[قال ﷺ :] (١) فجثيت منه رعبا. حتى هوى إلى الأرض، فرجع إلى خديجة وقال: زملونى زملونى، فدثّروه. فأنزل الله ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * * قُمْ فَأَنْذِرْ * * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * * وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ * * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (٢) ثم جاء الوحى بعد وتتابع أمر الله نبيّه فى هذه السنه بإعلان دينه، فأنزل عليه ﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣) وقوله ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٤) [وقوله] (٥) ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ (٦).
قال على بن أبى طالب ﵁: لما نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * * وَاِخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٧) دعانى رسول الله ﷺ فقال لى:
يا علىّ، إن الله قد أمرنى أن أنذر عشيرتى/الأقربين، فضقت لذلك ذرعا، وعرفت أنى متى ما أباديهم بهذا الأمر، أرى منهم ما أكره، فصمتّ عليها حتى جاءنى جبريل فقال: يا محمد إنك إن لم تفعل ما أمرك به ربك تغيّر عليك (٨) ربّك. فقال رسول الله ﷺ :
стр. 212
يا علىّ، فاصنع لنا صاعا من طعام، واجعل عليه رجل شاة، واملأ لنا عسّا من لبن، ثم اجمع لى بنى عبد المطلب حتى أكلّمهم وأبلّغهم ما أمرت به. ففعلت ما أمرت به، ثم دعوتهم له، وهم يومئذ أربعون رجلا، يزيدون رجلا أو ينقصون، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب. وفيهم عشرون يأكل كلّ واحد منهم الجذعة ويشرب الفرق، فلما اجتمعوا إليه دعانى بالطعام الذى صنعت لهم فجئت به، فلما وضعته تناول رسول الله ﷺ حذيّة (١) من اللحم فنتفها بأسنانه ثم ألقاها فى نواحى الصّحفة، ثم قال: كلوا باسم الله. فأكل القوم حتى ما لهم بشئ من حاجة، وما أرى إلا موضع أيديهم، وأيّم الله الذى نفس علىّ بيده إن كان الرجل الواحد ليأكل ما قدمت لجميعهم.
ويروى أن النبى ﷺ قال لهم: ادنوا. فدنا القوم عشرة عشرة، فأكلوا حتى صدروا، ثم دعا باللبن فجرع منه جرعا ثم قال:
اسق القوم. فجئتهم بذلك العسّ، فشربوا منه حتى رووا جميعا، وكأن لم ينقص منه شئ، وأيّم الله الذى نفس علىّ بيده إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله. فلما أراد رسول الله ﷺ أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: سحركم صاحبكم. فتفرّق القوم ولم يكلمهم رسول الله ﷺ (٢).
стр. 213
فلما كان الغد قال رسول الله ﷺ : يا علىّ إن هذا الرجل قد سبقنى إلى ما سمعت من القول، وتفرّق القوم قبل أن أكلمهم، فأعدّ لنا الطعام والشراب مثل ما صنعت لنا بالأمس. ثم اجمعهم لى.
ففعلت ثم جمعتهم، ثم دعا بالطعام فقرّبته إليهم، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا حتى ما بهم لشئ من حاجة، ثم قال: اسقهم.
فجئت بذلك العسّ فشربوا حتى رووا منه جميعا. ثم تكلّم رسول الله ﷺ فقال: يا بنى عبد المطلب إنى والله ما أعرف شابا من العرب جاء قومه بأفضل مما (١) جئتكم به؛ إنى قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرنى الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرنى على هذا الأمر [على] (٢) أن يكون أخى؟ فأحجم القوم، فقلت - وأنا أحدثهم سنا/ -: أنا يا نبى الله. فقام القوم يضحكون.
ويروى: أن النبى ﷺ قال: يا بنى عبد مناف، إنى بعثت إليكم خاصة وإلى الناس عامة، فأيّكم يبايعنى على أن يكون أخى؟ قال علىّ فقلت: أنا. فقال: اجلس. ولما كان آخر ذلك ضرب بيده على يدى (٣).
стр. 214
ويروى: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١) قام رسول الله ﷺ فقال: يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله، لا أغنى عنكم من الله شيئا، يا بنى عبد مناف لا أغنى عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغنى عنك من الله شيئا، يا صفيّة عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد سلينى ما شئت لا أغنى عنك من الله شيئا (٢).
ويروى: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دعا النبى ﷺ قريشا فاجتمعوا، فعمّم وخصّص فقال: يا بنى كعب بن لؤى، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى مرّة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة، أنقذى نفسك من النار؛ فإنى لا أملك لكم من الله شيئا، غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها (٣).
ويروى: ولما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ انطلق رسول الله ﷺ إلى رضمة من جبل، فعلا أعلاها حجرا، ثم نادى: يا بنى عبد مناف، إنى نذير، وإنما مثلى ومثلكم كمثل رجل
стр. 215
رأى العدوّ فانطلق يرنو (١) أهله، فخشى أن يسبقوه فهتف يا صباحاه.
ويروى: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال النبىّ ﷺ : يا صفيّة عمة رسول الله ﷺ يا فاطمة بنت محمد، يا بنى عبد المطلب؛ لا أملك لكم من الله شيئا، سلونى من مالى ما شئتم (٢).
وفى رواية: يا فاطمة ابنة رسول الله ﷺ اشترى نفسك من الله؛ فإنى لا أملك لك من الله شيئا، يا صفية ابنة عبد المطلب، يا صفية عمة رسول الله ﷺ اشترى نفسك من النار فإنى لا أملك لك من الله شيئا.
ويروى: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ اشتد الأمر على النبىّ ﷺ وضاق به ذرعا، ومكث شهرا أو نحوه فى بيته حتى قلن عمّاته: إنه لشاك. فدخلن عليه عائدات فقال لهن:
ما اشتكيت شيئا. ولكن الله/أمرنى أن أنذر عشيرتى الأقربين، فأردت جمع بنى عبد المطلب فأدعوهم إلى الله. فقلن: فادعهم ولا تجعل عبد العزّى فيهم - يعنون أبا لهب - فإنه غير مجيبك إلى ما تدعوه (٣). وخرجن وهن يقلن: إنما نحن نساء.
стр. 216
فلما أصبح رسول الله ﷺ بعث إلى بنى عبد المطلب فحضروا، ومعهم عدة من بنى المطلب بن عبد مناف، وجميعهم خمسة وأربعون رجلا، وسارع إليه أبو لهب، وهو يظن أنه يريد أن ينزع عما يكرهون إلى ما يحبون، فلما اجتمعوا قال أبو لهب: هؤلاء عمومتك، وبنو عمومتك، فتكلم بما تريد ودع الصبأة، واعلم أنه ليس لقومك بالعرب طاقة، وإن أحق من أخذك وحبسك أسرتك وبنو أبيك إن أقمت على أمرك، فهو أيسر عليهم من أن تثب بك بطون قريش وتمدّها العرب، فما رأيت يا ابن أخى أحدا قط جاء بنى أبيه وقومه بشرّ مما جئتهم به. فسكت رسول الله ﷺ ، فلم يتكلم فى ذلك المجلس بشئ، ومكث أياما، وكبر (١) عليه كلام أبى لهب، فنزل عليه جبريل ﵇، فأمره بإمضاء ما أمره الله وشجّعه عليهم. فجمعهم ثانيا فقال: الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأومن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
ثم قال: إن الرائد لا يكذب أهله، لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم، والله الذى لا إله إلا هو إنى لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبنّ بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحسانا، وبالسوء سوءا، وإنها الجنّة أبدا، [أو النار أبدا] (٢) وإنكم لأوّل من أنذر. فقال أبو طالب: ما أحب إلينا
стр. 217
معاونتك ومرافدتك وأقبلنا لنصيحتك، وإنما أنا أحدهم، غير أنى والله أسرعهم إلى ما تحب، فامض لما أمرت به، فو الله لا أزال احوطك وأمنعك، غير أنى لا أجد نفسى تطاوعنى لفراق دين عبد المطلب حتى أموت على ما مات عليه.
وتكلّم القوم كلاما ليّنا غير أبى لهب فإنه قال: يا بنى عبد المطلب هذه والله السوءة، خذوا على يده قبل أن يأخذ عى يده غيركم، فإن أسلمتموه حينئذ ذللتم، وإن منعتموه قتلتم. فقال أبو طالب: لنمنعنّه ما بقينا. وقالت صفية بنت عبد المطلب لأبى لهب: أى أخى، أيحسن بك خذلان ابن أخيك وإسلامه؟! فو الله ما زال العلماء يخبرون/أنه يخرج من ضئضئ عبد المطلب نبىّ، فهو هو. فقال أبو لهب: هذا والله الباطل والأمانى، وكلام النساء فى الحجال (١)، إذا قامت بطون قريش كلها، وقامت العرب معها فما قوّتنا بهم!! ما نحن عندهم إلا أكلة رأس (٢).
ويروى: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ جلس النبى ﷺ على الصّفا فقال: يا آل فهر. فجاءه من سمع كلامه ممن كان بمكة من بنى فهر، فقال له أبو لهب: هذه فهر عندك. فقال:
يا آل غالب. فرجع بنو محارب والحارث أبناء فهر، فقال: يا آل لؤى بن غالب. فرجع بنو عامر بن لؤى، فقال: يا آل مرّة بن كعب، فرجع بنو عدى وسهم وجمح، فقال: يا آل كلاب.
стр. 218
فرجعت بنو مخزوم وبنو تيم بن مرّة. فقال: يا آل قصىّ. فرجعت بنو زهرة. فقال: يا آل عبد مناف. فرجع بنو عبد الدار وبنو أسد ابن عبد العزّى، فقال له أبو لهب: هذه عبد مناف!! فقال النبى ﷺ : أدعوكم إلى أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنى عبده ورسوله أضمن لكم الجنة. فقال أبو لهب: ألهذا دعوتنا؟! تبّا لك. فأنزل الله ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ السورة (١).
ويروى: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صعد رسول الله ﷺ على الصفا يهتف، فأقبلوا واجتمعوا فقالوا: ما لك يا محمد؟ قال: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بفم هذا الجبل، أكنتم تصدقونى؟ قالوا: نعم أنت عندنا غير متّهم، وما جرّبنا عليك كذبا قط. قال: فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد، يا بنى عبد المطلب، يا بنى عبد مناف، يا بنى زهرة - حتى عدّ الأفخاذ كلّها من قريش - إن الله أمرنى أن أنذر عشيرتى الأقربين، وإنى لا أملك لكم من الدنيا منفعة ولا من الآخرة نصيبا إلاّ أن تقولوا لا إله إلا الله. فقال أبو لهب: تبّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟! فأنزل الله تعالى ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (٢).
ويروى: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ورهطك منهم المخلصين. خرج رسول الله ﷺ حتى صعد على الصفا
стр. 219
فهتف: يا صباحاه. قالوا: من هذا الذى يهتف؟ قالوا: محمد.
فاجتمعوا إليه قال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج من سنح (١) هذا الجبل أكنتم مصدقى؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا.
قال: فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد. قال أبو لهب: تبّا لك، أما جمعتنا إلاّ لهذا؟! ثم قام. فنزلت هذه السورة ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إلى آخر السورة.
ويروى: صعد رسول الله ﷺ /ذات يوم على الصفا فقال:
يا صباحاه. فاجتمعت إليه قريش فقالوا: ما لك؟ فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن العدوّ مصبّحكم أو ممسيكم أما كنتم مصدّقىّ - أو تصدقونى - قالوا: بلى. قال: فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبّا لك. ألهذا جمعتنا؟! فأنزل الله ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ إلى آخر السورة (٢).
ويروى: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ نادى رسول الله ﷺ فى قريش بطنا بطنا. فقال: أرأيتم لو قلت لكم إن خيلا تغير عليكم. أكنتم مصدّقىّ؟ قالوا: نعم، ما جرّبنا عليك من كذب قطّ. قال: فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد.
فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟! تبّا لك سائر اليوم (٣).
стр. 220
وقام فلقى هند بنت عتبة بن ربيعة فقال لها: قد باينت محمدا يا بنت عتبة، وأبيت ما جاء به، ونصرت العزّى، وغضبت لها.
فقالت له هند: جزيت خيرا يا أبا عتبة (١).
ولما قال أبو لهب للنبى ﷺ : تبّا لك سائر اليوم، أنزل الله تعالى ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ فلما نزلت أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب (٢)، امرأة أبى لهب، ولها ولولة وبيدها فهر (٣)، ورسول الله ﷺ جالس فى المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله لو تنحّيت عنها، لا تسمعك شيئا يؤذيك؛ فإنها امرأة بذيئة.
ويروى: قال: يا رسول الله، قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك.
فقال رسول الله ﷺ : إنها لن ترانى، وسيحال بينى وبينها. وقرأ قرآنا، فاعتصم كما قال الله تعالى ﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً﴾ (٤) فأقبلت حتى وقفت على أبى بكر، ولم تر رسول الله ﷺ ، فقالت يا أبا بكر: إنى حدّثت أن صاحبك هجانى. فقال: لا وربّ هذا البيت ما هجاك - ويقال فقال: والله ما ينطق بالشعر ولا يقوله - قالت: إنك
стр. 221
لمصدّق. واندفعت راجعة وهى تقول: قد علمت قريش أنى بنت سيدها. فقال أبو بكر: ما رأتك يا رسول الله. قال: كان بينى وبينها ملك يسترنى حتى ذهبت (١).
ويروى: لما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ دخلت أم جميل على أبى بكر وعنده رسول الله ﷺ فقالت: يا ابن أبى قحافة ما شأن صاحبك ينشد فىّ الشعر!! قال: والله ما صاحبى بشاعر، ولا يدرى ما الشعر. فقالت: أليس قد قال فى جيدها حبل من مسد، فما يدريه ما فى جيدى؟ فقال النبى ﷺ : قل لها هل (٢) ترى عندى أحدا؟ فإنها لن ترانى، وإنى جعل بينى وبينها حجاب. فسألها أبو بكر فقالت: أتهزأ بى/يا ابن أبى قحافة، والله ما أرى عندك أحدا (٣).
ويروى: لما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ جاءت أم جميل بنت حرب - والنبى ﷺ فى المسجد معه أبو بكر وعمر - وفى يدها فهر، فلما وقفت على النبىّ ﷺ أخذ الله تعالى على بصرها فلم تره، ورأت أبا بكر وعمر، فأقبلت على أبى بكر فقالت: أين صاحبك؟ قال: وما تصنعين به؟ قالت: بلغنى أنه هجانى، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فمه. قال عمر: ويحك إنه ليس بشاعر.
فقالت: إنى لا أكلمك يا ابن الخطاب. ثم أقبلت على أبى بكر فقالت: أى والثواقب إنه لشاعر، وإنى لشاعرة. وانصرفت (٤).
стр. 222
ويروى: لما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ وذكر الله امرأته حمّالة الحطب قالت: قد هجانى محمد، والله لأهجونه. فقالت: -
محمد قلينا ودينه أبينا
وأخذت فهرا لتضربه به فأعشى الله عينها، وردّها بغيظها، فعزمت على ابنيها أن يطلّقا ابنتى رسول الله ﷺ ففعلا. وكانت رقيّة عند عتبة، وأم كلثوم عند معتّب. ويقال إن الذى عزم عليهما أن يطلقا ابنتى رسول الله ﷺ أبوهما أبو لهب (١).
ويقال لما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ قال أبو لهب لابنيه عتبة وعتيبة: رأسى من رأسيكما (٢) حرام إن لم تطلّقا ابنتى محمد.
وكان النبى ﷺ سأل عتبة فى طلاق رقية، وسألت رقيّة ذلك، فقالت له أم جميل بنت حرب: طلّقها يا بنى فإنها قد صبأت.
فطلّقها، وطلّق عتيبة أم كلثوم، وجاء إلى النبى ﷺ حين فارق أم كلثوم فقال: كفرت بدينك، وفارقت ابنتك لا تجئنى ولا أجئك، ثم تسلّط على رسول الله ﷺ فشق قميصه، فقال رسول الله ﷺ :
أما إنى أسأل الله أن يسلّط عليك (٣) كلبه. فكان كما أخبر رسول الله ﷺ أكله الأسد (٤).
стр. 223
وأخذ أبو لهب يؤذى رسول الله ﷺ ، ويبدى صفحته فى عداوته، ويخاصم ويجادل ويردّ من أراد الإسلام عنه، وأمر ابنه عتبة أن يؤذى رسول الله ﷺ ، فكان أبو لهب وابنه عتبة قد تجهزا للشام، فقال ابنه عتبة: والله لأنطلقن إلى محمد ولأوذينه فى ربّه.
فانطلق حتى أتى النبى ﷺ فسمعه ﷺ يقرأ ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى﴾ فقال: يا محمد هو كفر بالذى دنا فتدلّى/فكان قاب قوسين أو أدنى. ثم تفل فى وجهه، فقال رسول الله ﷺ : اللهم سلّط عليه كلبا من كلابك. وكان أبو طالب حاضرا فوجم، وقال: ما أغناك عن دعوة ابن أخى. ثم انصرف عنه ورجع إلى أبيه فقال: أى بنى ما قلت له؟ قال: كفرت بالإلاه (١) الذى يعبد. قال: فماذا قال لك؟ قال: قال اللهم ابعث عليه كلبا من كلابك. قال: أى بنى ما آمن عليك دعوة محمد. فكان الأمر كذلك؛ قتله الأسد بالشام (٢).
وتعاضد أبو لهب فى أذى النبى ﷺ هو وأبو جهل بن هشام، والأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة، والحارث بن قيس بن عدى السهمى، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل السهمى، والنضر بن الحارث، ومنبّه ونبيه ابنا الحجاج، وزهير ابن أميّة، والعاص بن سعيد بن العاص، وأمية وأبّى ابنا خلف، وأبو قيس بن الفاكهى بن المغيرة، وكانوا - هؤلاء كلهم - جيران رسول الله ﷺ .
стр. 224
وكان أبو لهب يحقد على رسول الله ﷺ لأنه وقع بينه وبين أخيه أبى طالب كلام، فصرعه أبو لهب، وقعد على صدره، وجعل يضرب وجهه. فلم يتمالك رسول الله ﷺ أن أخذ بضبعى أبى لهب فضرب به الأرض، وقعد أبو طالب على صدره، وجعل يضرب وجهه حتى حجز الناس بينهما، فقال أبو لهب لرسول الله ﷺ : هو عمك وأنا عمك، فلم فعلت هذا بى؟! والله لا يحبك قلبى أبدا.
وصار يطرح القذر والنّتن على بابه، فرآه حمزة وقد طرح من ذلك شيئا، فأخذه وطرحه على رأسه، فجعل أبو لهب ينفض رأسه ويقول: صابئ أحمق. وقصر عما كان يفعل، لكنه كان يدس بفعله (١).
فكان الذى ينتهى إليهم عدواة رسول الله ﷺ أبو جهل، وأبو لهب، وعقبة بن أبى معيط؛ وكان أبو لهب وعقبة يأتيان بالفرث فيطرحانه على باب النبى ﷺ ، وكان النبى ﷺ يقول: يا بنى عبد مناف أى جوار هذا؟! ثم يميطه عن بابه (٢).
وفى هذه السنة صدع رسول الله ﷺ بأمر الله، وأعلن الدعاء إلى الله تعالى، وأدّى الرسالة، ونصح الأمة، ودعا إلى الله سرّا وجهرا، وشمّر عن ساق الاجتهاد، وقام فى طاعة الله أتمّ قيام، يدعو إلى الله الصغير والكبير، والحرّ والعبد/، الرجال والنساء، الأسود
стр. 225
والأحمر (١)، فاستجاب لله من شاء من أحداث الرجال، وضعفاء النساء، حتى كثر من آمن به.
ولم يبعد منه قومه حتى باداهم بالرسالة، ولم يردوا عليه كلّ الرّدّ، وكان إذا مرّ عليهم فى مجالسهم يشيرون إليه: إن غلام بنى عبد المطلب ليكلّم من السماء (٢).
وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا صلّوا ذهبوا فى الشعاب واستخفوا من قومهم. فبينما سعد بن أبى وقّاص فى نفر من أصحاب النبى ﷺ يصلّون فى شعب من شعاب قومه، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون، فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون، حتى قاتلوهم فاقتتلوا، فضرب سعد - يومئذ - رجلا بلحى بعير فشجّه، فكان أوّل دم أهريق فى الإسلام (٣).
وفيها وفى العشر السنين التى بعدها أقام النبى ﷺ يدعو القبائل إلى الإسلام، ويعرض نفسه عليهم، ويوافى الموسم كلّ سنة، ويوافى الحاج فى منازلهم، وفى الموسم بعكاظ ومجنّة وذى المجاز ومنى، حتى إنه ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة فيدعوهم، ويسألهم أن يمنعوه ويؤووه، حتى يبلّغ رسالات ربه، ويعدهم على ذلك الجنة، ويقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، وتملكوا بها العرب، وتذلّ لكم العجم، فإذا آمنتم كنتم ملوكا فى الجنة (٤).
стр. 226
ويقال: إن النبى ﷺ كان يقول: من رجل يحملنى إلى قومه فيمنعنى حتى أبلّغ رسالات ربى؛ فإن قريشا قد منعونى أن أبلّغ رسالات ربى؟
ويقال: كان يقول: من يؤوينى وينصرنى حتى أبلّغ رسالات ربى وله الجنة؟
هذا وعمه اللعين أبو لهب وراءه يقول للناس: لا تطيعوه ولا تستمعوا منه فإنه صابئ كذّاب. ويقال: فيقول: يا أيها الناس إن هذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم، لا تسمعوا من هذا الكذاب.
فيردّون على النبى ﷺ أقبح الرّدّ ويؤذونه، ويقولون أسرتك وعشيرتك أعلم بك (١) حيث لم يتبعوك، ويكلمونه ويحادثونه، ويدعوهم إلى الله ويقول: اللهم لو شئت لم يكونوا هكذا.
وكان النبى ﷺ لا يسمع بقادم من العرب له اسم وشرف إلا دعاه، وعرض عليه ما عنده، فلا يجد ناصرا ولا مجيبا، بل يردّون عليه أنجس ردّ.
وكان أحياء العرب يتحامونه لما يسمعون من قريش فيه أنه كاذب. أنه ساحر. أنه كاهن/، أنه شاعر؛ أكاذيب يصفونه بها حسدا من عند أنفسهم وبغيا، ليصغى إليهم من لا تمييز له من أحياء العرب. أما الألباء (٢) فإنهم إذا سمعوا كلامه وتفهّموه شهدوا
стр. 227
بأن ما يقوله حق وصدق، وأن قومه يفترون عليه الكذب فيسلمون.
ولم تستجب له قبيلة، وذخر الله ذلك للأنصار كرامة لهم.
وكان ممن دعاه النبى ﷺ وعرض نفسه عليه من القبائل: بنو عامر بن صعصعة، ومحارب بن خصفة، وفزارة، وغسّان، ومرّة، وحنيفة، وسليم، وعبس، وبنو نضر، وبنو البكّاء، وكندة، وكلب، والحارث بن كعب، وبنو عذرة، والحضارمة، وثعلبة بن عكابة، وقيس ابن الخطيم، وأبو الجيش (١) أنس بن أبى رافع (٢).
ويقال إن النبىّ ﷺ بدأ بكندة فدعاهم إلى الإسلام، ثم أتى كلبا، ثم بنى حنيفة، ثم بنى عامر.
وفيها ولدت عائشة بنت أبى بكر الصديق ﵄ (٣).
وفيها مات ورقة بن نوفل بن عبد العزّى بن قصىّ، وكان ممن كره عبادة الأوثان، وطلب الدين الحنيف، فقال رسول الله ﷺ : لقد رأيت القسّ فى الجنّة عليه ثياب الحرير؛ لأنه آمن بى وصدّقنى (٤).
стр. 228
«السنة الخامسة والأربعون من مولد النبى ﷺ »
فيها اشتدت قريش فى إيذاء المسلمين؛ وذلك أنّ قريشا كانت لا تنكر على رسول الله ﷺ من أمره حتى عاب آلهتم التى يعبدونها من دون الله، وذكر هلاك آبائهم الذين ماتوا على الكفر، واشتدّ أمره عليهم؛ فأجمعوا على خلافه، وأظهروا عدواته، وكايدوه وآذوه، وأغروا به سفهاءهم، وأرادوا قتله أو إخراجه، فعرضوا على قومه أن يعطوهم ديته ويقتلوه فأبى قومه ذلك (١)، فحدب عليه عمّه أبو طالب.
وسألت قريش النبىّ ﷺ : إن كنت تطلب مالا جمعنا لك مالا تكون به أكثرنا مالا، وإن كنت تريد الشرف فينا فنحن نسوّدك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك رئيّا (٢) قد غلب عليك بذلنا أموالنا فى طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك. فقال لهم النبى ﷺ : ما بى ما تقولون، ولكن الله بعثنى إليكم رسولا، وأنزل على كتابا، وأمرنى أن أكون لكم بشيرا/ونذيرا، فبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم، فإن تقبلوا منى ما جئتكم به فهو حظّكم فى الدنيا والآخرة، وإن تردوه علىّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بينى وبينكم (٣).
وجهر عبد الله بن مسعود بالقرآن، فكان أوّل من جهر به من الصحابة، وصعب الأمر وتنابذ القوم، ونادى بعضهم بعضا،
стр. 229
وتآمرت قريش على من أسلم منهم، واشتدوا على من تبعه على دين الله من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم يعذّبونهم ويفتنونهم عن دينهم، فكانت فتنة شديدة وزلزالا شديدا، فمنهم من عصم الله، ومنهم من افتتن، ومنع الله رسوله بعمّه أبى طالب وبنى هاشم - غير أبى لهب - وبنى عبد المطلب.
وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون وألبسوهم أدراع الحديد، وأوقفوهم فى الشمس، فما من أحد إلاّ وقد وافقهم على ما أرادوا غير بلال؛ فإنه هانت عليه نفسه فى الله، وهان على قومه فأعطوه الولدان، فجعلوا يطرحونه فى شعاب مكة، وجعل يقول:
أحد أحد. ثم اشتراه أبو بكر وأعتقه، وأعتق ستة آخرين: عامر ابن (١) فهيرة، وأم عبيس (٢)، والنهدية (٣) وبنتها، والمؤمليّة (٤)، وزنّيرة (٥) - وكانت زنّيرة ذهب بصرها بعد أن أسلمت، وكانت مما
стр. 230
يعذّب فى الله على الإسلام، فتأبى إلا الإسلام، فقال المشركون: ما أصاب بصرها إلاّ اللاّت والعزّى. فقالت: كلا والله ما هو كذلك.
فردّ الله عليها بصرها (١).
ومرّ النبى ﷺ بعمّار وأهله وهم يعذبون فقال: أبشروا آل عمّار - أو آل ياسر - فإن موعدكم الجنة. وقتلت فى الله أمّ عمار ابن ياسر سميّة بنت خباط مولاة بنى مخزوم، فكانت أوّل قتيل فى الإسلام (٢). وقيل أوّل قتيل الحارث بن أبى هالة ربيب النبى ﷺ (٣).
وأتى خبّاب - لمّا أن لقى هو والمسلمون الشدة من المشركين - إلى النبى ﷺ وكان متوسدا بردة فى ظلّ الكعبة - فقال خبّاب: يا رسول الله: ألا تدعو الله لنا؟ فقعد النبىّ ﷺ وهو محمر وجهه - فقال: إنّ من كان قبلكم ليمشّط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه (٤) من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشقّ باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمّن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه (٥).
стр. 231
فلما كثر المسلمون واشتد أذى/قريش لهم، وفتنتهم إياهم، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة فى دينهم، وضاقت عليهم مكة. - وكان رسول الله ﷺ لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان فى منعة من قومه ومن عمه لا يصل إليه شئ مما يكره مما ينال أصحابه - أذن النبى ﷺ لأصحابه فى الهجرة إلى أرض الحبشة، وقال لهم: إن بها ملكا لا يظلم الناس عنده - أو لا يظلم أحد عنده - فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه. فهاجر فى شهر رجب منهم اثنا عشر رجلا وأربع نسوة - وقيل أحد عشر رجلا وامرأتان، وقيل عشر رجال وأربع نسوة - سرّا، وستر الباقون إسلامهم (١).
فالذين هاجروا عثمان بن عفان - وهو أول من خرج - وزوجته رقية ابنة النبى ﷺ ، وعثمان بن مظعون، والزّبير بن العوّام، ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وأمرأته أم سلمة بنت أبى أميّة، وعامر بن ربيعة، وامرأته ليلى بنت أبى خيثمة، وأبو سبرة بن أبى رهم، وحاطب بن عمر بن عبد شمس، وسهيل بن البيضاء، وعبد الله بن مسعود، وأبو حذيفة بن عتبة، وزوجته سهلة بنت سهيل بن عمرو. وخرجوا سرّا متسلّلين - منهم الراكب ومنهم الماشى - حتى انتهوا إلى الشّعيبة (٢)، فقيّض الله لهم حينئذ سفينتين للتجار إلى أرض الحبشة، حملوهم فيهما بنصف دينار.
стр. 232
وخرجت قريش فى أثرهم حتى بلغوا حيث ركبوا، فلم يدركوا منهم أحد.
ولما أن أخرج عثمان بن عفان وزوجته رقيّة أبطأ على رسول الله ﷺ خبرهما، فقدمت امرأة من قريش فقالت: يا محمد رأيت ختنك وامرأته. قال: على أى حال رأيتيهما؟ قالت: رأيته قد حمل امرأته على حمار من هذه الدّبّابة (١) وهو يسوقها. فقال رسول الله ﷺ : صحبهم الله، إن عثمان لأوّل من هاجر بأهله بعد لوط.
وهى أوّل هجرة كانت فى الإسلام، فأقاموا عنده بخير دار فى أحسن جوار، أمنوا فيه على دينهم وأنفسهم، وعبدوا الله لا يؤذون، ولا يسمعون شيئا يكرهونه. فأقاموا شعبان ورمضان، وقدموا فى شوال إلى مكة (٢) ودخلوا فى جوار طائفة من قومهم إلا ابن مسعود فإنه عاد مهاجرا إلى الحبشة (٣).
وسبب رجوعهم ما كان قد بلغهم من أمر سورة ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى﴾ وذلك أن رسول الله ﷺ /قارب قومه، وكفّوا عنه، ودنا منهم ودنوا منه. فقعد يوما فى ناد من أنديتهم حوال الكعبة فقرأ عليهم ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فلما بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى * وَمَناةَ﴾
стр. 233
﴿الثّالِثَةَ الْأُخْرى﴾ ألقى الشيطان على لسانه: وإنهن الغرانيق العلى، وإنّ شفاعتهن لهى التى ترتجى. فلما بلغ رسول الله ﷺ آخر السورة سجد وسجد كل من حضر من مسلم أو مشرك، غير أن الوليد بن المغيرة، وقيل: أبا أحيحة سعيد بن العاص، ويقال:
كلاهما جميعا - وكانا شيخين كبيرين لا يقدران على السجود - رفعا على كفّيهما ترابا إلى جبهتهما فسجدا عليه، ورضوا بما ألقاه الشيطان على لسانه، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيى ويميت، ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، فأما إذ جعلت لنا نصيبا فنحن معك. وكبر ذلك على رسول الله ﷺ حتى جلس فى بيته، فأوحى الله إليه ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ إلى قوله ﴿لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً﴾ (١)
وفشت تلك السجدة فى الناس حتى بلغت أصحاب رسول الله ﷺ الذين بالحبشة، وأنّ قريشا سجدوا معه وأسلموا، فقالوا:
إذا كانوا قد آمنوا فلنرجع إلى عشائرنا أحب إلينا. فخرجوا حتى كان بينهم وبين مكّة ساعة من نهار فلقوا ركبا من الركبان فسألوهم، فقالوا: ذكر محمد آلهتهم [(٢) بخير فتابعه الملأ، ثم ارتد عنها فعاد لشتم إلهتهم (٢)] فعادوا له بالشّر، فتركناهم على ذلك. فأتمروا فى الرجوع إلى الحبشة، ثم قالوا: ندخل فننظر ما فيه قريش، ونحدث عهدا بأهلنا ثم نرجع، فدخلوا - بعضهم مستخفيا وبعضهم بجوار - غير
стр. 234
ابن مسعود فإنه مكث يسيرا ولم يدخل مكة ثم رجع إلى أرض الحبشة.
ويقال: إن النبىّ ﷺ لما قرأ سورة ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فلما بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى * * وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى﴾ ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله تعالى آخر الطواغيت فقال: وإنهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهى التى ترجى. وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان فى قلب كل مشرك بمكّة، ودلت بها ألسنتهم، وتباشروا بها، وقالوا: إن محمدا قد رجع إلى دينه الأوّل؛ دين قومه.
فلما بلغ رسول الله ﷺ آخر ﴿وَالنَّجْمِ﴾ سجد وسجد كلّ من حضر من مسلم أو مشرك، غير أن الوليد بن المغيرة - وكان شيخا كبيرا - رفع ملء كفّيه ترابا فسجد عليه. فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم فى السجود بسجود رسول الله ﷺ /، فأما المسلمون فقد عجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين، ولم يكن المسلمون سمعوا الذى ألقى الشيطان على ألسنة المشركين.
وأما المشركون فاطمأنت نفوسهم إلى النبى ﷺ وأصحابه لما ألقى فى أمنية النبى ﷺ ، وحدّثهم الشيطان أن رسول الله ﷺ قد قرأها فى السجدة فسجدوا تعظيما لآلهتهم.
وفشت تلك الكلمة فى الناس فأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين عنه، وحدّث أنّ أهل مكة قد أسلموا كلهم، وصلّوا مع رسول الله ﷺ ، وبلغهم سجود الوليد بن
стр. 235
المغيرة على التراب على كفّيه، وحدّثوا أن المسلمين قد أمنوا بمكة؛ فأقبلوا سراعا. وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته وحفظها من الباطل، فقال تعالى ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * * لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ (١) فلما بين الله [قضاءه] (٢)، وصانه وبرّأه من سجع الشيطان انقلب المشركون بضلالتهم، وعداوتهم على المسلمين، واشتدوا عليهم (٣).
стр. 236
ثم لقى المسلمون من قريش تعنيفا شديدا بالأذى، فكانت أعظم مشقة من الأولى، وكان قد اشتدّ على قريش ما بلغهم من حسن جوار النّجاشى لهم.
وكان ممن دخل بجوار عثمان بن مظعون؛ أجاره الوليد بن المغيرة، فلما رأى عثمان بن مظعون الذى يلقى رسول الله ﷺ وأصحابه من البلاء، وعذب طائفة منهم بالنار والسياط، وعثمان معافى لا يعرض (١) له، استحبّ البلاء على العافية فقال: أما من كان فى عهد الله وذمته وذمة رسوله ﷺ الذى (٢) اختار الله لأوليائه من أهل الإسلام فهو مبتلى، ومن دخل فيه فهو خائف. وأما من كان فى عهد الشيطان وأوليائه من الناس فهو معافى!! فعمد إلى الوليد بن المغيرة فقال: يا عم قد أجرتنى وأحسنت إلى، فأنا أحب أن تخرجنى إلى عشيرتك فتبرأ منى بين ظهرانيهم. فقال له الوليد: يا ابن أخى لعل أحدا من قومك آذاك أو شتمك وأنت فى ذمتى فأكفيك ذلك. /قال: لا والله ما اعترض لى أحد ولا ذآنى. فلما أبى إلا أن يتبرأ منه الوليد أخرجه إلى المسجد - وقريش فيه كأحفل ما كانوا، ولبيد بن ربيعة الشاعر
стр. 237
ينشدهم - فأخذ الوليد بيد عثمان فأتى به قريشا فقال: إن هذا قد غلبنى وحملنى على أن أتبرأ من جواره، وإنى أشهدكم أنى برئ منه إلاّ أن يشاء. فقال عثمان: صدق وأنا والله أكرهته على ذلك، وهو منى برئ. ثم جلس مع القوم ولبيد ينشدهم، فقال لبيد: -
* ألا كلّ شئ ما خلا الله باطل *
فقال عثمان صدقت. ثم أتم لبيد فقال:
* وكلّ نعيم لا محالة زائل *
فقال عثمان كذبت. فأسكت (١) القوم ولم يدروا ما أراد بكلمته. ثم أعادوها الثانية وأمروه بذلك، فقال عثمان حين أعادها مثل كلمتيه الأوليين؛ صدّقة مرّة وكذّبه مرّة. إذا ذكر: «ألا كل شئ ما خلا الله باطل» صدقه، وإذا ذكر: «وكل نعيم لا محالة زائل» كذبه؛ لأنّ نعيم الجنة لا يزول. فنزى عند ذلك رجل من قريش فلطم عين عثمان بن مظعون فاخضرّت. فقال الوليد بن المغيرة وأصحابه: قد كنت فى ذمة مانعة ممنوعة فخرجت منها، وكنت عن الذى لقيت غنيّا!! فقال عثمان: بل كنت إلى الذى لقيت منكم فقيرا، وعينى التى لم تلطم إلى مثل ما لقيت صاحبتها فقيرة، ولى فيمن هو أحبّ إلىّ منكم أسوة. فقال الوليد بن المغيرة: إن شئت أجرتك الثانية.
فقال عثمان بن مظعون: لا أرب لى فى جوارك (٢).
стр. 238
فأذن النبى ﷺ لأصحابه فى الخروج إلى أرض الحبشة.
فقال عثمان بن عفان: نهاجر ولست معنا؟ فقال: أنتم مهاجرون إلى الله وإلىّ، لكم هاتان الهجرتان جميعا. فقال عثمان: فحسبنا يا رسول الله (١). فهاجروا ثانيا إلى أرض الحبشة، وردّ الله كيد قريش فى نحورهم.
وكان جملة من هاجر من الصحابة نيّفا وثمانين سوى الصّغار - وقيل: ثلاثة وثمانون رجلا، إن كان فيهم عمار بن ياسر، ففيه شك - وثمان عشرة امرأة منهن سبع غرائب، وإحدى عشرة قرشية (٢). وهم - على خلاف فى بعضهم -: الأسود بن نوفل، وأسماء بنت عميس، وأبو الرّوم بن عمير، وأبو سبرة بن أبى رهم، وأبو فكيهة، وأبو قيس بن الحارث، وأم كلثوم بنت سهيل بن عمرو، وبركة بنت يسار، وتميم - ويقال: نمير، وقيل: بشر - بن الحارث، وجابر بن سفيان بن معمر، /وجعفر بن أبى طالب، وجنادة بن سفيان، وجهم بن قيس، والحارث بن حاطب، والحارث ابن خالد التيمى، والحارث بن عبد قيس بن عامر، وحاطب بن الحارث - ومات بالحبشة - وحاطب بن عمر، والحجاج بن الحارث السهمى، وحرملة بنت عبد الأسود، وحسنة أم شرحبيل، وحطّاب بن الحارث - ومات بالحبشة - وقيس بن حذافة، وربيعة ابن هلال، ورقيّة بنت رسول الله ﷺ ، وخالد بن حزام بن
стр. 239
خويلد، وخالد بن سعيد بن العاص، وخزيمة بن جهيم، ورملة بنت أبى عوف، وريطة بنت الحارث، والزّبير بن العوّام، والسائب ابن الحارث، والسائب بن عثمان بن مظعون، وسعيد بن حرملة، وسعيد بن الحارث بن قيس، وسعيد بن عبد قيس الزّهرى، وسعيد - وقيل اسمه معمر - بن عمر التميمى، وسفيان بن معمر الجمحىّ، والسّكران بن عمرو، وسلمة بن هشام بن المغيرة، وسليط بن عمرو العامرى، وسهيل بن بيضاء (١)، وسهلة بنت سهل، وسويبط العبدرى، وسودة بنت زمعة، وشرحبيل بن حسنة، وشمّاس بن عثمان، وطليب بن أزهر، وطليب بن عمير، وعامر بن ربيعة، وعامر بن أبى وقّاص، وأبو عبيدة عامر بن عبد الله ابن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن جحش، وعبد الله بن الحارث بن قيس، وعبد الله بن حذافة السّهمى، وعبد الله ابن سفيان، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وعبد الله بن شهاب، وأبو سلمة بن عبد الله بن عبد الأسد، وأبو موسى بن عبد الله بن قيس، وعبد الله ابن مخرمة بن عبد العزّى، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن مظعون، وعتبة بن غزوان، وعتبة بن مسعود، وعثمان ابن عفّان، وعثمان بن ربيعة بن وهبان، وعثمان بن عبد غنم الفهرىّ، وعدىّ بن نضلة، وعروة بن أبى أمامة، وعمّار بن ياسر، وعمران ابن رئاب، وعمرو بن أميّة بن الحارث، وعمرو -
стр. 240
وقيل اسمه معمر - بن أبى سرح، وعمرو بن جهم، وعمرو بن الحارث بن زهير، وعمرو بن سعيد بن العاص، وعمرو بن عثمان بن كعب التّيمىّ، وعمير بن رئاب التّيمىّ، وعميرة بنت السعدى، وعيّاش بن أبى ربيعة، وعياض بن زهير، وفاطمة بنت صفوان بن أميّة، وفاطمة بنت المجلّل، وفراس بن النّضر بن الحارث، وفكيهة بنت يسار، وقدامة بن/مظعون، وقيس بن حذافة السهمى، وقيس بن عبد الله من بنى أسد بن خزيمة، وليلى بنت أبى حثمة، ومالك بن زمعة، ومحمد بن حاطب، ومحمية بن جزء السهمى، ومصعب بن عمير، والمطّلب بن أزهر، ومعبد - ويقال: معمر - بن الحارث السهمى، ومعتّب بن عوف، ومعمر ابن عبد الله بن نضلة، ومعيقيب بن أبى فاطمة، والمقداد بن الأسود، وهاشم بن أبى عتبة بن أبى ربيعة، ونبيه بن عثمان بن ربيعة، وهمينة - ويقال: أمينة - بنت خلف، وهند بنت أبى أميّة، ويزيد بن زمعة بن الأسود. فأقاموا عند النجاشى فى أحسن حال (١).
ويقال: إن النبى ﷺ كتب مع عمرو بن أميّة الضّمرى إلى النجاشى فى شأن جعفر بن أبى طالب وأصحابه؛ فصفة الكتاب: -
стр. 241
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد رسول الله ﷺ إلى النجاشى؟؟؟ الحبشة، سلام عليك فإنى أحمد إليك الله الملك القدّوس؟؟؟ المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيّبة الحصينة، فحملت بعيسى، فخلقه من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه. وإنى أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعنى وتؤمن بى وبالذى جاءنى، فإنى رسول الله. وقد بعثت إليك ابن عمى جعفرا ومعه نفر من المسلمين فإذا جاءوك فأقرهم ودع التّجبّر؛ فإنى أدعوك وجنودك إلى الله، وقد بلّغت ونصحت، فاقبلوا نصيحتى، والسلام على من اتبع الهدى.
فكتب النجاشى إلى رسول الله ﷺ : -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إلى محمد رسول الله ﷺ من النجاشى الأصحم بن أبجر، سلام عليك يا نبىّ الله من الله، ورحمة الله وبركاته، لا إله إلاّ هو الذى هدانى إلى الإسلام؛ فقد بلغنى كتابك يا رسول الله، فما (١) ذكرت من أمر عيسى فو ربّ السماء والأرض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقد قرينا (٢) ابن عمك
стр. 242
وأصحابه، فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدّقا، وقد بايعتك، وبايعت ابن عمك. وأسلمت على يديه لله ربّ العالمين، وقد بعثت إليك يا نبى الله أريحا بن الأصحم بن أبجر، فإنى لا أملك إلاّ نفسى، وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله؛ فإنى أشهد أن ما تقول حقّ.
ولما خرج المسلمون إلى الحبشة، /ومنع الله نبيّه ﷺ بعمّه أبى طالب رأت قريش أن لا سبيل لهم عليه، فرماه الوليد بن المغيرة بالسّحر والكهانة والجنون، وتبعه قومه على ذلك، فنزل فيه ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ الآيات (١)، وفى النفر الذين تابعوه ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ (٢).
ثم بالغوا فى أذى النبى ﷺ ؛ فمما فعلوه وقد اجتمعت أشرافهم يوما فى الحجر فذكروا رسول الله ﷺ فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط؛ قد سفّه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرّق جماعتنا، وسبّ آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم - أو كما قالوا - فبينما هم كذلك إذا طلع رسول الله ﷺ ، فأقبل يمشى حتى استلم الرّكن، ثم مرّ بهم طائفا بالبيت، فلما مرّ بهم غمزوه ببعض القول، فعرف ذلك فى وجهه ﷺ ، ثم مضى، ثم مرّ بهم الثانية، فغمزوه بمثلها، فعرف فى وجهه، ثم مضى، ثم مرّ بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فوقف ثم قال: ألا تسمعون يا معشر
стр. 243
قريش!! أما والذى نفس محمد بيده - ويقال: أما والذى نفسى بيده - لقد جئتكم بالذّبح. فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدّهم فيه وطأة (١) قبل ذلك ليرفؤه (٢) بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول:
انصرف أبا القاسم راشدا، فو الله ما كنت جهولا.
فانصرف رسول الله ﷺ حتى إذا كان من الغد اجتمعوا فى الحجر فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه. فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأحاطوا به يقولون له:
أنت الذى تقول كذا وكذا؟! لما يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم - فيقول رسول الله ﷺ : نعم أنا الذى أقول ذلك. فأخذ رجل منهم بمجمع ردائه، وقام أبو بكر يقيه ويبكى، ويقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربّى الله؟! ثم انصرفوا عنه.
وطاف النبىّ ﷺ يوما ضحى، فلقيته قريش حين فرغ فأخذوا بمجامع ردائه فقالوا: أنت الذى تنهانا عمّا كان يعبد أباؤنا؟! فقال: أنا ذاك. فقام أبو بكر فالتزمه من ورائه، ثم قال ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ /وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ﴾
стр. 244
﴿يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ (١) رافعا صوته بذلك، وعيناه تسفحان حتى أرسلوه (٢).
واجتمع مشركو قريش فى الحجر فقالوا: إذا مرّ محمد علينا ضربه كل واحد منا ضربة، فسمعت ذلك فاطمة فذكرت ذلك لأبيها، فقال لها: يا بنيّتى اسكتى. ثم خرج فدخل عليهم المسجد، فرفعوا إليه رءوسهم ثم نكّسوا، فأخذ قبضة من تراب فرمى بها نحوهم ثم قال: شاهت الوجوه (٣).
ويقال: اجتمعوا مرّة فى الحجر فتعاهدوا باللات والعزّى، ومناة الثالثة الأخرى، ونائلة وإساف: لو قد رأينا محمدا قمنا إليه قيام رجل واحد فلم نفارقه حتى نقتله. فأقبلت ابنته فاطمة تبكى حتى دخلت على أبيها رسول الله ﷺ فقالت: هؤلاء الملأ من قريش من قومك فى الحجر قد تعاهدوا عليك أن لو قد رأوك قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا وقد عرف نصيبه من ديتك. فقال:
يا بنيّة لا تبكى: أرينى وضوءا. فتوضّأ ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه قالوا: هوذا. وأخفضوا أبصارهم، وسقطت رقابهم فى صدورهم، وعقروا فى مجالسهم، فلم يرفعوا إليه أبصارهم، ولم يقم منهم رجل، فأقبل رسول الله ﷺ حتى قام على رءوسهم، فأخذ
стр. 245
قبضة من تراب فحصيهم بها، وقال: شاهت الوجوه. فما أصاب رجلا منهم من ذلك الحصى (١) حصاة إلا قتل يوم بدر كافرا.
وقال العباس بن عبد المطلب: كنت يوما فى المسجد، فأقبل أبو جهل فقال: إنّ لله علىّ إن رأيت محمدا ساجدا أن أطأ رقبته.
فخرجت على (٢) رسول الله ﷺ حتى دخلت عليه وأخبرته بقول أبى جهل. فخرج غضبان حتى جاء المسجد وعجل أن يدخل من الباب فاقتحم الحائط، فقلت: هذا يوم شرّ، فاتّزرت ثم اتّبعته.
فدخل رسول الله ﷺ يقرأ ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ فلما بلغ شأن أبى جهل ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * * أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى﴾ (٣) قال إنسان لأبى جهل: هذا محمد. فقال أبو جهل: ألا ترون ما أرى؟ والله لقد سدّ أفق السماء علىّ. فلما بلغ النبىّ ﷺ إلى آخر السّورة سجد (٤).
وقال يوما أبو جهل: هل يعفّر محمد وجهه بين أظهركم؟! فقيل: نعم. فقال: واللات والعزّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته ولأعفّرنّ /وجهه فى التراب. فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلى ليطأ على رقبته فما علم به إلاّ وهو ينكص على عقبيه ويرجع إلى
стр. 246
خلفه ويتّقى بيده، فقيل له: ما لك؟ قال: رأيت بينى وبينه خندقا من نار وهولا، ورأيت ملائكة ذوى أجنحة. فقال رسول الله ﷺ : أما لو دنا منى لاختطفته الملائكة عضوا عضوا. وأنزل الله تعالى ﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * * أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى﴾ إلى قوله ﴿إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ يعنى أبا جهل ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ قومه ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ الملائكة (١).
ومرّ أبو جهل بالنبى ﷺ وهو يصلى فقال: ألم أنهك عن أن تصلى يا محمد؟! لقد علمت ما بها أحد أكثر ناديا منى. فانتهره النبى ﷺ ، فقال جبريل ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ * * سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب (٢).
قال عثمان بن عفان: كان رسول الله ﷺ يطوف بالبيت - ويده فى يد أبى بكر - وفى الحجر ثلاثة [نفر] (٣) جلوس: عقبة ابن أبى معيط، وأبو جهل، وأميّة بن خلف، فمرّ رسول الله ﷺ فلما حاذاهم أسمعوه بعض ما يكره؛ فعرف ذلك فى وجه رسول الله ﷺ ، فدنوت منه حتى وسطته، فكان بينى وبين أبى بكر، وأدخل أصابعه فى أصابعى حتى طفنا جميعا. فلما حاذاهم قالوا:
والله لا نصالحك ما بلّ بحر صوفة - وأنت تنهانا أن نعبد ما كان
стр. 247
يعبد آباؤنا. فقال لهم رسول الله ﷺ : أنا على ذلك. ثم مضى عنهم، فصنعوا به فى الشوط الثالث مثل ذلك، حتى إذا كان فى الشوط الرابع ناهضوه، ووثب أبو جهل يريد أن يأخذ بمجمع ثوبه، فدفعته فى صدره فوقع على استه، ودفع أبو بكر أميّة بن خلف، ودفع رسول الله ﷺ عقبة بن أبى معيط، ثم انفرجوا عن رسول الله ﷺ وهو واقف، ثم قال لهم: أما والله لا تنتهون حتى يحلّكم الله عذابه عاجلا. فو الله ما منهم رجل إلا وقد أخذه أفكل (١)، وهو يرتعد، فجعل رسول الله ﷺ يقول: بئس القوم أنتم لنبيّكم. ثم انصرف إلى بيته وتبعناه، فقال: أبشروا فإن الله مظهر دينه، ومتم كلمته، وناصر نبيه؛ إن هؤلاء الذين ترون ممن يذبح الله بأيديكم عاجلا. ثم انصرفنا إلى بيوتنا، فو الله لقد رأيتهم ذبحهم الله بأيدينا (٢).
وأتمرت قريش يوما وهم جلوس فى ظلّ الكعبة، ورسول الله ﷺ يصلى عند المقام/، فقام إليه عقبة بن أبى معيط فجعل رداءه فى عنقه ثم جذبه حتى وجب لركبتيه ساقطا، وتصايح الناس، فظنوا أنه مقتول، فأقبل أبو بكر يشتد حتى أخذ بضبعى رسول الله ﷺ من ورائه وهو يقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله. ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ ، فقام فصلّى؛ فلما قضى صلاته مرّ بهم وهم
стр. 248
جلوس فقال: يا معشر قريش أما والذى نفسى بيده ما أرسلت إليكم إلا بالذّبح وأشار بيده إلى حلقه. فأخذت القوم كلهم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طير واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاة (١) قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف أبا القاسم راشدا فو الله ما كنت جهولا.
ويقال: إن رسول الله ﷺ كان يوما بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبى معيط فأخذ بمنكب النبى ﷺ ولوى بثوبه فى عنقه فخنقه خنقا شديدا فاقتفى (٢) أبو بكر فأخذ بمنكبيه ودفعه عن رسول الله ﷺ ، وقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم (٣).
وقالت ابنة الحكم: قلت لجدّى الحكم ما رأيت قوما أعجز منكم ولا أسوأ رأيا يا بنى أميّة فى رسول الله ﷺ . قال: لا تلومينا يا بنيّة إنى لا أحدثك إلا ما رأيت بعينىّ هاتين، قلنا: والله لا نزال نسمع قريشا تعلى أصواتها على رسول الله ﷺ فى هذا المسجد:
تواعدوا له حتى تأخذوه. فتواعدنا فجئنا إليه لنأخذه، فسمعنا صوتا
стр. 249
ما ظننا أنه بقى جبل بتهامة إلا تفتّت، فغشى علينا فما عقلنا حتى قضى صلاته ورجع إلى أهله، ثم تواعدنا له ليلة أخرى، فلما جاء نهضنا إليه، فجاءت الصفا والمروة حتى التقت (١) إحداهما بالأخرى فحالتا بيننا وبينه، فو الله ما نفعنا ذلك حتى رزق الله الإسلام وأذن لنا فيه.
وقدم رجل من إراش يقال له كهل الأصغر بن عصام بن كهل الأكبر (٢) بإبل له مكّة، فابتاعها منه أبو جهل بن هشام، فمطله بأثمانها، وأقبل الإراشىّ حتى وقف على نادى قريش - ورسول الله ﷺ جالس فى ناحية المسجد - فقال: يا معشر قريش من رجل يعدينى (٣) على أبى الحكم بن هشام؟ فإنى رجل غريب وابن سبيل، وقد غلبنى علىّ حقّى؛ فإنه ابتاع منى/ظهرا فمطلنى بثمنه وحبسنى به حتى شقّ علىّ، فمن رجل يقوم معى فيأخذ لى حقى منه؟ فقال أهل المجلس: ترى ذلك الجالس؟ انطلق إليه يأخذ لك حقك - وهم يستهزئون به لما يعلمون ما بينه وبين أبى جهل من العداوة - فأقبل الإراشى حتى وقف على رسول الله ﷺ فقال: يا عبد الله. إن أبا
стр. 250
الحكم بن هشام قد غلبنى على حق لى قبله، وأنا غريب ابن سبيل، وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يعيننى عليه يأخذ لى حقى منه، فأشاروا إليك؛ فخذ لى حقى منه رحمك الله. قال: أنطلق إليه.
وقام رسول الله ﷺ معه، فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن كان معهم: اتبعه، وانظر ماذا يصنع. وخرج رسول الله ﷺ حتى جاء أبا جهل فضرب عليه بابه، فقال: من هذا؟ قال: محمد بن عبد الله، فاخرج إلىّ. ففتح الباب وخرج وما فى وجهه [من] (١) رائحة (٢) وقد انتقع لونه، فقال له: أعط هذا الرجل حقه. قال:
نعم. فقال: لست أبرح أو تعطيه حقه. قال: نعم لا تبرح حتى أعطيه حقه الذى له. فدخل البيت فخرج إليه بحقه فدفعه إليه. ثم انصرف رسول الله ﷺ ، وقال للإراشى: الحق بشأنك. فأقبل الإراشى حتى وقف على ذلك المجلس فقال: جزاه الله خيرا؛ فقد - والله - أخذ لى حقى بأيسر الأمور، ثم انصرف وجاء الذى بعثوه معه، فقالوا: ويحك ماذا رأيت؟ قال: رأيت عجبا من العجب؛ ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج إليه وما معه روحه، فقال: أعط هذا حقه قال: نعم لا تبرح حتى أخرج إليه حقه. فدخل فخرج إليه بحقه فأعطاه إياه. ثم لم يلبثوا أن جاء أبو جهل بن هشام فقالوا له: ويلك مالك، والله ما رأينا مثل ما صنعت، فو الله ما بعثنا الرجل إلى محمد إلاّ هازئين. فقال: ويحكم دعونى فو الله ما هو إلا أن