلك؛ فتطوّع بألفى مثقال ذهبا لعمارة هذه العين، وندب القائد علاء الدين على بن محمد لعمارة ذلك؛ فشرع فى العمارة والتنظيف والإصلاح فى جمادى الآخرة، حتى وصل الماء إلى مكة فى شعبان. ثم قلّ جريان الماء فى العين المذكورة، بعد قليل من جريانها الأول [، ويسر الله دخول سيل فيها فجرت جريا أحسن من جريها الأول] (٢)، وصرفت إلى بركتى (٣) المعلاة اللتين على يمين الداخل إلى مكة؛ فامتلأتا، وحصل نفع كبير للحجاج، ولم يبق فيهما بعد سفر الحاج ما فيه كثير نفع. وغلا الماء كثيرا، وشق ذلك على الناس.
وفيها عمّر علاء الدين القائد البركتين بباب المعلاة عمارة حسنة؛ لإصلاحهم بالنورة كل ما يحتاج إلى الإصلاح فيهما، ونوّروا فى بعض الجدران ما لم يكن منورا قبل ذلك، ورفعوا جميع جوانبها
стр. 1745
عن الأرض، والذى رفعوه من ذلك نحو ذراع، وفى بعض المواضع أكثر، وعمدوا إلى الحاجز الذى بين البركتين فهدموا الجدار الذى يليه إلى صوب الطريق العظمى، وبنوا هناك ثبرتين (١)، وعملوا عليهما عقدا مشرفا، وعملوا فى موضع العقد بابا شبحا من عرعر، يغلق دون الصغار، ومن يريد النزول إلى الماء؛ خوفا من تغيره بالنزول فيه، وعملوا تحت الباب درجا (٢).
وعمّر علاء الدين أيضا دار الخيزران عند الصفا (٣).
وفيها كان بمكة رخاء فى الذرة والعسل؛ بيعت الغرارة بمكة بثلاثة أفلورية، وفى جدة بأفلورى ونصف وبأفلوريين وربع، وبيع العسل بمكة السبعة أمنان بأفلورى. ثم حصل غلاء فى جميع المأكولات فى بقية هذه السنة (٤).
وفيها - فى ثالث ذى الحجة - كسيت الكعبة الشريفة إسدالا سترا لجميعها، وكسيت فى ثلاث/سنين متوالية بعد هذه السنة فى ٣٥٠ هذا التاريخ، وبعده قبل اليوم السادس من ذى الحجة (٥).
стр. 1746
وفيها لم يحج العراقيون من بغداد، ووقف الناس يوم الجمعة اتّفاقا منهم (١).
وكان أمير الحاج المصرى الأمير جلبان أمير آخور (٢).
وفيها عزل القاضى عبد القادر الحنبلى عن نيابة الحكم (٣).
وفيها - فى آخرها - عزل الشيخ نجم الدين المرجانى عن نظر المدارس الرسولية (٤).
وفيها مات الشيخ حسين بن على الزّمزمى، فى ليلة الجمعة ثالث عشرى الحجة (٥).
***
«سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة»
فيها - فى أولها - وصل الطيب بن مكاوش سفير صاحب اليمن فى ثاية (٦) فيها حمل السلطان وغيره.
стр. 1747
وفيها توجّه السيد حسن إلى صوب اليمن ناحية الخريقين (١)، وجاوز ذلك وراسل صاحب حلي محمد بن موسى بن أحمد بن عيسى الحرامى، فى أن يزوجه أخته، ورغب فى أن تزفّ إليه، فأجابه إلى تزوجها، وشرط حضوره إليهم، فأعرض عن الحضور إليهم، وأتى مكة فى حادى عشر ربيع الآخر.
وفى آخر اليوم الثانى عشر من ربيع الآخر توجّه السيد حسن لصوب الشرق؛ لأنه بلغه أنه كثير المطر، وليقوى به أمر العسكر الذين أرسلهم إلى الطائف وليّة لقبض القطيعة التى قرّرها على أهل الطائف وليّة. فلما وصل العسكر أخربوا أماكن بلقيم والعقيق ووجّ من وادى الطائف، وأمر بإخراب حصن الطائف المعروف بحصن الهجوم، بسعي جماعة من الحمدة عنده فى ذلك، فأخرب جانب كبير منه، وأعان المخربين له على إخرابه (٢)؛ وذلك أن بعض أعيان عسكر الشريف استدعوا بعض أعيان أصحاب الحصن فحضروا إليهم - لا يشعرون بما يريده عسكر الشريف - فلما حضروا إليهم أوثقهم عسكر الشريف، وساروا لإخراب الحصن؛ فرماهم منه بعض النسوة اللائى (٣) به، وكادوا (٤) يحمونه. ثم قيل لمن فيه: إما أن/
стр. 1748
تسلموا الحصن وإلا ذبحنا الذين عندنا منكم. فرقّ لهم الذين بالحصن وسلموه فهدم. ثم سعى أصحابه عند الشريف فى أن يوقف (١) عسكره عن هدمه، وفى عمارته فأجابهم لقصدهم، وأعادوا كثيرا مما هدم بالبناء. وأمر بإخراب الموضع المعروف بأم السكارى (٢) - جبل بالسلامة (٣) من وادى الطائف - لأن الذين بنوا فيه من الحمدة هم الذين قاموا فى هدم حصن أبى الأخيلة:
حصن جويعد، لانتمائه إلى الشريف، فهدم ذلك هدما دون هدمه الأول. وعاد الشريف إلى مكة بعد أن صارت إليه القطيعة التى قررها على أهل الطائف وليّة، وسلك فى طريقه طريق نخلة اليمانية. فلما كان بالزيمة منها أمر بقطع نخيل فيها وإخرابها؛ لعتبه أمرا على أهلها، فاستعطفوه وهادوه بخيل. ومضى منها إلى خيف بنى عمير ثم إلى المبارك ثم إلى وادى مرّ، وأتى إلى مكة أثناء رجب.
وفيها - فى شعبان - تزوج السيد أبو القاسم بن حسن … (٤).
стр. 1749
وفيها - فى شعبان - ظهر من الشريف حسن ميل إلى القواد العمرة على الشرفاء آل أبى نمى، ولفيفهم من القواد العمرة. وكان قد حصل بينهم فى غيبته فى هذه السنة كدر، سببه أن القائد مقبل بن هبة بن أحمد بن سنان بن عبد الله بن عمر العمرى استغفل السيد جلبان بن أبى سويد بن أبى دعيج بن أبى نمى الحسنى فضربه بالسيف ليلا وهو متوجّه إلى مكة فحمى لجلبان قومه، واحترز منهم القواد العمرة، واستنصروا عليهم، وامتنعوا منهم إلى أن وصل الشريف من الشرق، فاستماله القواد [فمال] (١) معهم، وأمر الأشراف ولفيفهم من القواد ألا ينزلوا بحدّا بطريق جدة. [فخالفوه؛ فلم يسهل به ذلك، وكثر ميله ونصرته للمعاندين للشرفاء من القواد؛ فتعبوا لذلك، ورحلوا من حدّا] (١) بعد إقامتهم بها شهر رمضان وأياما من شوال، بعد أن صرف لهم نحو ألف وخمسائة أفلورى.
وفيها - فى شوال - أتت الجلاب/من صوب اليمن، فيها ما خرج من حمل مراكب الكارم التى انصلحت برأس المخلاف فى صفر؛ فحصل للسيد حسن منها مبلغ جيد، ثم وصلت المراكب الكارمية إلى جدة فى آخر ذى القعدة، فصالح السيد حسن التجار الذين بها على عشرة آلاف أفلورى بعد وصوله إلى مكة لملاقاة الحاج (٢).
стр. 1750
وفيها بعث علاء الدين القائد لعمارة عين بازان؛ فعمّر فيها ما لم يعمّر فى النوبة الأولى، وبعض ما عمّر فيها لتخربه بالسيل، ووصل الماء إلى مكة بعد ذلك فى آخر صفر، وكان جريانه قليلا؛ فزادوا فى هذه العمارة حتى [كثر] (١) جرى الماء، وعظم النفع به، بحيث بيعت الراوية بنصف مسعودى، وبجايز، وبدرهم؛ وهذا أكثر ما بيعت به الراوية بعد عمارة العين فى النوبة الثانية، وكان جريانه القوى فى هذه العمارة فى ربيع الأول. ثم بلغ إلى البركة التى بأسفل مكة خارج باب الماجن.
وفيها - فى سابع ربيع الأول - هدمت ظلة المؤذنين التى فوق البيت الذى فيه بئر زمزم؛ لخرابها وخراب أساطينها الخشب من أكل الأرض لذلك، وسلخ من هذا البيت جميع الجدار الذى يلى الكعبة، والجدار الشامى الذى يلى مقام الشافعى من أعلاها إلى أسفلها وبنى ما سلخ من الجدارين حتى كمل بناؤهما بحجارة منحوتة فى غالب ذلك، وحجارة غير منحوتة، بعد أن وسعوا فى عرض الجدارين، ووسعوا الأحواض التى فيها من داخل البيت، وكل ذلك مبنى بالنورة وعمل ذلك جميعه على هيئته الموجودة الآن، وفرغ من عمل ذلك كله فى رجب من هذه السنة. والمتولى لمصرف هذه العمارة الخواجا شيخ على الكيلانى (٢).
стр. 1751
وفيها - فى رجب وشعبان - عمّر كثير من رخام الحجر بالجبس عمارة حسنة، وكان قد تداعى للسقوط (١).
وفيها - فى النصف الثانى منها - كان غلاء؛ بلغت الغرارة/ الحنطة عشرين أفلوريا وزائدا، والذرة قريبا من ذلك، والحمل الدقيق خمسة وعشرين أفلوريا، وعمّ الغلاء سائر المأكولات، وفحش فى السّمن كثيرا، إلى أن بلغ المنّ فى آخر القعدة ستة أفلورية ونصفا، وعدمت الأقوات، وأكلت القطط والكلاب حتى فقدت، فأكل بعض الناس الآدميين، وكثر الخوف منهم حتى امتنع الناس من البروز إلى ظاهر مكة؛ خشية أن يؤكلوا، وهلك الفقراء، وافتقر الأغنياء (٢)، وكان الموجود فى الأسواق الفول والحمص والعدس فأكله الناس، وبلغت الويبة الفول أربعة عشر أفلوريا، والحمص سبعة عشر أفلوريا (٣).
وفيها عزل القاضى عبد القادر الحنبلى عن نيابة الحكم (٤).
وفيها - فى حادى عشر ذى القعدة - وصل للقاضى أبى السعادات بن ظهيرة توقيع بنظر الحرم والحسبة، مؤرخ بشوال؛
стр. 1752
فباشر ذلك إلى (١) أول ذى الحجة من هذه السنة فصرف بأبى الفضل محمد بن القاضى محب الدين النويرى.
وفيها - فى آخرها - أعيد الشيخ نجم الدين المرجانى لنظر المدارس الرسولية بمكة المشرفة (٢).
وفيها كان أمير الحاج المصرى الأمير التاج (٣)، وكانت الوقفة يوم الأربعاء (٤).
وحج قاضى بلاد الروم شمس الدين محمد بن حمزة بن محمد الفنرى الرومى الحنفى، وكمال الدين بن البارزى، ولد كاتب السر، وشهاب الدين الأذرعى إمام السلطان، والأمير الكبير ألطنبغا القرمشىّ، وطوغان أمير آخور؛ خرجا بعد الحاج بمدة، وقدما قبلهم بمدة، فغابا ستين يوما (٥).
стр. 1753
وفيها لم يحج المحمل من بغداد (١).
وفيها - فى أثنائها - أمر الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الله الغزّى (٢). الدمشقى - وكان مجاورا/بمكة - المكبرين عقيب الصلوات بزمزم أن يقرأوا بعد آية الكرسى ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وذكر فى ذلك أثرا.
وفيها مات الجمال محمد بن يعقوب بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن أحمد بن عبد الكريم بن أبى المعالى الشيبانى، فى ليلة الأربعاء ثالث صفر (٣).
وعلى بن المحب محمد بن عبد الرحمن بن عثمان بن الصّفىّ الطبرى، فى يوم الاثنين ثانى عشر صفر (٤).
والشريف عبد اللطيف بن أحمد بن على الفاسى، يوم الخميس سادس جمادى الأولى (٥).
стр. 1754
والشيخ عيسى بن عباس بن محمد المغربى التلمسانى الخالدى، يوم الجمعة حادى عشر جمادى الأولى (١).
والإمام رضى الدين محمد بن المحب محمد بن أحمد بن الرضى الطبرى، فى ليلة الأحد سلخ جمادى الأولى، أو مستهل جمادى الآخرة (٢).
وشمسية بنت عجلان بن رميثة بن أبى نمى الحسنى، فى النصف الثانى من شعبان (٣).
والشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الله الغزّى الدمشقى، فى يوم الخميس سادس شوال (٤).
وخالتى عيينة بنت عبد الرحمن بن أبى الخير بن فهد الهاشمى فى سابع عشر الحجة (٥).
***
стр. 1755
«سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة»
فيها - فى أولها - حصل بجدة خلل فى بعض مراكب الكارم عندما عزموا من جدة إلى ينبع، فأمرهم الشريف بالتنجيل؛ فصالحوه عن ذلك بألفى دينار، وتوجه هذا المركب وغيره من مراكب الكارم وجلابهم إلى ينبع ونجلوا بها (١).
وفيها - فى رابع عشر صفر - وصل كتاب من المؤيد صاحب مصر إلى السيد حسن يتضمن عتبه عليه فى أمور.
منها: أخذه الموجب من المتاجر السلطانية؛ فإن فى المراكب المشار إليها حملا منسوبا لصاحب مصر.
ومنها: كونه كان فى العام الماضى يشترى ما يرد (٢) بجدة من الحب والتمر ويخزنه، ويبيعه للناس.
ومنها: تأخره عن إرسال العشرة آلاف المتبقية عليه للخزانة/ السلطانية المؤيدية مما التزمه لها حين ولى مكة سنة سبع عشرة.
وفى الكتاب عتب قوى لتأخر إرسال هذا المبلغ، وكلمات مزعجة للخاطر، منها ما معناه: ولا تظن أن إهمالنا لك عجز عن حصولك فى قبضتنا الشريفة، وإنما لمّا حسنت منك السيرة فى بعض الأمور قلنا لعل الله أن يحسن فى الباقى. فانزعج خاطر السيد